قراءة أولية في الانتخابات المصرية

غزة - دنيا الوطن
لم ينعكس زخم المشاركة الشعبية الواسعة ،الشبابية منها على وجه الخصوص، في فعاليات الثورة في بلورة واقع سياسي جديد يفرض نفسه على أطراف المعادلة السياسية والحزبية القائمة

* تطبيق قانون التمثيل النسبي مكن 13 حزبا وكيانا انتخابيا من الحصول على مقاعد في البرلمان فيما أوضحت النتائج وفق قانون الدوائر الفردية أن 7 أحزاب وكيانات فقط بالإضافة إلى المستقلين دخلوا البرلمان

* من كوارث تطبيق قانون الدوائر الفردية أن 11 حزبا وكيانا انتخابيا (دون الإخوان والسلفيين) حصلوا في القوائم النسبية على 109 مقاعد (32%) في حين لم يحصلوا في الانتخابات وفق «الفردية» سوى على 6 مقاعد (3%)

* يتحول الفائز بنسبه عالية من المقاعد وفق «النسبية»، إلى عامل إقصاء عند تطبيق « الفردية». مثال ذلك «الإخوان المسلمون»الذين حصلوا على 38% من المقاعد وفق «النسبية»، لكنهم في نتائج «الفردية» سيطروا على 65% من المقاعد

وضعت الانتخابات البرلمانية المصرية أوزارها بعد أن امتدت وقائعها على ثلاث مراحل استغرقت نحو شهرين، وقد جرت وفق قانون انتخابي مختلط اعتمد فيه التمثيل النسبي عبر القوائم في انتخاب ثلثي مقاعد المجلس (332 مقعد) بينما طبق نظام الدوائر الفردية في انتخاب الثلث المتبقي (166 مقعدا). وفي ختام الانتخابات وإعلان نتائجها تم تعيين 10 أعضاء في المجلس بقرار من رئيس المجلس العسكري الأعلى ليصبح عدد أعضاء البرلمان 508 أعضاء.

امتازت الانتخابات هذه عن سابقاتها في مصر بعدة جوانب، أبرزها المشاركة الواسعة من أصحاب حق الاقتراع تم تقديرها بـ 60% منهم، كما شارك المصريون في الخارج لأول مرة في الانتخابات. وأجمعت معظم آراء المراقبين والمتابعين على أن هذه الانتخابات كانت سليمة في مجرياتها ونتائجها بما لا يمكن أن يقارن بالجولات الانتخابية السابقة التي اتسمت بالتزوير وتفشي المال السياسي والبلطجة وكانت تشهد اقبالا محدودا من الناخبين.

وقد قدمت قراءات أولية كثيرة حول الانتخابات في مقدماتها والبيئة السياسية التي جرت فيها وفي نتائجها. وقد وجدت بعض القراءات أن نتائج هذه الانتخابات لا تتفق تماما مع المسار الذي نهضت به ثورة 25 يناير ويتعلق الأمر هنا بغياب القوى الشبابية المفجرة والدافعة لأحداث هذه الثورة عن المشهد البرلماني المصري كما أفرزته الانتخابات الأخيرة. وقد حفلت وسائل إعلام مختلفة بنقاشات مستفيضة حول هذا الأمر وطرحت أسباب كثيرة حاولت تفسير هذه النتائج، وقد اتفق معظمها في الخلاصة أن القدرة على التعبئة والتحرك في الشارع المصري وغيره لا تنعكس بالضرورة وبشكل ميكانيكي في الانتخابات التي تشكل امتحانا للقدرة على التنظيم. ولا يكفي هنا توافر القدرة على التعبئة والتحريض كما مثلته التجربة الشبابية المصرية في ميادين الثورة.

وربما من هذه الزاوية، كانت توقعات المراقبين أن تتصدر المشهد السياسي الانتخابي القوى والاحزاب والتيارات السياسية التي راكمت خبرات وطاقات لا يستهان بها في مجال التنظيم وتوجيه الرأي العام في محطة كبرى مثل الانتخابات التي تتطلب أيضا تراثا من التكتيك والتخطيط وصياغة التحالفات، والإمكانيات المالية الكبيرة مثل تلك التي انفقت في التحضير لهذه الانتخابات وفي سياقها.

ومع ذلك، هل يمكن القول إن الانتخابات البرلمانية المصرية، بمراحلها الثلاث، قد عكست صورة مطابقة أو قريبة من ذلك لواقع المشهد السياسي والحزبي في مصر، وهل يمكن اعتمادها كأساس تقييم لمنسوب القوة والضعف في واقع الاحزاب والقوى السياسية سواء تلك التي نجحت في دخول قبة البرلمان أو تلك التي لم تتجاوز عتبه الحسم وخرجت من موسم الانتخابات من غير غلة: والأهم من ذلك، هل تعبر سيطرة التيار الاسلامي بشقيه الرئيسيين، الإخوان والسلفيين، على غالبية مقاعد البرلمان عن حقيقة تأثيرهم السياسي والحزبي داخل المجتمع المصري؟

في تغير المشهد السياسي

حصل تغير واسع في المشهد السياسي الذي كان سائدا لعقود خلت إثر حل الحزب الوطني الحاكم بعيد الإطاحة بالرئيس مبارك. كان المشهد يقوم بالأساس على ثلاثة قوائم أساسية يشكل فيها تحالف الحزب الحاكم وأجهزة النظام النافذة حجر الزاوية. وفي القائم الثاني يتموضع تيار الإسلام السياسي الذي تتصدره جماعة الإخوان المسلمين في وقت عزف فيه السلفيون عن الاقتراب من اللعبة السياسية. ويتمثل القائم الثالث في مجموعة من الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية ومنظمات المجتمع المدني، وفي إطار هذه المروحة الواسعة من الطيف السياسي تفاوتت قدرات وأدوار هذه الأطراف وتراوحت علاقتها مع النظام السابق ما بين المعارضة الحادة وبين التزام قواعد اللعبة السياسية كما رسهما النظام.

مع حل الحزب الوطني وتفكيك مؤسساته وملاحقة عدد من مسؤوليه قضائيا، نشأ فراغ سياسي وحزبي سارعت لملئه القوى والتيارات «الجاهزة» واستنفرت جماعة الإخوان المسلمين جميع إمكانياتها لملء المساحة الأوسع الممكنة من الفراغ الناشئ بعد أن وجد «الإخوان» أنفسهم وقد «تحرروا» من قواعد اللعبة السياسية وقيودها كما كانت مفروضة عليهم في المرحلة السابقة. وفي غمرة التجاذبات السياسية مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجأ الإخوان إلى استعراض قوتهم لمرات عدة، وكان واضحا أنهم خرجوا عن تعهدهم السابق بالدخول في العملية الانتخابية من باب المشاركة وجهزوا أنفسهم لخوضها من موقع المغالبة بل والإقصاء أيضا. كما اندفع السلفيون عبر حزبهم «النور» للمشاركة في الحياة السياسية ودخلوا الانتخابات بقوة.

من جانب آخر، لم ينعكس زخم المشاركة الشعبية الواسعة الشبابية منها على وجه الخصوص في فعاليات الثورة في بلورة واقع سياسي جديد يفرض نفسه على أطراف المعادلة السياسية والحزبية القائمة. كما لم تمثل الأحزاب السياسية «القديمة» مصدر جذب لاستقطاب قطاعات واسعة من شباب الثورة وإن كانت قطاعات منهم قد انضمت إلى قوائم بعض الأحزاب وشكلوا معا ائتلافات انتخابية، إلا أن هذه العملية لم تشكل ظاهرة مؤثرة.

كل هذا حدث في قترة قصيرة نسبياً، وفي أقل من عام من تاريخ اندلاع الثورة التي يحيي مشعلوها الحقيقيون هذه الأيام ذكرى تطاير شرارتها الأولى، وهي فترة لا تكفي كي تستجمع القوى والتيارات الناهضة أنفسها وتنظم صفوفها وفق إستراتيجية تؤكد أهداف الثورة وتسعى لتحقيقها.

مفتاح النتائج

عوامل كثيرة تؤدي إلى تقدم المرشحين على طريق الفوز بعضوية البرلمان. وعندما يتعلق الحديث عن قوى وأحزاب وتيارات سياسية، فإن المتابعين يعزون الفوز في الانتخابات إلى توافر الأرضية الأساسية التي تتعلق بعاملين متكاملين: يتعلق الأول بقدرة الحزب أو القوة السياسية على تبني القضايا الأساسية التي ينشغل بها عموم الشعب وتحتل درجة متقدمة من اهتمامات الحزب وقدرته على تحويلها إلى برامج يساهم تنفيذها في تعزيز التنظيم الاجتماعي للأنشطة السياسية والاقتصادية وغيرها بما يعود بالفائدة الملموسة على حياة الناس ويضع البلاد على طريق التنمية الاقتصادية والبشرية في إطار مناخ تتحقق فيه العدالة الاجتماعية وتسود الحياة السياسية مبادئ العمل الديمقراطي والشراكة السياسية وإعلاء قيم المواطنة وحرية التعبير.

والعامل الثاني (المتمم والأساسي معا)، هو قدرة الحزب على الانتقال من التحريض إلى التعبئة ثم التنظيم على أساس البرامج التي وضعها وقدمها للناس. وهذه معادلة ذات سمة عملية مئة بالمئة، وتحتاج إلى سياسات تنظيمية وبنى وهياكل وفعل داخلي نشط يتحول بشكل مباشر إلى فعل جماهيري وسياسي ونقابي ملحوظ ومؤثر، لا موسمية فيه ولا تردد، وأن يترافق هذا الفعل مع سياسات تحالفية سليمة تبتعد عن النفعية الحزبية الآنية وتلتزم مصالح وهموم الناس الذين يتوجه برنامج الحزب إليهم.

ما سبق ليس معادلة كيميائية تخرج بنتائج مضمونة وخاصة في ظل ظروف انتقالية كالتي تشهدها الحالة المصرية التي كانت لعقود خلت من ممارسة العمل السياسي الذي كان موجها من قبل السلطة السياسية الحاكمة وفق قيود منعت الخروج عن قواعدها بأساليب مختلفة. وفي ظل هذه المناخات من استبداد وفساد وقمع، فإن قوى وتيارات سياسية كانت تنمو باضطراد وفق شعارات ايديولوجية مستعينة بما يتوافر لديها من إمكانات مالية هائلة وقد قدمت نفسها في مجالات خدمية عدة كبديل عن الدولة التي غابت قصدا عن حل مشاكل القطاعات الفقيرة والمعدمة، وكان من الطبيعي والحال هذه أن تنمو هذه القوى والتيارات وفق معطيات لا تتصل مباشرة بخطابها الاجتماعي بالعناوين الاقتصادية والسياسية التي تشكل بوصلة الطريق الحقيقية التي تعِّرف بشكل فعلي عن هوية هذه القوى وهذه التيارات. ومع ذلك فإن الأداء السياسي وعلى المدى المتوسط سيضع قطاعات الشعب المصري على نحو أفضل أمام الخارطة السياسية المصرية كما لها وكما عليها.

لكن توافر العاملين السابقين اللذين تم ذكرهما واعتمادهما مفتاحا لنجاح القوى والاحزاب السياسية في اكتساب ثقة الناس وتأييدهم، لا يكفي لوحده لترجمة قوة فعل الحزب في محطات مختلفة وعلى نحو خاص في الانتخابات العامة لذلك فإن طبيعة هذه الانتخابات وقوانينها والبيئة السياسية والقانونية التي تجري وفقها هي اللازمة الضرورية لإظهار قوة الأحزاب وشعبيتها من عدمها.

قانون الانتخابات

جرت الانتخابات المصرية ـ كما ذكرنا ـ وفق قانون انتخابي مختلط، اعتمد فيه التمثل النسبي عبر القوائم في انتخاب ثلثي مقاعد البرلمان (332 مقعدا) واعتمد قانون الدوائر الفردية لانتخاب الثلث المتبقي (166 مقعدا) وتم تعيين عشر أعضاء ليصبح مجموع أعضاء البرلمان 508 أعضاء.

ومن متابعة النتائج النهائية للانتخابات ربطا بالقانون المذكور (انظر الجدول 1) يمكن ملاحظة التالي:

· تطبيق قانون التمثيل النسبي مكن 13 حزبا وكيانا انتخابيا من الحصول على مقاعد في البرلمان وإن تفاوتت حصة كل حزب وكيان وبفوارق ازدادت مع العد التنازلي في ترتيب الأحزاب والكيانات الفائزة. فيما أوضحت النتائج وفق قانون الدوائر الفردية أن 7 أحزاب وكيانات فقط بالإضافة إلى المستقلين تمكنت من الحصول على مقاعد في البرلمان. وبذلك يسمح تطبيق التمثيل النسبي بتفعيل دور وحضور الاحزاب والقوى وفعاليات المجتمع المدني على حد سواء.

· يتحول الفائز بنسبه عالية من المقاعد وفق القوائم النسبية، إلى عامل إقصاء عند تطبيق قانون الدوائر الفردية. مثال على ذلك مرشحو الحرية والعدالة (الإخوان المسلمون) الذين حصلوا على 38% من المقاعد وفق النسبية، لكنهم في نتائج «الفردية» سيطروا على 65% من المقاعد المخصصة لهذه الدوائر.

والسبب في ذلك أن الحزب أو الجهة المرشحة وفق الدوائر الفردية عند منافستها على جميع مقاعد الدائرة، فإن الفوز ولو بفارق صوت واحد عن مرشحين آخرين يؤدى حكما إلى إلغاء نتائج الخاسرين وضياع أصوات المقترعين لصالحهم هباء. وبالتالي يستولي الفائز ولو بفارق بسيط على كل شيء. في حين يصون تطبيق التمثيل النسبي أصوات المقترعين ويثمرها بمجرد وصول عدد أصواتهم إلى عتبة الحصول على مقعد في البرلمان أو أكثر.

ولأسباب تتعلق بالوضع الذي تعيشه الحالة المصرية في هذه المرحلة، فإن معادلة الاقصاء أصابت أولا حزب النور السلفي عندما تصارع مع الإخوان المسلمين على مقاعد الدوائر الفردية. فبعد أن حصل في القوائم النسبية على 24% من المقاعد، تراجعت غلته إلى 16% فقط في الدوائر.

· ومن كوارث تطبيق قانون الدوائر الفردية أن 11 حزبا وكيانا انتخابيا (دون الإخوان والسلفيين) حصلوا في القوائم النسبية على 109 مقاعد (32%) في حين يحصلوا في الانتخابات وفق «الفردية» سوى على 6 مقاعد (3%) من الحصة المخصصة للدوائر الفردية.

· في جانب متصل، يحدد عدد الاصوات اللازمة للحصول على مقعد واحد في البرلمان وفق القوائم النسبية من خلال تطبيق معادلة حسابية واضحة ومعروفة للجميع. فيقسم عدد الأصوات الصالحة في كل دائرة انتخابية على عدد المقاعد المحددة لهذه الدائرة. وبذلك تتساوى قيمة المقاعد (تقريبا) في الدائرة الانتخابية. ولكن وعند تطبيق قانون الدائرة الفردية، فإن «كلفة» المقعد تتحدد بما يحصل عليه المرشح الفائز ويمكن أن يرتفع أو ينخفض وفقا للدائرة وعدد المقترعين لصالحه وبحسب تصنيف المرشح بين الفئات والعمال وهكذا. وبهذه الطريقة يمكن أن يحصل مرشح ما على مقعد مقابل 150 ألفا من الأصوات في حين يخرج الذي حصل على 149 ألفا صفر اليدين من المعركة الانتخابية. في حين وعند تطبيق قانون التمثيل النسبي فإن مجموع الأصوات (299) ألفا توزع على عدد المقاعد المخصصة وبذلك تأخذ كل جهة مرشحة حصتها بحسب المعادلة الحسابية التي تم ذكرها.

· وعند تطبيق قانون التمثيل النسبي، لا توجد عمليا أصوات ضائعة. فهناك آليات وطرق عالمية معتمدة في احتساب الأصوات «الزائدة» يمكن توزيعها على الفائزين وفق اتفاقات مسبقة تحت إشراف اللجنة المعنية بالانتخابات ووفق الآليات والطرق العالمية التي يمكن اعتمادها. وهذا يعني على الأقل أن من يذهب إلى صندوق الاقتراع ويدلي بصوته يضمن في سياق تطبيق قانون التمثيل النسبي أن صوته سيبقى وسيتحول إلى رأي سياسي يجد مكانه وصداه في «المجلس الموقر».


التعليقات