خطر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
في مطلع العام الحالي،وتحديداً في6/1/2012أعلن الرئيس الأمريكي«باراك أوباما»ومن مقر البنتاغون عن الاستراتيجية العسكرية الجديدة للولايات المتحدة،والتي تركزت في محاور رئيسية ثلاثة:
1- تقليص عدد القوات الأمريكية في أوروبا.
2- خفض الإنفاق الدفاعي مع الحفاظ على التفوق النوعي.
3- التركيز على منطقة المحيط الهادي لتفادي تنامي قوة الصين مع إيلاء الأهمية لمنطقة الشرق الأوسط،وآسيا.
وفي شرحه للكيفية وللأساليب التي سيتم التعاطي بموجبها شدد على الجهود اللازمة للقضاء على أنظمة الحرب الباردة،ومكافحة الإرهاب،والعمل في المناطق التي يحاول الأعداء«برأيه»منع واشنطن من العمل فيها معتمداً على تخفيض عدد القوات،والاستعاضة عن ذلك بالتفوق النوعي في القدرات الاستراتيجية سيما في مجال الحرب الالكترونية وأنظمة القتال المتطورة،ومنها الطائرات بدون طيار وعدم خوض أكثر من حرب واحدة،فالأوضاع المالية والاقتصادية،وتنامي العجوز في الموازنة الاتحادية،والذي زاد وبتقدير الخبراء عن18تريليون دولار أي مايزيد عن نسبة90%من الناتج المحلي الإجمالي،وذلك بعد موافقة المشرّعين الأمريكيين على الطلب الجديد- ولن يكون الأخير- برفع سقف الدين العام بمقدار1,2تريليون دولار،وبالتالي تقرر أنه لابد من خفض487مليار دولار من الإنفاق العسكري خلال عشر السنوات القادمة....ذلك سيؤدي حتماً وفق ما كتبته صحيفة (الإندبندنت اللندنية) إلى تقليص القوات الأمريكية بنحو نصف مليون فرد.
1- تقليص عدد القوات الأمريكية في أوروبا.
2- خفض الإنفاق الدفاعي مع الحفاظ على التفوق النوعي.
3- التركيز على منطقة المحيط الهادي لتفادي تنامي قوة الصين مع إيلاء الأهمية لمنطقة الشرق الأوسط،وآسيا.
وفي شرحه للكيفية وللأساليب التي سيتم التعاطي بموجبها شدد على الجهود اللازمة للقضاء على أنظمة الحرب الباردة،ومكافحة الإرهاب،والعمل في المناطق التي يحاول الأعداء«برأيه»منع واشنطن من العمل فيها معتمداً على تخفيض عدد القوات،والاستعاضة عن ذلك بالتفوق النوعي في القدرات الاستراتيجية سيما في مجال الحرب الالكترونية وأنظمة القتال المتطورة،ومنها الطائرات بدون طيار وعدم خوض أكثر من حرب واحدة،فالأوضاع المالية والاقتصادية،وتنامي العجوز في الموازنة الاتحادية،والذي زاد وبتقدير الخبراء عن18تريليون دولار أي مايزيد عن نسبة90%من الناتج المحلي الإجمالي،وذلك بعد موافقة المشرّعين الأمريكيين على الطلب الجديد- ولن يكون الأخير- برفع سقف الدين العام بمقدار1,2تريليون دولار،وبالتالي تقرر أنه لابد من خفض487مليار دولار من الإنفاق العسكري خلال عشر السنوات القادمة....ذلك سيؤدي حتماً وفق ما كتبته صحيفة (الإندبندنت اللندنية) إلى تقليص القوات الأمريكية بنحو نصف مليون فرد.
" المتتبع للسياسات الأمريكية منذ مطلع القرن الماضي يتأكد أنها تنطلق وتتركز في«نظرية الاحتواء»والتي وضعها«جورج كينان» صاحب مؤلفات عدة عمل في الخارجية الأمريكية،واعتُبر مهندس الحرب الباردة،وتقاعد عام1953ليشترك في مؤسسة الدراسات المتقدمة في(بريستون)ولقد تجلت هذه النظرية تحت عنوان الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفيتي،وبعد الحرب الباردة أخذت مفاهيم جديدة وأشكالا ًمختلفة كالدول المارقة،الإرهاب،والإسلام الأصولي،وجميعها جمعها عنوان واحد«أعداء المصالح الأمريكية»،وبقيت ثوابت الاستراتيجية معتمدة في إطار البقاء للكونية الأمريكية.
لقد طبقت أمريكا أهدافها بناء على أسلوبين أساسيين هما الردع والإرهاب،ولكن وفي مطلع القرن الحالي منذ تطور الشكل والمضمون ليرتبط بمعنى التركيع حتى أصبحت منظمات الدفاع عن الحقوق الوطنية منظمات إرهابية ".
المرجع:كتاب(بين انهيارين:الاستراتيجية الأمريكية الجديدة)
لمؤلفه:لهيب عبد الخالق
وللتقدير الموضوعي لمدى نجاح،أو فشل هذه الخطة لابد من إلقاء نظرة على الظروف المحيطة بها سواء على العوامل الأمريكية الذاتية،أو على مدى معارضة الدول والبلدان التي ستتأثر بها سلباً في السنين القادمة.
حول العوامل الذاتية فكما ذكرنا،فالوضع الاقتصادي بمجمله في حالة تراجع،والعجوز تتنامى،ودليلنا كشف الرئيس«أوباما»مؤخراً عن مشروع ميزانية2013والتي يبيّن العيب فيها المُرشح الجمهوري للرئاسة المُقبلة «ميت رومني» قائلا ً:«إن المشروع يسجل للسنة الرابعة،وعلى التوالي عجزاً بأكثر من تريليون دولار « ومع هذه التراكمات الحديثة والقديمة يَعد الرئيس بنسب نمو للاقتصاد «مرتفعة» لتنتقل من2,7%في عام2011إلى3%في عام2013،ثم إلى4%في2014،وسيُقلص الإنفاق على البرامج الصحية بقرابة364مليار دولار في عشر سنوات متوقعاً بقاء نسبة البطالة البالغة فوق6%إلى غاية2017رغم وعوده بإنفاق50مليار دولار في مشروعات البنى التحتية لزيادة فرص العمل،وإحداث وظائف جديدة مستفيداً من زيادة رفع الضرائب على الأغنياء الذين لا يقل دخل الواحد منهم عن المليون دولار سنوياً مع التوقع بتحصيل206مليارات دولار إيرادات ضريبية على أرباح كبريات الشركات من خلال زيادة نسبتها من15%إلى20%،والاستنتاج الفوري لهذه المعلومات يبيّن أن الاقتصاد الأمريكي الذي دخل دوامة العجوز بعد ولاية الرئيس «كلينتون» مازال تائهاً في دورانها،وسيظل لأمد تطول مدته خاصة وأن الحلول الموضوعة يمكن أن تسمى بالترقيعية،كما أنها مثار خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين الذين يبحثون عبثاً عن إرضاء الرأي العام الأمريكي،وفي المقابل فالدراسات الدقيقة لمعدلات نمو الاقتصاد الصيني البلد الأول المُستهدف بالاحتواء من هذه الخطة تؤكد أنه سيكون ما بين8%و9%في عام2012،وبالمقابل فإن دول الاتحاد الأوروبي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة تعاني من أزمة مالية متفاقمة تتخبط بها حتى قاربت من التأثير على بنيته،والعنوان الواضح حالياً اقتراب اليونان من الإفلاس والاضطرابات في إسبانيا،إيطاليا،وفرنسا.
أما العامل الذاتي الثاني،فالواقع يُظهر أنه ومنذ عام1973نهاية التجنيد الإجباري،فإن أعداد الأمريكيين الذين انخرطوا في الخدمة العسكرية تراجع بشكل كبير،والهوة واسعة بين المقاتلين وغالبية الشعب التي تجهل الصراعات النفسية التي يمّر بها آلاف الجنود الذين بُترت أعضاؤهم،وتُعبر عن ذلك الأستاذة في جامعة جورج تاون«باربرا موجيسا»لتقول:«إن الهوة بين المجتمع والعسكر موجودة على الدوام» ,وهي التي خدم ابنها في العراق،وتشرح معاناتها قائلة:«هذه الحروب تجري والناس لا تعرف بها...أتحدث إلى هؤلاء الأشخاص،وأقول لهم أشياء مثل هل ما زلنا في العراق؟!....لقد انفصلوا كلياً عن الجيش....إن هناك عدداً قليلا ًمن أعضاء الكونغرس الذين يخدم أبناؤهم في الجيش هم يرسلون أبناءنا للقتال من دون أن يفكروا في ذلك،فهم لا يدركون ما تفعله الحرب،ويختبؤن خلف بعض الخطابات المنمقة» , وكما هو معروف فارتدادات الحروب العدوانية القائمة على نهب خيرات الشعوب ،فبمقدار ما تترك من آثار الشهامة والعزة على أبناء الشعوب المقاومة للعدوان فهي تؤثر وبشكل مناقض على جنود المعتدين الذين تستأثر حالات الجنون والخلل النفسي بهم،فمحكمة أمريكية حكمت على قائد مجموعة من الجنود كانوا يخدمون في ولاية قندهار جنوبي أفغانستان بالسجن لأنهم قتلوا ثلاثة من المدنيين بهدف التسلية،وقام بعضهم بتقطيع أوصال بعض الجثث والاحتفاظ بها،وقائد المجموعة اعترف بقطع إصبع من الجثث واحتفاظه بها ، والأشد خطورة في هذه الاستراتيجية على الولايات المتحدة،وحتى على العالم برمته التركيز على الحرب الالكترونية....صحيح أن أمريكا تتسارع خطواتها في هذا المجال....لقد ثبت أن وزارة الدفاع أجرت تجربة إطلاق ناجحة لقنبلة طائرة تتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت تُمكن المخططين العسكريين من ضرب أي هدف في العالم بأقل من ساعة....لقد أطلق الصاروخ من (هاواي) محلقاً في الغلاف الجوي للمحيط الهادي بسرعة عالية،وأصاب هدفه في جزر(مارشال)التي تبعد حوالي4000كم عن نقطة الانطلاق متجاوزاً في سرعته سرعة الصوت بخمس مرات،وطالما أن الحديث يدور عن الخوف من المواقع النووية في أنحاء العالم لاسيما في إيران وكوريا الشمالية،فالجيش الأمريكي طلب في شهر آب من العام الماضي ثمانية قنابل من شركة(بوينغ)المسماة«بذخيرة الاختراق الهائل»وطولها ستة أمتار،ووزنها13,6طناً بينها2,3طناً من المواد المتفجرة،وهي تخترق التحصينات بعمق20متراً،كما وطورت هذه القنبلة ليصبح وزنها11,3طناً بينها8,5طناً من المواد المتفجرة،وهكذا فالعالم أمام كوارث جديدة تفوق الحرب ،ونتائجها المدمرة يوم ألقيت في القرن الماضي على مدينتي(هيروشيما)و(ناغازاكي)في اليابان قنابل ذرية ،وتتعاظم الخطوب والكوارث برأي المحللين السياسيين،ففي صيف العام الماضي صدر كتاب(الحرب الالكترونية التهديد الأمني القومي المقبل)للمستشار السابق للبيت الأبيض في مكافحة الإرهاب«ريتشارد كلارك»و«روبرت نيك» الذي شغل منصباً رفيعاً في مجلس العلاقات الخارجية حذرا فيه من أن الولايات المتحدة قد تتعرض لهجوم الكتروني قد يدمرها،أو يشل قدراتها على الرد في غضون15دقيقة،ووفق تصورهما الدقيق فإن خدمة الإنترنت حينما تتعرض للتشويش تثير احتمالات كارثية يمكن أن تحصل،كاندلاع النيران،وانفجارت في مصافي النفط،وتعطل المصانع الكيمائية،وانتشار غاز الكلور القاتل في الجو،وكل ذلك ربما يحصل وخلال15دقيقة على يد«إرهابي».
المرجع:دراسة لعمر نجيب
هذا الرأي العلمي الدقيق،والأخطار المحدقة بالعالم أثبته الواقع،فلقد وقعت حادثة في مدينة(سبرنغفيلد)الأمريكية بولاية(إلينوي)العام الماضي أكد أحد مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي فيها أن " قرصاناً روسياً " تمكن من اختراق المنظومات الحاسوبية لخدمات المرافق العامة قام بعملية معينة أدت إلى تعطيل مضخة المنظومة التي تزود المدينة بالماء،كما وأن الحدث الذي تمّ مؤخراً فهو الهجوم على موقع نووي إيراني استخدمت فيه فيروسات معينة مما أدى إلى تشتت في عمله،والطائرة المقاتلة بدون طيار في أفغانستان تعرضت لهجوم بالفيروسات أيضاً،وشاب عراقي تمكن من اختراق منظومة القيادة المتحكمة في تشغيل وتوجيه الطائرات بدون طيار العاملة في العراق،وتوجيهها نحو أهداف وهمية،وإنذار المسلحين باقتراب الخطر رغم أن مقر هذه الهيئة في الولايات المتحدة وفي قاعدة عسكرية، والخبير الروسي«ليونيد سافين»يبيّن في كتاباته ففي ربيع عام2010أنشأ البنتاغون مؤسسة جديدة هي القيادة الالكترونية،وفي عام2011أعلن وبصفة مشددة على احتفاظ الولايات المتحدة لنفسها بحق اتخاذ إجراءات جوابية ضد الهجمات الالكترونية،والصين البلد المُراد احتواؤه أعلنت عن إنشاء إدارة خاصة من أجل حماية الفضاء الالكتروني الخاص بالجيش على شبكة الإنترنت،والعمل على زيادة مستوى أمن الشبكة في مختلف أجهزة القوات المسلحة والأمن الصيني.
إذاً،فالعالم اليوم أمام ويلات قادمة من الصعب تصورها،ومعرفة حدودها،ونتائجها لكنها بكل تأكيد كارثية بكل ما في الكلمة من معنى،ومن هذه التخوفات انعقدت قمة بالي في إندونيسيا لمجموعة دول آسيا العشر،وحضرتها روسيا والولايات المتحدة،وكان الهدف الرئيسي منها حل الخلافات الحدودية البحرية مع الصين،والبحث في الآفاق الجدية لعلاقاتها الخارجية مشددين على أهمية تعميق العلاقات الاقتصادية بين آسيا والولايات المتحدة لاسيما جذب الاستثمارات وعدم الانجرار للمواجهة مع أطراف أخرى،ولا أن يكون الاختيار بين الصين وأمريكا، بينما الهند أعربت عن ترحيبها بالخطة الجديدة،وأستراليا زارها الرئيس الأمريكي وأعلن مع رئيسة وزرائها عن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهندي بإرسال آلاف من قوات مشاة البحرية إلى ميناء داروين،وقالت رئيسة الوزراء:بأن الولايات المتحدة سترسل المزيد من القوات إلى شمال أستراليا بموجب اتفاقية جديدة تقضي في نهاية المطاف بوجود2500جندي أمريكي،وستشهد أستراليا مرور المزيد من القوات الأمريكية عبرها مما يجعل الوصول إلى منطقة بحر الصين الجنوبي أسهل من انطلاق القوات الأمريكية من اليابان وكوريا الجنوبية. والصين وعلى لسان«ليو وايمن»المتحدث باسم الخارجية الصينية قال:«إن دول المحيط الهادي كلها مهتمة بالحفاظ على السلام في آسيا والاستقرار والازدهار »مؤكداً أن بناء القدرات العسكرية الصينية لا يمثل أي تهديد للخارج.
هي السياسة الأمريكية ذاتها بعناوينها الكبيرة القديمة المتجددة،فلقد كشفت الوثائق الأمريكية ومنها (السياسة الأمنية للولايات المتحدة بشأن آسيا) أن أهمية تاريخية كبرى في السياسة الأمريكية،فقد أولت اهتمامها بمنطقة شمال شرق آسيا حيث الصين،واليابان تشكلان مع الولايات المتحدة مثلثاً استراتيجياً،ثم تلي ذلك الدول المطلة على المحيط الهادي،ووسط آسيا الذي يدعونه بالبطن الرخوة ، ولأهميته حيث الثروة الهائلة النفطية في بحر قزوين كانت سياسة محاولة الاحتواء لدوله حفاظاً على المصالح الأمريكية.
كانت جولة عجالة في الآفاق المُتوقعة للبرامج الأمريكية الجديدة....تخفيض للتواجد العسكري في أوروبا مما سيدفعها لسد فراغات الانسحاب الأمريكي وزيادة الأعباء المالية لدولها التي يقع العديد منها في دائرة الأزمة المالية مقابل زيادة التواجد في شرق آسيا،والحفاظ على غاياتها ومراميها، ، لكن سؤال هام يتبادر إلى الذهن،ويطرح ليكون موضع نقاش ودراسة ألا وهو:إلى اي مدى ستنجح أمريكا في خطتها الجديدة ضمن المعوقات التي ذكرناها داخلياً،والتحديات التي تعترضها دولياً من الدول المُستهدفة ببرامجها؟!.....والجواب في رأيي والذي يشاركني فيه العديد بينما القلة ترى غير ذلك وهو أن هذه الخطة محكوم عليها بالفشل الحتمي،فالواقع الأمريكي المتردي في معظم مجالاته الاقتصادية والاجتماعية خير مؤشر على ذلك في حين يقابل هذا التردي تنامي قوى عالمية جديدة في آسيا(الصين والهند)وفي أمريكا اللاتينية(البرازيل)ويسترعي الانتباه الشديد هنا الخوف المرعب من الفشل في الدقة والحيطة في الحرب الالكترونية،ففي نجاحها حروب مدمرة،وفي حال فشلها فهي أشد تدميراً لشعوب الأرض،وقد تكون الكارثة لنهاية العالم.
لقد خرّبت أمريكا في حروبها الكثير من البلدان من شرقه إلى غربه،ومن شماله إلى جنوبه،وأمتنا العربية داهمتها المصائب بدعمها لإسرائيل،وحتى مشاركتها في حروبها كان ذلك خلال عمرها الإمبراطوري،وفي الأيام القادمة ستوصل البشرية لا إلى حرب عالمية جديدة،بل إلى حرب كونية قد لا تبقي الأخضر،ولا اليابس.
محمد علي الحلبي
لقد طبقت أمريكا أهدافها بناء على أسلوبين أساسيين هما الردع والإرهاب،ولكن وفي مطلع القرن الحالي منذ تطور الشكل والمضمون ليرتبط بمعنى التركيع حتى أصبحت منظمات الدفاع عن الحقوق الوطنية منظمات إرهابية ".
المرجع:كتاب(بين انهيارين:الاستراتيجية الأمريكية الجديدة)
لمؤلفه:لهيب عبد الخالق
وللتقدير الموضوعي لمدى نجاح،أو فشل هذه الخطة لابد من إلقاء نظرة على الظروف المحيطة بها سواء على العوامل الأمريكية الذاتية،أو على مدى معارضة الدول والبلدان التي ستتأثر بها سلباً في السنين القادمة.
حول العوامل الذاتية فكما ذكرنا،فالوضع الاقتصادي بمجمله في حالة تراجع،والعجوز تتنامى،ودليلنا كشف الرئيس«أوباما»مؤخراً عن مشروع ميزانية2013والتي يبيّن العيب فيها المُرشح الجمهوري للرئاسة المُقبلة «ميت رومني» قائلا ً:«إن المشروع يسجل للسنة الرابعة،وعلى التوالي عجزاً بأكثر من تريليون دولار « ومع هذه التراكمات الحديثة والقديمة يَعد الرئيس بنسب نمو للاقتصاد «مرتفعة» لتنتقل من2,7%في عام2011إلى3%في عام2013،ثم إلى4%في2014،وسيُقلص الإنفاق على البرامج الصحية بقرابة364مليار دولار في عشر سنوات متوقعاً بقاء نسبة البطالة البالغة فوق6%إلى غاية2017رغم وعوده بإنفاق50مليار دولار في مشروعات البنى التحتية لزيادة فرص العمل،وإحداث وظائف جديدة مستفيداً من زيادة رفع الضرائب على الأغنياء الذين لا يقل دخل الواحد منهم عن المليون دولار سنوياً مع التوقع بتحصيل206مليارات دولار إيرادات ضريبية على أرباح كبريات الشركات من خلال زيادة نسبتها من15%إلى20%،والاستنتاج الفوري لهذه المعلومات يبيّن أن الاقتصاد الأمريكي الذي دخل دوامة العجوز بعد ولاية الرئيس «كلينتون» مازال تائهاً في دورانها،وسيظل لأمد تطول مدته خاصة وأن الحلول الموضوعة يمكن أن تسمى بالترقيعية،كما أنها مثار خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين الذين يبحثون عبثاً عن إرضاء الرأي العام الأمريكي،وفي المقابل فالدراسات الدقيقة لمعدلات نمو الاقتصاد الصيني البلد الأول المُستهدف بالاحتواء من هذه الخطة تؤكد أنه سيكون ما بين8%و9%في عام2012،وبالمقابل فإن دول الاتحاد الأوروبي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة تعاني من أزمة مالية متفاقمة تتخبط بها حتى قاربت من التأثير على بنيته،والعنوان الواضح حالياً اقتراب اليونان من الإفلاس والاضطرابات في إسبانيا،إيطاليا،وفرنسا.
أما العامل الذاتي الثاني،فالواقع يُظهر أنه ومنذ عام1973نهاية التجنيد الإجباري،فإن أعداد الأمريكيين الذين انخرطوا في الخدمة العسكرية تراجع بشكل كبير،والهوة واسعة بين المقاتلين وغالبية الشعب التي تجهل الصراعات النفسية التي يمّر بها آلاف الجنود الذين بُترت أعضاؤهم،وتُعبر عن ذلك الأستاذة في جامعة جورج تاون«باربرا موجيسا»لتقول:«إن الهوة بين المجتمع والعسكر موجودة على الدوام» ,وهي التي خدم ابنها في العراق،وتشرح معاناتها قائلة:«هذه الحروب تجري والناس لا تعرف بها...أتحدث إلى هؤلاء الأشخاص،وأقول لهم أشياء مثل هل ما زلنا في العراق؟!....لقد انفصلوا كلياً عن الجيش....إن هناك عدداً قليلا ًمن أعضاء الكونغرس الذين يخدم أبناؤهم في الجيش هم يرسلون أبناءنا للقتال من دون أن يفكروا في ذلك،فهم لا يدركون ما تفعله الحرب،ويختبؤن خلف بعض الخطابات المنمقة» , وكما هو معروف فارتدادات الحروب العدوانية القائمة على نهب خيرات الشعوب ،فبمقدار ما تترك من آثار الشهامة والعزة على أبناء الشعوب المقاومة للعدوان فهي تؤثر وبشكل مناقض على جنود المعتدين الذين تستأثر حالات الجنون والخلل النفسي بهم،فمحكمة أمريكية حكمت على قائد مجموعة من الجنود كانوا يخدمون في ولاية قندهار جنوبي أفغانستان بالسجن لأنهم قتلوا ثلاثة من المدنيين بهدف التسلية،وقام بعضهم بتقطيع أوصال بعض الجثث والاحتفاظ بها،وقائد المجموعة اعترف بقطع إصبع من الجثث واحتفاظه بها ، والأشد خطورة في هذه الاستراتيجية على الولايات المتحدة،وحتى على العالم برمته التركيز على الحرب الالكترونية....صحيح أن أمريكا تتسارع خطواتها في هذا المجال....لقد ثبت أن وزارة الدفاع أجرت تجربة إطلاق ناجحة لقنبلة طائرة تتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت تُمكن المخططين العسكريين من ضرب أي هدف في العالم بأقل من ساعة....لقد أطلق الصاروخ من (هاواي) محلقاً في الغلاف الجوي للمحيط الهادي بسرعة عالية،وأصاب هدفه في جزر(مارشال)التي تبعد حوالي4000كم عن نقطة الانطلاق متجاوزاً في سرعته سرعة الصوت بخمس مرات،وطالما أن الحديث يدور عن الخوف من المواقع النووية في أنحاء العالم لاسيما في إيران وكوريا الشمالية،فالجيش الأمريكي طلب في شهر آب من العام الماضي ثمانية قنابل من شركة(بوينغ)المسماة«بذخيرة الاختراق الهائل»وطولها ستة أمتار،ووزنها13,6طناً بينها2,3طناً من المواد المتفجرة،وهي تخترق التحصينات بعمق20متراً،كما وطورت هذه القنبلة ليصبح وزنها11,3طناً بينها8,5طناً من المواد المتفجرة،وهكذا فالعالم أمام كوارث جديدة تفوق الحرب ،ونتائجها المدمرة يوم ألقيت في القرن الماضي على مدينتي(هيروشيما)و(ناغازاكي)في اليابان قنابل ذرية ،وتتعاظم الخطوب والكوارث برأي المحللين السياسيين،ففي صيف العام الماضي صدر كتاب(الحرب الالكترونية التهديد الأمني القومي المقبل)للمستشار السابق للبيت الأبيض في مكافحة الإرهاب«ريتشارد كلارك»و«روبرت نيك» الذي شغل منصباً رفيعاً في مجلس العلاقات الخارجية حذرا فيه من أن الولايات المتحدة قد تتعرض لهجوم الكتروني قد يدمرها،أو يشل قدراتها على الرد في غضون15دقيقة،ووفق تصورهما الدقيق فإن خدمة الإنترنت حينما تتعرض للتشويش تثير احتمالات كارثية يمكن أن تحصل،كاندلاع النيران،وانفجارت في مصافي النفط،وتعطل المصانع الكيمائية،وانتشار غاز الكلور القاتل في الجو،وكل ذلك ربما يحصل وخلال15دقيقة على يد«إرهابي».
المرجع:دراسة لعمر نجيب
هذا الرأي العلمي الدقيق،والأخطار المحدقة بالعالم أثبته الواقع،فلقد وقعت حادثة في مدينة(سبرنغفيلد)الأمريكية بولاية(إلينوي)العام الماضي أكد أحد مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي فيها أن " قرصاناً روسياً " تمكن من اختراق المنظومات الحاسوبية لخدمات المرافق العامة قام بعملية معينة أدت إلى تعطيل مضخة المنظومة التي تزود المدينة بالماء،كما وأن الحدث الذي تمّ مؤخراً فهو الهجوم على موقع نووي إيراني استخدمت فيه فيروسات معينة مما أدى إلى تشتت في عمله،والطائرة المقاتلة بدون طيار في أفغانستان تعرضت لهجوم بالفيروسات أيضاً،وشاب عراقي تمكن من اختراق منظومة القيادة المتحكمة في تشغيل وتوجيه الطائرات بدون طيار العاملة في العراق،وتوجيهها نحو أهداف وهمية،وإنذار المسلحين باقتراب الخطر رغم أن مقر هذه الهيئة في الولايات المتحدة وفي قاعدة عسكرية، والخبير الروسي«ليونيد سافين»يبيّن في كتاباته ففي ربيع عام2010أنشأ البنتاغون مؤسسة جديدة هي القيادة الالكترونية،وفي عام2011أعلن وبصفة مشددة على احتفاظ الولايات المتحدة لنفسها بحق اتخاذ إجراءات جوابية ضد الهجمات الالكترونية،والصين البلد المُراد احتواؤه أعلنت عن إنشاء إدارة خاصة من أجل حماية الفضاء الالكتروني الخاص بالجيش على شبكة الإنترنت،والعمل على زيادة مستوى أمن الشبكة في مختلف أجهزة القوات المسلحة والأمن الصيني.
إذاً،فالعالم اليوم أمام ويلات قادمة من الصعب تصورها،ومعرفة حدودها،ونتائجها لكنها بكل تأكيد كارثية بكل ما في الكلمة من معنى،ومن هذه التخوفات انعقدت قمة بالي في إندونيسيا لمجموعة دول آسيا العشر،وحضرتها روسيا والولايات المتحدة،وكان الهدف الرئيسي منها حل الخلافات الحدودية البحرية مع الصين،والبحث في الآفاق الجدية لعلاقاتها الخارجية مشددين على أهمية تعميق العلاقات الاقتصادية بين آسيا والولايات المتحدة لاسيما جذب الاستثمارات وعدم الانجرار للمواجهة مع أطراف أخرى،ولا أن يكون الاختيار بين الصين وأمريكا، بينما الهند أعربت عن ترحيبها بالخطة الجديدة،وأستراليا زارها الرئيس الأمريكي وأعلن مع رئيسة وزرائها عن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهندي بإرسال آلاف من قوات مشاة البحرية إلى ميناء داروين،وقالت رئيسة الوزراء:بأن الولايات المتحدة سترسل المزيد من القوات إلى شمال أستراليا بموجب اتفاقية جديدة تقضي في نهاية المطاف بوجود2500جندي أمريكي،وستشهد أستراليا مرور المزيد من القوات الأمريكية عبرها مما يجعل الوصول إلى منطقة بحر الصين الجنوبي أسهل من انطلاق القوات الأمريكية من اليابان وكوريا الجنوبية. والصين وعلى لسان«ليو وايمن»المتحدث باسم الخارجية الصينية قال:«إن دول المحيط الهادي كلها مهتمة بالحفاظ على السلام في آسيا والاستقرار والازدهار »مؤكداً أن بناء القدرات العسكرية الصينية لا يمثل أي تهديد للخارج.
هي السياسة الأمريكية ذاتها بعناوينها الكبيرة القديمة المتجددة،فلقد كشفت الوثائق الأمريكية ومنها (السياسة الأمنية للولايات المتحدة بشأن آسيا) أن أهمية تاريخية كبرى في السياسة الأمريكية،فقد أولت اهتمامها بمنطقة شمال شرق آسيا حيث الصين،واليابان تشكلان مع الولايات المتحدة مثلثاً استراتيجياً،ثم تلي ذلك الدول المطلة على المحيط الهادي،ووسط آسيا الذي يدعونه بالبطن الرخوة ، ولأهميته حيث الثروة الهائلة النفطية في بحر قزوين كانت سياسة محاولة الاحتواء لدوله حفاظاً على المصالح الأمريكية.
كانت جولة عجالة في الآفاق المُتوقعة للبرامج الأمريكية الجديدة....تخفيض للتواجد العسكري في أوروبا مما سيدفعها لسد فراغات الانسحاب الأمريكي وزيادة الأعباء المالية لدولها التي يقع العديد منها في دائرة الأزمة المالية مقابل زيادة التواجد في شرق آسيا،والحفاظ على غاياتها ومراميها، ، لكن سؤال هام يتبادر إلى الذهن،ويطرح ليكون موضع نقاش ودراسة ألا وهو:إلى اي مدى ستنجح أمريكا في خطتها الجديدة ضمن المعوقات التي ذكرناها داخلياً،والتحديات التي تعترضها دولياً من الدول المُستهدفة ببرامجها؟!.....والجواب في رأيي والذي يشاركني فيه العديد بينما القلة ترى غير ذلك وهو أن هذه الخطة محكوم عليها بالفشل الحتمي،فالواقع الأمريكي المتردي في معظم مجالاته الاقتصادية والاجتماعية خير مؤشر على ذلك في حين يقابل هذا التردي تنامي قوى عالمية جديدة في آسيا(الصين والهند)وفي أمريكا اللاتينية(البرازيل)ويسترعي الانتباه الشديد هنا الخوف المرعب من الفشل في الدقة والحيطة في الحرب الالكترونية،ففي نجاحها حروب مدمرة،وفي حال فشلها فهي أشد تدميراً لشعوب الأرض،وقد تكون الكارثة لنهاية العالم.
لقد خرّبت أمريكا في حروبها الكثير من البلدان من شرقه إلى غربه،ومن شماله إلى جنوبه،وأمتنا العربية داهمتها المصائب بدعمها لإسرائيل،وحتى مشاركتها في حروبها كان ذلك خلال عمرها الإمبراطوري،وفي الأيام القادمة ستوصل البشرية لا إلى حرب عالمية جديدة،بل إلى حرب كونية قد لا تبقي الأخضر،ولا اليابس.
محمد علي الحلبي

التعليقات