الدور السياسي للأزهر بعد ثورة 25 يناير
غزة - دنيا الوطن- الدكتور عادل عامر
إن دور الأزهر يرتبط بالحالة الديمقراطية، وأنه "كلما انتعشت الحالة الديمقراطية، اكتسب الأزهر استقلالا، وتفرغ لرسالته دون الارتباط بسلطة".يمكن للأزهر تقديم دور استشاري، دون أن يكون لاعبا في الساحة السياسية الداخلية، ودون الانحياز لطرف ضد آخر. أن هذه التحركات من جانب الأزهر تبعث على طمأنة الأقباط.
أن إقصاء المؤسسة الرسمية السياسية للأزهر خلال الفترة الماضية أتاح الفرصة لظهور قوى متطرفة تروع الشارع. وكان الأزهر قد أعلن في شهر يونيو/ الماضي ما عُرف بـ"وثيقة الأزهر بشأن مستقبل مصر"، وذلك بالتنسيق مع عدد من المثقفين المصريين.
وتضمنت الوثيقة أحد عشر بندا أكدت على تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، واعتماد النظام الديمقراطي الحر القائم علي الانتخاب الحر المباشر، والالتزام بالحريات الأساسية. ويبدو أن الدور المتنامي الذي يلعبه الأزهر لم يعد يقتصر على مصر، إذ دعا شيخ الأزهر مؤخرا الحكام العرب إلى اتخاذ "إجراءات جادة وفورية تحمي دماء الشعب السوري وتعزز حريته، وتحول دون استباحة الآخرين إن رسالة الأزهر عالمية "تُعني بأن تقوم حياة الفرد والمجتمع والعالم الإسلامي على مزيج من الدين والسياسة" بحيث تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية الأساس لكل مشاريع الإصلاح والتطور في الجوانب السياسية والاقتصادية، مع إتاحة الفرصة للمسئولين في هذه القطاعات للاجتهاد مع الحفاظ على هذه المبادئ. وبغض النظر عن هذا الطرح، إن لأزهر "مؤسسة تعليمية ودعوية تدافع عن حقوق الناس، وتقف إلى جانب المظلومين في العام العربي والإسلامي إن أهمية استقلال الأزهر، لأن ثمة محاولات -منذ أكثر من قرن ونصف- "لتطويع الأزهر وإلحاقه بالنظام السياسي".جدد الأزهر مطالبته باحترام
حريةُ العقيدة والمساواة التامة فى حقوق واجبات المصريين .
ووصف الأزهر حرية العقيدة والمساواة بأنهما حجر الزاوية فى بناء مجتمع مصر الحديث. كان شيخ الأزهر قد التقى مع عدد من المثقفين. وأعلن بعد اللقاء إنهم يصبغون ما وصفها بمنظومة للحريات الأساسية للأخذ بها في الدستور الجديد المرتقب. وتوقع الطيب أن يساعد ذلك في منع انتشار بعض الدعوات التي وصفها بالمغرضة وتتذرع بحجة الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للتدخل في الحريات العامة والخاصة.
إن تنشئة الأجيال الجديدة وتربيتها على ثقافة احترام الآخرين.
ونصحوا العاملين فى مجالات الدعوة الدينية والثقافة والسياسة والإعلام بمراعاة هذا البعد الذي وصفوه بأنه مهم فى ممارساتهم. واعتبر الطيب أن "ذلك الإجراء يدعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها وتكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح". أن "الإسلام لم يعرف في حضارته ولا تشريعاته ولا
تاريخه ما يُعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ".
وقدم الأدباء والمفكرون والعلماء لشيخ الأزهر ورقة حول "رؤية الأزهر والمثقفين لمستقبل مصر" شارك في وضعها حسن الشافعي الرئيس السابق للجامعة الإسلامية بباكستان وأحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي والمفكرون سمير مرقص وليلى تكلا وجلال احمد أمين وجابر عصفور والروائيون جمال الغيطاني ويوسف القعيد وبهاء طاهر والمخرج محمد فاضل.
وتأتي هذه الوثيقة في الوقت الذي تشهد فيه مصر جدلا بشان ضرورة وضع الدستور قبل الانتخابات التشريعية أم بعدها حيث يسود الاعتقاد بأن جماعة الإخوان المسلمين القوة الأفضل تنظيما الآن في مصر, ودعا الإمام الأكبر " الشعب المصري وكل القوى الوطنية إلى الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار واجتناب التكفير والتخوين وعدم استغلال الدين لبثِّ الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين".
أن علاقة القوى السياسية والدينية والأزهر تشهد معضلة حقيقية، فالعلاقة بين الحركات الدينية والأزهر علاقة معقدة من خلال ثنائية التنافس والتداخل؛ فتتسم بقدر من التنافس. إذ إن تزايد دور الأزهر يمكن أن يمثل خصماً من نفوذ قوى دينية أخرى موجودة على الساحة كالتيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين، لاسيما أن السنوات الأخيرة أوجدت حالة من الجفاء بين المؤسسة الرسمية وتلك القوى. فالأزهر يرى أن تزايد دور هذه القوى ما هو إلا تعبير عن تهميشه من شتى مناحي الحياة. وفي المقابل، عدت الحركات الدينية الأزهر رمزاً لنظام سياسي فاسد يستخدمه كبوق يوفر له شرعية دينية عبر فتاوى مؤيدة لرغبات النظام، بحسب بروان.
ويمثل التداخل الوجه الثاني من العلاقة بين الأزهر وتلك القوى، فالعديد من المنتمين لهذه القوى لهم وجود داخل الأزهر بصورة أو بأخرى. ومن ثم، فإن انفتاح الأزهر على ساحة العمل العام وإفساح المجال أمامه يعنى المزيد من الوجود لقوى دينية كحركة الإخوان المسلمين والتيار السلفي.
وفي هذا السياق ، تؤيد جماعة الإخوان استعادة الأزهر لدوره،
والاستقلال عن السلطة السياسية؛ فازدهار دور المؤسسة الرسمية لا يعنى إقصاءهم أو الاستغناء عن دورهم في المجتمع. وتنتقل الدراسة إلى رؤية القوى الليبرالية لدور الأزهر، وهى رؤية يعتريها قدر من الانتقائية. فهم من ناحية، يرفضون أي دور رقابي كهنوتي من جانب الأزهر على الإنتاج الثقافي. ولكنهم من ناحية أخرى يرون الأزهر رمزاً للإسلام الوسطى المعتدل يتعين إفساح المجال أمامه ودعمه، كي يكون حائط صد في مواجهة تيارات دينية أخرى تصفها القوى الليبرالية بأنها
تيارات متشددة تميل للتفسيرات الدينية الجامدة.*
*ثورة يناير ومحاولات إحياء الأزهر*
يشير "براون" إلى أن الأشهر التي أعقبت ثورة يناير شهدت تزايد المطالبات بإصلاح الأزهر برمته، واستعادة المؤسسة لاستقلاليتها التي فقدتها منذ سنوات، حينما سعت السلطة السياسية إبان حكم الرئيس "جمال عبد الناصر" لتقويض سلطات الأزهر، وسلب استقلاليته وأصدرت قانون عام 1961، حيث تم استبدال هيئة كبار العلماء التي كانت تتولى إدارة الأمور الرئيسية بالأزهر بمجلس من كبار مسئولي الأزهر، بمن فيهم عمداء الكليات المدنية (العلمانية)، وأصبح تعيين شيخ الأزهر من سلطات رئيس الجمهورية، وتم ربط مكتب شيخ الأزهر بمكتب رئيس الوزراء بدلاً من رئيس الجمهورية، كما نُقلت تبعية الأوقاف الدينية إلى وزارة الأوقاف.
وفي سياق متصل، سعت السلطة السياسية إلى استخدام دار الإفتاء كثقل موازن لشيخ الأزهر، وشرع نظام "مبارك" في القضاء على أي محاولات لإحياء دور الأزهر، عبر تعيين شيخ للأزهر يعبر عن مواقف السلطة السياسية، حيث عمد في عام 1996 إلى نقل المفتى محمد سيد طنطاوي إلى مشيخة الأزهر، وهو المعروف عنه مواقفه المؤيدة للنظام، فضلاً عن تحييد الأصوات المعارضة داخل المؤسسة الدينية، وفي مقدمتها جبهة علماء الأزهر، حيث تمكن النظام السابق من تقليص دورها إلى مجرد موقع على شبكة الإنترنت.
وعشية ثورة الخامس والعشرين من يناير، حاول الأزهر استعادة
دوره من جديد، وهو ما بدا من خلال مؤشرات عدة. ففي مارس الماضي، نظمت مجموعة من علماء الدين مسيرة لمطالبة المجلس العسكري باستعادة مركزية دور الأزهر واستقلاليته، وشرع الأزهر في تشكيل لجنة مهمتها صياغة قانون جديد للأزهر.
ويرجح "براون" أن يتضمن القانون نقاطا عدة، أهمها أن يعاد تشكيل هيئة كبار العلماء، ويكون منوطا بها انتخاب شيخ الأزهر، فضلاً عن نقل سلطة الإشراف على أموال الأوقاف للأزهر. وتزامناً مع هذا، لم يكن شيخ الأزهر بعيداً عن الجدل السياسي الدائر في الدولة، حيث طرح وثيقة الأزهر التي استحوذت على اهتمام واسع.
كما أمسى مكتب مشيخة الأزهر مقراً لاجتماعات مع قوى سياسية متباينة، بدءًا بجماعة الإخوان المسلمين ، مروراً بممثلي تيارات دينية أخرى، وانتهاء بعدد من مرشحي الرئاسة. وهكذا، وجد الأزهر نفسه في مواجهة قضايا شائكة كقضايا العلاقة بين المسلمين والمسيحيين والليبرالية، وموقف الإسلام منها، وشكل الدولة، ودور الدين فيها، وغيرها من القضايا التي فرضت عليه التدخل والبحث عن دور في سياق أفرزته الثورة.
مستقبل دور الأزهر
لقد "ولد الأزهر من رحم السياسة مرتدياً ثوب الدين" – على حد تعبير الدكتور عمار على حسن في كتابه"الإصلاح السياسي في محراب الأزهر والإخوان المسلمين" – إذ إن الأزهر تمكن منذ نشأته من أن يجمع بين الديني والدنيوي (السياسي) ، وهى الحقيقة التي لازمته، ولكنها تعرضت للانزواء في بعض الأحيان، عطفاً على رؤية النظام السياسي القائم، وطبيعة القيادات التي تمتلك زمام الأمور في هذه المؤسسة. وهذه العلاقة بين دور الأزهر الديني ودوره السياسي حاول "براون" تناولها من خلال دراسته، ليخلص إلى أن إرهاصات ساعدت في استعادة الأزهر لدوره، متزايدة عقب ثورة يناير. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن استقلال الأزهر وانفصاله عن السلطة السياسية يعد أحد المتغيرات ضمن منظومة من المتغيرات مرتبطة بمستقبل دور الأزهر.*
إن دور الأزهر يرتبط بالحالة الديمقراطية، وأنه "كلما انتعشت الحالة الديمقراطية، اكتسب الأزهر استقلالا، وتفرغ لرسالته دون الارتباط بسلطة".يمكن للأزهر تقديم دور استشاري، دون أن يكون لاعبا في الساحة السياسية الداخلية، ودون الانحياز لطرف ضد آخر. أن هذه التحركات من جانب الأزهر تبعث على طمأنة الأقباط.
أن إقصاء المؤسسة الرسمية السياسية للأزهر خلال الفترة الماضية أتاح الفرصة لظهور قوى متطرفة تروع الشارع. وكان الأزهر قد أعلن في شهر يونيو/ الماضي ما عُرف بـ"وثيقة الأزهر بشأن مستقبل مصر"، وذلك بالتنسيق مع عدد من المثقفين المصريين.
وتضمنت الوثيقة أحد عشر بندا أكدت على تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، واعتماد النظام الديمقراطي الحر القائم علي الانتخاب الحر المباشر، والالتزام بالحريات الأساسية. ويبدو أن الدور المتنامي الذي يلعبه الأزهر لم يعد يقتصر على مصر، إذ دعا شيخ الأزهر مؤخرا الحكام العرب إلى اتخاذ "إجراءات جادة وفورية تحمي دماء الشعب السوري وتعزز حريته، وتحول دون استباحة الآخرين إن رسالة الأزهر عالمية "تُعني بأن تقوم حياة الفرد والمجتمع والعالم الإسلامي على مزيج من الدين والسياسة" بحيث تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية الأساس لكل مشاريع الإصلاح والتطور في الجوانب السياسية والاقتصادية، مع إتاحة الفرصة للمسئولين في هذه القطاعات للاجتهاد مع الحفاظ على هذه المبادئ. وبغض النظر عن هذا الطرح، إن لأزهر "مؤسسة تعليمية ودعوية تدافع عن حقوق الناس، وتقف إلى جانب المظلومين في العام العربي والإسلامي إن أهمية استقلال الأزهر، لأن ثمة محاولات -منذ أكثر من قرن ونصف- "لتطويع الأزهر وإلحاقه بالنظام السياسي".جدد الأزهر مطالبته باحترام
حريةُ العقيدة والمساواة التامة فى حقوق واجبات المصريين .
ووصف الأزهر حرية العقيدة والمساواة بأنهما حجر الزاوية فى بناء مجتمع مصر الحديث. كان شيخ الأزهر قد التقى مع عدد من المثقفين. وأعلن بعد اللقاء إنهم يصبغون ما وصفها بمنظومة للحريات الأساسية للأخذ بها في الدستور الجديد المرتقب. وتوقع الطيب أن يساعد ذلك في منع انتشار بعض الدعوات التي وصفها بالمغرضة وتتذرع بحجة الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للتدخل في الحريات العامة والخاصة.
إن تنشئة الأجيال الجديدة وتربيتها على ثقافة احترام الآخرين.
ونصحوا العاملين فى مجالات الدعوة الدينية والثقافة والسياسة والإعلام بمراعاة هذا البعد الذي وصفوه بأنه مهم فى ممارساتهم. واعتبر الطيب أن "ذلك الإجراء يدعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها وتكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح". أن "الإسلام لم يعرف في حضارته ولا تشريعاته ولا
تاريخه ما يُعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ".
وقدم الأدباء والمفكرون والعلماء لشيخ الأزهر ورقة حول "رؤية الأزهر والمثقفين لمستقبل مصر" شارك في وضعها حسن الشافعي الرئيس السابق للجامعة الإسلامية بباكستان وأحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي والمفكرون سمير مرقص وليلى تكلا وجلال احمد أمين وجابر عصفور والروائيون جمال الغيطاني ويوسف القعيد وبهاء طاهر والمخرج محمد فاضل.
وتأتي هذه الوثيقة في الوقت الذي تشهد فيه مصر جدلا بشان ضرورة وضع الدستور قبل الانتخابات التشريعية أم بعدها حيث يسود الاعتقاد بأن جماعة الإخوان المسلمين القوة الأفضل تنظيما الآن في مصر, ودعا الإمام الأكبر " الشعب المصري وكل القوى الوطنية إلى الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار واجتناب التكفير والتخوين وعدم استغلال الدين لبثِّ الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين".
أن علاقة القوى السياسية والدينية والأزهر تشهد معضلة حقيقية، فالعلاقة بين الحركات الدينية والأزهر علاقة معقدة من خلال ثنائية التنافس والتداخل؛ فتتسم بقدر من التنافس. إذ إن تزايد دور الأزهر يمكن أن يمثل خصماً من نفوذ قوى دينية أخرى موجودة على الساحة كالتيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين، لاسيما أن السنوات الأخيرة أوجدت حالة من الجفاء بين المؤسسة الرسمية وتلك القوى. فالأزهر يرى أن تزايد دور هذه القوى ما هو إلا تعبير عن تهميشه من شتى مناحي الحياة. وفي المقابل، عدت الحركات الدينية الأزهر رمزاً لنظام سياسي فاسد يستخدمه كبوق يوفر له شرعية دينية عبر فتاوى مؤيدة لرغبات النظام، بحسب بروان.
ويمثل التداخل الوجه الثاني من العلاقة بين الأزهر وتلك القوى، فالعديد من المنتمين لهذه القوى لهم وجود داخل الأزهر بصورة أو بأخرى. ومن ثم، فإن انفتاح الأزهر على ساحة العمل العام وإفساح المجال أمامه يعنى المزيد من الوجود لقوى دينية كحركة الإخوان المسلمين والتيار السلفي.
وفي هذا السياق ، تؤيد جماعة الإخوان استعادة الأزهر لدوره،
والاستقلال عن السلطة السياسية؛ فازدهار دور المؤسسة الرسمية لا يعنى إقصاءهم أو الاستغناء عن دورهم في المجتمع. وتنتقل الدراسة إلى رؤية القوى الليبرالية لدور الأزهر، وهى رؤية يعتريها قدر من الانتقائية. فهم من ناحية، يرفضون أي دور رقابي كهنوتي من جانب الأزهر على الإنتاج الثقافي. ولكنهم من ناحية أخرى يرون الأزهر رمزاً للإسلام الوسطى المعتدل يتعين إفساح المجال أمامه ودعمه، كي يكون حائط صد في مواجهة تيارات دينية أخرى تصفها القوى الليبرالية بأنها
تيارات متشددة تميل للتفسيرات الدينية الجامدة.*
*ثورة يناير ومحاولات إحياء الأزهر*
يشير "براون" إلى أن الأشهر التي أعقبت ثورة يناير شهدت تزايد المطالبات بإصلاح الأزهر برمته، واستعادة المؤسسة لاستقلاليتها التي فقدتها منذ سنوات، حينما سعت السلطة السياسية إبان حكم الرئيس "جمال عبد الناصر" لتقويض سلطات الأزهر، وسلب استقلاليته وأصدرت قانون عام 1961، حيث تم استبدال هيئة كبار العلماء التي كانت تتولى إدارة الأمور الرئيسية بالأزهر بمجلس من كبار مسئولي الأزهر، بمن فيهم عمداء الكليات المدنية (العلمانية)، وأصبح تعيين شيخ الأزهر من سلطات رئيس الجمهورية، وتم ربط مكتب شيخ الأزهر بمكتب رئيس الوزراء بدلاً من رئيس الجمهورية، كما نُقلت تبعية الأوقاف الدينية إلى وزارة الأوقاف.
وفي سياق متصل، سعت السلطة السياسية إلى استخدام دار الإفتاء كثقل موازن لشيخ الأزهر، وشرع نظام "مبارك" في القضاء على أي محاولات لإحياء دور الأزهر، عبر تعيين شيخ للأزهر يعبر عن مواقف السلطة السياسية، حيث عمد في عام 1996 إلى نقل المفتى محمد سيد طنطاوي إلى مشيخة الأزهر، وهو المعروف عنه مواقفه المؤيدة للنظام، فضلاً عن تحييد الأصوات المعارضة داخل المؤسسة الدينية، وفي مقدمتها جبهة علماء الأزهر، حيث تمكن النظام السابق من تقليص دورها إلى مجرد موقع على شبكة الإنترنت.
وعشية ثورة الخامس والعشرين من يناير، حاول الأزهر استعادة
دوره من جديد، وهو ما بدا من خلال مؤشرات عدة. ففي مارس الماضي، نظمت مجموعة من علماء الدين مسيرة لمطالبة المجلس العسكري باستعادة مركزية دور الأزهر واستقلاليته، وشرع الأزهر في تشكيل لجنة مهمتها صياغة قانون جديد للأزهر.
ويرجح "براون" أن يتضمن القانون نقاطا عدة، أهمها أن يعاد تشكيل هيئة كبار العلماء، ويكون منوطا بها انتخاب شيخ الأزهر، فضلاً عن نقل سلطة الإشراف على أموال الأوقاف للأزهر. وتزامناً مع هذا، لم يكن شيخ الأزهر بعيداً عن الجدل السياسي الدائر في الدولة، حيث طرح وثيقة الأزهر التي استحوذت على اهتمام واسع.
كما أمسى مكتب مشيخة الأزهر مقراً لاجتماعات مع قوى سياسية متباينة، بدءًا بجماعة الإخوان المسلمين ، مروراً بممثلي تيارات دينية أخرى، وانتهاء بعدد من مرشحي الرئاسة. وهكذا، وجد الأزهر نفسه في مواجهة قضايا شائكة كقضايا العلاقة بين المسلمين والمسيحيين والليبرالية، وموقف الإسلام منها، وشكل الدولة، ودور الدين فيها، وغيرها من القضايا التي فرضت عليه التدخل والبحث عن دور في سياق أفرزته الثورة.
مستقبل دور الأزهر
لقد "ولد الأزهر من رحم السياسة مرتدياً ثوب الدين" – على حد تعبير الدكتور عمار على حسن في كتابه"الإصلاح السياسي في محراب الأزهر والإخوان المسلمين" – إذ إن الأزهر تمكن منذ نشأته من أن يجمع بين الديني والدنيوي (السياسي) ، وهى الحقيقة التي لازمته، ولكنها تعرضت للانزواء في بعض الأحيان، عطفاً على رؤية النظام السياسي القائم، وطبيعة القيادات التي تمتلك زمام الأمور في هذه المؤسسة. وهذه العلاقة بين دور الأزهر الديني ودوره السياسي حاول "براون" تناولها من خلال دراسته، ليخلص إلى أن إرهاصات ساعدت في استعادة الأزهر لدوره، متزايدة عقب ثورة يناير. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن استقلال الأزهر وانفصاله عن السلطة السياسية يعد أحد المتغيرات ضمن منظومة من المتغيرات مرتبطة بمستقبل دور الأزهر.*

التعليقات