ليبيا: الطريق الطويل نحو نزع السلاح

غزة - دنيا الوطن
آخذ الثوار الليبيون على عاتقهم مسؤولية توفير الأمن في الشارع مع غياب جيش وطني وقوات الشرطة من المرجح أن يثني عدم الثقة بحكومة ليبيا الانتقالية عشرات الآلاف من الثوار عن الالتزام بالحملة الواسعة لنزع السلاح، حسب رأي بعض المحللين والثوار السابقين.

وهذا ما علق عليه عادل عبد المجيد ، 28 عاماً، وهو مقاتل من مدينة مصراتة الساحلية التي ظلت تحت سيطرة القوات الموالية للقائد السابق معمر القذافي لأشهر عديدةK بقوله: "ليست هنالك ثقة كاملة بالحكومة". وكان عادل قد عاد لتوه من مظاهرة تطالب الحكومة بتطهير مؤسسات الدولة من بقايا النظام السابق.

وأعرب عادل عن خيبة أمله في الحكومة الجديدة بسبب عدم إعطائها الأولوية للثوار، مضيفاً أنه لن يسلم أسلحته إلا بعد الانتخابات، المزمع إجراؤها في يونيو 2012، وتكوين الجيش الوطني الجديد بعدما تم حل المؤسسة العسكرية التابعة للقذافي.

من جهته، أفاد بيتر بوكارت، مدير إدارة الطوارئ بمنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) أن "سبب تعلق الناس بأسلحتهم يرجع لكونها تمثل ضماناً لمكتسبات الثورة...فهم يريدون رؤية نتائج ثورتهم قبل الاستغناء عن أسلحتهم.". وكان بوكارت قد زار ليبيا مرات عديدة خلال الأشهر التسعة التي استغرقتها الحرب الليبية. وقد أعلنت الحكومة في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر عن بدء خطتها، التي طال انتظارها، لإعادة دمج المئات، إن لم يكن الآلاف، من عناصر المليشيات الذين قاتلوا للإطاحة بالقذافي، والذين احتفظ الكثير منهم بأسلحته منذ وقف الاقتتال في شهر أكتوبر الماضي.

وفي هذا السياق، أفاد أحمد صفار، وكيل وزارة العمل في الحكومة الانتقالية، أن الحكومة تأمل أن تتمكن من دمج 75,000 مقاتل خلال سنة 2012 من خلال برنامج يتم تنفيذه عبر ثلاث مراحل ويهدف إلى دمج ثلث الثوار في الجيش وثلثهم في قوات الشرطة والثلث الآخر في القوة العاملة.

وتقدر الحكومة الانتقالية الليبية بأن هنالك حوالي 120,000 مسلح ينبغي تسريحهم بالإضافة إلى امتلاك كل عائلة ليبية لمخزون من السلاح في المنزل.

وكانت المليشيات المختلفة، التي تتباين من حيث انتماءاتها العسكرية والجغرافية والدينية، قد دخلت في صراعات في ما بينها خلال الأشهر الأخيرة مما تسبب في مقتل عدد من الضحايا ونشر شعور بالخوف من احتمال انزلاق ليبيا نحو هاوية صراع جديد.

الفراغ الأمني

عند نقطة تفتيش هادئة جنوب مصراتة، حيث يرى الثوار أنفسهم كأبطال للثورة، يجلس عدد من الثوار السابقين في ظل خيمة زاهية الألوان وهم يحتسون الشاي وقد وضعوا بنادقهم AK47 بجانبهم. ويشكو هؤلاء من عدم قيام الحكومة بمكافئتهم بالشكل الكافي على ما قدموه من للبلاد من خدمات.

وهذا ما علق عليه أحمد عبد القادر، 24 عاماً، بقوله: "لدي منزل وأطفال...لا أستطيع تدبر أمورهم بمبلغ المائتي دينار التي أتقاضاها في الشهر (حوالي 159 دولار) أمريكيا)".

كما أشار عادل عبد المجيد إلى أن الثوار لم يحصلوا على "دينار واحد" من الحكومة أو قادة الميليشيات منذ أكثر من شهر. وعقب مقاتل آخر على ذلك بقوله: "إن المال موجود ولكنهم لا يعطونا إياه. إنهم يعطون الأولوية للمصابين ولأسر الشهداء".

وعلى الرغم من أن معظم المقاتلين المنخرطين في الجامعات أو العاملين في مختلف الوظائف قد عادوا إلى وظائفهم وجامعاتهم إلا أنهم يواصلون الخدمة في صفوف مليشياتهم ليوم واحد أو أكثر في الأسبوع. أما غيرهم ممن لا يعمل أو يدرس في العادة فقد ظل في خدمة المليشيات بشكل دائم وبدون أجور في أغلب الأحيان. وقد علق أحمد عبد القادر على ذلك بقوله: "إذا غادر الجميع، فلن يبقى هناك من يحمي الشارع وسنخسر ما حاربنا لأجله."

ويتردد صدى مخاوف أحمد بين غيره من المهندسين والأطباء والمعلمين الذين تحولوا بين يوم وليلة إلى مقاتلين في صفوف الميليشيات على الرغم من أنه لم يسبق لهم أن حملوا السلاح قبل الثورة. فحرب ليبيا لم تكن حرب مقاتلين مدربين بل شباباً عاديين لم يسبق لهم أن أطلقوا قذيفة أو تعاملوا مع أسلحة. وعلى الرغم من شعور هؤلاء بقلق بالغ من انتشار الأسلحة في بلادهم، إلا أنهم مقتنعون بأهمية دورهم في حماية ثورتهم إلى أن تتمكن القوى الوطنية من ضبط الأمن في الشارع.

وهذا ما أكدته مجموعة الأزمات الدولية (ICG) في تقرير نشرته مؤخرا أشارت فيه إلى أنه من المرجح أن يصر الثوار على الاحتفاظ بأسلحتهم والبقاء في صفوف المليشيات إلى حين موعد إجراء الانتخابات.

وشبه التقرير محاولة إجبار الثوار في الوقت الراهن على التخلي عن أسلحتهم بـ"اللعب بالنار"، مشيراً إلى أن عواقب ذلك قد تكون وخيمة.

من جهته، يرى جيسون باك، وهو باحث متخصص في تاريخ ليبيا بجامعة كمبريدج قضى بعض الوقت في ليبيا أثناء الحرب، بأن الوضع في ليبيا أشبه بحلقة مفرغة، "فالثوار يقولون أنهم لا يستطيعون التخلي عن دورهم لأن السلطات المحلية لا تستطيع ضبط الأوضاع وحدها. ولكن في الوقت ذاته، لا تستطيع هذه السلطات المحلية تعزيز الأمن في ظل استمرار وجود المليشيات"
البرنامج الحكومي

التعليقات