هل خرجت أسواق الأسهم من أوج الأزمة فنياً؟
طلال طوقان
بدأت الأنظار تتجه مجدداً نحو أسواق رأس المال الاماراتية وسط تحسن مستويات السيولة وارتداد مستويات الأسعار إيجاباً، وعليه نود أن نستعرض بعض النقاط التحليلية لمؤشر سوق دبي المالي بهدف الإجابة عن بعض الاستفسارات التي تدور حالياً في أذهان العديد من المتداولين والمستثمرين المهتمين بأوضاع الأسهم المدرجة.
قبل الخوض في جولة تفصيلية حول الأداء الفني، لا بد من التطرق إلى التطورات المالية الحاصلة على صعيد الشركات المدرجة في الأسواق الإماراتية لندرك مكاننا على خريطة تقييمات الأسهم والعوائد المتوقعة من التوزيعات النقدية. ونذكر بهذا الصدد أن الأرباح الكلية لـ 75 شركة مدرجة في عام 2011 بلغت حوالي 32.65 مليار درهم مقارنةً مع 16 مليار درهم لعام 2010، أي بمعدل نمو 103% تقريباً. ويعزى هذا النمو بطبيعة الحال إلى تعافي نتائج معظم الشركات الكبرى في القطاع العقاري والتي أخذت خلال الربع الرابع من عام 2010 مخصصات كبيرة لتخفيض قيم استثمارات عقارية كبدتها آنذاك خسائر فاقت 14 مليار درهم، بينما أظهرت قوائمها المجمعة صافي أرباح بقيمة 925 مليون درهم في الربع الرابع من عام 2011، هذا إلى جانب تحسن أنشطة المصارف وبعض القطاعات الحيوية الأخرى.
وتتمثل النقطة الرئيسية هنا بأن احصاءات مزودي البيانات والمحللين كانت تظهر تداول أسواق الإمارات بمكرر ربحية يتجاوز 15 مرة (قبل موجة الصعود الآخيرة!)، وذلك إثر ضم تلك الخسائر العقارية ومخصصات البنوك. في حين أنه عند تعديل النماذج المالية والاستثمارية بحيث تأخذ بعين الاعتبار أداء الشركات في الربع الرابع من العام المنقضي، ينخفض مكرر الربحية للأسواق ليتراوح حول 11.6 مرة (بدءاً من تاريخ 26 فبراير، أي بعد موجة الصعود) مقارنةً مع متوسط يفوق 14 مرة للأسواق االرئيسية العالمية ومعدل يتجاوز 13 مرة للأسواق المجاورة. وعند الأخذ بعين الاعتبار متوسط الأرباح المتوقعة لعام 2012، ينخفض مكرر الربحية ليتراوح حول معدل 7.7 مرة.
وعلاوةً على ذلك، ومع ارتفاع رصيد الأرباح المحتجزة لدى الشركات، أي ارتفاع حقوق المساهمين، يتراوح مضاعف القيمة السوقية إلى القيمة الدفترية للشركات المدرجة حول مرة واحدة، وهي نسبة منخفضة جداً بالمقارنة مع كافة أسواق رأس المال الأخرى عدا تلك التي تجابه مخاطر الإفلاس وفشل السداد في أوروبا. كما يتجاوز معدل العائد المتولد من التوزيعات النقدية للأسهم الإماراتية ما نسبته 5%، ونترك هنا التحليل للقارئ بمقارنة العوائد المتوقعة مقارنة مع الأصوال المالية الأخرى والودائع النقدية. وتكمن أهمية مستويات الثقة بمدى اهتمام المستثمرين لإعادة استثمار جزء من التوزيعات النقدية في أسواق الأسهم مقارنة مع الخيارات الاستثمارية والإدخارية الأخرى.
هل تمثل هذه التطورات إلى جانب موجة الصعود الأخيرة محور الخروج من الأزمة؟
من منظور مالي واستثماري، لا يمكن أن نجزم بدخول أسواق الأسهم مرحلة طويلة من الانتعاش، إلا أن بوادر التعافي باتت واضحة ومؤكدة في ظل وجود بعض التحديات الاقتصادية المرتقبة، يتصدرها اقتراب مواعيد الاستحقاق لديون كبيرة على بعض الشركات التابعة لحكومة دبي، إضافة إلى مخاطر فجوة التوزيعات النقدية التي تؤثر عادةً سلباً على الأسعار خلال الربع الثاني من كل عام إثر انخفاض قيمة أصول الشركات وغيرها من معيقات الاستثمار ناهيك عن الفجوة الافتصادية المزمنة بين قوى العرض والطلب في بعض القطاعات خصوصاً العقاري.
وتبقى الانتقائية هي العنصر الأساسي لتحقيق العوائد، حيث تمثل عادةً المراحل المبكرة من التعافي الاقتصادي أفضل فرص للاستثمار بأسهم الشركات وتحقيق عوائد مجزية.
وعودةً إلى بعض النواحي الفنية:
أولاً: أين نقف حالياً من الدورة السعرية للمؤشر؟
بدأت موجة التصحيح لمؤشر سوق دبي بتاريخ 17 يناير، حيث ارتفع حتى تاريخ 26 من فبراير بنسبة تفوق 29.5% أو 382 نقطة على مدار 41 يوم ليعوض بذلك حوالي 96% من موجة الهبوط الأخيرة والتي امتدت منذ نهايات شهر نيسان من العام الماضي وحتى 16 يناير من العام الحالي، حيث فقد خلال 271 يوم ما نسبته 23.5% أو 397.5 نقطة. وسوف نتطرق إلى الغرض من استعراض هذه الأرقام ضمن أجوبة الأسئلة التالية، ولكن نود التأكيد هنا على أن هذا الارتداد قد أدى من الناحية الفنية إلى تجاوز مرحلة تصحيح إعتيادية وإعادة بناء قواعد سعرية والدخول في مرحلة مبكرة من اتجاه صعودي على المدى متوسط الأجل ما لم تطرأ أي تغيرات مفاجئة على الصعيد المالي أو الاقتصادي، وهذا بالطبع لا يمنع من تعرض الأسهم قريباً لموجات قوية نسبياً من الاختبارات السعرية لجني الأرباح وبناء قواعد سعرية جديدة.
ما هي الأسباب التقنية والنفسية التي أدت إلى خروج المؤشر من القناة السعرية الهابطة لأول مرة منذ عامين بعد تخطي مستوى 1552 نقطة؟
لتوضيح المبررات الفنية، يجب التطرق إلى بعض الزواية الرقمية من خلال تتبع معطيات الجدوليين التاليين:
1- موجات الهبوط الرئيسية منذ عام 2010: تعرف موجة الهبوط هنا بالمسافة السعرية ما بين أعلى مستوى وصل إليه المؤشر قبل بدء الانخفاض وحتى أدنى مستوى له قبل بدء موجة تصحيح رئيسية.
موجات الهبوط الرئيسية تاريخ البداية أعلى مستوى تاريخ النهاية أدنى مستوى التغير % عدد الأيام 1 28-Mar-10 1887.21 1-Jul-10 1456.06 -431.15 -22.8% 95 2 31-Oct-10 1793.1 3-Mar-11 1338.56 -454.54 -25.3% 123 3 20-Apr-11 1691.64 16-Jan-12 1294.1 -397.54 -23.5% 271
2- موجات التصحيح الرئيسية: تعرف موجة التصحيح هنا بالمسافة السعرية ما بين أدنى مستوى وصل إليه المؤشر قبل بدء الارتداد وحتى أعلى مستوى يسجله قبل معاودة الهبوط
موجات التصحيح الرئيسية تاريخ البداية أدنى مستوى تاريخ النهاية أعلى مستوى التغير % عدد الأيام نسبة الارتداد 1 1-Jul-10 1456.06 31-Oct-10 1793.1 337.04 23.1% 122 78.2% 2 3-Mar-11 1338.56 20-Apr-11 1691.64 353.08 26.4% 48 77.7% 3 16-Jan-12 1294.1 26-Feb-12 1676.49 382.39 29.5% 41 96.2%
وبهدف الإجابة عن السؤال، تجدر الإشارة بدايةً إلى أن التحليل الفني السليم لا يتضمن رصد الحواجز النفسية ونقاط الاختراق فقط، بل يمتد ليشمل التماس نهج التغير في سلوك المتداولين ومستويات الثقة التي تمثل القوة الرئيسية لتحديد المسارات السعرية، حيث تتغير توجهات أسواق الأسهم فنياً إما بسبب التغير في حجم حركة التصحيح أو نتيجةً لتسارع وتيرة التصحيح (ميل المنحنى) بشكل يدفع بالمتداولين إلى التفاؤل تدريجياً، وهذا بالطبع لا يحدث إلا من خلال توفر محفزات مالية واقتصادية منطقية أو مضاربات قصيرة الأجل تستند إلى توفر السيولة.
وعند تتبع الأرقام في الجداول أعلاه، نلاحظ بأن موجات الهبوط الثلاث الرئيسية في عامي 2010 و2011 قد أسفرت عن تراجعات بمعدلات متقاربة تتراوح ما بين (22-25)% أي بمتوسط انخفاض 400 نقطة لكل موجة، ولكن يكمن هنا وجه الاختلاف في حدة الهبوط، حيث بلغت فترة هبوط الموجة الأولى حوالي 95 يوم بينما بلغت للثانية 123 يوم وللأخيرة 271 يوم! أي أن حدة الهبوط كانت أقل وتيرةً على الرغم من كونها أقسى على معنويات المتداولين وأكثر إسهاماً في خلق حالة من الإحباط وتردي المعنويات وسط تراجع أحجام التداول. ومن جهةٍ أخرى، نلاحظ أن موجات التصحيح البينية قد اتخذت نهجاً معكساً، حيث احتاج السوق بعد موجة الهبوط الأولى إلى فترة 122 يوم كي يسترد 78% من خسائره قبل معاودة الهبوط ثانية، بينما استغرقت موجة التصحيح الثانية حوالي 48 يوماً لتسترد أيضاً 78% من خسائر المؤشر، مع العلم بأن مكاسب الموجتين تقريباً متساوية وبمعدل 340 نقطة لكل منها ولكن لم تتمكن من دفع المؤشر للخروج من القناة السعرية الهابطة. أما موجة التصحيح التي نشهدها منذ منتصف شهر يناير، فقد تمكنت من تحقيق نفس مكاسب الموجتين في 37 يوم، بل امتدت لتخرج من دوامة الهبوط وليسجل بذلك المؤشر حتى نهاية 26 فبراير مكاسب فاقت 382 نقطة على مدار 41 يوماً فقط لأول مرة منذ عامين ومسترداً أكثر من 96% من خسارة أطول موجة هبوط. أي أن السبب الرئيسي قد تمثل بسرعة التعافي وحدة الصعود التي أثمرت عن تحسن كان ملموساً أكثر بالمقارنة مع الموجات التصحيحية السابقة وليقود المؤشر لتسجيل مكاسب إضافية.
ثانياً: ما الذي يجعل موجة التصحيح الأخيرة مختلفةً؟
يعتبر السلوك السعري الذي تم وصفه في الجداول أعلاه في مجال التحليل النفسي للتداول بمثابة محفزات معنوية تسهم عادةً في تغير سلوك المتداولين ونظرتهم الفنية وأيضاً مستوى تقبلهم للمخاطر. وبشكل مبسط، تؤدي المسارات الهابطة عادةً في الأسواق المالية، وخاصةً التي لا تتعامل بآليات البيع على المكشوف (Short-Selling) أو المشتقات المالية، إلى اتخاذ سلوك التداول مساراً معنوياً يتطور تدريجياً من حالة تخوف وتردد إلى حالة من الندم ومن ثم الأرق مع استمرار الهبوط، أما موجات التصحيح فتخلق مساراً متحولاً يبدأ ببث نوع من الأمل ليتطور تدريجياً إلى حالة من التطلع والطموح في حال اختراق بعض المستويات النفسية ولتستمر بالتأقلم إلى مرحلة متقدمة من الارتفاعات يكسوها الطمع والمغالاة في التفاؤل.
ولم تتمكن أية مرحلة من المرحلتين الأولى والثانية في عامي 2010 و2011 من نقل مستويات الثقة إلا إلى مراحل مبكرة من الأمل، بينما أصبح الوضع نوعاً ما مختلفاً في الموجة الأخيرة والتي باتت فنياً تظهر الدخول في مرحلة مبكرة من التطلع استناداً على متغيرات مالية واقتصادية تشكل محفزات رئيسية لتوجهات الأسهم، نذكر منها:
- ارتفاع معدلات التوزيعات النقدية بشكل لافت، خاصةً في قطاعي البنوك والعقارات، وتحقيق عوائد نقدية تتجاوز بالمعدل 5% من قيمة الاستثمار السوقية
- تحسن نتائج الشركات السنوية بشكل يبرر مستويات سعرية تفوق تلك السائدة بنهاية عام 2011
- تدني مستويات العوائد على معظم الأصوال المالية الأخرى إلى جانب الدخول في مرحلة جديدة في الدورة الاقتصادية على صعيد محلي وإقليمي إلى جانب تبني دول كبرى كالصين واليابان لسياسات اقتصادية توسعية من شأنها أن ترفع مستويات عرض النقد دولياً
- دعم حكومي مباشر وغير مباشر لبعض الشركات المدرجة ولبيئة الاستثمار المالي والاقتصادي بشكل عام
- محفزات إيجابية متوقعة خلال العام الحالي نذكر منها: تطبيق البيع على المكشوف وتفعيل دور صانع السوق وأثر صناديق الدعم الحكومية للقطاع العقاري وسداد بعض القروض الشخصية المتعثرة، وغيرها
- تحسن مستويات السيولة لدى الجهاز المصرفي ونمو عرض النقد وارتفاع أحجام التداول في الأسواق المالية
ثالثاً: ما هي التنويهات الرئيسية التي يجب الالتفات اليها على المدى القصير؟
كما ذكرناً سلفاً، لاتزال مستويات الثقة تخوض مرحلة مبكرة من التعافي ويبقى الدخول في مرحلة مبكرة من التطلع والتفاؤل عرضةً لأي تغيرات سلبية، وتجدر الإشارة إلى أن المؤشرات الرئيسية قد تخطت أهم الحواجز النفسية ومستويات المقاومة، خاصةً بعد تجاوز منطقة (1598 – 1614) نقطة والتي أظهرت حافزاً متجدداً لانضمام شرائح جديدة من المتداولين وإعادة تقييم أهدافهم السعرية إلى جانب اندلاع موجة متجددة من المضاربات التي استهدفت أسهماً متوسطة وصغيرة الحجم. ومن المحتمل أن تجابه الأسهم موجة قوية من التصحيح في الفترة المقبلة قبل معاودة الصعود كمرحلة من الاختبارات السعرية، حيث تمثل النقاط التالية محاور هامة للمتابعة:
1- ارتداد مؤشر السوق إيجاباً بعد اختبار منطقة (1595 – 1614) نقطة
2- قدرة المؤشر على اختراق حاجز 1690 نقطة واستهداف مستويات تقارب 1800 نقطة
شركة الرمز للأوراق المالية
قسم الأبحاث المالية
بدأت الأنظار تتجه مجدداً نحو أسواق رأس المال الاماراتية وسط تحسن مستويات السيولة وارتداد مستويات الأسعار إيجاباً، وعليه نود أن نستعرض بعض النقاط التحليلية لمؤشر سوق دبي المالي بهدف الإجابة عن بعض الاستفسارات التي تدور حالياً في أذهان العديد من المتداولين والمستثمرين المهتمين بأوضاع الأسهم المدرجة.
قبل الخوض في جولة تفصيلية حول الأداء الفني، لا بد من التطرق إلى التطورات المالية الحاصلة على صعيد الشركات المدرجة في الأسواق الإماراتية لندرك مكاننا على خريطة تقييمات الأسهم والعوائد المتوقعة من التوزيعات النقدية. ونذكر بهذا الصدد أن الأرباح الكلية لـ 75 شركة مدرجة في عام 2011 بلغت حوالي 32.65 مليار درهم مقارنةً مع 16 مليار درهم لعام 2010، أي بمعدل نمو 103% تقريباً. ويعزى هذا النمو بطبيعة الحال إلى تعافي نتائج معظم الشركات الكبرى في القطاع العقاري والتي أخذت خلال الربع الرابع من عام 2010 مخصصات كبيرة لتخفيض قيم استثمارات عقارية كبدتها آنذاك خسائر فاقت 14 مليار درهم، بينما أظهرت قوائمها المجمعة صافي أرباح بقيمة 925 مليون درهم في الربع الرابع من عام 2011، هذا إلى جانب تحسن أنشطة المصارف وبعض القطاعات الحيوية الأخرى.
وتتمثل النقطة الرئيسية هنا بأن احصاءات مزودي البيانات والمحللين كانت تظهر تداول أسواق الإمارات بمكرر ربحية يتجاوز 15 مرة (قبل موجة الصعود الآخيرة!)، وذلك إثر ضم تلك الخسائر العقارية ومخصصات البنوك. في حين أنه عند تعديل النماذج المالية والاستثمارية بحيث تأخذ بعين الاعتبار أداء الشركات في الربع الرابع من العام المنقضي، ينخفض مكرر الربحية للأسواق ليتراوح حول 11.6 مرة (بدءاً من تاريخ 26 فبراير، أي بعد موجة الصعود) مقارنةً مع متوسط يفوق 14 مرة للأسواق االرئيسية العالمية ومعدل يتجاوز 13 مرة للأسواق المجاورة. وعند الأخذ بعين الاعتبار متوسط الأرباح المتوقعة لعام 2012، ينخفض مكرر الربحية ليتراوح حول معدل 7.7 مرة.
وعلاوةً على ذلك، ومع ارتفاع رصيد الأرباح المحتجزة لدى الشركات، أي ارتفاع حقوق المساهمين، يتراوح مضاعف القيمة السوقية إلى القيمة الدفترية للشركات المدرجة حول مرة واحدة، وهي نسبة منخفضة جداً بالمقارنة مع كافة أسواق رأس المال الأخرى عدا تلك التي تجابه مخاطر الإفلاس وفشل السداد في أوروبا. كما يتجاوز معدل العائد المتولد من التوزيعات النقدية للأسهم الإماراتية ما نسبته 5%، ونترك هنا التحليل للقارئ بمقارنة العوائد المتوقعة مقارنة مع الأصوال المالية الأخرى والودائع النقدية. وتكمن أهمية مستويات الثقة بمدى اهتمام المستثمرين لإعادة استثمار جزء من التوزيعات النقدية في أسواق الأسهم مقارنة مع الخيارات الاستثمارية والإدخارية الأخرى.
هل تمثل هذه التطورات إلى جانب موجة الصعود الأخيرة محور الخروج من الأزمة؟
من منظور مالي واستثماري، لا يمكن أن نجزم بدخول أسواق الأسهم مرحلة طويلة من الانتعاش، إلا أن بوادر التعافي باتت واضحة ومؤكدة في ظل وجود بعض التحديات الاقتصادية المرتقبة، يتصدرها اقتراب مواعيد الاستحقاق لديون كبيرة على بعض الشركات التابعة لحكومة دبي، إضافة إلى مخاطر فجوة التوزيعات النقدية التي تؤثر عادةً سلباً على الأسعار خلال الربع الثاني من كل عام إثر انخفاض قيمة أصول الشركات وغيرها من معيقات الاستثمار ناهيك عن الفجوة الافتصادية المزمنة بين قوى العرض والطلب في بعض القطاعات خصوصاً العقاري.
وتبقى الانتقائية هي العنصر الأساسي لتحقيق العوائد، حيث تمثل عادةً المراحل المبكرة من التعافي الاقتصادي أفضل فرص للاستثمار بأسهم الشركات وتحقيق عوائد مجزية.
وعودةً إلى بعض النواحي الفنية:
أولاً: أين نقف حالياً من الدورة السعرية للمؤشر؟
بدأت موجة التصحيح لمؤشر سوق دبي بتاريخ 17 يناير، حيث ارتفع حتى تاريخ 26 من فبراير بنسبة تفوق 29.5% أو 382 نقطة على مدار 41 يوم ليعوض بذلك حوالي 96% من موجة الهبوط الأخيرة والتي امتدت منذ نهايات شهر نيسان من العام الماضي وحتى 16 يناير من العام الحالي، حيث فقد خلال 271 يوم ما نسبته 23.5% أو 397.5 نقطة. وسوف نتطرق إلى الغرض من استعراض هذه الأرقام ضمن أجوبة الأسئلة التالية، ولكن نود التأكيد هنا على أن هذا الارتداد قد أدى من الناحية الفنية إلى تجاوز مرحلة تصحيح إعتيادية وإعادة بناء قواعد سعرية والدخول في مرحلة مبكرة من اتجاه صعودي على المدى متوسط الأجل ما لم تطرأ أي تغيرات مفاجئة على الصعيد المالي أو الاقتصادي، وهذا بالطبع لا يمنع من تعرض الأسهم قريباً لموجات قوية نسبياً من الاختبارات السعرية لجني الأرباح وبناء قواعد سعرية جديدة.
ما هي الأسباب التقنية والنفسية التي أدت إلى خروج المؤشر من القناة السعرية الهابطة لأول مرة منذ عامين بعد تخطي مستوى 1552 نقطة؟
لتوضيح المبررات الفنية، يجب التطرق إلى بعض الزواية الرقمية من خلال تتبع معطيات الجدوليين التاليين:
1- موجات الهبوط الرئيسية منذ عام 2010: تعرف موجة الهبوط هنا بالمسافة السعرية ما بين أعلى مستوى وصل إليه المؤشر قبل بدء الانخفاض وحتى أدنى مستوى له قبل بدء موجة تصحيح رئيسية.
موجات الهبوط الرئيسية تاريخ البداية أعلى مستوى تاريخ النهاية أدنى مستوى التغير % عدد الأيام 1 28-Mar-10 1887.21 1-Jul-10 1456.06 -431.15 -22.8% 95 2 31-Oct-10 1793.1 3-Mar-11 1338.56 -454.54 -25.3% 123 3 20-Apr-11 1691.64 16-Jan-12 1294.1 -397.54 -23.5% 271
2- موجات التصحيح الرئيسية: تعرف موجة التصحيح هنا بالمسافة السعرية ما بين أدنى مستوى وصل إليه المؤشر قبل بدء الارتداد وحتى أعلى مستوى يسجله قبل معاودة الهبوط
موجات التصحيح الرئيسية تاريخ البداية أدنى مستوى تاريخ النهاية أعلى مستوى التغير % عدد الأيام نسبة الارتداد 1 1-Jul-10 1456.06 31-Oct-10 1793.1 337.04 23.1% 122 78.2% 2 3-Mar-11 1338.56 20-Apr-11 1691.64 353.08 26.4% 48 77.7% 3 16-Jan-12 1294.1 26-Feb-12 1676.49 382.39 29.5% 41 96.2%
وبهدف الإجابة عن السؤال، تجدر الإشارة بدايةً إلى أن التحليل الفني السليم لا يتضمن رصد الحواجز النفسية ونقاط الاختراق فقط، بل يمتد ليشمل التماس نهج التغير في سلوك المتداولين ومستويات الثقة التي تمثل القوة الرئيسية لتحديد المسارات السعرية، حيث تتغير توجهات أسواق الأسهم فنياً إما بسبب التغير في حجم حركة التصحيح أو نتيجةً لتسارع وتيرة التصحيح (ميل المنحنى) بشكل يدفع بالمتداولين إلى التفاؤل تدريجياً، وهذا بالطبع لا يحدث إلا من خلال توفر محفزات مالية واقتصادية منطقية أو مضاربات قصيرة الأجل تستند إلى توفر السيولة.
وعند تتبع الأرقام في الجداول أعلاه، نلاحظ بأن موجات الهبوط الثلاث الرئيسية في عامي 2010 و2011 قد أسفرت عن تراجعات بمعدلات متقاربة تتراوح ما بين (22-25)% أي بمتوسط انخفاض 400 نقطة لكل موجة، ولكن يكمن هنا وجه الاختلاف في حدة الهبوط، حيث بلغت فترة هبوط الموجة الأولى حوالي 95 يوم بينما بلغت للثانية 123 يوم وللأخيرة 271 يوم! أي أن حدة الهبوط كانت أقل وتيرةً على الرغم من كونها أقسى على معنويات المتداولين وأكثر إسهاماً في خلق حالة من الإحباط وتردي المعنويات وسط تراجع أحجام التداول. ومن جهةٍ أخرى، نلاحظ أن موجات التصحيح البينية قد اتخذت نهجاً معكساً، حيث احتاج السوق بعد موجة الهبوط الأولى إلى فترة 122 يوم كي يسترد 78% من خسائره قبل معاودة الهبوط ثانية، بينما استغرقت موجة التصحيح الثانية حوالي 48 يوماً لتسترد أيضاً 78% من خسائر المؤشر، مع العلم بأن مكاسب الموجتين تقريباً متساوية وبمعدل 340 نقطة لكل منها ولكن لم تتمكن من دفع المؤشر للخروج من القناة السعرية الهابطة. أما موجة التصحيح التي نشهدها منذ منتصف شهر يناير، فقد تمكنت من تحقيق نفس مكاسب الموجتين في 37 يوم، بل امتدت لتخرج من دوامة الهبوط وليسجل بذلك المؤشر حتى نهاية 26 فبراير مكاسب فاقت 382 نقطة على مدار 41 يوماً فقط لأول مرة منذ عامين ومسترداً أكثر من 96% من خسارة أطول موجة هبوط. أي أن السبب الرئيسي قد تمثل بسرعة التعافي وحدة الصعود التي أثمرت عن تحسن كان ملموساً أكثر بالمقارنة مع الموجات التصحيحية السابقة وليقود المؤشر لتسجيل مكاسب إضافية.
ثانياً: ما الذي يجعل موجة التصحيح الأخيرة مختلفةً؟
يعتبر السلوك السعري الذي تم وصفه في الجداول أعلاه في مجال التحليل النفسي للتداول بمثابة محفزات معنوية تسهم عادةً في تغير سلوك المتداولين ونظرتهم الفنية وأيضاً مستوى تقبلهم للمخاطر. وبشكل مبسط، تؤدي المسارات الهابطة عادةً في الأسواق المالية، وخاصةً التي لا تتعامل بآليات البيع على المكشوف (Short-Selling) أو المشتقات المالية، إلى اتخاذ سلوك التداول مساراً معنوياً يتطور تدريجياً من حالة تخوف وتردد إلى حالة من الندم ومن ثم الأرق مع استمرار الهبوط، أما موجات التصحيح فتخلق مساراً متحولاً يبدأ ببث نوع من الأمل ليتطور تدريجياً إلى حالة من التطلع والطموح في حال اختراق بعض المستويات النفسية ولتستمر بالتأقلم إلى مرحلة متقدمة من الارتفاعات يكسوها الطمع والمغالاة في التفاؤل.
ولم تتمكن أية مرحلة من المرحلتين الأولى والثانية في عامي 2010 و2011 من نقل مستويات الثقة إلا إلى مراحل مبكرة من الأمل، بينما أصبح الوضع نوعاً ما مختلفاً في الموجة الأخيرة والتي باتت فنياً تظهر الدخول في مرحلة مبكرة من التطلع استناداً على متغيرات مالية واقتصادية تشكل محفزات رئيسية لتوجهات الأسهم، نذكر منها:
- ارتفاع معدلات التوزيعات النقدية بشكل لافت، خاصةً في قطاعي البنوك والعقارات، وتحقيق عوائد نقدية تتجاوز بالمعدل 5% من قيمة الاستثمار السوقية
- تحسن نتائج الشركات السنوية بشكل يبرر مستويات سعرية تفوق تلك السائدة بنهاية عام 2011
- تدني مستويات العوائد على معظم الأصوال المالية الأخرى إلى جانب الدخول في مرحلة جديدة في الدورة الاقتصادية على صعيد محلي وإقليمي إلى جانب تبني دول كبرى كالصين واليابان لسياسات اقتصادية توسعية من شأنها أن ترفع مستويات عرض النقد دولياً
- دعم حكومي مباشر وغير مباشر لبعض الشركات المدرجة ولبيئة الاستثمار المالي والاقتصادي بشكل عام
- محفزات إيجابية متوقعة خلال العام الحالي نذكر منها: تطبيق البيع على المكشوف وتفعيل دور صانع السوق وأثر صناديق الدعم الحكومية للقطاع العقاري وسداد بعض القروض الشخصية المتعثرة، وغيرها
- تحسن مستويات السيولة لدى الجهاز المصرفي ونمو عرض النقد وارتفاع أحجام التداول في الأسواق المالية
ثالثاً: ما هي التنويهات الرئيسية التي يجب الالتفات اليها على المدى القصير؟
كما ذكرناً سلفاً، لاتزال مستويات الثقة تخوض مرحلة مبكرة من التعافي ويبقى الدخول في مرحلة مبكرة من التطلع والتفاؤل عرضةً لأي تغيرات سلبية، وتجدر الإشارة إلى أن المؤشرات الرئيسية قد تخطت أهم الحواجز النفسية ومستويات المقاومة، خاصةً بعد تجاوز منطقة (1598 – 1614) نقطة والتي أظهرت حافزاً متجدداً لانضمام شرائح جديدة من المتداولين وإعادة تقييم أهدافهم السعرية إلى جانب اندلاع موجة متجددة من المضاربات التي استهدفت أسهماً متوسطة وصغيرة الحجم. ومن المحتمل أن تجابه الأسهم موجة قوية من التصحيح في الفترة المقبلة قبل معاودة الصعود كمرحلة من الاختبارات السعرية، حيث تمثل النقاط التالية محاور هامة للمتابعة:
1- ارتداد مؤشر السوق إيجاباً بعد اختبار منطقة (1595 – 1614) نقطة
2- قدرة المؤشر على اختراق حاجز 1690 نقطة واستهداف مستويات تقارب 1800 نقطة
شركة الرمز للأوراق المالية
قسم الأبحاث المالية

التعليقات