الأستعباد فى ثوبه الجديد " العمالة الأجنبية فى الخليج " بقلم : عاطف البرديسى

غزة - دنيا الوطن
لا نعرف تحديدا كيف نشأت عبودية الانسان للانسان غير تلك النظريات التي تشير الى أنها كانت متزامنة مع معرفة الانسان للملكية فكان أول ما امتلكه هو نظيرة الانسان.الحضارات أغلبها ان لم تكن جميعها بما في ذلك الحضارة الاسلامية قد مارست تجارة العبيد أو كما تسمى أحيانا بتجارة الرقيق. وعلى الرغم من ممارسة تلك الحضارات لهذه التجارة الا انه قد أختلف في مدى القسوة وطريقة التعامل.تجارة العبيد كانت تنشأ من خلال مغامرات صائدي الرؤوس أو غنائم الحرب، ثم تنتهي بسوق خاص يسمى بسوق النخاسة حيث يعلن المزاد على أعلى سعر لتتم عملية البيع والشراء. راجت هذه التجارة في نهاية القرون الوسطى تزامنا مع صعود النجم الأوروبي حيث غزا البرتغاليون والأسبان القارة السوداء وتاجروا برؤوس أبنائها في أوروبا ثم في الأرض الجديدة في أمريكا.ومع بروز فلسفات الديموقراطية وتبلور مفاهيم حقوق الانسان تصاعدت نبرة المنادين بانهاء هذا العمل غير الانساني حتى تبنته الدول الأوربية في أواخر القرن الثامن عشر وصولا لتقرير بعض الدول ذلك في دساتيرها مثل بريطانيا وأمريكا في القرن التاسع عشر، وانتهاء ولاعلان عصبة الأمم في عام 1906 بعد مؤتمر العبودية بتجريم الاستعباد واعتبارها جريمة جنائية دولية.هذا لا يعني بأن الشرق كان خاليا أبان تلك الحقبة من تجارة الرق، بل كانت تجارة رائجة في كل من الصين والهند وايران ومنطقة الخليج أيضا بحيث ظلت قائمة حتى النصف الأول من القرن العشرين.ويذكر الدكتور محمد مرسي عبدالله في دراسته المتميزة بريطانيا وتجارة العبيد في الخليج التي نشرها المجمع الثقافي في أبو ظبي، ان البريطانيين قد وقعوا اتفاقية مع الشيخ سلطان بن صقر القاسمي بمنع استيراد العبيد في عام 1847 مما يدل على أنها كانت تجارة رائجة في المنطقة قد استمرت برغم ممانعة البريطانيين حتى منتصف القرن العشرين.وعلى الرغم من وجود الاستعباد في الشرق ولربما استمراره لفترة طويلة بعد تجريمه دوليا وفي العالم المتقدم الا ان الوثائق البريطانية تشير الى ان المعاملة وطبيعة هذا الاسترقاق كانت مختلفة من حيث ان معاملة الأسياد لعبيدهم كانت انسانية ولا تتسم بالروح البشعة التي كان السيد الغربي التي كان يتعامل بها مع العبد المسلوب لكل شيء.على كل حال ذهبت هذه العبودية في شكلها التقليدي ولكنها لم تنتف تماما من الواقع بشكلها العملي.تتهم دول الخليج بأنها تمارس حالة الاستعباد وتجارة الرق بشكل جديد حيث تستقدم العمالة الهامشية من الدول الأكثر فقرا وتستخدمهم في المنازل والمرافق العامة دون رعاية لأبسط حقوقهم المدنية والعمالية.قد يكون في ذلك الاتهام يحمل قصصا كثيرة وحقائق عديدة لا يمكن ان تنكر، لكنها ليست الحقيقة بالكامل.في دول الخليج هناك انتهاكات لحقوق العمالة الهامشية وهو شيء لابد من معالجته والتعامل معه وفقا المعايير الدولية والانسانية، لكن المشكلة الاستعبادية أشمل من كونها انتهاكا لحقوق مادية أو مدنية لأفراد.المشكلة الحقيقة التي يعايشها الاقتصاد العالمي منذ فترة طويلة هي تلك المتعلقة بحقوق الشعوب التي انتهكتها الآلة الصناعية والممارسة الراسمالية غير الأخلاقية ضد الشعوب ما جعلت هناك اختلالا كبيرة في بنية الاقتصاد العالمي فجعلت ثلثي شعوب العالم يرزحون تحت مظلة الفقر حيث ان هناك حوالي 900 مليون نسمة يعانون من الجوع.البنك الدولي وجد ان هنالك 45 دولة معظمها في أفريقيا تعتبر فقيرة، كما تشير التقارير الدولية الى ان %45 من فقراء العالم يعيشون في دول غنية منهم 30 مليون في الولايات المتحدة الأمريكية.الجشع الرأسمالي وتراكم آثار الاستعباد التاريخي أدى بشكل الى هلاك ملايين البشر بينما يرزح الملايين منهم تحت خط الفقر والمرض والجهل، كل ذلك في مقابل انتهاكات مدنية حقوقية، ذلك لا يمكن قبوله في أي ميزان يوضع لقياس العدالة.ان العلاقة التاريخية واضحة بين الاستعباد التاريخي التقليدي والعبودية الجديدة في شكليها الاقتصادي والسياسي، ان تجليات هذه العلاقة واضحة في واقع أفريقا تلك القارة الخضراء الغنية التي غزاها الغرب منذ حوالي خمسة قرون فأستعبد أهلها وجردها من خضرتها وحول هضابها لقفاري تجوب بها الحروب والأمراض، واليوم هو الغرب أيضا المسؤول الأساسي عن المجاعة والفقر نتيجة سياساته الاقتصادية.لا نقول ان تلك الظاهرة التي تنشأ من مصدرها الأساسي في العقل البشري هي محصورة في الغرب، وان كان هو المتهم الرئيسي بها، لكن الكثير ممن كانوا يستأنسون بتجارة الرق في الشرق أيضا قبل مئات السنين هم أيضا موجودون في عصرنا يتلاعبون بمصير الشعوب والفقراء، ان العلاقة واضحة مصدرها عقل بشري جشع.


الغريب في تلك الصيحات التي تكيل التهم لدولنا بأنها تمارس الاستعباد والرق لا ترى الا بعين واحدة فقط.لماذا لا يتم الاعلان عن الذنب الجماعي عن تلك المجازر التي حصلت قبل مئة أو مائتي عام في الشرق وفي أفريقيا وما ورثته من ويلات لا يمكن الخروج منها عبر برامج وضيعة مثل تلك التي يتفضل بها السادة في الغرب.

لا يمكن قبول هذا الخلط بين حوادث الماضي وظواهر في الحاضر، ولا يمكن تبرير الانتهاكات التي يمارسها البعض في دولنا ضد العمال والمستخدمين حيث ان معظم ما يتم اثارته من تلك الانتهاكات صحيح، فلماذا هذا النكران واللف والدوران.دول الغرب أعلنت عن خطأها وتبنت أنظمة لردم الهوة الاجتماعية الناتجة من الممارسات العنصرية التي لا تزال تمارس فى الخليج وخاصة فى الكويت والسعودية .
لو كانت هذه الدول فقيرة معدمة ربما لوجدنا بعض العذر، ولكنها ليست كذلك، وارصدتها طافحة بالمليارات، وحكامها ونسلهم ينعمون بالقصور واليخوت والعيش الرغد.
هذا الوضع المخجل يسيء للاسلام وتعاليمه، مثلما يسيء لكل القيم البشرية والانسانية، ولهذا يجب ان يتغير. فالاصلاحات يجب ان تكون شاملة، وتضع حقوق الانسان علي قمة أولوياتها، وتعني بحقوق كل البشر المواطنين والمقيمين , المقيم فى الخليج عالعبد ينظرون اليه وكأنه نكرة أو ليس انسانا مثلهم .
دول الكفر الغربية تمنح الجنسية للمهاجرين فيها بعد خمس سنوات، وتعاملهم معاملة المواطن، وتفتح لهم ابواب المشاركة في السلطة والاحزاب، وهناك العشرات بل والمئات من النواب والاعضاء العرب في البرلمانات والمجالس البلدية في امريكا واوروبا وامريكا الجنوبية، واتحدي ان اري اجنبيا، عربيا او مسلما، في اي من مجالس الشوري او المجالس البلدية في دول الخليج.الحكومة السعودية تنتهك حقوق الانسان الاجنبي، وتعامل هؤلاء كعبيد في معظم الاحيان، في اطار نظام الكفيل الجائر المهين، فالعامل الاجنبي يصبح عبدا لدي هذا الكفيل، ولا يستطيع ان يتحرك الا بامره، وعليه ان يخضع لكل طلباته بالكامل. فجواز سفره دائما في حوزة الكفيل، لا يتسلمه الا في حالة السفر، وعليه ان يعيده فور عودته.
والاخطر من هذا ان العامل او الموظف او الطبيب الاجنبي معرض للترحيل في اي وقت، حتي لو اقام في البلاد اربعين عاما، فليست هناك اقامة دائمة ولا حقوق مكفولة بالتمتع بالجنسية، سواء للعامل او لابنائه.
ولا بد من التعريج علي الكويت الدولة التي تتباهي بأنها قدمت اول ديمقراطية وبرلمان منتخب في الخليج، والتذكير بان هناك اربعمئة الف شخص من فئة البدون عاشوا علي ارضها اربعين او خمسين عاما، وممنوع عليهم الحصول علي الجنسية، مثلما ممنوع عليهم تسجيل زواجهم وطلاقهم، والحصول علي شهادات ميلاد لابنائهم، وادخالهم المدارس الحكومية.
ومن هنا أناشد المجتمع الدولى متمثلا فى الأمم المتحدة وحقوق الأنسان بالنظر فى هذا الموضوع الخطير .

التعليقات