الإخوان يعينون الرئيس

يخطئ من يعتقد أنه سيكون هناك رئيساً لمصر لايحمل مشروعاً إسلامياً ! ويخطئ من يظن أن التيارات الإسلامية الحائزة على 70% من مقاعد البرلمان يمكن أن تسوق لمرشح رئاسى مهما كان ! ويخطئ من يظن أنه يمكن الضغط على جماعة الإخوان لتبنى مرشحاً بعينه و ليكن مرشح الجيش مثلاً وتستطيع إنجاحه ! ويخطئ من يظن أن الإخوان يمكن أن يرشحوا علمانياً ! و يخطئ من يظن أن الإتجاهات السياسية المتنافرة يمكن أن تتفق على رئيس !!

صحيح أن الطرح السياسى للإخوان مر بعدة مراحل لكن البعض مازال يتمسك بما يعجبه من تصريحات ولايكلف نفسه بمتابعة الآراء الرسمية للجماعة. فرأى الإخوان فى الرئيس القادم مر بمرحلة مثالية تتوافق عليه القوى السياسية عندما كانت هناك إعتقاد أنه يمكن التعاون مع القوى السياسية الأخرى. ثم نزل لمرحلة الواقعية السياسية بعد عدة صدمات من القوى الأخرى. وبين "الرئيس التوافقى الذى تتفق عليه القوى السياسية" والرئيس الذى يكون  "توافقيًّا في أغلب تركيبته السياسية" بون شاسع.

فإذا إفترضنا جدلاً أن الرئيس التوافقى هو ما توافقت عليه القوى السياسية فهل تستطيع الجماعة أو حتى الأحزاب مجتمعة فرض و إنجاح و تسويق مثل هذا المرشح التوافقى؟

و لنأخذ الجماعة على وجه الخصوص : هل يمكن للجماعة تبنى مرشح غير مقنع إسلامياً أو مفروضاُ من المجلس العسكرى مثلاً ؟ : الرد على هذا جاء على لسان المتحدث الرسمى بإسم الجماعة الدكتور غزلان حيث يقول عن أى مرشح رئاسى " لو اعتمد علي أصوات الجماعة فحسب, سيخسر". أى أن دور الجماعة مع المرشح الذى ستختاره سيكون تسويقه لدى التيارات الإسلامية و قاعدة الناخبين ذوى الهوى الإسلامى. فلن تختار الجماعة شخصية غير مقنعة إسلامياً للأسباب الأتية :

·         إلتزام كوادر الجماعة : عضو الجماعة عندما يدخل للتصويت ليس عليه رقيب إلا الله. سيكون أعضائها فى نزاع بين الإلتزام بموقف الجماعة وبين قناعاته الشخصية. بالتأكيد سيتنوع التصرف الشخصى و تتبعثر أصوات الجماعة و تضيع تأثيرها فى إنتخابات الرئاسة

·         صعوبة تسويق مرشح غير مٌقنع إسلامياً : بمعنى أن كادر الجماعة المؤثر فى الناس لابد أن يحمل إسماً مقنعاً إسلامياً للناخبين الذين أعطوه ثقتهم فى إنتخابات البرلمان. فعبارة "المصلحة تقتضى ترشيح فلان " لن تجد مشترياً فى أوساط الناخبين ذوى الهوى الإسلامى خصوصاً أن هناك أكثر من مرشح إسلامى.

·         المخاطرة بالقاعدة الشعبية الإسلامية : القاعدة العريضة القادرة على تحريك الجماهير لصالح رؤية التيار الإسلامى هم من المتدينين الذين لا ينتمون تنظيمياً للجماعة ويؤيدون جماعة الإخوان بإعتبارها الجماعة الأجدر سياسياً. لكن إذا إتخذت الجماعة موقفاً غير مرضياً لهؤلاء فستفقد الجماعة هذا الدعم ليس فى هذا الموقف فحسب بل ستؤثر على مصداقية الجماعة و المستقبل السياسى لحزب الحرية و العدالة.

·         المخاطرة بفقد دعم وتأييد الهيئات الإسلامية والدعاة : تعتمد جماعة الإخوان و كذا حزب النور على تأييد العلماء و الدعاة. و قد جمعت مثلاً الهيئة الشرعية للحقوق و الإصلاح معظم الدعاة و العلماء. يستحيل فى هذه الظروف على الإخوان الخروج من التوافق الحادث داخل هذه الهيئة و إلا فقدت تأييد الكثير من المتدينين. و عليه ستحاول الجماعة أن تتوافق و تطرح وجهة نظرها داخل هذه الهيئة و لكنها أبداً لن تتخارج من هذا التجمع. وبما أن هذه الهيئة لن تقبل إلا برئيس لديه الحد الأدنى من المشروع الإسلامى فليس أمام الجماعة إلا التوافق مع هذه الرؤيا (هذا بفرض أن للجماعة رأياً آخر)

سياسة الإخوان الخاصة بمرشح الرئاسة : سنعتمد على أصدق و أحدث مصدرين لرأى الإخوان. الأول هو موقع الدكتور محمد بديع المرشد العام للجماعة و الثانى هى تصريحات الدكتور محمد غزلان الناطق الرسمى بإسم الجماعة:

·         المرشد فى 15 فبراير 2012 قال "سنبحث عمَّن ستُفضله الجماعة من بين المرشحين بعد أن يستوفي المرشحون الشروط (التي) أهمها أن يكون غير منتمٍ لتيار إسلامي، ولكنه يحترم التيار الإسلامي وفكره وثقافته، وأن يكون توافقيًّا في أغلب تركيبته السياسية”

·         الدكتور غزلان فى 18 فبراير 2012 "إن المرشح الرئاسي الذي سيدعمه الإخوان سيكون من الشخصيات العامة والمعروفة لدي الرأي العام, وليس وجها جديدا مغمورا, لأنه لو اعتمد علي أصوات الجماعة فحسب, سيخسر, مضيفا ان الإخوان لن يدعموا علمانيا, أو أي مرشح يعادي الإسلام."

هذا يعتبر الرأى النهائى للجماعة وهو مايعنى أن شروط الإخوان فى مرشح الرئاسة هى :

·         توافقيًّا في أغلب تركيبته السياسية : يعنى برنامج المرشح الرئاسى السياسى و فكره ليس على خصومة مع معظم الكيانات السياسية. وهذه الكيانات تشمل الأحزاب و الجماعات العاملة على الساحة. كما تشمل أيضاً مؤسسات الدولة التى على المرشح العمل معها و على رأسها البرلمان. فلا يتأتى أن نأتى برئيس يشكك فى شرعية البرلمان. ثم يأتى فى سلم الأولويات أيضا التوافق و التعاون مع المؤسسة العسكرية بممثلها الحالى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثم وضعها فى المستقبل من وزير الدفاع و رئيس الأركان و قادة القوات المسلحة. وليس فى هذا صفقة أو مؤامرة فالمطلوب رئيس يدير مؤسسات الدولة و على رأسها القوات المسلحة. ثم يأتى بعد ذلك إستعداد المرشح للتعاون مع وزارة الداخلية لإصلاحها و إعادة هيكلتها بصورة منطقية بدون عداء أو روح إنتقامية. هذا هو المقصود بالتوافق السياسى و ليس كما فهمم البعض أن القوى السياسية يجب أن تتوافق حوله.

·         غير منتم لتيار إسلامى : هذا لايعنى أبدا أنه علمانى أو ليبرالى أو أنه ليس صاحب منهج إسلامى. هذا الشرط يعنى أنه لا ينتمى تنظيمياً و غير محسوب على أى من الجماعات الإسلامية الموجودة فى المشهد السياسى على الساحة وعلى رأسها الإخوان و السلفيين.

·         ليس علمانيا و لا معادى للإسلام : ليس هناك أوضح من هذا الشرط للقول أن الإخوان لن يدعموا مرشحاً لا يرضى التيارات الإسلامية. و يعنى أيضاً أن بعض المرشحين الإسلاميين المستقلين مازالوا على قائمة الترشيحات.

عوامل أثرت فى بللورة السياسة النهائية لإختيار المرشح : يتبين أن الثابت فى سياسة الإخوان فى إختيار الرئيس هو عدم إنتمائه للإخوان و المتغير هو إتجاه المؤشر نحو رئيس ذو مشروع إسلامى أو على الأقل متعايش مع المشروع و لكن لن يكون علمانياً أو معادياً للمشروع الإسلامى :

·         التجربة التونسية : إذا كان إخوان تونس قد إختاروا المرزوقى الذى قضى نصف حياته السياسية معتقلاً و النصف الآخر منفياً فإن إخوان مصر لم يجدوا سياسياً واحداً من خارج التيارات الإسلاميه له تاريخ نضالى مماثل. أما التأثير الأكبر للتجربة التونسية على رأى الجماعة الأم فى مصر فقد جاء بعد التصريحات المشينة للمرزوقى عن الشيخ وجدى غنيم. فقد حسمت هذه الحادثة فى رأىى النقاش  داخل الجماعة بإستبعاد المرشح الليبرالى العلمانى المحايد للمشروع الإسلامى

·         المواقف العدائية للجماعات الليبرالية : لقد مدت الجماعة يدها للتيارات الليبرالية فى كثير من المواقف و آخرها عرضها للتوافق على قيادة لجان البرلمان لكن لم تجد الإستجابة المطلوبة. كما أن ديدن هذه التيارات الآن هو المزايدة بإظهار الخلاف وعدم التوافق مع الإخوان.

·         التدرج فى التغيير : لاتريد الجماعة و معظم العلماء و الدعاة و المفكرين من التيارات الإسلامية تخطى الواقع و تجاهل سنن التغيير. فلا يجب إستفزاز أى جهة داخلية أو خارجية بما فيها الدولة الصهيونية فضلاً عن أمريكا و الغرب. وإذا كانت صلاحيات منصب الرئيس لن تكون مثلما كان الحال عليه أيام مبارك بل سيكون المنصب تحت سيطرة كاملة للبرلمان. فلا ضير من إعتماد شخصية لها قبول داخلى و لونها الإسلامى غير فاقع خارجياً. وما 4 سنوات فى عمر بلد مثل مصر بكثيرة. وخلال هذه السنوات الأربع سيتجه المجتمع الداخلى أكثر نحو الإسلام و شرائعه و سيتدرج قبول و إذعان الجهات الخارجية للتوجه الإسلامى لمصر.

الخلاصة :  إذا كان أحد أعمدة النظام السابق قد صرح يوماً فى 2010 أى قبل سنة كاملة من الثورة أن الرئيس القادم "توافق عليه أمريكا و لاتعترض عليه إسرائيل" فنحن نقول الآن "إن الرئيس القادم هو من تدعمه الإخوان و يوافق عليه السلفيين بشرط أن يحمل الحد الأدنى للمشروع الإسلامى"

فجماعة الإخوان لن تدعم إلا مرشحاً متوافقاً مع المشروع الإسلامى الكبير أولاً ثم يكون قابلاً للفوز بثقة التيارات السلفية.

محمد أبو راشد المرصفى

كاتب مصرى

التعليقات