الاسير المحرر المناضل علي مهنا يروي صفحات مشرقة من تاريخ الحركة الاسيرة وتضحيات رموزها.
غزة - دنيا الوطن
هي السابقة في تاريخ الحركة الاسيرة الفلسطينية بل في تاريخ حركات التحرر العالمية قاطبة وباكثر من مقياس وهو الانجاز الواضح بامتياز الذي حققه الاسير المناضل خضر عدنان باضرابه الفردي عن الطعام ستة وستين يوماً، الذي توج بانتصار الارادة والكرامة الانسانية على الانظمة البائدة لما يسمى بالاعتقال الاداري وغيره من الاجراءات اللانسانية . وهو انتصار حققه الاسير خضر ليس لنفسه فحسب، بل لكل الاسرى ولك ابناء شعبه الذين تضامنوا معه طوال مسيرة الالم والمعاناة. ليشكل ذلك خطوة اخرى نوعية وهامة في مواجهة الانتهاكات الاسرائيلية الفظة للقانون الدولي وفي هز الاسس الهشة التي تستند اليها الدولة التي تدعي الديمقراطية في تبريرها للاعتقالات العشوائية واحتجاز اسرى دون اتهام او محاكمة استنادا الى انظمة استعمار عفا عليه الزمن. وليشكل هذا الانجاز تذكيرا جديدا لكل اولئك الذين اعتقدوا ان الاف الاسرى يمكن ان تطوي قضيتهم او تطمس ليخرج احدهم فيثبت ان ارادة الاسير الفلسطيني هي الاقوى وان معادلة معركة الامعاء الخاوية بكل ما تنطوي عليه من الام وما ثبته من قوة دفاع مشروع في مواجهة جبروت السجان وسياسته ، انما هي معادلة حية وقائمة وقادرة على تحقيق الانجاز.
من جانب آخر يستمر مركز ابو جهاد في توثيق تجارب الاسرى ، ويستكمل السيرة النضالية للاسير المحرر علي مهنا من خلال الحلقة الثانية ، والتي يتطرق فيها الى التذكير ببعض كوادر الحركة الاسيرة ،كما يذكر اهم محطاته في سجون الاحتلال .
رجال لا تطويهم الذاكرة الأخ المناضل عدنان محمدية .
لا أدري أن كنت سأوفي هذا المناضل حقه في الوصف، والتعريف به لأبناء شعبنا،الذين لا يعرفونه إطلاقاً، فأمثال عدنان ابو محمدية تضيق بهم المجلدات على سعتها، لأن عدنان كان وسيبقى كالطود العظيم، ولن تنال منه عوامل النسيان والضياع،كما هو حال الجبال الشاهقة التي لن تغير من حقيقتها، وديمومة وجودها عوامل التعرية،ولا تضمحل او تتحول الى حفنةً من تراب وحصى، وتبقى عصية على أن تحيط بها أو تقارب قممها قامات الأقزام، وأحيل المهتمين بالتعرف على هذا النموذج من جيل العمالقة إلى من تبقى من الرعيل الأول لمسيرة الأسر،وسنواتها العجاف الأول.
وباختصار،فأن عدنان أبو محمدية،ومثله في ذلك مثل الكثيرين،قد أمضى سنوات رجولته ما بين القواعد والمعارك والأسر،وكان طوالها نموذجا للإنتماء الصادق والبساطة والقوة،وعندما نال حريته عام 1985،عاش معدما ومريضا حتى لبى نداء ربه قبل أشهر،دون أن يسمع بموته احد، كما لم يعرف ببطولاته إلا القليلين،وعاش على هامش المسيرة،ومات على هامشها أيضا .
بحياته ومماته،مثل عدنان ظاهرة من ظواهر مسيرتنا بسلبها وإيجابها،وأثار الكثير من علامات الاستفهام وأصابع الاتهام، فالإنتماء لديه كان عبارة عن حالة عشق صاخبة ومدوية، لكنها وللأسف كانت من جانب واحد،فالعشق لا يكون منتجاً إذا كان على هذه الشاكلة،والوطن مطالب بمبادلة من ينتمون إليه، القدر ذاته من الإنتماء والولاء،وحبهم بذات القدر من الشغف والإخلاص،أما أن يأخذ الوطن من أبنائه دون أن يمنحهم أي شيء ،ومن ثم يشيح بوجهه عنهم عندما يداهمهم الكبر والمرض والعوز، فهذا لا يمكن تصنيفه تحت باب الانتماء ، بل هو الأنانية والخذلان بعينه .
ويضيف مهنا ، على مدى مسيرتنا النضالية،كان هنالك آلاف من أمثال عدنان، قدموا جل ما يملكون من اجل الفوز بمكان ما لهم فوق يابسة الوطن، تقيهم برد الشتاء وحر الهجير،لكنهم لم يحصلوا على كلمة شكر وافية، ومن هؤلاء من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر في ظل المراحل،حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع،ونهشتهم أنياب ومخالب الفقر والمرض، وطوعهم البعاد عن الديار حتى الموت،لكن بصمت وعزة نفس لا تبارى، لو كان هؤلاء جنوداً في تجربة أخرى لنحتت لهم التماثيل وشيدت النصب التذكارية لهم، وسطرت سيرتهم في كتب المدارس، أما نحن فتركناهم يلاقون حتفهم لوحدهم على قارعة الطريق،ولم نفيهم حقهم،ولم نتجشم عناء حفظ أسمائهم حتى في ذاكرة الأجيال، وقائمة هؤلاء المنسين طويلة وطويلة جدا .
وهنا لا أريد أن أتحدث عن الأحياء، بل عن الشهداء، وأريد أن أسأل، من يعرف من أبناء الشبيبة والناشئة الجدد أي شيء عن الشهيد عبد القادر أبو الفحم وعن الشهيد راسم حلاوة والشهيد علي الجعفري ؟؟ ، ومن استمع إلى ملحمة أبي سنارة وخالد الأطرش وبدران وعاطف أبو عكر وخالد الديك ؟؟ كم منا سمع عن أم خضر قنداح، وأم عمر البرغوثي، وأم احمد أبو هدبة، اللواتي قدمن أكثر بكثير من أم مكسيم غوركي ؟؟ .
لماذا تجاهلنا أهمية تخليد أبطالنا وبطولاتنا ؟؟ وهل هي مجرد صدفة أم ضرورة،أن يسدل الستار على هذا الكم من النجوم التي أنارت ظلمة الدروب على مدى عقود ؟؟ .
قال لي صديق ساخر ذات يوم، بأننا نعمل فلسطينياً وفقاً لنظرية الطرد المركزي، حيث يقذف بالعناصر الثقيلة إلى المدارات الخارجية، في حين تبقى العناصر الخفيفة في المركز،ولكن الأمر جد جلل، والمقام يستفز الدمع من مآقي الرجال، ولا يحتمل السخرية، فكيف نسمح بإلحاق مثل هذه المهانة بتاريخنا ورموزه ؟؟ .
لست أدري لماذا تقفز الى سطح ذاكرتي، قصة الكاتب الجزائري المشهور الطاهر وطار ( الشهداء يعودون بعد أسبوع ) ولماذا يلح علي في هذه أللحطة هذا السؤال، ماذا لو عاد الشهداء فعلا ؟؟ هل سنستطيع تحمل نظراتهم، التي يقطر منا اللوم والاتهام ؟؟ وكيف سنبرر لهم غدرنا لهم، وتنكرنا لأسمائهم، ومتاجرتنا بدمائهم ؟؟ .
في رائعته الثانية ( اللاز )، يقول الطاهر وطار أيضا " عندما تصبح الثورة شرفاً وأوسمة،يتراكض إليها كل المتخلفين "، وأنا أقول لا نعارض في أن " يتعربش " هذا الكم من المتخلفين بقطار الثورة، ولكننا لا نقبل بان يقوم هؤلاء برمي أوائل الركاب من نوافذ القطار،واحتلال مقاعدهم ، والسطو على أمتعتهم .
يا أخي وصديقي العزيز عدنان ابو محمدية،لم نجد في معاجم اللغة كلمات قادرة على حمل اعتذارنا إليك ولرفاقك،ولا نسألك العفو والمغفرة،لأننا نعلم بأننا لا نستحقها،فذنبنا أكبر من إمكانات الصفح،ورجاؤنا الوحيد أن تبقى صورة الوطن الجميلة التي رسمتها له،كما كانت،عندما أغمضت عليها عينيك للمرة الأخيرة،وعزاؤنا الوحيد،إننا على ثقة بأنك ،وكعادتك استقبلت الموت برجولة ، وبكلماتك الساخرة المعهودة " عادي يا بن عمي " .
الأخ احمد الفيتوري ( ابو سناره ) .
ويروي مهنا ايضا سيرة المناضل أبو سناره وأسمه الأصلي ( أحمد الفيتوري ) والذي كان احد أهم معالم سجن عسقلان بالإضافة الى شجرة النخيل الوحيدة والموجودة في ساحة المعتقل،وقد شكلا معاً معلماً واحداً من معالم سجن عسقلان،ولا يمكن لأي ممن خبر عسقلان،أن يروي تجربة سجن عسقلان العميقة والعظيمة، دون أن يذكر العلاقة الأثيرة بين أبو سناره وتلك ألنخلة.
لا أحد يعرف حقيقة وسر تلك العلاقة بين الإنسان والشجر، فالبعض قال بأنه لربما تعود هذه العلاقة الى نشأة تلك الشجرة في العام الذي دخل فيه ابو سناره ذاك السجن الرهيب، وهو من تولى رعاية وسقاية تلك الغرسة حتى أستوت على سوقها وأصبحت شجرةً باسقة الطول وفارعة السعف،وأمضي أبو سناره كامل فترة وجودة في السجن،وهي سبعة عشر عاماً ،بالقرب من الشجرة التي نشأ بينها وبين ابو سناره حالة عاطفية قوية، ولنا في قصة النبي محمد (ص) مع شجر النخيل أكبر عبرة ودليل للتأكيد على وجود علاقة حقيقية ومتبادلة بين الإنسان والشجر،وأثبت علوم النباتات الحديثة صحة وعلمية هذه العلاقة.
فطوال سبعة عشر عاما، تولى أبو سنارة مسئولية نظافة ساحة السجن،إكراما لشجرة النخيل، بل أن بعض الأسرى ذهب في تفسيره لتك العلاقة بعيداً معتقدين بأنهما قد تحولا الى روحاً واحدة يتقاسمها إنسان وشجرة، وكانت تلك الشجرة وفقا لمعاصري ابو سنارة من كبار الأسرى وشيوخهم بأنها كانت مكمن سره، والمؤتمنة عليه،وكانت محط ثقته المطلقة،لأنها لن تبوح به في يوم من الأيام .
عندما كانت تخلو ساحة عسقلان من" الفورة " من الأسرى،كان يسارع للجلوس في ظلها،ويسند ظهره إلى ساقها،ويبث أليها همومه وخواطره، ويقسم البعض بأنهم قد سمعوا أبو سنارة يتحدث إليها حديث البشر .
من هو ابو سناره ؟ ومن الجدير ذكره ،ووفقا لأقواله ، فأن جده لأبيه من ليبيا، وقد شارك في ثورة القائد عمر المختار،وبعد إعدام الشيخ الثائر،هرب الفيتوري الجد إلى فلسطين عن طريق مصر،وحسب روايته بأن جده قد أستشهد في أوائل عشرينيات في إنتفاضة البراق،أما أبيه فقد استشهد في أوائل الأربعينات في معركة مع المستوطنين اليهود،ومن هنا تبدأ حكاية أبو سنارة مع الكفاح الوطني الفلسطيني .
بعد وفاة والده، تزوج عمه من أمه،وكان حينها طفلاً صغيراً ، وبعد سنوات وللخلاص منه ،لفقت له تهمة سرقة دواجن الجيران، واقتيد إلى إصلاحية في مدينة بيت لحم ،وفي أعقاب نكبة 1948، لجأ عمه وزوج أمه إلى قطاع غزة ،وظل أحمد في الإصلاحية حتى نهاية محكوميته،فغادر الإصلاحية دون أن يعرف الى أين يتجه، ودون أن يعلم شيئا عن أسرته،أو أين سيستقر بها المطاف،ويبدو أن أحداً ما قد نصحه بالذهاب إلى القدس للسؤال عن عائلته،وهناك تصادف وصوله مع مقتل الملك عبد الله،وأثر ذلك وجد نفسه جريحاً في حافلة متجه إلى عمان،وبعد وصوله إلى عمان،فتك به الجوع والضياع والوحدة والغربة العجيبة، حيث لا سقف يأويه أو حضن يدفيه، فهام على وجهه ،يقتات على ما ينجح في سرقته عن بسطة خضار ،أو دكان هنا أو هناك، وينام حيث يغلبه النعاس بغض النظر عن المكان،بلا فراش او غطاء.
وعمل احمد " شيالاً " في سوق عمان ردحاً من الزمن،إلى ان أغراه البعض من أبناء جيله بالسفر تهريبا إلى لبنان ، لأنه لم يكن يمتلك أية أوراق رسمية،وفي بيروت عمل أعمالاً عدة، وقد اشتد عوده في بيروت، كشيال محترف في الميناء، وقد عرف بقوته وجلده وصبره وتحمله للأعمال الشاقة، واستمر هناك بالعمل مع رفاقه ، إلى أن سرقت دراهمه من قبل قادم جديد ، كان قد عطف عليه وضمه إلى سكنه .
في عام 1958، وبعد إندلاع الحرب الأهلية في لبنان،وجد نفسه متورطاً فيها بالصدفة،وإثر ذلك إعتقل وأعيد إلى عمان،وفي عمان عمل احمد شيالا في سوق السكر،وكان يحمل الأكياس بمساعدة سنارة حديدية لم تكن لتفارقه،ومن هنا جأت التسمية التي اشتهر بها " أبو سنارة " ، و ذاع سيط أبو سنارة في سوق السكر وأصبح متعهداً فيه لتحميل وتنزيل السكر، وشغل معه آخرين .
في أوائل ستينيات القرن العشرين ،وقبل ان تحرز الثورة الجزائرية إنتصارها،قرر أبو سنارة التنازل طواعية عن عرش سوق السكر،للتطوع في صفوفها،إلا انه وبعد الوقوف لساعات في طابور المتطوعين لم ينجح في ذلك، لأنه لا يحمل أوراق ثبوتية أيا كان نوعها .
في تلك الفترة ، تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية ، وجناحها العصابي " قوات التحرير الشعبية "، فوجد فيها أبو سنارة ضالته ، فانخرط في صفوفها . وبعد التدريبات اللازمة كلف مع رفيق سلاح له ، هو الأخ موسى الشيخ ، بالنزول إلى الأراضي المحتلة ، لتنفيذ عملية عسكرية ضد قوات الاحتلال ، إلا أن القوات الأردنية ألقت عليهم القبض على بعد أمتار من مياه الأردن،وزج بهم في المعتقل لفترة وجيزة،وعاد خالي الوفاض إلى عمان بحثا عن لقمة الخبز من جديد.
بعد إنطلاقة حركة فتح في مطلع عام 1965،بدأ أبو سنارة بالبحث عن طريقة للوصول إلى هذا التنظيم الثوري،والتحق بالحركة،وبعد نكسة عام 1967، شارك في إحدى دوريات فتح،وبعد إشتباك بطولي أصيب بجراح واقتيد للمعتقل،وبعد التحقيق والعلاج وصل الى سجن عسقلان بعد أن حكم عليه بالسجن المؤبد .
واكب أبو سنارة مراحل عسقلان دونما إستثناء،من " التشريفة "،والقمع الجسدي اليومي وطوي البرش على الخيط ، ومرورا بالإرهاصات الأولى للمراحل النضالية،وصولا إلى الإضرابات الشهيرة عن الطعام، والتي كان لها دوراً رئيساً في إستعادة النزر اليسير من حقوق الأسرى الفلسطينيين، وبقي في عسقلان حتى أواسط عام 1984 ،حين تم النقل الجماعي إلى معتقل الجنيد .
في المعتقل،لم يهتم أبو سنارة بالتعليم والثقافة السياسية ، وظلت قدراته في هذا المجال جد محدودة،وأمضى سنوات إعتقاله مسؤلاً عن نظافة الساحة والحمامات،وكان انتماؤه إليهما غريبا وغير مفهوم،كنا نخشى سلاطة لسانه،كما تخشاها إدارة المعتقل والسجانين وويل لمن تسول له نفسه إلقاء عقب سيجارة أو البصق في الساحة ، فقد كان يصب عليه جام غضبه ويكيل له سيل من الشتائم التي ليس لها خطوطاً حمراء،أما من ينسى لباسه الداخلي في الحمامات العامة ، فلم يكن ليجرؤ للسؤال عنه إتقاءً للسانه .
بحكم عمله ، كان أبو سنارة يمضي يومه خارج غرفته وفي الساحة، منتعلاً جزمة عالية من الجلد الأسود ، بإستثناء يوم الزيارة،كثير من السجانين كانوا يتعمدون المزاح معه،مع معرفتهم سلفاً بأنه سيصب شتائمه عليهم ، خاصة السجان " جورنو " .
بعد انتهاء الفورات،يسارع أبو سنارة لشطف الساحة وتنظيف الحممات دون أن يتوقف عن السباب والشتائم ، وقبل الغروب كان يسند ظهره إلى حائط القسم الشرقي للساحة. ويشعل سيجارته ويبدأ بتفتيت " لب" الخبز ورميه في الزاوية طعاما للحمام الأزرق الذي كان على موعداً دائماً معه،فترفرف من حوله عشرات الحمائم ، وتجثم أحيانا على رأسه وكتفيه، وتأكل من كف يده الخبز المقطع ،وقد يستمر أبو سنارة في ممارسة هوايته هذه لثلاثين دقيقة او أكثر من ذلك بقليل،إلى ان يشبع الحمام ويطير،فيسارع إلى تنظيف الزاوية،ومن ثم يحط برحاله تحت النخلة ويسند ظهره الى ساقها ويدخلان في حوارهما المعتاد والذي لا يعرف عنه الآخرون شيئا .
حاول أبو سنارة مراراً كتابة قصته ، وكان في كل مرة يتفق مع أحد الأخوة للقيام بذلك مقابل عددا من علب السجائر،إلا ان أحدا منهم لم يف بوعده ، وخسر أبو سنارة ثروته من السجائر دون أي طائل، وحرص على حمل أوراق القصة معه في حله وترحاله إلى أن أخذ منه اليأس مأخذا .
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على اعتقاله تقريبا،أكتشفت أسرته وجوده في سجن عسقلان وجاءت لزيارته للمرة الأولى ، حيث عرف أبو سنارة بأن له أخوة من أمه،وبأنهم يعيشون في قطاع غزة،وكثيرا ما أحس بالحرج على شبك الزيارة لأنه لم يكن ليفهم كلام زواره، ففي إحدى المرات سألته زوجة أخيه " كيف حالك يا سلفي ؟ " فأجابها " أنا أسمي أحمد "، فهو لم يستخدم كلمة " سلفي " من قبل.
في نهايات عام 1983،جرت عملية تبادل الأسرى ما بين حركة فتح وإسرائيل،وكنا ننتظر ذلك منذ فترة،وكنا نعرف بان الصفقة ستشمل أكثر من ألف ومائة أسير،وجاءت الحافلات ونودي على مالا يتجاوز العشرين أسيرا فقط ،وغادرت الحافلات، وكنا نعتقد بأن هنالك عملية تجميع للأسرى في مكان ما، ولن تلبث الحافلات حتى تعود لأخذ الآخرين،إلا أنها لم تعد .
في صباح اليوم التالي ، وكنا لا نزال أسرى اعتقادنا بأن عملية التبادل قيد التنفيذ، كان أبو سنارة في مزاج رائع،وكيف لا والحافلات توشك على الوصول ثانية لأخذ المحررين ، و سيكون ابو سنارة من بينهم ، خاصة وانه محكوم بالسجن المؤبد .
وعلى غير العادة لبس أبو سنارة فانيلة بيضاء نصف كم ، وبنطال بترولي احتفظ به ليليق بالمناسبة ، وانتعل حذاءا رياضياً ، وراح يستفز السجان" جورنو " و" بوكارة " بأنه سيتحرر بعد ساعات رغم أنوفهم، إلا انه وبعد طول إنتظار،أعلنت إذاعة إسرائيل بأن عملية التبادل قد تمت وانتهت .
ما حصل كان مفاجئا للجميع ، و لم يكن مفهوما لأي منا،والبعض أصيب بخيبة أمل أفقدته توازنه،أما بالنسبة لأبي سنارة ، فقد كان الخبر بمثابة الصاعقة . فانكمش على نفسه في الزاوية الشرقية التي كانت ملجأه في الملمات،وأشعل سيجارته ونكس رأسه ولم ينبس ببنت شفة،واستمر على هذا الحال ما يقارب الساعة دون ان يجرؤ أي منا على التحدث معه ، فقد كنا نخاف عاقبة ذلك .
اقترب من أبي سنارة احد مناكفيه وهو الأخ نمر قدورة ، الذي لم يستمع لنصائح العديد من الأخوة بعدم الاقتراب من ابو سنارة في هذا اليوم، ولم تكد عبارة " مرحبا يا أبو سنارة " تخرج من فمه،حتى انفجر البركان واخذ يقذف بحممه في كل الاتجاهات،لم يبق ولم يذر،ولم ينج احد في الخارج أو الداخل قائدا أو عنصرا من شتائمه التي كانت خروجا عن المألوف،واستمر في نوبته التي أفرغ خلالها مخزون حياته الطافح بالمآسي والآلام .
توقف كافة الأخوة عن الدوران عكس عقارب الساعة،وتسمر كل منا في مكانه وكأن على رؤوسنا الطير،وساد الساحة صمت رهيب ، لا يعكر صفوه سوى حمم أبي سنارة ، واستمر المشهد لأكثر من عشر دقائق طويلة وثقيلة ، جثمت على صدورنا كالصخور .
دق السجان جورنو بعصاه على مدخل الساحة معلنا بذلك انتهاء الفورة،وسار الأخوة إلى غرفهم يجللهم الصمت وجلال الموقف .
أما أبو سنارة ، فاستمر في منولوجه الدرامي ، وسار بخطى متثاقلة إلى جذع النخلة، وراح يبثها شكواه، عن ظلم ذوي القربى، وسوء الطالع وغدر المقادير .
غابت شمس ذاك اليوم قبل موعدها خجلاً ولربما لم تجد لديها القدرة على إحتمال المشهد وبقي أبو سنارة في صلاته الروحية في محراب النخلة،ولم يتجرأ حتى جورنو على تعكير خلوته ، بالطلب منه الدخول إلى الغرفة، و بعد ردح من الزمن لا نعرف ان طال أو قصر،هدأ أبو سنارة تدريجياً ،ربما لأن النخلة آزرته في محنته، ورفعت من معنوياته، وشدت من أزره ،وعاد ابو سناره لغرفته لينام حتى صباح اليوم التالي .
لم يطل بنا المقام في عسقلان بعد التبادل الأول ، فقد أفتتح معتقل الجنيد في أواسط عام 1984، وتقرر نقل أسرى الضفة الغربية إليه، بمن فيهم أبو سنارة ، وحانت لحظة الفراق ، وربما إلى غير رجعة،وسيترك خلفه في عسقلان سنينا من عمره نزفها خلف جدران عسقلان وساحته،واهم من هذا وذاك ، سيودع ، وللأبد ، توأم روحه ومأمن سره وموئله شجرة النخيل .
كان أبو سناره يودع كل ما ارتبط به في عسقلان،الساحة والحمامات والحمائم وحتى السجان " جورنو " والمكنسة ودلو الماء، وفي المقدمة النخلة،كان يتلمسها ويمعن النظر إلى خوصها وسعفها في الأعالي ولا يستطيع لها فراقا ، ولكن لا خيار .
كان في أخر أيامه في عسقلان ، يمضي أكثر ما يستطيعه من وقت مستندا إلى جذعها ،ومنشغلا بحوارها، هل كان يودعها وصيته ؟ أم كان يمنحها بركاته وصلواته ؟
وعندما حانت لحظة الفراق،تذرع بالبقاء بقربها اكبر قدر ممكن،وغادرها دون ان يستطيع النظر إليها، دامع العينين.
وقبل مغادرتنا لعسقلان، حدث أمر لا بد من التعريج عليه ، فقد أحيل إلى التقاعد السجان جورنو،الذي كان ثالث معالم عسقلان بعد النخلة وأبي سنارة ، وقد واكب البدايات،وشهد النهايات أيضاً وكان من أكثر السجانين دركيةً وقمعاً،وقد كانت المفاجأة عندما جال على غرف عسقلان باكياً لوداع الأسرى، وكان السؤال المطروح ، ما الذي أبكي السجان جورنو ؟؟
البعض قال بأنه أحس بالندم على ما قام به ، وآخرون ذهبوا مذهبا آخر ، وقالوا بأنه في نهاية المطاف إنسان ،عز عليه فراق أناس عايشهم لسنين طويلة ليس إلا ، ولكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل ، أن جورنو كان يبكي سني عمره التي أمضاها سجيناً بين جدران عسقلان،فداخل الأسوار الكل سجين، ويتساوى في ذلك السجان والسجين .
في معتقل ألجنيد ، كان أبو سنارة في قسم آخر ، ولم أتتبع أخباره هناك . وفي 20 أيار 1985، تمت عملية التبادل الثانية ، وغادر أبو سنارة عالم الجدران والقيود،واستقر به المقام في الأردن ، ولم يعد أي منا يسمع عن إخباره شيئا،وهكذا أسدل الستار على واحدة من الوقائع الدرامية الثرية التي تواصلت على مدار سبعة عشر عاماً خلف جدران الزنازين،وعلمت بعد سنين ، بأنه قد توفي في الظل كما عاش في الظل، لقد عاش وحيداً ومات وحيداً ، فموت الفقير وفجور الغني ، أمران لا يعلم بهما أحد في هذه الدنيا.
بعد سنين من عملية التبادل، وفي طريقي إلى غزة،نظرت باتجاه سجن عسقلان،فشاهدت النخلة وقد برزت بقمتها الشامخة من فوق الأسوار،وأطلت برأسها على عالم الحرية برحابته،وأحسست بأن جريدها يتلفت يمينا وشمالا، فهل كانت تبحث عن أبي سنارة ؟؟؟ لربما .
النقل الى سجن جنيد .
ويعود مهنا الى استكمال سرد محطاته في سجون الاحتلال ويذكر تجربته في سجن جنيد فيقول ، في بداية العام 1984م، أنتهت مديرية السجون الإسرائيلية العامة من تحويل المستشفى الأردني في منطقة جنيد في نابلس الى سجن مركزي مكون من سبعة أقسام كبيرة، والى هذا السجن قامت مديرية السجون بنقل أسرى منطقة الضفة الغربية من سجني عسقلان وبئر السبع ونفحة، وتم نقلنا بواسطة سيارات كبيرة الى السجن الجديد في مدينة نابلس، بشكل عام يمكنني القول بأن الأوضاع الإجمالية في سجن جنيد كانت جيدة، من حيث الشروط الأساسية كتوفر الآسرة وفراش جديد وغرف نظيفة، لكن إدارات السجون لا تستطيع التخلي عن أطباعها العدوانية والإستفزازية تجاه الأسرى، وسأذكر هنا وقائع أول صدام حصل بين إدارة السجن والأسرى وذلك بسبب أنها حاولت ذات يوم إدخال مجموعة من الاسرى المتدينين والخارجين عن إطار م.ت.ف الى قسم الأشبال وهو قسم رقم 4 ، وهنا أبلغ ممثل المعتقل وهو الأخ مسلم الدودة إدارة السجن بأن الأسرى يرفضون هذا التصرف وأن هؤلاء الأسرى مرحب بهم في أقسام الأسرى القدامى والكبار، لا سيما أن الأسرى المتدينون هم أيضا من الاسرى القدامى وكبار السن، إلا أن إدارة السجن رفضت هذا المطلب وأصرت على إدخالهم الى قسم رقم 4، فتم الإيعاز من قبل القيادة ألوطنية للمعتقل للأسرى الأشبال في قسم 4 بمنع دخول اؤلئك المتدينون عندهم بالقوة ،وبالفعل فعندما تم الدفع بالأسرى المتدينون الى داخل مردوان القسم المذكور بدء الأسرى الأشبال بالهتاف والضرب على الأبواب بأقدامهم، وعلى الفور أنضم أليهم باقي الاسرى في أقسام السجن ، فقامت إدارة المعتقل برش السجن بمادة الغاز المسيل للدموع ، وانتهت هذه الخطوة بتراجع إدارة السجن عن عنادها والقبول بإدخال الأسرى المتدينون الى أقسام الأسرى الكبار .
الإضراب في سجن جنيد .
لقد حفز هذا الصدام مع إدارة السجن تفكير قيادة الحركة الاعتقالية في سجن جنيد للتفكير في خوض غمار معركة نضالية جديدة، للمطالبة ببعض الحقوق غير المتوفرة في هذا السجن، وتخفيف من وطأة بعض العقوبات المصممة مع تركيبة السجن أثناء إنشائه، كألواح الأسبست التي تغطي نوافذ الغرف من الخارج والتي بدورها تحجب أشعة الشمس عن الدخول أليها ، وتمنع الهواء من الدخول والخروج منها واليها كما ينبغي، وخاصة في غالبية الغرف المتواجدة في الطوابق السفلية،وهي أقسام 4و5و3 ولا بأس من تكرار المطالبة بالسماح بدخول أجهزة التلفاز والراديو، وتحسين نوعية وكمية الأكل ، ولأن إدارة السجن قررت عدم الإستجابة لهذه المطالب بعد ان أستلمت نسخة منها قرر الاسرى دخول الإضراب المفتوح عن الطعام حتى تحقيق المطالب المذكورة،وقد أستمر هذا الإضراب لمدة أثنى عشر يوما في شهر أيلول 1984م ، قدم خلالها للأسرى وجبة الحليب المخفوق مع البيض والزبدة، والذي لا يفسد تناوله صحة وسلامة وإستمراية الإضراب وفقا لقرار المحكمة الإسرائيلية العليا، في العام 1980م في ردها على الإلتماس الذي قدمه ألأخ عبد العزيز شاهين للمحكمة المذكور في ذاك العام ، وفي منتصف اليوم الثاني عشر للإضراب وبعد نقاش مستفيض حول المطالب جرى بين إدارة السجن واللجنة الوطنية الإعتقالية بقيادة الأخ جبريل الرجوب، والذي وافقت في نهايته مديرية السجون العامة ووزير الداخلية الإسرائيلي في حينها ( حاييم بارليف ) على غالبية مطالب الأسرى في سجن جنيد وفي مقدمتها الموافقة على السماح للأسرى باقتناء جهازي راديو وتلفزيون .
لقد كان إضراب سجن جنيد في العام 1984م، إضرابا ناجحا ومنظما بكل المعايير ، ولقد 0أبدى الأخ جبريل الرجوب واللجنة النضالية معه قدراً كبيراً من الحكمة والخبرة في إدارة معركة الإضراب بشكل ناجح ومنظم .
عملية التبادل والتحرر من الأسر .
مع بداية العام 1985م، تسربت الإشاعات والأخبار الكثيرة والمتضاربة حول، أن عملية تبادل كبيرة ستتم بين الجبهة الشعبية - القيادة العامة وإسرائيل ، لمبادلة الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى الجبهة ،وأطلقت الجبهة الشعبية على هذه العملية اسم ( عملية الجليل ) وأطلقت إسرائيل بموجبها سراح 1155 أسيراً كانوا محتجزين في سجونها المختلفة، منهم (883) أسير كانوا محتجزين في السجون الإسرائيلية، و 118 أسيراً كانوا قد خطفوا من معتقل أنصار في الجنوب اللبناني أثناء تبادل العام 1983 مع حركة فتح، و 154 معتقلاً كانوا قد نقلوا من معتقل أنصار إلى معتقل عتليت أثناء الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان مقابل ثلاثة جنود كانوا بقبضة الجبهة الشعبية وهم الرقيب أول (حازي يشاي) وهو يهودي من أصل عراقي وقد اسر خلال معركة السلطان يعقوب في 11 يونيو1982 حينما كان يقود إحدى الدبابات ضمن رتل من الدبابات الإسرائيلية، فضلت دبابته طريقها فأطلقت عليها مجموعة من الفدائيين قذائف أر بي جي مما أدى لإصابتها وبعدها شاهدوا جندياً يفر من داخلها فتمكنوا من أسره ونقله لمكان آخر، والجنديان الآخران هما (يوسف عزون ونسيم شاليم) أحدهما من أصل هنغاري والآخر يهودي من أصل مصري، وقد أسرا في بحمدون بلبنان بتاريخ 4 سبتمبر 1982، مع ستة جنود آخرين كانوا بحوزة حركة فتح وأطلق سراحهم ضمن عملية تبادل للأسرى عام 1983 .
وفي العاشر من شهر آيار من نفس العام أبلغت إدارة سجن جنيد ممثل الأسرى مسلم الدودة بأن عملية تبادل الأسرى ستتم وأن هناك العديد من الإجراءات سيتم إتخاذها ومطلوب من الأسرى التعاون والإستعداد لذلك، وتم تشكيل لجنة نضالية مضاف أليها عضو من منظمة الصليب الأحمر سميت بـ ( لجنة التشخيص ) ووظيفة تلك اللجنة هو التأكد من شخصية الاسير ومطابقة الأسماء المدرجة في الكشوف على الأشخاص فعليا وعلى أرض الواقع، وبعد التأكد من شخصية كل أسير ،كان أعضاء تلك اللجنة يوقعون على صحة ما توصلوا إليه في سجل خاص بالصليب الأحمر .
وعلى هامش هذه العملية، أود أن أذكر حادثة ظريفة وقعت في سجن جنيد، مع احد الاسرى من رفاق الجبهة الشعبية وكان يدعى ( عسكر ) وعندما قام الصليب الأحمر بترجمة أسمه في الكشوف الى اللغة الانجليزية ،تمت كتابته بـ ( أشقر ) وهكذا تم إستبدال أسمه ولم يتم إدراجه على لوائح المثبتين بعد التشخيص علما ان هذا الاسير كان لديه تأكيدات قوية من تنظيمه بأن أسمه مدرج على قوائم التبادل، وبعد مرور أكثر من أربعة أيام على وقوع هذا الإلتباس تم التأكد من أن خطأ قد حصل في ترجمة اسمه، وبعد تصويب الخطأ تم إضافة اسمه الى قوائم الاسرى المنوي إطلاقهم من سجن جنيد .
بعد الإنتهاء من كل هذه الإجراءات تم نقل الاسرى المنوي الإفراج عنهم الى أقسام 5و3و4 وهي الأقسام الأرضية في سجن جنيد ، وتم حصر الاسرى الاخرين في الأقسام العلوية وهي 6و7و، 8و9 ، وتم تجهيز ملابس مدنية للمحررين وفي صباح يوم 20/آيار/ تم إخراج الاسرى من الأقسام الى الحافلات التي كانت متوقفة في ساحات السجن، ونفذ هذا الإجراء مع تمام الساعة التاسعة صباحا، وكانت هذه الجزئية من ذاك النهار أصعب وأقصى ما تعرضنا له من تعذيب نفسي طيلة فترة الأسر القاسية، بسبب طول فترة الإنتظار المشوبة بالقلق والتوتر، حيث بقينا جالسين في الحافلات لغاية الساعة الخامسة مساءً ،وبعد إنتهاء كل ترتيبات الجيش الإسرائيلي انطلقت الحافلات من أمام سجن جنيد الى المدن الفلسطينية المختلفة وتم إنزال الاسرى في داخل المدن مع الحفاظ على مسافات متباعدة ما بين عملية تنزيل وأخرى ،وما أود قوله هنا بأن عملية التبادل كانت عرسا وطنيا كبيراً بكل ما للكلمة من معنى .
هي السابقة في تاريخ الحركة الاسيرة الفلسطينية بل في تاريخ حركات التحرر العالمية قاطبة وباكثر من مقياس وهو الانجاز الواضح بامتياز الذي حققه الاسير المناضل خضر عدنان باضرابه الفردي عن الطعام ستة وستين يوماً، الذي توج بانتصار الارادة والكرامة الانسانية على الانظمة البائدة لما يسمى بالاعتقال الاداري وغيره من الاجراءات اللانسانية . وهو انتصار حققه الاسير خضر ليس لنفسه فحسب، بل لكل الاسرى ولك ابناء شعبه الذين تضامنوا معه طوال مسيرة الالم والمعاناة. ليشكل ذلك خطوة اخرى نوعية وهامة في مواجهة الانتهاكات الاسرائيلية الفظة للقانون الدولي وفي هز الاسس الهشة التي تستند اليها الدولة التي تدعي الديمقراطية في تبريرها للاعتقالات العشوائية واحتجاز اسرى دون اتهام او محاكمة استنادا الى انظمة استعمار عفا عليه الزمن. وليشكل هذا الانجاز تذكيرا جديدا لكل اولئك الذين اعتقدوا ان الاف الاسرى يمكن ان تطوي قضيتهم او تطمس ليخرج احدهم فيثبت ان ارادة الاسير الفلسطيني هي الاقوى وان معادلة معركة الامعاء الخاوية بكل ما تنطوي عليه من الام وما ثبته من قوة دفاع مشروع في مواجهة جبروت السجان وسياسته ، انما هي معادلة حية وقائمة وقادرة على تحقيق الانجاز.
من جانب آخر يستمر مركز ابو جهاد في توثيق تجارب الاسرى ، ويستكمل السيرة النضالية للاسير المحرر علي مهنا من خلال الحلقة الثانية ، والتي يتطرق فيها الى التذكير ببعض كوادر الحركة الاسيرة ،كما يذكر اهم محطاته في سجون الاحتلال .
رجال لا تطويهم الذاكرة الأخ المناضل عدنان محمدية .
لا أدري أن كنت سأوفي هذا المناضل حقه في الوصف، والتعريف به لأبناء شعبنا،الذين لا يعرفونه إطلاقاً، فأمثال عدنان ابو محمدية تضيق بهم المجلدات على سعتها، لأن عدنان كان وسيبقى كالطود العظيم، ولن تنال منه عوامل النسيان والضياع،كما هو حال الجبال الشاهقة التي لن تغير من حقيقتها، وديمومة وجودها عوامل التعرية،ولا تضمحل او تتحول الى حفنةً من تراب وحصى، وتبقى عصية على أن تحيط بها أو تقارب قممها قامات الأقزام، وأحيل المهتمين بالتعرف على هذا النموذج من جيل العمالقة إلى من تبقى من الرعيل الأول لمسيرة الأسر،وسنواتها العجاف الأول.
وباختصار،فأن عدنان أبو محمدية،ومثله في ذلك مثل الكثيرين،قد أمضى سنوات رجولته ما بين القواعد والمعارك والأسر،وكان طوالها نموذجا للإنتماء الصادق والبساطة والقوة،وعندما نال حريته عام 1985،عاش معدما ومريضا حتى لبى نداء ربه قبل أشهر،دون أن يسمع بموته احد، كما لم يعرف ببطولاته إلا القليلين،وعاش على هامش المسيرة،ومات على هامشها أيضا .
بحياته ومماته،مثل عدنان ظاهرة من ظواهر مسيرتنا بسلبها وإيجابها،وأثار الكثير من علامات الاستفهام وأصابع الاتهام، فالإنتماء لديه كان عبارة عن حالة عشق صاخبة ومدوية، لكنها وللأسف كانت من جانب واحد،فالعشق لا يكون منتجاً إذا كان على هذه الشاكلة،والوطن مطالب بمبادلة من ينتمون إليه، القدر ذاته من الإنتماء والولاء،وحبهم بذات القدر من الشغف والإخلاص،أما أن يأخذ الوطن من أبنائه دون أن يمنحهم أي شيء ،ومن ثم يشيح بوجهه عنهم عندما يداهمهم الكبر والمرض والعوز، فهذا لا يمكن تصنيفه تحت باب الانتماء ، بل هو الأنانية والخذلان بعينه .
ويضيف مهنا ، على مدى مسيرتنا النضالية،كان هنالك آلاف من أمثال عدنان، قدموا جل ما يملكون من اجل الفوز بمكان ما لهم فوق يابسة الوطن، تقيهم برد الشتاء وحر الهجير،لكنهم لم يحصلوا على كلمة شكر وافية، ومن هؤلاء من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر في ظل المراحل،حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع،ونهشتهم أنياب ومخالب الفقر والمرض، وطوعهم البعاد عن الديار حتى الموت،لكن بصمت وعزة نفس لا تبارى، لو كان هؤلاء جنوداً في تجربة أخرى لنحتت لهم التماثيل وشيدت النصب التذكارية لهم، وسطرت سيرتهم في كتب المدارس، أما نحن فتركناهم يلاقون حتفهم لوحدهم على قارعة الطريق،ولم نفيهم حقهم،ولم نتجشم عناء حفظ أسمائهم حتى في ذاكرة الأجيال، وقائمة هؤلاء المنسين طويلة وطويلة جدا .
وهنا لا أريد أن أتحدث عن الأحياء، بل عن الشهداء، وأريد أن أسأل، من يعرف من أبناء الشبيبة والناشئة الجدد أي شيء عن الشهيد عبد القادر أبو الفحم وعن الشهيد راسم حلاوة والشهيد علي الجعفري ؟؟ ، ومن استمع إلى ملحمة أبي سنارة وخالد الأطرش وبدران وعاطف أبو عكر وخالد الديك ؟؟ كم منا سمع عن أم خضر قنداح، وأم عمر البرغوثي، وأم احمد أبو هدبة، اللواتي قدمن أكثر بكثير من أم مكسيم غوركي ؟؟ .
لماذا تجاهلنا أهمية تخليد أبطالنا وبطولاتنا ؟؟ وهل هي مجرد صدفة أم ضرورة،أن يسدل الستار على هذا الكم من النجوم التي أنارت ظلمة الدروب على مدى عقود ؟؟ .
قال لي صديق ساخر ذات يوم، بأننا نعمل فلسطينياً وفقاً لنظرية الطرد المركزي، حيث يقذف بالعناصر الثقيلة إلى المدارات الخارجية، في حين تبقى العناصر الخفيفة في المركز،ولكن الأمر جد جلل، والمقام يستفز الدمع من مآقي الرجال، ولا يحتمل السخرية، فكيف نسمح بإلحاق مثل هذه المهانة بتاريخنا ورموزه ؟؟ .
لست أدري لماذا تقفز الى سطح ذاكرتي، قصة الكاتب الجزائري المشهور الطاهر وطار ( الشهداء يعودون بعد أسبوع ) ولماذا يلح علي في هذه أللحطة هذا السؤال، ماذا لو عاد الشهداء فعلا ؟؟ هل سنستطيع تحمل نظراتهم، التي يقطر منا اللوم والاتهام ؟؟ وكيف سنبرر لهم غدرنا لهم، وتنكرنا لأسمائهم، ومتاجرتنا بدمائهم ؟؟ .
في رائعته الثانية ( اللاز )، يقول الطاهر وطار أيضا " عندما تصبح الثورة شرفاً وأوسمة،يتراكض إليها كل المتخلفين "، وأنا أقول لا نعارض في أن " يتعربش " هذا الكم من المتخلفين بقطار الثورة، ولكننا لا نقبل بان يقوم هؤلاء برمي أوائل الركاب من نوافذ القطار،واحتلال مقاعدهم ، والسطو على أمتعتهم .
يا أخي وصديقي العزيز عدنان ابو محمدية،لم نجد في معاجم اللغة كلمات قادرة على حمل اعتذارنا إليك ولرفاقك،ولا نسألك العفو والمغفرة،لأننا نعلم بأننا لا نستحقها،فذنبنا أكبر من إمكانات الصفح،ورجاؤنا الوحيد أن تبقى صورة الوطن الجميلة التي رسمتها له،كما كانت،عندما أغمضت عليها عينيك للمرة الأخيرة،وعزاؤنا الوحيد،إننا على ثقة بأنك ،وكعادتك استقبلت الموت برجولة ، وبكلماتك الساخرة المعهودة " عادي يا بن عمي " .
الأخ احمد الفيتوري ( ابو سناره ) .
ويروي مهنا ايضا سيرة المناضل أبو سناره وأسمه الأصلي ( أحمد الفيتوري ) والذي كان احد أهم معالم سجن عسقلان بالإضافة الى شجرة النخيل الوحيدة والموجودة في ساحة المعتقل،وقد شكلا معاً معلماً واحداً من معالم سجن عسقلان،ولا يمكن لأي ممن خبر عسقلان،أن يروي تجربة سجن عسقلان العميقة والعظيمة، دون أن يذكر العلاقة الأثيرة بين أبو سناره وتلك ألنخلة.
لا أحد يعرف حقيقة وسر تلك العلاقة بين الإنسان والشجر، فالبعض قال بأنه لربما تعود هذه العلاقة الى نشأة تلك الشجرة في العام الذي دخل فيه ابو سناره ذاك السجن الرهيب، وهو من تولى رعاية وسقاية تلك الغرسة حتى أستوت على سوقها وأصبحت شجرةً باسقة الطول وفارعة السعف،وأمضي أبو سناره كامل فترة وجودة في السجن،وهي سبعة عشر عاماً ،بالقرب من الشجرة التي نشأ بينها وبين ابو سناره حالة عاطفية قوية، ولنا في قصة النبي محمد (ص) مع شجر النخيل أكبر عبرة ودليل للتأكيد على وجود علاقة حقيقية ومتبادلة بين الإنسان والشجر،وأثبت علوم النباتات الحديثة صحة وعلمية هذه العلاقة.
فطوال سبعة عشر عاما، تولى أبو سنارة مسئولية نظافة ساحة السجن،إكراما لشجرة النخيل، بل أن بعض الأسرى ذهب في تفسيره لتك العلاقة بعيداً معتقدين بأنهما قد تحولا الى روحاً واحدة يتقاسمها إنسان وشجرة، وكانت تلك الشجرة وفقا لمعاصري ابو سنارة من كبار الأسرى وشيوخهم بأنها كانت مكمن سره، والمؤتمنة عليه،وكانت محط ثقته المطلقة،لأنها لن تبوح به في يوم من الأيام .
عندما كانت تخلو ساحة عسقلان من" الفورة " من الأسرى،كان يسارع للجلوس في ظلها،ويسند ظهره إلى ساقها،ويبث أليها همومه وخواطره، ويقسم البعض بأنهم قد سمعوا أبو سنارة يتحدث إليها حديث البشر .
من هو ابو سناره ؟ ومن الجدير ذكره ،ووفقا لأقواله ، فأن جده لأبيه من ليبيا، وقد شارك في ثورة القائد عمر المختار،وبعد إعدام الشيخ الثائر،هرب الفيتوري الجد إلى فلسطين عن طريق مصر،وحسب روايته بأن جده قد أستشهد في أوائل عشرينيات في إنتفاضة البراق،أما أبيه فقد استشهد في أوائل الأربعينات في معركة مع المستوطنين اليهود،ومن هنا تبدأ حكاية أبو سنارة مع الكفاح الوطني الفلسطيني .
بعد وفاة والده، تزوج عمه من أمه،وكان حينها طفلاً صغيراً ، وبعد سنوات وللخلاص منه ،لفقت له تهمة سرقة دواجن الجيران، واقتيد إلى إصلاحية في مدينة بيت لحم ،وفي أعقاب نكبة 1948، لجأ عمه وزوج أمه إلى قطاع غزة ،وظل أحمد في الإصلاحية حتى نهاية محكوميته،فغادر الإصلاحية دون أن يعرف الى أين يتجه، ودون أن يعلم شيئا عن أسرته،أو أين سيستقر بها المطاف،ويبدو أن أحداً ما قد نصحه بالذهاب إلى القدس للسؤال عن عائلته،وهناك تصادف وصوله مع مقتل الملك عبد الله،وأثر ذلك وجد نفسه جريحاً في حافلة متجه إلى عمان،وبعد وصوله إلى عمان،فتك به الجوع والضياع والوحدة والغربة العجيبة، حيث لا سقف يأويه أو حضن يدفيه، فهام على وجهه ،يقتات على ما ينجح في سرقته عن بسطة خضار ،أو دكان هنا أو هناك، وينام حيث يغلبه النعاس بغض النظر عن المكان،بلا فراش او غطاء.
وعمل احمد " شيالاً " في سوق عمان ردحاً من الزمن،إلى ان أغراه البعض من أبناء جيله بالسفر تهريبا إلى لبنان ، لأنه لم يكن يمتلك أية أوراق رسمية،وفي بيروت عمل أعمالاً عدة، وقد اشتد عوده في بيروت، كشيال محترف في الميناء، وقد عرف بقوته وجلده وصبره وتحمله للأعمال الشاقة، واستمر هناك بالعمل مع رفاقه ، إلى أن سرقت دراهمه من قبل قادم جديد ، كان قد عطف عليه وضمه إلى سكنه .
في عام 1958، وبعد إندلاع الحرب الأهلية في لبنان،وجد نفسه متورطاً فيها بالصدفة،وإثر ذلك إعتقل وأعيد إلى عمان،وفي عمان عمل احمد شيالا في سوق السكر،وكان يحمل الأكياس بمساعدة سنارة حديدية لم تكن لتفارقه،ومن هنا جأت التسمية التي اشتهر بها " أبو سنارة " ، و ذاع سيط أبو سنارة في سوق السكر وأصبح متعهداً فيه لتحميل وتنزيل السكر، وشغل معه آخرين .
في أوائل ستينيات القرن العشرين ،وقبل ان تحرز الثورة الجزائرية إنتصارها،قرر أبو سنارة التنازل طواعية عن عرش سوق السكر،للتطوع في صفوفها،إلا انه وبعد الوقوف لساعات في طابور المتطوعين لم ينجح في ذلك، لأنه لا يحمل أوراق ثبوتية أيا كان نوعها .
في تلك الفترة ، تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية ، وجناحها العصابي " قوات التحرير الشعبية "، فوجد فيها أبو سنارة ضالته ، فانخرط في صفوفها . وبعد التدريبات اللازمة كلف مع رفيق سلاح له ، هو الأخ موسى الشيخ ، بالنزول إلى الأراضي المحتلة ، لتنفيذ عملية عسكرية ضد قوات الاحتلال ، إلا أن القوات الأردنية ألقت عليهم القبض على بعد أمتار من مياه الأردن،وزج بهم في المعتقل لفترة وجيزة،وعاد خالي الوفاض إلى عمان بحثا عن لقمة الخبز من جديد.
بعد إنطلاقة حركة فتح في مطلع عام 1965،بدأ أبو سنارة بالبحث عن طريقة للوصول إلى هذا التنظيم الثوري،والتحق بالحركة،وبعد نكسة عام 1967، شارك في إحدى دوريات فتح،وبعد إشتباك بطولي أصيب بجراح واقتيد للمعتقل،وبعد التحقيق والعلاج وصل الى سجن عسقلان بعد أن حكم عليه بالسجن المؤبد .
واكب أبو سنارة مراحل عسقلان دونما إستثناء،من " التشريفة "،والقمع الجسدي اليومي وطوي البرش على الخيط ، ومرورا بالإرهاصات الأولى للمراحل النضالية،وصولا إلى الإضرابات الشهيرة عن الطعام، والتي كان لها دوراً رئيساً في إستعادة النزر اليسير من حقوق الأسرى الفلسطينيين، وبقي في عسقلان حتى أواسط عام 1984 ،حين تم النقل الجماعي إلى معتقل الجنيد .
في المعتقل،لم يهتم أبو سنارة بالتعليم والثقافة السياسية ، وظلت قدراته في هذا المجال جد محدودة،وأمضى سنوات إعتقاله مسؤلاً عن نظافة الساحة والحمامات،وكان انتماؤه إليهما غريبا وغير مفهوم،كنا نخشى سلاطة لسانه،كما تخشاها إدارة المعتقل والسجانين وويل لمن تسول له نفسه إلقاء عقب سيجارة أو البصق في الساحة ، فقد كان يصب عليه جام غضبه ويكيل له سيل من الشتائم التي ليس لها خطوطاً حمراء،أما من ينسى لباسه الداخلي في الحمامات العامة ، فلم يكن ليجرؤ للسؤال عنه إتقاءً للسانه .
بحكم عمله ، كان أبو سنارة يمضي يومه خارج غرفته وفي الساحة، منتعلاً جزمة عالية من الجلد الأسود ، بإستثناء يوم الزيارة،كثير من السجانين كانوا يتعمدون المزاح معه،مع معرفتهم سلفاً بأنه سيصب شتائمه عليهم ، خاصة السجان " جورنو " .
بعد انتهاء الفورات،يسارع أبو سنارة لشطف الساحة وتنظيف الحممات دون أن يتوقف عن السباب والشتائم ، وقبل الغروب كان يسند ظهره إلى حائط القسم الشرقي للساحة. ويشعل سيجارته ويبدأ بتفتيت " لب" الخبز ورميه في الزاوية طعاما للحمام الأزرق الذي كان على موعداً دائماً معه،فترفرف من حوله عشرات الحمائم ، وتجثم أحيانا على رأسه وكتفيه، وتأكل من كف يده الخبز المقطع ،وقد يستمر أبو سنارة في ممارسة هوايته هذه لثلاثين دقيقة او أكثر من ذلك بقليل،إلى ان يشبع الحمام ويطير،فيسارع إلى تنظيف الزاوية،ومن ثم يحط برحاله تحت النخلة ويسند ظهره الى ساقها ويدخلان في حوارهما المعتاد والذي لا يعرف عنه الآخرون شيئا .
حاول أبو سنارة مراراً كتابة قصته ، وكان في كل مرة يتفق مع أحد الأخوة للقيام بذلك مقابل عددا من علب السجائر،إلا ان أحدا منهم لم يف بوعده ، وخسر أبو سنارة ثروته من السجائر دون أي طائل، وحرص على حمل أوراق القصة معه في حله وترحاله إلى أن أخذ منه اليأس مأخذا .
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على اعتقاله تقريبا،أكتشفت أسرته وجوده في سجن عسقلان وجاءت لزيارته للمرة الأولى ، حيث عرف أبو سنارة بأن له أخوة من أمه،وبأنهم يعيشون في قطاع غزة،وكثيرا ما أحس بالحرج على شبك الزيارة لأنه لم يكن ليفهم كلام زواره، ففي إحدى المرات سألته زوجة أخيه " كيف حالك يا سلفي ؟ " فأجابها " أنا أسمي أحمد "، فهو لم يستخدم كلمة " سلفي " من قبل.
في نهايات عام 1983،جرت عملية تبادل الأسرى ما بين حركة فتح وإسرائيل،وكنا ننتظر ذلك منذ فترة،وكنا نعرف بان الصفقة ستشمل أكثر من ألف ومائة أسير،وجاءت الحافلات ونودي على مالا يتجاوز العشرين أسيرا فقط ،وغادرت الحافلات، وكنا نعتقد بأن هنالك عملية تجميع للأسرى في مكان ما، ولن تلبث الحافلات حتى تعود لأخذ الآخرين،إلا أنها لم تعد .
في صباح اليوم التالي ، وكنا لا نزال أسرى اعتقادنا بأن عملية التبادل قيد التنفيذ، كان أبو سنارة في مزاج رائع،وكيف لا والحافلات توشك على الوصول ثانية لأخذ المحررين ، و سيكون ابو سنارة من بينهم ، خاصة وانه محكوم بالسجن المؤبد .
وعلى غير العادة لبس أبو سنارة فانيلة بيضاء نصف كم ، وبنطال بترولي احتفظ به ليليق بالمناسبة ، وانتعل حذاءا رياضياً ، وراح يستفز السجان" جورنو " و" بوكارة " بأنه سيتحرر بعد ساعات رغم أنوفهم، إلا انه وبعد طول إنتظار،أعلنت إذاعة إسرائيل بأن عملية التبادل قد تمت وانتهت .
ما حصل كان مفاجئا للجميع ، و لم يكن مفهوما لأي منا،والبعض أصيب بخيبة أمل أفقدته توازنه،أما بالنسبة لأبي سنارة ، فقد كان الخبر بمثابة الصاعقة . فانكمش على نفسه في الزاوية الشرقية التي كانت ملجأه في الملمات،وأشعل سيجارته ونكس رأسه ولم ينبس ببنت شفة،واستمر على هذا الحال ما يقارب الساعة دون ان يجرؤ أي منا على التحدث معه ، فقد كنا نخاف عاقبة ذلك .
اقترب من أبي سنارة احد مناكفيه وهو الأخ نمر قدورة ، الذي لم يستمع لنصائح العديد من الأخوة بعدم الاقتراب من ابو سنارة في هذا اليوم، ولم تكد عبارة " مرحبا يا أبو سنارة " تخرج من فمه،حتى انفجر البركان واخذ يقذف بحممه في كل الاتجاهات،لم يبق ولم يذر،ولم ينج احد في الخارج أو الداخل قائدا أو عنصرا من شتائمه التي كانت خروجا عن المألوف،واستمر في نوبته التي أفرغ خلالها مخزون حياته الطافح بالمآسي والآلام .
توقف كافة الأخوة عن الدوران عكس عقارب الساعة،وتسمر كل منا في مكانه وكأن على رؤوسنا الطير،وساد الساحة صمت رهيب ، لا يعكر صفوه سوى حمم أبي سنارة ، واستمر المشهد لأكثر من عشر دقائق طويلة وثقيلة ، جثمت على صدورنا كالصخور .
دق السجان جورنو بعصاه على مدخل الساحة معلنا بذلك انتهاء الفورة،وسار الأخوة إلى غرفهم يجللهم الصمت وجلال الموقف .
أما أبو سنارة ، فاستمر في منولوجه الدرامي ، وسار بخطى متثاقلة إلى جذع النخلة، وراح يبثها شكواه، عن ظلم ذوي القربى، وسوء الطالع وغدر المقادير .
غابت شمس ذاك اليوم قبل موعدها خجلاً ولربما لم تجد لديها القدرة على إحتمال المشهد وبقي أبو سنارة في صلاته الروحية في محراب النخلة،ولم يتجرأ حتى جورنو على تعكير خلوته ، بالطلب منه الدخول إلى الغرفة، و بعد ردح من الزمن لا نعرف ان طال أو قصر،هدأ أبو سنارة تدريجياً ،ربما لأن النخلة آزرته في محنته، ورفعت من معنوياته، وشدت من أزره ،وعاد ابو سناره لغرفته لينام حتى صباح اليوم التالي .
لم يطل بنا المقام في عسقلان بعد التبادل الأول ، فقد أفتتح معتقل الجنيد في أواسط عام 1984، وتقرر نقل أسرى الضفة الغربية إليه، بمن فيهم أبو سنارة ، وحانت لحظة الفراق ، وربما إلى غير رجعة،وسيترك خلفه في عسقلان سنينا من عمره نزفها خلف جدران عسقلان وساحته،واهم من هذا وذاك ، سيودع ، وللأبد ، توأم روحه ومأمن سره وموئله شجرة النخيل .
كان أبو سناره يودع كل ما ارتبط به في عسقلان،الساحة والحمامات والحمائم وحتى السجان " جورنو " والمكنسة ودلو الماء، وفي المقدمة النخلة،كان يتلمسها ويمعن النظر إلى خوصها وسعفها في الأعالي ولا يستطيع لها فراقا ، ولكن لا خيار .
كان في أخر أيامه في عسقلان ، يمضي أكثر ما يستطيعه من وقت مستندا إلى جذعها ،ومنشغلا بحوارها، هل كان يودعها وصيته ؟ أم كان يمنحها بركاته وصلواته ؟
وعندما حانت لحظة الفراق،تذرع بالبقاء بقربها اكبر قدر ممكن،وغادرها دون ان يستطيع النظر إليها، دامع العينين.
وقبل مغادرتنا لعسقلان، حدث أمر لا بد من التعريج عليه ، فقد أحيل إلى التقاعد السجان جورنو،الذي كان ثالث معالم عسقلان بعد النخلة وأبي سنارة ، وقد واكب البدايات،وشهد النهايات أيضاً وكان من أكثر السجانين دركيةً وقمعاً،وقد كانت المفاجأة عندما جال على غرف عسقلان باكياً لوداع الأسرى، وكان السؤال المطروح ، ما الذي أبكي السجان جورنو ؟؟
البعض قال بأنه أحس بالندم على ما قام به ، وآخرون ذهبوا مذهبا آخر ، وقالوا بأنه في نهاية المطاف إنسان ،عز عليه فراق أناس عايشهم لسنين طويلة ليس إلا ، ولكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل ، أن جورنو كان يبكي سني عمره التي أمضاها سجيناً بين جدران عسقلان،فداخل الأسوار الكل سجين، ويتساوى في ذلك السجان والسجين .
في معتقل ألجنيد ، كان أبو سنارة في قسم آخر ، ولم أتتبع أخباره هناك . وفي 20 أيار 1985، تمت عملية التبادل الثانية ، وغادر أبو سنارة عالم الجدران والقيود،واستقر به المقام في الأردن ، ولم يعد أي منا يسمع عن إخباره شيئا،وهكذا أسدل الستار على واحدة من الوقائع الدرامية الثرية التي تواصلت على مدار سبعة عشر عاماً خلف جدران الزنازين،وعلمت بعد سنين ، بأنه قد توفي في الظل كما عاش في الظل، لقد عاش وحيداً ومات وحيداً ، فموت الفقير وفجور الغني ، أمران لا يعلم بهما أحد في هذه الدنيا.
بعد سنين من عملية التبادل، وفي طريقي إلى غزة،نظرت باتجاه سجن عسقلان،فشاهدت النخلة وقد برزت بقمتها الشامخة من فوق الأسوار،وأطلت برأسها على عالم الحرية برحابته،وأحسست بأن جريدها يتلفت يمينا وشمالا، فهل كانت تبحث عن أبي سنارة ؟؟؟ لربما .
النقل الى سجن جنيد .
ويعود مهنا الى استكمال سرد محطاته في سجون الاحتلال ويذكر تجربته في سجن جنيد فيقول ، في بداية العام 1984م، أنتهت مديرية السجون الإسرائيلية العامة من تحويل المستشفى الأردني في منطقة جنيد في نابلس الى سجن مركزي مكون من سبعة أقسام كبيرة، والى هذا السجن قامت مديرية السجون بنقل أسرى منطقة الضفة الغربية من سجني عسقلان وبئر السبع ونفحة، وتم نقلنا بواسطة سيارات كبيرة الى السجن الجديد في مدينة نابلس، بشكل عام يمكنني القول بأن الأوضاع الإجمالية في سجن جنيد كانت جيدة، من حيث الشروط الأساسية كتوفر الآسرة وفراش جديد وغرف نظيفة، لكن إدارات السجون لا تستطيع التخلي عن أطباعها العدوانية والإستفزازية تجاه الأسرى، وسأذكر هنا وقائع أول صدام حصل بين إدارة السجن والأسرى وذلك بسبب أنها حاولت ذات يوم إدخال مجموعة من الاسرى المتدينين والخارجين عن إطار م.ت.ف الى قسم الأشبال وهو قسم رقم 4 ، وهنا أبلغ ممثل المعتقل وهو الأخ مسلم الدودة إدارة السجن بأن الأسرى يرفضون هذا التصرف وأن هؤلاء الأسرى مرحب بهم في أقسام الأسرى القدامى والكبار، لا سيما أن الأسرى المتدينون هم أيضا من الاسرى القدامى وكبار السن، إلا أن إدارة السجن رفضت هذا المطلب وأصرت على إدخالهم الى قسم رقم 4، فتم الإيعاز من قبل القيادة ألوطنية للمعتقل للأسرى الأشبال في قسم 4 بمنع دخول اؤلئك المتدينون عندهم بالقوة ،وبالفعل فعندما تم الدفع بالأسرى المتدينون الى داخل مردوان القسم المذكور بدء الأسرى الأشبال بالهتاف والضرب على الأبواب بأقدامهم، وعلى الفور أنضم أليهم باقي الاسرى في أقسام السجن ، فقامت إدارة المعتقل برش السجن بمادة الغاز المسيل للدموع ، وانتهت هذه الخطوة بتراجع إدارة السجن عن عنادها والقبول بإدخال الأسرى المتدينون الى أقسام الأسرى الكبار .
الإضراب في سجن جنيد .
لقد حفز هذا الصدام مع إدارة السجن تفكير قيادة الحركة الاعتقالية في سجن جنيد للتفكير في خوض غمار معركة نضالية جديدة، للمطالبة ببعض الحقوق غير المتوفرة في هذا السجن، وتخفيف من وطأة بعض العقوبات المصممة مع تركيبة السجن أثناء إنشائه، كألواح الأسبست التي تغطي نوافذ الغرف من الخارج والتي بدورها تحجب أشعة الشمس عن الدخول أليها ، وتمنع الهواء من الدخول والخروج منها واليها كما ينبغي، وخاصة في غالبية الغرف المتواجدة في الطوابق السفلية،وهي أقسام 4و5و3 ولا بأس من تكرار المطالبة بالسماح بدخول أجهزة التلفاز والراديو، وتحسين نوعية وكمية الأكل ، ولأن إدارة السجن قررت عدم الإستجابة لهذه المطالب بعد ان أستلمت نسخة منها قرر الاسرى دخول الإضراب المفتوح عن الطعام حتى تحقيق المطالب المذكورة،وقد أستمر هذا الإضراب لمدة أثنى عشر يوما في شهر أيلول 1984م ، قدم خلالها للأسرى وجبة الحليب المخفوق مع البيض والزبدة، والذي لا يفسد تناوله صحة وسلامة وإستمراية الإضراب وفقا لقرار المحكمة الإسرائيلية العليا، في العام 1980م في ردها على الإلتماس الذي قدمه ألأخ عبد العزيز شاهين للمحكمة المذكور في ذاك العام ، وفي منتصف اليوم الثاني عشر للإضراب وبعد نقاش مستفيض حول المطالب جرى بين إدارة السجن واللجنة الوطنية الإعتقالية بقيادة الأخ جبريل الرجوب، والذي وافقت في نهايته مديرية السجون العامة ووزير الداخلية الإسرائيلي في حينها ( حاييم بارليف ) على غالبية مطالب الأسرى في سجن جنيد وفي مقدمتها الموافقة على السماح للأسرى باقتناء جهازي راديو وتلفزيون .
لقد كان إضراب سجن جنيد في العام 1984م، إضرابا ناجحا ومنظما بكل المعايير ، ولقد 0أبدى الأخ جبريل الرجوب واللجنة النضالية معه قدراً كبيراً من الحكمة والخبرة في إدارة معركة الإضراب بشكل ناجح ومنظم .
عملية التبادل والتحرر من الأسر .
مع بداية العام 1985م، تسربت الإشاعات والأخبار الكثيرة والمتضاربة حول، أن عملية تبادل كبيرة ستتم بين الجبهة الشعبية - القيادة العامة وإسرائيل ، لمبادلة الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى الجبهة ،وأطلقت الجبهة الشعبية على هذه العملية اسم ( عملية الجليل ) وأطلقت إسرائيل بموجبها سراح 1155 أسيراً كانوا محتجزين في سجونها المختلفة، منهم (883) أسير كانوا محتجزين في السجون الإسرائيلية، و 118 أسيراً كانوا قد خطفوا من معتقل أنصار في الجنوب اللبناني أثناء تبادل العام 1983 مع حركة فتح، و 154 معتقلاً كانوا قد نقلوا من معتقل أنصار إلى معتقل عتليت أثناء الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان مقابل ثلاثة جنود كانوا بقبضة الجبهة الشعبية وهم الرقيب أول (حازي يشاي) وهو يهودي من أصل عراقي وقد اسر خلال معركة السلطان يعقوب في 11 يونيو1982 حينما كان يقود إحدى الدبابات ضمن رتل من الدبابات الإسرائيلية، فضلت دبابته طريقها فأطلقت عليها مجموعة من الفدائيين قذائف أر بي جي مما أدى لإصابتها وبعدها شاهدوا جندياً يفر من داخلها فتمكنوا من أسره ونقله لمكان آخر، والجنديان الآخران هما (يوسف عزون ونسيم شاليم) أحدهما من أصل هنغاري والآخر يهودي من أصل مصري، وقد أسرا في بحمدون بلبنان بتاريخ 4 سبتمبر 1982، مع ستة جنود آخرين كانوا بحوزة حركة فتح وأطلق سراحهم ضمن عملية تبادل للأسرى عام 1983 .
وفي العاشر من شهر آيار من نفس العام أبلغت إدارة سجن جنيد ممثل الأسرى مسلم الدودة بأن عملية تبادل الأسرى ستتم وأن هناك العديد من الإجراءات سيتم إتخاذها ومطلوب من الأسرى التعاون والإستعداد لذلك، وتم تشكيل لجنة نضالية مضاف أليها عضو من منظمة الصليب الأحمر سميت بـ ( لجنة التشخيص ) ووظيفة تلك اللجنة هو التأكد من شخصية الاسير ومطابقة الأسماء المدرجة في الكشوف على الأشخاص فعليا وعلى أرض الواقع، وبعد التأكد من شخصية كل أسير ،كان أعضاء تلك اللجنة يوقعون على صحة ما توصلوا إليه في سجل خاص بالصليب الأحمر .
وعلى هامش هذه العملية، أود أن أذكر حادثة ظريفة وقعت في سجن جنيد، مع احد الاسرى من رفاق الجبهة الشعبية وكان يدعى ( عسكر ) وعندما قام الصليب الأحمر بترجمة أسمه في الكشوف الى اللغة الانجليزية ،تمت كتابته بـ ( أشقر ) وهكذا تم إستبدال أسمه ولم يتم إدراجه على لوائح المثبتين بعد التشخيص علما ان هذا الاسير كان لديه تأكيدات قوية من تنظيمه بأن أسمه مدرج على قوائم التبادل، وبعد مرور أكثر من أربعة أيام على وقوع هذا الإلتباس تم التأكد من أن خطأ قد حصل في ترجمة اسمه، وبعد تصويب الخطأ تم إضافة اسمه الى قوائم الاسرى المنوي إطلاقهم من سجن جنيد .
بعد الإنتهاء من كل هذه الإجراءات تم نقل الاسرى المنوي الإفراج عنهم الى أقسام 5و3و4 وهي الأقسام الأرضية في سجن جنيد ، وتم حصر الاسرى الاخرين في الأقسام العلوية وهي 6و7و، 8و9 ، وتم تجهيز ملابس مدنية للمحررين وفي صباح يوم 20/آيار/ تم إخراج الاسرى من الأقسام الى الحافلات التي كانت متوقفة في ساحات السجن، ونفذ هذا الإجراء مع تمام الساعة التاسعة صباحا، وكانت هذه الجزئية من ذاك النهار أصعب وأقصى ما تعرضنا له من تعذيب نفسي طيلة فترة الأسر القاسية، بسبب طول فترة الإنتظار المشوبة بالقلق والتوتر، حيث بقينا جالسين في الحافلات لغاية الساعة الخامسة مساءً ،وبعد إنتهاء كل ترتيبات الجيش الإسرائيلي انطلقت الحافلات من أمام سجن جنيد الى المدن الفلسطينية المختلفة وتم إنزال الاسرى في داخل المدن مع الحفاظ على مسافات متباعدة ما بين عملية تنزيل وأخرى ،وما أود قوله هنا بأن عملية التبادل كانت عرسا وطنيا كبيراً بكل ما للكلمة من معنى .

التعليقات