مؤشرات الجريمة تتراجع بالأقاليم الجنوبية للمغرب

الرباط - دنيا الوطن
مصدر أمني: نسبة الجريمة بهذه المدن هي الأقل وطنيا، وتسجيل مسالك جديدة لتهريب المخدرات

إن استقراء المؤشرات الرقمية للوضع الأمني بالأقاليم الجنوبية للمغرب، لا يمكن أن يتم بمعزل عن الأحداث والمتغيرات التي شهدها المغرب خلال سنة 2011م، التي كانت بحق سنة استثنائية بكل المقاييس، خاصة مع تواتر حالات التجمهر والتدافع العرضي للشارع العام، وفي ظل دينامية سياسية تميزت بمجموعة من الاستحقاقات السياسية والانتخابية.

كما أن المسح الجغرافي للجريمة بالأقاليم الجنوبية للمغرب، ومقاربتها من حيث النوع والعدد والتوزيع المكاني، يقتضيان أولا استحضار عدد من الإكراهات والرهانات الخارجية والإقليمية المتفاعلة إيجابا وسلبا مع الوضع الاجتماعي.

فسنة 2011 كانت حبلى بالأحداث الاستثنائية والمتغيرات الطارئة التي راهن من ورائها أعداء الوحدة الوطنية على تجييش الشارع وافتعال الأزمات الاجتماعية الداخلية، خدمة لأجندة مناوئة، لكن تلك المحاولات كان مآلها الفشل الذريع بالنظر إلى المعطيات الإحصائية المسجلة في الواقع.

فالسنة المنصرمة، كما سلف الذكر، كانت موعدا لإطلاق حملة دعائية من قبل البوليساريو لإحياء ما يسمى بالذكرى السنوية الأولى لهجرة المواطنين الصحراويين إلى منطقة أكديم أزيك، ومناسبة أيضا لاختلاق الإشاعات المغرضة حول الوضع الأمني بالمنطقة، من خلال الترويج الدعائي لمزاعم حول شيوع الجريمة واستفحال الاعتداءات وتراجع الوضع الحقوقي، في محاولة يائسة لتدويل الملف وإعطاءه بعدا سياسيا بعدما انحسر مؤشر التعاطف مع البوليساريو في المحافل الدولية، إثر سقوط نظام القذافي، وانحسار دور الجزائر الإقليمي، وتأكيد وجود علاقات قوية وتقاطعات مصلحية بين الجبهة المزعومة والتنظيمات الإجرامية والإرهابية بمنطقة الساحل والصحراء.

وبالرغم من كل هذه التحديات، تكشف الإحصائيات المسجلة أن الوضع الأمني بالأقاليم الجنوبية للمغرب لم يتأثر كثيرا بهذه الادعاءات، بل على العكس من ذلك حافظت الجريمة على استقرار نسبي في مؤشراتها الرقمية، مع تراجع كبير في الإجرام الموسوم بالعنف، مقارنة مع السنوات المنصرمة، كما تم تسجيل ارتفاع مضطرد في نسبة الضبطيات والمحجوزات من المخدرات والمشروبات الكحولية.

فعلى مستوى المظهر العام للجريمة مثلا، نلاحظ أن عدد الموقوفين من طرف مصالح ولاية أمن العيون، بما فيها الداخلة والسمارة وطانطان وكلميم، تجاوز خلال السنة المنصرمة 11500 شخصا، من أجل تهم وجرائم مختلفة، تكتسي في غالبيتها طابع الجنح والمخالفات، مع مؤشرات ضعيفة تهمُّ الجنايات المقرونة بالعنف مثل الضرب والجرح المفضي للموت دون نية إحداثه والسرقات بالعنف. كما سُجل أيضا تزايد عدد الأشخاص المبحوث عنهم الذين تم توقيفهم، والذي ناهز 2500 شخصا تقريبا، أي بمعدل شهري يفوق 200 مبحوث عنه شهريا في المناطق الحضرية المكونة لولاية أمن العيون.

في سياق آخر، يؤكد تنامي قضايا تهريب المخدرات المسجلة بالمنطقة خلال السنة المنصرمة، وجود قرائن قوية على أن الشبكات الإجرامية أصبحت تبحث عن مسالك جديدة للتهريب، تراهن على المسلك البحري الجنوبي "طرفاية-العيون في اتجاه جزر الكناري"، بعدما كان الاهتمام منصبا على امتداد سنوات طويلة على المسالك الشمالية للمغرب. هذه القناعة تؤكدها الشحنات المخدرة المحجوزة، التي ناهزت 560 كيلوغرام من مخدر الحشيش، وحوالي 25 كيلوغرام من مخدر الكيف الممزوج بطابا، وأكثر من 14 ألف علبة سجائر مهربة، ناهيك عن أكثر من عشرة ألاف لتر من المشروبات الكحولية.

كما تكشف نفس الإحصائيات أن نسبة زجر الجرائم ناهزت 95% ، بحيث تم استجلاء حقيقة جميع جرائم القتل وقضايا الضرب والجرح المفضي إلى الموت التي تم تسجيلها بهذه المناطق، وكان آخرها جريمة القتل التي ذهبت ضحيتها سيدة بمدينة الداخلة، عثر على أجزاء من جثثها مهملة بمواقع مختلفة، قبل أن يتم تحديد هويتها وتوقيف القاتل المفترض بمدينة طانطان يوم 9 يناير الجاري، وقبلها كانت مصالح الشرطة القضائية بالعيون قد ألقت القبض على الزوج مرتكب جريمة القتل المزدوج في حق زوجته وطفلته نتيجة خلافات عائلية.

وفي تعليقه على هذه المعطيات، يؤكد مصدر أمني أن "المؤشرات الإحصائية الخاصة بالجريمة بالمناطق الجنوبية للمملكة هي الأقل نسبة على المستوى الوطني مقارنة مع باقي مدن المملكة، وتتميز بالاستقرار وتدني الجرائم المؤثرة في الشعور بالأمن"، وهو المعطى نفسه الذي تفسره فعاليات محلية بأنه نابع من شخصية المواطن الصحراوي، وطبيعة التقاليد والعادات التي تحكمه، والتي تقوم على مفاهيم أخلاقية وتربوية تزدري الجريمة وتستهجن المخالفين للضوابط المجتمعية والقبلية.

التعليقات