راجمات الصواريخ تقصف المدنيين والشبيحة يقطفون الرؤوس

غزة - دنيا الوطن
غزة - دنيا الوطن
لا احد يتصور إطلاقا بشاعة عمليات الإعدام الجماعية التي يتعرض لها الشعب السوري الشقيق تحت مسميات عديدة، فالمعارضة تتهم الجيش السوري بتلك الجرائم والنظام يتهم جماعات يصفها بالإرهابية.. هي الصورة التي لا يستطيع كاتب أو صحفي أن يستوعبها بسهولة أو يحدد أطرافها ببساطة أو يتعامل معها بموضوعية وحياد.

حاولت "الشروق" من خلال مراسلها على الأراضي السورية الشقيقة، نقل وقائع لهيب أحداث الثورة ضد النظام التي تزداد شرارتها وعنفها يوما بعد يوم، فقبل 10 أشهر كان المتظاهرون يطالبون بالإصلاحات ثم تطورت مطالبهم إلى رحيل الرئيس وبعدها إلى محاكمته وإسقاط النظام ثم تحولت أخيرا إلى المطالبة بإعدامه وكل رموز نظامه ومن تسبب برأيهم في قتل الشعب السوري والمتظاهرين المدنيين العزل في مختلف المدن السورية، غير أن مراسل "الشروق" كان شاهد عيان على قصف مدينة "سرمين" الواقعة على بعد سبعة كيلومترات عن مدينة " إدلب" وما وقع فيها من خراب حملته راجمات الصواريخ التي تركت وراءها خرابا ودمارا كبيرين.



الطريق إلى المجهول..

كانت فكرة التنقل الى النقاط الساخنة في سوريا واحدة من الهواجس التي تقلق أي صحفي، وكأنه السفر إلى المجهول وضرب من المغامرة التي يمكن لصاحبها أن لا يرجع منها، غير أن صور صرخات الأطفال ضحايا القصف في "درعا" التي تزلزل أسماع العالم، تدفع الضمائر الحية إلى استطلاع الحقيقة. فبعد ترتيب الأمور مع أشخاص من المجلس الوطني السوري وأفراد من الجيش السوري الحر كأبو فراس محمد وأبو إسماعيل نصار والضابط أبو خالد محمود ،وأشخاص تحفظوا عن ذكر أسماءهم خوفا من الانتقام من عائلاتهم وأقاربهم داخل سوريا، استطعنا الوصول إلى أماكن ساخنة، رغم تهاطل الثلوج بصورة كثيفة، نتيجة العاصفة الثلجية القادمة من سيبيريا، وهي الأجواء التي ساهمت في تعقيد الأزمة التي يدفع ثمنها الشعب السوري.

وصلت رفقة مرافقي من المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحر إلى مطار مدينة "أدنا" بعد الانطلاق من مطار إسطنبول في ساعة متأخرة من الليل وقطع ما يزيد عن الـ1000 كلم، كانت المحطة قبل الأخيرة مدينة "هاتاي" بالجنوب التركي قبالة الحدود السورية، أين كان التواجد الكبير والملفت للانتباه للجيش ومصالح الاستخبارات والشرطة والدرك التركي وكذا المئات من السوريين اللاجئين في مختلف النقاط والمخيمات التي أقيمت بالجانب التركي لاستقبالهم خاصة مع الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة التي بلغت في بعض الأوقات 5 تحت الصفر.

مكثنا هناك قرابة يومين إلى غاية ترتيب التحرك والتنسيق مع الثوار في القرى السورية القريبة التي لم تكن تبعد عنا إلا بأقل من 500 متر، لأجل التسلل عبر الحدود البرية من تركيا إلى أرض الشام.



سوريا.. عبور الحدود والمجهول المنتظر

شعور غريب انتابني وأفكار كثيرة وردت على ذهني خلال اللحظات التي كنت أعبر فيها الحدود من الجانب التركي إلى جانب لا يعلم أحد بما يحمله القدر إلينا، سواء من الاعتقال والتوقيف أو حتى استهدافنا بالقتل عن طريق القنص أو الإصابات البليغة، غير أنني كنت أصر على نفسي وألح عليها، أنه لا يسعنا كبشر أن نبقى مكتوفي الأيدي إزاء ما يقع من أحداث جسام في سوريا خاصة مع اشتداد القصف والحصار على بعض المدن كحلب وحماة ودرعا وريف دمشق والبياضة وغيرها، وكان يتوجب علينا التنقل إلى أرض الحدث ونقل حقيقة ما يقع بأكثر موضوعية ومصداقية دون التحيز إلى طرف دون الأخر، وهو ما سعيت للتحلي به، رغم هول المناظر وأحداث القتل جراء القصف والقنص التي يتعرض لها المدنيون والمحتجون المطالبون برحيل بشار الأسد ونظامه وإحالتهم على المحاكمة.

كان موعد انطلاقنا من الأراضي التركية خلال الساعات الأولى من الليل، أين يشتد الظلام الحالك وتكاد تنعدم الرؤية خاصة عبر الأحراش والغطاء النباتي من أشجار الأرز وبعض الحقول والبساتين والضياع المنتشرة على الأراضي السورية، لكن سهل حدة الضغط النفسي والخوف من الوقوع في الأسر أنني لم أكن وحدي من الصحفيين، حيث كان يرافقني صحفيين من قناة "سي أن أن" ومصور وكالة الأنباء الفرنسية "بويلرنت"، إضافة إلى أفراد الجيش السوري الحر يحملون أسلحة خفيفة رشاشة وكذا الدليل الذي تولى تأمين توجيهنا عبر الطرق الآمنة التي يعرفونها جيدا باعتبارهم أبناء المنطقة.

من لحظه إلى أخرى كنت أتفقد أضواء بعض المنازل والبيوت التي كانت تتراءى لنا من بعيد، ولم أجرأ على السؤال عن اسم الضيعة أو الوضع في هذه المنطقة، للتعليمات الصارمة التي تم إلزامنا بها بعدم الحديث مطلقا والتحلي بأقصى درجات الحذر والحيطة، خوفا من الوقوع في كمين للجيش السوري النظامي أو أفراد "الشبيحة" أو كما يحلو للسوريين بوصفهم بـ"العواينية".

بعد قطعنا للنهر أو ما يطلقون عليه السكان المحليون السوريين بـ"العاصي" النابع من أعالي جبال لبنان وجدنا سيارة "تويوتا" كانت تنتظرنا على الحافة، لتنقلنا بعدها على مسافة ما لا يقل عن 40 كلم عبر الطريق الترابي والمسالك الريفية إلى ريف مدينة "إدلب" إحدى أكبر المدن السورية، وأكثر المحافظات التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر والضباط المنشقين عن الجيش النظامي، خلال هذه اللحظات أعلمنا مرافقنا بضرورة إطفاء أجهزة الهاتف النقال ونزع بطاقات الشرائح للتفادي رصدنا من طرف الجيش النظامي لأنها قد تشكل خطرا على حياتنا بصورة كلية.

إضافة إلى هذا، أوصونا بعدم الاندفاع، لكون معلومات توفرت أن قوات الجيش النظامي، قامت برصد أكثر من 400 دبابة ومدرعة في طريقها لحصار مدينة "إدلب" وتكرار سيناريو ما وقع في درعا وحمص.



الجيش الحر.. الرشاش بيد والمصحف بيد أخرى

من قرية إلى أخرى ومن ضيعة إلى غيرها من "حارم" و"سرمد" و"كفر يحمود" و"بنيش" كلها كانت تؤذن بأن ريف "إدلب" قد بدأ في الانتهاء على مشارف مدينة المحافظة على مسافة 7 كلم، وكانت بين الفترة والأخرى تصادفنا نقاط حراسة تابعة لأفراد الجيش السوري الحر وكتائب الثوار، لنتوقف ونتجاذب أطراف الحديث مع بعض القائمين عليها، حيث وقفنا على حقيقة ملفت للانتباه وهي إقبال الشباب السوري والثوار أكثر وقت من ذي قبل على التدين والالتزام بالصلاة وقراءة القرآن، تقدمت من أحد الشباب المدعو أبو أحمد الذي كان جالسا ويحمل المصحف بيده ويتلو القران، لأستوقفه عن حال حمله للمصحف خلال هذه الفترة العصيبة، ويجيب "نحن قررنا أننا لن ركع إلا لله والنصر قادم بالمصحف في يد والرشاش في اليد الأخرى".

توقفنا عند هذه الدردشة لحظات، ليعلمنا مرافقنا أن العديد من هذه النقاط أوقفت أفرادا من "الشبيحة" وإيرانيين كانوا بصدد القيام بعمليات ضد السكان والمدنيين العزل، عبر تفخيخ سيارات وركنها وسط الشوارع المدنية، وأضاف ذات المتحدث "نحن قمنا بغلق الطرقات المعبدة والممرات الرئيسية بأكوام الأتربة للتصدي لأي عملية اقتحام قد ينفذها أو يباشرها الجيش النظامي حماية للمدنيين وأمن السكان الذين خرجوا عن بكرة أبيهم للمطالبة بالحرية".

دخلنا المدينة التي كانت تعيش الظلام الدامس في الوقت الذي بلغ الوقت حينها الثالثة صباحا، وتم أخذنا في سرية تامة إلى منزل ذو طابق أرضي، حيث كان ينتظرنا صاحب البيت على ردهة الباب، بعدها أدخلونا المنزل بسرعة مع التأكيد على عدم إحداث جلبة أو إثارة الانتباه.

تقدم إلينا رجل طاعن في السن يلبس الكوفية والسروال العربي الفضفاض، وقال مرحبا بكم في سوريا، ليخبره مرافقنا الشاب من الثوار الذي قضى ليلته معنا عنا مشيرا إلي، قال الرجل الطاعن في السن الذي عرفت اسمه فيما بعد أنه يدعى بالعم أبو مسعود "ثورتها بلغت الأفاق، والآن حان علينا الدور لنقدم نحن شهداءنا في سبيل الحرية"، وبعدها يعترض كلامه هذا ويقول "ناموا يا أولادي وغدا يسهل الله".

بعد مرور حوالي أربع ساعات، استيقظت على وقع جلبة للثوار من إقدامهم على تأدية صلاة الصبح جماعة، وهو ما دفعنا ومصور وكالة الأنباء الفرنسية للالتحاق بهم وتأدية الصلاة معهم، لينتظرنا بعدها يوم حافل بما قد يحمله لنا من أحداث خاصة مع المعلومات المتوفرة من حشد الجيش النظام السوري للمئات من دباباته على أطراف المدينة.



الشروق شاهدة على قصف "سرمين"

صادف تواجدنا ليلة أمس بريف "إدلب"، عند قرية "سرمين" قصف مكثف بالمدفعية العسكرية التابعة للجيش النظامي على مساكن مدنية، راح ضحيتها 3 مدنيين قتلوا جراء قذيفة سقطت على المنزل الذي كانوا يتواجدون، لم نجرأ على التقدم إلى مكان الحادثة خلال تلك اللحظات، حيث كانت الدبابات القادمة من مدينة "حلب" على الطريق الرئيسي باتجاه أطراف مدينة "إدلب" لحصارها تتواجد بكثافة على بعد حوالي 4 كلم من قرية "سرمين" التي تهاطلت عليها العشرات من قذائف القصف.

لم يبق من المنازل المقصوفة سوى الحطام والدمار، وصور لعب الأطفال والحمام الذي لم ينج من القصف هو الأخر، ومصاحف القرآن بين ركام البيت المدمر، إضافة إلى ما خلفه بعده الضحايا من الجرحى والقتلى أحدهم لم يتجاوز سنه الرابعة من العمر واسمه الكامل إياد سلامة.

يحدثنا أبو أكرم قاطن بالضيعة أنه بعد تصدي أفراد الجيش السوري للحر للدبابات التي قصف المدينة، والتي نتج عنها إعطاب آليتين عسكريتين تابعتين للجيش النظامي، جاءت الحوامات العسكرية وفرقة مدرعة أخرى لنقل ركام هذه الآليات المدمرة، مستعملة دروعا بشرية مشكلة من العشرات من المدنيين الذين تم توقيف الحافلة على الطريق الرئيسي التي كانوا على متنها، لتجنب ضربات أفراد الجيش السوري الحر.

التعليقات