دراسة لمركز العودة الفلسطيني حول انتهاك الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان في فلسطين

أعده نسيم أحمد الباحث في مركز العودة

صدر تصريح بلفور حاملاً وعدين متلازمين, أولهما تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين, والثاني هو التأكيد على عدم حدوث ما من شأنه المساس بحقوق المجموعات غير اليهودية على أرض فلسطين. وبغض النظر عن اللهجة الاستعمارية الخالصة والملتوية لهذا التصريح، فقد أدى هذا التصريح إلى نشوء حوادث ستؤدي فيما بعد إلى ذلك الشيء بالذات الذي خشي منه بلفور نفسه، ألا وهو المساس بحقوق السكان الأصليين لفلسطين.

لعلها السذاجة، أو لعله التكتيك، كان السبب وراء عدم قدرة بلفور علي استيعاب التعارض بين التطلعين الذين تبناهما. إن السير خلافاً للمعالم السياسية والتاريخية والسكانية للمنطقة بفرض دولة تُعرف على أساس هويتها الإثنية والعرقية, وفي ذات الحين قطع وعد بضمان دولة ديمقراطية علمانية، هو تعبير عن عقل متناقض, ولا شك أن التاريخ حكم بأن مثل هذين التطلعين لا يستقيمان وبعضهما البعض. إن هدف هذه الورقة هو استكشاف لأي مدى تم التفريط بحقوق الفلسطينيين في سياق السعي لتحقيق التطلعات الإسرائيلية في فلسطين. تسعى هذه الورقة أيضاً إلى تبيان الأسباب التي مازال من أ جلها شعب من الشعوب، ألا وهو الشعب الفلسطيني، يعاني من الانتهاك المستمر لحقوقه.

إن هذه الورقة مساهمة متواضعة في فعاليات اليوم العالمي لحقوق الإنسان والذي تقيمه الأمم المتحدة سنوياً في العاشر من ديسمبر إحياءً لذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وعن هذه الحملة السنوية، التي تم إطلاقها في العام 1948، يقول الأمين العام للأمم المتحدة : "تسعى هذه الحملة إلى تذكير الجميع في عالم لا يزال يترنح من فضائع الحرب العالمية الثانية أن هذا الإعلان أول نص عالمي عما نتعامل معه هذه الأيام كشيء مسلم به, ألا وهو الكرامة والمساواة المتعينتان بالأصالة لجميع البشر" (1) . لقد كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أول اعتراف عالمي بأن للبشر جميعهم حقوقاً وحريات أساسية, وهو الإعلان الذي مازال باقياً ولازماً حتى يومنا هذا. إنه يمثل القاعدة المعيارية للنظام الدولي لحقوق الإنسان الذي يشمل مواثيق الأمم المتحدة � �لمتعددة الخاصة بحقوق الإنسان والمعاهدات الأخرى التي لا حصر لها بين الدول بهذا الصدد.

وفيما يتصل بحقوق الإنسان, فإن هذه السنة ليست كغيرها؛ والناشطية في ميدان حقوق الإنسان لم تكن أبداً أكثر حيوية أو اقترابا من الجوهر مما هي عليه الآن؛ وبواسطة القوة التحولية في وسائط الإعلام الاجتماعية، تحول الناس العاديون حول العالم إلى نشطاء لحقوق الإنسان.

إن الهبة الشعبية في الشرق الأوسط على مدار العام الماضي هي تذكرة قوية بالأهمية البالغة لإعادة التذكير (والأهم منه تعزيز) بالقيم والمبادئ التي يضمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لقد قرر الملايين من البشر أن يطالبوا بحقهم، ونزلوا إلى الشارع، وطالبوا بالتغيير، صوتهم طليق قوي ثابت، ويستخدمون الانترنت ووسائل التراسل الآنية لإعلام مؤيديهم وتحميسهم وحشدهم للسعي للحصول على حقهم. وشارك الفلسطينيون أيضاً, ونزلوا إلى الشارع في فلسطين وعلى طول المنطقة مُلهمين بروح إخوانهم في وقوفهم في وجه الظلم وسعيهم لنيل حقوقهم. لقد كانت العلاقة الحميمية بين ا� �نضال الفلسطيني وجميع المظاهرات الأخرى جلية جداً؛ حيث رفع المتظاهرون في تونس ومصر وليبيا الأعلام الفلسطينية تضامناً واعترافاً منهم بأن نضالهم في سبيل حقوقهم الإنسانية لا ينفصل عن ذلك الصراع الأطول للفلسطينيين لنيل حقوقهم الإنسانية.

وبينما يحاول الملايين على امتداد الشرق الأوسط تعديل العلاقة بين الدولة ورعاياها وإعادة النظر في هذه العلاقة، مازال الفلسطينيون منذ عقود يناضلون للوصول للشيء نفسه. إن مما يقع في لب حقوق الإنسان أن الدولة توجد لرعاية الحقوق الإنسانية لمن تحكم؛ ومع هذا، وبالنسبة للفلسطينيين، فقد تعرضوا لكافة أشكال القمع والانتهاكات من قبل الجهة التي تقوم عليهم مقام الدولة والتي تتحكم في حياتهم, لقد كان الغياب الكامل لحقوق الإنسان والقمع والانتهاك الإسرائيليين الوقود الذي أشعل الانتفاضة الأولى وأشعل الهبات الأخرى على مدى عقود من الزمن.

ستسير هذه الورقة على الترتيب التالي: فبعد مقدمة مختصرة عن نشأة حقوق الإنسان ونظام حقوق الإنسان, سيتبع ذلك مناقشة إضافية عن مدى إنطباقية القانون الدولي الإنساني على فلسطين، وستقوم الورقة بعد ذلك بعرض حقائق ووقائع تاريخية وأبحاثاً معاصرة تصف سبعة عقود من ممارسة انتهاك حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين.

الطرح الرئيسي لهذه الورقة، والمدعم بالحقائق المقدمة فيها، هو أن الانتهاك المستمر لحقوق الإنسان الممارس ضد الفلسطينيين هو من رواسخ المنطق الصهيوني, لا يتحقق النجاح لأحدهما دون الآخر. أما الجزء الختامي فسيحاول اكتشاف الأسباب التي تقف وراء هذه الخروقات لحقوق الإنسان، وسيركز على الفشل المخجل في ردم الهوة بين الحقيقة والتطلعات.

أولاً:  نشأة حقوق الإنسان

في الوقت الذي لا يمكن فيه الإنكار أنه وفي أي ممارسة سياسية يوجد هناك مفهوم ما عن حقوق الإنسان، إلا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان أول وثيقة تقوم بصوغ معايير لحقوق الإنسان متفق عليها دولياً.

في العام 1948، وفي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، قامت منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت حديثاً آنذاك بتبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لقد سعى المجتمع الدولي كرد فعل له على الفظاعات التي ارتكبت قبل وأثناء تلك الحرب إلى تعريف الحقوق والحريات اللازمة لكرامة كل إنسان وقيمته.

إن العنف الذي صاحب الحرب العالمية الثانية وما تسبب به من شعور بالصدمة أوحى إلى الدول الحليفة بفكرة إنشاء منظمة حفظ سلام مهمتها منع تكرار مثل تلك الفضاعات. وفي 12 يونيو 1941، بدأت الخطوات الأولى نحو إنشاء الأمم المتحدة بتوقيع الحلفاء على وثيقة "الإعلان المشترك". جرى توقيع هذا الإعلان في لندن، وتعهد فيه الحلفاء بأنهم "سيعملون سوياً، ومع الشعوب الحرة الأخرى، سواء في السلم أو في الحرب".

تم اتخاذ الخطوة الأولى لإنشاء النظام الدولي لحماية حقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948 في باريس, عندما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكان ذلك إعلاناً عن الحقوق الثابتة والمصانة لجميع الأفراد في الأسرة الإنسانية؛ وتم إشهار ذلك الإعلان في قرار للجمعية العامة في 10 ديسمبر 1948 على أنه "معيار تطبيق مشترك لكافة الشعوب والأمم"؛ والإعلان يسرد مجموعة كبيرة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي للبشر أينما كانوا الحق في التمتع بها.

يحتوي الإعلان، بالإضافة إلى الديباجة، على ثلاثين مادة تجمل الحقوق العالمية للبشر. بعض هذه الحقوق التي شملها الإعلان هي:

•    لكل إنسان الحق في التمتع الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان بدون تمييز من أي نوع, سواء كان على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين... وأيضاً لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو المنطقة التي ينتمي إليها الشخص، سواء كان استقلالاً أو وصاية أو احتلالاً أو أي شكل آخر من أشكال السيادة.
•    لا يجوز القبض على أي شخص أو حبسه أو نفيه تعسفاً.
•    لكل الشعوب الحق في تقرير المصير, ولهم بموجب هذا الحق أن يقرروا وضعهم السياسي وكذلك السعي بحرية للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
•    لكل إنسان الحق في حرية التنقل والإقامة داخل حدود كل بلد من البلدان.
•    للجميع الحق في طلب اللجوء لأي بلد والتمتع به هرباً من الاضطهاد.
•    حرية الفكر والاعتقاد والدين.
•    لكل إنسان الحق في الحصول على جنسية.
•    لا يجوز حرمان أي أحد تعسفاً من جنسيته ولا أن يُمنع من الحق في تغيير جنسيته.
•    لكل إنسان الحق في التمتع بأي نظام اجتماعي أو عالمي تتحقق فيه بشكل كامل الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان.
•    لا يمكن تفسير أي شيء في هذا الإعلان بمعنى يسمح لأي دولة أو مجموعة أو شخص بالانخراط في أي نشاط أو ممارسة أي فعل بهدف القضاء على أي من الحقوق أو الحريات المنصوص عليها هنا. (2)

وبالإضافة للوثيقة العالمية للحقوق, فإن المصادر المعاهاداتية الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان تضم كلا من العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966), بالإضافة إلى العهد الخاص بالتطهير العرقي (1948), والتمييز العنصري (1965), والتمييز ضد المرأة (1979), والتعذيب (1984), وحقوق الطفل (1989).

وهناك نصوص أخرى على المستوى الإقليمي منها الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (1950), والإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان (1948), والميثاق الإفريقي الخاص بحقوق الإنسان والشعوب (1981).

تتنوع المنزلة القانونية لهذه النصوص ما بين إعلانات ومبادئ وإرشادات وقواعد معيارية وتوصيات ليس لها صفة الإلزام القانوني, والتي لها مع هذا قوة أخلاقية لا يمكن إنكارها وهي توفر التوجيه العملي للدول؛ والمعاهدات والقوانين والبروتوكولات والاتفاقيات الملزمة قانوناً للدول التي توقع عليها أو تقبل بها. 
يوجد هناك تسع معاهدات دولية أساسية لحقوق الإنسان، وكل واحدة منها أقامت لجنة من الخبراء لمراقبة تطبيق الدول الأعضاء لبنودها, وتم إلحاق بعض هذه المعاهدات ببروتوكولات اختيارية تختص بقضايا محددة.

ولكل معاهدة حقوق من هذه هيئة رقابية تضم خبراء مستقلين يقومون بفحص التقارير التي تقدمها الدول الأعضاء في بموجب المعاهدة, وتقوم هذه اللجان أيضاً بمهمة إصدار "ملاحظات أو تعليقات ختامية" يجملون فيها ما يشغلهم بخصوص دول معينة, بالإضافة إلى إعطاء توصيات فيما يتعلق بالمستقبل.

إن أغلب هذه المعاهدات، إن لم تكن كلها، هي ذات علاقة بالفلسطينيين بشكل أو بآخر، وخصوصاً منها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العرقي, والعهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية ضد التعذيب والأشكال القاسية واللانسانية والمهينة الأخرى للمعاملة أو التعذيب, والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.

وبالإضافة إلى وثيقة الحقوق والاتفاقات الأساسية الأخرى لحقوق الإنسان، توجد هناك العديد من النصوص الدولية الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان التي تتنوع منزلتها القانونية بين إعلانات ومبادئ وإرشادات وقواعد معيارية وتوصيات، وهي ليس لها صفة الإلزام القانوني, ولكن لهذه النصوص قوة أخلاقية لا يمكن إنكارها وهي توفر الإرشاد العملي للدول في عملها، وهناك المعاهدات والقوانين والبروتوكولات والاتفاقيات الملزمةً قانونا للدول التي توقع عليها أو تقبل بها.

إن التكييف الدولي لهذه الوثيقة يضمن، من الناحية النظرية على الأقل، مجموعة من القيم والمبادئ المعيارية الملزمة للجميع. لقد كانت هذه الوثيقة الأولى من نوعها في تاريخ حقوق الإنسان، فقد تم صياغتها من قبل ممثلين لخلفيات قانونية وثقافية متعددة ومن مختلف المناطق في العالم. وفي ديسمبر 1948 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عن هذا الإعلان كمعيار متفق عليه للإنجازات لجميع الشعوب والأمم، وهو يقدم ولأول مرة حقوقاً إنسانية أساسية لتكون مصانة.

ضم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أصله 58 خلفية ثقافية وجغرافية وسياسية لغرض صياغة وثيقة واحدة. ورغم عدم تمتع هذا الإعلان بصفة الإلزام القانوني، إلا أنه أرسى معاييراً دولية لحقوق إنسانية تم تعريفها في معاهدات أخرى ملزمة قانوناً.

وخلافاً لما عليه الحال في الوحدات السياسية المحلية والوطنية، كان عدم تطبيق القانون هو السائد على صعيد السياسية الدولية. والطريقة الوحيدة لإيجاد قوانين منظمة رغم حالة عدم الالتزام السائدة هذه هو الاتفاق على إطار مشترك. ومثل هذه الأطر من الممكن إيجادها فقط عندما تكون الدول قادرة على الاتفاق على معايير أو إجراءات تحكم تعاملاتها رغبة منها في تجنب تبعات عدم التنسيق بين الدول في عمل كل واحدة منها على حدة. لقد نادى النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بنظام يمنع الجرائم الممنهجة ضد الإنسانية، وهي الحقيقة  التي إذا لم تكن إلا التذكرة الوح� �دة القوية لرؤية راينهولد نايبورس بأن "نزوع الإنسان للخير يجعل الديمقراطية ممكنة ونزوعه للشر يجعلها ضرورية" لكفت

ثانياً: إنطباقية القانون الدولي الإنساني 

بالإضافة إلى قانون حقوق الإنسان الذي يتمتع بضمانة دوليةً, هناك أيضاً بنود أخرى تنطبق على حالات الصراع، والتي وضعت بدورها لحماية الحقوق الإنسانية للمدنيين وغير المقاتلين. ودائماً ما تجادل إسرائيل في مسألة أي من الأطر القانونية الدولية هو الأصلح دون غيره للحالة الفلسطينية، وذلك رغم التوافق الدولي على الانطباق القانوني بهذا الصدد لبنود حماية حقوق المدنيين. لقد أكد مجلس الأمن الدولي على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وذلك في 25 قراراً من قراراته؛ والعديد من هذه القرارات تدعو إسرائيل بصفتها القوة ا لمحتلة إلى الالتزام ببنود هذه الاتفاقية والقبول بانطباقيتها القانونية. وتبني مجلس الأمن ومعه هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة, مجموعات عدة من القرارات التي تؤكد على نفس الموقف، مع الدعوة أيضاً إلى إنهاء الاحتلال والتأكيد مراراً على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وضرورة تحقيقها. (3)

ومع هذا، فإن إسرائيل ترفض القبول بالانطباق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، وقامت بارتكاب انتهاكات خطيرة لكل بند ذو علاقة في الاتفاقية. لقد قامت إسرائيل، القوة المحتلة، ومنذ اللحظات الأولى لبدء احتلالها بالشروع فوراً في فرض مالا حصر له من الإجراءات القمعية مثل الاعتقال الإداري والترحيل وهدم المنازل وأشكال أخرى من العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، مسببة لهم بذلك المعاناة والضرر الجسيمين.(4)

أقوى المواقف بهذا الصدد اتخذته محكمة العدل الدولية في يوليو 2004 بإصدارها الرأي الاستشاري بخصوص التبعات القانونية لبناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لقد رفضت المحكمة قراءة إسرائيل للمادة رقم 2 من القانون الدولي الإنساني  في نفس الوقت الذي ترفض فيه إنطباقية هذا القانون. لقد كانت المحكمة في رأيها هذا منسجمة مع قرارات مجلس الأمن التي قالت بأن القراءة الصحيحة للقانون هي أن أي احتلال ينجم عن صراع مسلح يخضع في أحواله لبنود القانون الإنساني.

تعاملت العديد من قرارات مجلس الأمن وقرارات أخرى للأمم المتحدة مع انتهاكات إسرائيلية خطيرة ومحددة مثل المستوطنات، والإجراءات المتعلقة بالقدس، والترحيلات، وإطلاق النار العشوائي على المدنيين، والعقاب الجماعي. جميع هذه القرارات تستنكر مثل تلك التصرفات الإسرائيلية غير القانونية وتدعو إلى وقفها وإلى التزام إسرائيل ببنود اتفاقية جنيف وبما تنص عليه تلك القرارات التي دعا مجلس الأمن في البعض منها إلى اتخاذ إجراءات من شأنها توفير الأمن والحماية للسكان المدنيين الفلسطينيين وطلب فيها من الأمين العام للأمم المتحدة القيام بمهام معينة بهذا الصدد. (5)

لقد عبر المجتمع الدولي عن طريق قرارات الأمم المتحدة عن رفضه الدائم والمتكرر لإدعاءات إسرائيل وسياساتها وممارساتها في الأرض المحتلة. وفي عام 1968، قامت الجمعية العامة بإنشاء "اللجنة الخاصة للتحقيق في الممارسات الإسرائيلية الماسة بالحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني والعرب الآخرين في الأرض المحتلة"، والتي قامت رغم رفض إسرائيل التعاون معها بتقديم تقارير دورية إلى الجمعية العامة خلال كل انعقاد لها. وبالإضافة إلى هذا، قامت لجنة حقوق الإنسان في العام 1993 بتعيين "مقرر خاص للأراضي الفلسطينية"، ومرة أخرى رفضت إسرائيل التعاون.

ثالثاً: انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين: الحقائق الساطعة

لقد شكلت المطامح السياسية الصهيونية في حد ذاتها ضامنا لانتهاك الحقوق للفلسطينيين. فعلى مدار ستة عقود، نجحت إسرائيل في وضع نفسها فوق النظام الدولي لحقوق الإنسان وفي شرعنة سياستها التوسعية واستبعاد نفسها من طائلة العقوبات الدولية الأخلاقية والقانونية.

لقد أعطت إسرائيل الحق لنفسها في إفساد حياة ملايين الناس وفي الاستمرار في العنف وفي شن حروب جديدة، ومؤخراً تهديد جيرانها بمحرقة نووية. إن الصراع وعدم الاستقرار المتزايدين دوما هما من ضمن الفكرة الصهيونية نفسها ومكونان أساسيان لها ونابتتان من لب منطقها، وليستا طارئتين عليها. ونظراً للقوة الأيديولوجية الكامنة وراء المشروع الصهيوني وحجم هذه الفكرة وإصرارها العنيد، فما من اعتبار أخلاقياً كان أم قانونياً بقادر على أن يقف في طريقها.

ورغم إن مثل هذه افتراضات لا تلقى في العادة قبولا نظراً لعدم ملائمتها الأدبية, إلا أنها تشكل حقائق دامغة اعترفت بها كل هيئة قانونية. ولكن وقبل أن نبدأ في تقديم الحقائق الواقعية, يلزمنا ابتداءً أن نعرف أن كل سياسة اعتداء تمارسها إسرائيل ترقى إلى مئات الآلاف من انتهاكات حقوق الإنسان. فعندما تقوم إسرائيل مثلاٌ بممارسة سياسية إجرامية واحدة تفرضها للحصار على قطاع غزة, فهي بذلك لا تقوم بمجرد انتهاك القانون الدولي بشكل يرقى إلى العقاب الجماعي, ولكنها تقوم أيضاً بانتهاك آلاف الحقوق الإنسانية المختلفة.

وفيما يلي سأقوم باستعراض سجل حافل يؤكد الحقائق الصلبة عن الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين من بداياتها الأولى وحتى الخروقات الجارية حالياً.

رابعاً:  ابن الخطيئة

لقد شكلت المطامح الصهيونية في حد ذاتها ضامنا لانتهاك الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. وما يجري حالياً من صراع وقمع وانتزاع ونفي قسري واضطراب إقليمي هو من مفردات الفكرة الصهيونية ومكون أساسي لها ونابعة من لب منطقها, ولذلك فهي ليست طارئة عليها. فاستخدام العنف ضد الفلسطينيين لم يكن خياراً لجأ إليه الصهاينة بضغط الظروف؛ وإنما لأنهم كانوا يعلمون فيما بينهم إنه الخيار الوحيد الناجع.

لم يكن من الممكن إنشاء إسرائيل إلا اعتماداً على برنامج لطرد السكان الأصليين لفلسطين. إن الدراسات الموجودة تقدم تحليلاً تاريخياً مفصلاً ومرتباًُ زمنياً للنكبة (النفي القسري للفلسطينيين عام 1948)، أبرزها كتاب للمؤلف "إيلان باب" بعنوان "التطهير العرقي لفلسطين" الذي يستعرض بترتيب زمني الأيام السابقة والتالية لإنشاء إسرائيل في مايو 1948، ويصف فيه "الخطة دالت" ، والتي كانت الخطة الرئيسية لانتزاع فلسطين من سكانها الأصليين.

لقد وفرت حرب عام 1948 أول فرصة كبيرة لإسرائيل لتقوم بطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. لقد قامت إسرائيل بإخلاء 531 منطقة (6) من سكانها دفعة واحدة واحتلال ما نسبته 85% من أرض فلسطين (7). وكما يقول بيني موريس في كتابه الموثق بعنوان "1948", فإن تتابع عملية الإخلاء من السكان تمت على مدار 4 موجات من العنف استمرت من ديسمبر 1947 وحتى نوفمبر 1948. ففي الموجة الأولى، قامت العصابات الصهيونية المسلحة بطرد سكان 213 منطقة- أي 43% من المناطق- بما مجموعه 54% من عدد اللاجئين- هذا في الوقت الذي كانت فلسطين لا تزال فيه قانونا تحت حماية سلطة الانتداب البريطانية. لقد تمت عملية ا� �طرد الأعظم للفلسطينيين من خلال الخطة دالت "الخطة الرئيسية لفتح فلسطين" (8). وكما بين إيلان باب وآخرون, فلم يكن هدف الخطة دالت هو أخذ فلسطين وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين فحسب, ولكن كان أيضاً الاستيلاء على مؤسسات ودوائر الحكومة والخدمات العامة. لقد كانت "حرباً شاملة" ضد الفلسطينيين.

لقد كان السبب العملي للخروج الشامل للفلسطينيين من أرضهم هو الهجمات المسلحة، وكل مرحلة من مراحل العملية افتتحت بمجزرة. فمن خلال الخطة دالت, وبينما كانت فلسطين لا تزال تحت سلطة الانتداب تم ارتكاب مذبحة دير ياسين في 9 أبريل 1948, والتي أعقبتها عشرات المذابح الأخرى(9). 

وبحسب المؤرخ العسكري الإسرائيلي آرييه إتسحاقي "وهو أيضاً محاضر في جامعة بار إيلان" فإن القوات اليهودية قامت بارتكاب حوالي 10 مذابح كبرى في العام 48- 1949 راح ضحية كل واحدة منها أكثر من 50 شخصاً, هذا بالإضافة إلى المئات من المذابح الأصغر منها لمجموعات صغيرة أو لأفراد. وبحسب يتسحاقي, فقد كان لهذه المذابح (الكبيرة والصغيرة) تأثير مدمر على السكان الفلسطينيين من حيث دفعهم مباشرة أو استباقاً إلى الرحيل. وذهب يتسحاقي إلى أبعد من هذا وقال بأن القتل طال كل قرية تقريباً, بل أن المؤرخ الإسرائيلي ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وقال بأن كل معركة من معارك 1948 انت هت بمجزرة. (10)

وهذه الحقائق لن يجدها أحد مخبأة عن الرأي العام إذا ما تجاوز مجرد مستوى الدعاية الرسمية. حتى أن رئيس الوزراء الأسبق آرييل شارون قال مخاطباً الحضور في لقاء له مع حزب تسوميت اليميني المتطرف:

"إن من واجب القادة الإسرائيليين أن يبينوا بوضوح وشجاعة للرأي العام مجموعة من الحقائق التي تم نسيانها مع مرور الوقت؛ أولها أنه لا صهيونية ولا استيطان ولا دولة يهودية بدون طرد العرب وانتزاع أراضيهم" (11). وفي نفس اللقاء تابع ليقول: "على الجميع أن يتحركوا ويسارعوا إلى الاستيلاء على ما يستطيعون من تلال ]فلسطينية[ لأن أي شيء نأخذه الآن سيبقى لنا دائما،ً وما لا نأخذه سيذهب إليهم". (12)

لا يلزم المرء أكثر من إلقاء نظرة سريعة علي التصريحات والسلوك العامين للقادة الصهاينة ليرى أن الصهيونية تمثل في شكلها الأساس تعدياٌ على المبدأ الدولي الذي يحرم التطهير العرقي وطرد الناس من بيوتهم بالقوة. إن غطاء الحرب، و"الإجراءات الأمنية" التي لا حصر لها، والذرائع العسكرية لممارسة الاحتلال,والمبررات القانونية (وهي تسمية تلطيفية لما هو في حقيقته استعمارية ثقيلة), كلها أجزاء من إستراتيجية شاملة لطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من أراضيهم.

إن فكرة الانتقال أو التبادل السكاني, وهي عبارة تلطيفية يشار بها إلى الطرد المنظم للفلسطينيين إلى دول مجاورة أو بعيدة, كانت فكرة متجذرة بعمق في السياسة الإسرائيلية وما زالت ملمحاً ثابتاٌ. وبحسب البروفيسور نور مصالحة, فإن هذا المفهوم أشير إليه في بعض الأحيان تلطيفاٌ على أنه تبادل سكاني، وفي أحيان أخرى على أنه عودة العرب للجزيرة العربية. مثل تلك الأشكال من التصور تنوعت على مدار السنين باختلاف الظروف. ففي الفترة التي سبقت والتي تلت عام 1948, احتلت فكرة الترانسفير مكان الصدارة, وذهب بن غوريون إلى حد أن كتب: "يجب أن نجهز أنفسنا لتنفيذ الترانسفير&q uot; (13), وفي رسالة منه لولده كتب يقول أيضاً: "يجب علينا أن نطرد العرب وأن نأخذ أماكنهم... وأن نستخدم القوة إذا لزم الأمر... وذلك لنضمن حقنا في الاستيطان في هذه الأماكن, وبعد هذا سيكون لنا قوة تحت طوعنا" (14). لقد مهدت الأيديولوجية الصهيونية الطريق وعززت الآليات اللازمة للترانسفير الذي سيتم تطبيقه على مدار الستة عقود التالية.

وكما يطرح الصحافي جوناثان توك في كتابه "فلسطين التي تختفي", فإن إسرائيل كونت وطورت على مدار ستة عقود سياسات لتشتيت الفلسطينيين وحبسهم وإفقارهم, في جهد لا يكل لتدميرهم كأمة. لقد صنعت إسرائيل الشقاء للفلسطينيين عن طريق أساليب أكثر تعقيداً كحضر التجول والحواجز والجدران والتصاريح والاستيلاء على الأراضي. لقد حولت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مختبرات للتأكد من فاعلية البنية التحتية للعزل, وأقامت صناعة "دفاعية" مربحة عن طريق تفوقها في التكنولوجيات اللازمة لحرب المدن والسيطرة على التجمعات والعقاب الجماعي. (15)

2. 2 من الخطيئة الأساسية إلى صناعة البؤس:
لقد ولدت إسرائيل من خلال الانتهاكات البشعة للحقوق الإنسانية للفلسطينيين، ولكن ليس هذا وكفى؛ وإنما استمرت إسرائيل بعد ذلك في ممارسة سياستها العدوانية والكولونيالية في فلسطين منتجة بذلك المزيد من البؤس والشقاء. التفاصيل الواقعة لمنظومة البؤس التي أقامتها إسرائيل على الفلسطينيين تم توثيقها من قبل العديد من الهيئات التابعة لاتفاقيات حقوق الإنسان, ومن قبل منظمات حكومية وغير حكومية وأفراد, بالإضافة إلى مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان, وهو منظمة أممية والأرفع من بين هذه الهيئات، وهو يقدم المساندة للمقررين والممثلين ومجموعات العمل.

قام المقرر الخاص الحالي ريتشارد فالك في أحدث تقرير صدر له في أكتوبر 2010 بسرد مجموعة الانتهاكات الجارية لحقوق الإنسان؛ ورغم أن التقرير لا يعد شاملاٌ بأي حال, إلا أنه يقدم عرضاً لاذعاً للحقيقة البشعة للاحتلال. وبعد أن أتى فالك على ذكر إخفاقه المستمر في الحصول على تعاون إسرائيلي بموجب ما تخوله له مهمته، أكد على حقيقة أنه "وكالمعتاد, فإن هناك مخاوف جادة بخصوص حقوق الإنسان والمرتبطة بالاحتلال الذي تمارسه إسرائيل أكثر مما يمكن أن يعرض له هذا التقرير, حيث أنه يتبع معايير الأمم المتحدة فيما يتعلق بالحد الأقصى لعدد الكلمات. ولكي نتحاشى إعطاء انطب� �ع بأن مخاوف سابقة لم تعد موجودة, فإن المقرر الخاص يؤكد وجود انتهاكات مستمرة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان نابعة, من بين أشياء أخرى, من القضايا المعروض لها أدناه". (16)

ثم بعد ذلك أثبت لمرة أخرى أن الخطر المحدق بحقوق الإنسان ناتج عن طول فترة الاحتلال الذي تمارسه إسرائيل على الأرض الفلسطينية, وأن أهم هذه الحقوق، من وجهة اعتقاده، هو الحق في تقرير المصير. ثم إنه عبر عن مخاوفه بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان الناتجة عن إنشاء الجدار غير القانوني, مؤكداً على المنحى الشديد الوطئة والسريع لسياسة إسرائيل الاحتلالية بما يتعارض أيضاً والقانون الدولي. هذا التفسير القانوني المعتمد لواجبات إسرائيل الدولية, والذي صادقت عليه الجمعية العامة في قرارها 15/ 10 – ES, لقي رفضاً شديداً من جانب إسرائيل، وبدون أن يحدث هذا الرفض أي رد فعل دولي.

أحد أهم المسائل وأكثرها وجاهة من بين التي طرحها فولك كانت الانتقائية الجديرة باللوم  للمجتمع الدولي في تطبيقه لقوانين حقوق الإنسان, فهو يقول: "هناك في الوقت الحاضر قضيتين متصلتين, الأولى هي رفض إسرائيل الالتزام بواجباتها بموجب القانون الدولي في إدارتها للأراضي الفلسطينية المحتلة, والثانية هي عدم قيام الأمم المتحدة باتخاذ خطوات فعالة كرد فعل لها على الانتهاكات المستمرة والصارخة والممنهجة للحقوق الأساسية للفلسطينيين الذي يعيشون تحت الاحتلال، رغم أن خطوات كهذه من المتوقع لها أن تحظى باهتمام أكبر في ضوء ما أقدم عليه مجلس الأمن من تبني ه لمسئولية حماية المبدأ (قرار 1674 لعام 2006) وللتطبيق العملي بموجب قراره  1973 لعام 2011 الذي يعطي التكليف بمهمة حماية المدنيين في ليبيا" (17).

وسيراً على منوال نموذج لتقارير المقررين الخاصين بفلسطين السابقين عليه, قام فولك بإعادة ذكر الواجبات الأساسية لإسرائيل بموجب القانون الدولي الإنساني كقوة احتلال في الضفة الغربية, بما فيها القدس, وقطاع غزة, وأن هذه الواجبات منصوص عليها بشكل رئيس في اتفاقية جنيف الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين زمن الحرب والتي إسرائيل طرف فيها. ومن ثم يسرد أيضاً مجموعة من النصوص القانونية الدولية الأخرى ذات العلاقة القوية فيما يخص الظروف في الأراضي الفلسطينية المحتلة, والتي منها اتفاقية حقوق الطفل التي تضم 197 دولة طرف (بما فيها إسرائيل), والاتفاقية الخاصة بمن ع ومعاقبة جريمة الفصل العنصري.

وبعد توضيح البنود ذات العلاقة وانطباقيتها، يقوم فولك بسرد العديد من الانتهاكات التي تتضمنها السياسة الاحتلالية لإسرائيل ومن ضمنها ضم - وما تطلق عليه حتى المصادر الإسرائيلية "تهويد"- القدس الشرقية؛ والتوسيع المعتمد للمساحة الجغرافية لحدود مدينة القدس؛ وعدم تمكين أكثر من 10.000 طفل فلسطيني من الحصول علي تسجيل قانوني في القدس الشرقية مجبرين بذلك العائلات الفلسطينية هناك على الاختيار بين أن تبقى ملتئمة وتواجه بذلك خطر فقدانها لتصاريح الإقامة في القدس، أو أن تقبل تلك العائلات الفصل الإجباري بين أفرادها؛ والاستيلاء على مصادر المياه الجوف ية لقطاع غزة المتناقصة باستمرار لاستخدامها داخل إسرائيل ومن قبل المستوطنين الإسرائيليين؛ وفرض الحصار وتطبيقه بالقوة على سكان قطاع غزة بالكامل لأكثر من أربع سنوات، مما أثر بشكل جذري على الحقوق الأساسية في التعليم والسكن والصحة؛ وتطبيق نظام إداري مزدوج المعايير في الضفة الغربية تُعطى فيه الأفضلية للمستوطن الإسرائيلي ويُمَارس فيه التمييز ضد الفلسطينيين بشكل معلن؛ والإهانة الممنهجة التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين, بمن فيهم الأطفال من أعمار صغيرة، عند الاعتقال أو السجن.

جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي ذكرها فولك تم تأكيدها من قبل كل مؤسسة ذات سمعة, وتأكيدات هذه المؤسسات تتضمن رأيه الذي يقول بأن غزة ما تزال تحت وطأة الاحتلال وأن وجهة نظر إسرائيل بأنها قامت بفك ارتباطها بغزة ترفضه الدوائر القانونية الدولية بالمجمل, نظراً لأن إسرائيل ما زال بيدها السيطرة على حدود غزة ومجاليها الجوي والمائي، هذا بجانب الحصار الذي تفرضه إسرائيل عليهما (والذي يحد بشدة من صناعة الصيد). ويحاجج فولك بأن هذا الوضع تسبب في وجود أزمة إنسانية مستمرة, وأن الحياة في ظل الحصار لها تأثير مدمر وأكيد على الأطفال والشباب من أوساط مختلفة, فالط لاب يمنعون من ممارسة حقهم في التعليم خارج نطاق الخيارات الضيقة والفرص المحدودة المتوفرة في قطاع غزة. إن الحصار والاحتلال يتسببان في صعوبات خاصة للسكان المدنيين تنجم عن تطاول فترة الاحتلال, مما يستدعي اتخاذ تدابير خاصة تتيح للمدنيين الحصول على نوعية حياة جيدة عمادها التعليم والسفر والتوظيف والحياة الاجتماعية الطبيعية. لقد عانى الفلسطينيون على مدار ثلاثة أجيال وبدرجات مختلفة من حرمانهم من هذه العناصر للحياة الكريمة.

أما عن قائمة الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان التي يسردها فولك فهي تشمل الاعتقال والسجن، وهو ما يعتبره فولك مسألة ذات نتائج وخيمة من منظور حقوق الإنسان. وبحسب تقارير صادرة لشهر مارس  2009, فإن 8171 فلسطيني هم سجناء لدى إسرائيل. وبحسب منظمة غير حكومية وهي جمعية دامير لدعم الأسرى وحقوق الإنسان, فإنه وحتى يونيو 2011 كان لدى إسرائيل 5554 سجيناً سياسياً فلسطينياً منهم 229 تحت الاعتقال الإداري بدون أن يتم إدانتهم بأي جريمة, ومن بين الأسرى هناك 211 من الأطفال لم يبلغ 39 منهم السادسة عشر من العمر.

وفي هذا السياق من السجن والاعتقال هناك نماذج لأكبر انتهاكات للقانون الدولي قامت إسرائيل بارتكابها. فسياسة إسرائيل في 

التعليقات