قطر: توقعات بوصول حجم الإنفاق على البنية التحتية إلى 150 مليار دولار خلال 5 أعوام
غزة - دنيا الوطن
مع انقضاء عام وبزوغ عام جديد برزت دولة قطر كإحدى الدول الأسرع نموا اقتصاديا على المستوى العالمي في وقت خيم فيه هاجس الخوف من تكرار حدوث أزمة اقتصادية عالمية جديدة في ظل عدم اتضاح الرؤية وسط تفاقم أزمة الديون الاوروبية وتزايد العجز في الميزانية الاميركية إضافة إلى الانعكاسات السلبية على اقتصادات الدول التي شهدت اضطرابات جراء ما سمي «بثورات الربيع العربي».
ومن المتوقع أن تسجل قطر نموا يتجاوز 20% نهاية العام 2011 وفقا لما أعلن عنه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في خطابه الذي ألقاه أمام الدورة الأربعين لأعمال مجلس الشورى، مؤكدا ان قطر من أسرع الاقتصاديات نموا في العالم. وتعمل دولة قطر وفقا لخطط راسخة تؤسس لتنمية مستدامة بما يحقق «رؤية قطر الوطنية 2030» والتي ترتكز على تدعيم التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد معرفي.
ويتوقع أن يرتفع إجمالي الناتج المحلي لدولة قطر، من 547 مليار ريال العام 2011 إلى 775 مليار ريال خلال العام 2016 وفقا للبيانات التي أعلنت عنها استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 التي تم تدشينها في شهر مارس الماضي والتي تعد ترجمة للأهداف الطموحة لرؤية قطر الوطنية والتي تهدف إلى رسم «قطر المستقبل» وإرساء أسس التنمية الدائمة في البلاد، . وتتوقع هذه الاستراتيجية ان يصل حجم إجمالي الاستثمار المحلي الى 820 مليار ريال خلال الفترة 2011-2016. ويتابع الاقتصاد القطري مسيرته التنموية التي بدأت قبل سنوات والتي توضحها الأرقام حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسنة 2010، (16.6) %، كما حققت قطر معدل نمو سنوي بلغ 15.7 % في الفترة من 2006 إلى 2010.
وشهدت قطر تطورات اقتصادية بارزة في سياق تطوير استراتيجيات طويلة الأمد حولت مسار الدولة من دولة ذات اقتصاد يعتمد على تصدير البترول بشكل خام إلى دولة حديثة تصل بمنتجاتها إلى مختلف أصقاع العالم وتحتل الريادة العالمية في صناعاتها ومنتجاتها المتعددة.
لاعب رئيسي في صناعة الغاز
وبعد أن اصبحت قطر لاعبا رئيسيا في صناعة الغاز الطبيعي المسال عالميا بوصول إنتاجها إلى 77 مليون طن سنويا، كان العام 2011 المسار الأبرز لتحقيق إنجازات اقتصادية من خلال افتتاح مشاريع ريادية ساهمت بوضع الدولة على الخارطة العالمية لتكون منافسا قويا لأكبر الدول العالمية. والشاهد على هذه المسيرة التنموية المشاريع التي باشرت دولة قطر بتنفيذها في شتى المجالات الاقتصادية خلال العام 2011 وفق استراتيجية وهدف التنويع الاقتصادي، ومن أبرز هذه المشاريع مشروع «برزان» الذي سيساهم في جعل قطر لاعبا رئيسيا في صناعة الغاز البترولي المسال في العالم خلال السنوات المقبلة حيث سيصل إنتاجها إلى 14 مليون طن سنويا بارتفاع أربعة ملايين طن سنويا عن مستوى الإنتاج الحالي من هذا الغاز. وسينتج مشروع برزان للغاز الذي تم وضع حجر أساسه شهر نوفمبر الماضي وبتكلفة تصل إلى حوالي 10.3 مليارات دولار أي نحو 37.5 مليار ريال قطري، نحو 1.4 مليار قدم مكعبة من الغاز يوميا.
وسيتم تشغيل خط الإنتاج الأول لمشروع برزان الذي يهدف لتوفير وتلبية الطلب على منتجات الغاز في السوق المحلية في الربع الثالث من العام 2014 بطاقة إنتاجية تبلغ 700 مليون قدم مكعبة يوميا، على أن يتم بدء الإنتاج من الخط الثاني في الربع الأول من العام 2015 بطاقة إنتاجية مماثلة، كما سينتج هذا المشروع إضافة إلى الغاز المخصص للاستهلاك المحلي حوالي 23 ألف برميل يوميا من المكثفات و1900 طن يوميا من غاز الايثان إلى جانب غاز البترول المسال (ال بي جي) من خلال إنتاج نوعين من الغاز وهما البروبان بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي 860 طنا يوميا وغاز البيوتان بطاقة إنتاجية تبلغ 680 طنا يوميا إضافة إلى نوع آخر من المكثفات بمعدل 6 آلاف برميل يوميا. وقد حققت قطر إنجازا في مجال صناعة تحويل الغاز إلى سوائل العام 2011 حيث وصل إنتاجها مع افتتاح مشروع اللؤلؤة خلال العام الحالي إلى 170 ألف برميل يوميا من سوائل الغاز الطبيعي. ويعتبر مشروع اللؤلؤة لتحويل الغاز إلى سوائل الذي تم تدشينه شهر نوفمبر الماضي بتكلفة بلغت نحو 19 مليار دولار ظاهرة عالمية في تقنية تحويل الغاز إلى سوائل، حيث يقدم أكبر مصنع لتحويل الغاز إلى سوائل في العالم، وأكبر سعة لإنتاج زيوت تشحيم أساسية بجودة فائقة على مستوى العالم، إضافة إلى أنه يعتبر أكبر منشأة في العالم منتجة لمادة «البارافين» العادية المعتمدة على تحويل الغاز إلى سوائل. ويقدم المشروع الذي تبلغ طاقته الإنتاجية الكاملة 140 ألف برميل يوميا، أجود منتجات تحويل الغاز إلى سوائل بالإضافة إلى 120 ألف برميل يوميا من غاز البترول المسال والمكثفات والإيثان وأكبر سعة تكسير هيدروجيني في مكان واحد في العالم، وأكبر حجم إنتاج للاوكسيجين في مكان واحد على مستوى العالم. وينتج المشروع في مرحلته الاولى نحو 70 ألف برميل يوميا من منتجات تحويل الغاز إلى سوائل و60 ألف برميل يوميا من سوائل الغاز الطبيعي والايثين، كما يتوقع أن تبدأ المرحلة الثانية من الإنتاج في مشروع اللؤلؤة قبيل نهاية العام الحالي ليصل المشروع إلى كامل طاقته الإنتاجية قبل منتصف العام 2012. ويعتبر إحداث تنمية صناعية متوازنة أحد أهم أهداف قطاع الطاقة الذي تنتهجه قطر وذلك من خلال توسيع وتنويع القاعدة الصناعية وتطوير الصناعات المساندة والمصاحبة للصناعات الأساسية بهدف تنويع مصادر الدخل للدولة، وعلى الرغم من أن معظم إنتاج الغاز الطبيعي موجه نحو التصدير، إلا أن التوسع في الصناعات اللاحقة والقائمة على استخدام الغاز في إنتاج مواد ذات قيمة مضافة يشهد نموا كبيرا حيث من المتوقع ان يصل إنتاج قطر من مختلف منتجاتها البتروكيماوية خلال السنوات القليلة القادمة حوالي 19 مليون طن متري سنويا من خلال خطط صناعية متوازنة حيث كان تدشين (قافكو5) شهر ديسمبر الماضي خطوة ريادية لتحقيق هذا الهدف.
أهمية مشروع قافكو 5
وتكمن أهمية مشروع «قافكو 5» الذي تبلغ تكلفته 3.2 مليارات دولار في أنه وبعد تشغيله بكامل طاقته الانتاجية المتوقعة عام 2012، ستصبح الشركة أكبر منتج في العالم لليوريا والأمونيا معا من موقع واحد، حيث سيزيد المصنع إنتاج قافكو من الأمونيا من 2.2 مليون طن متري إلى 3.8 ملايين طن متري، وسيرفع إنتاجها من اليوريا من 3 ملايين طن متري إلى 4.3 ملايين طن متري في السنة. وتعود قصة النجاح في مسيرة الاقتصاد القطري إلى الاهتمام بصياغة شراكات محلية وعالمية والحرص على تحويل بنود الشراكات إلى خطوات عملية ضمن استراتيجية تقوم على مبدأ تعزيز المنفعة المتبادلة لكافة الشركاء ولعل اكتمال صفقة بيع مشروع «بروة الحي المالي» بين قطر للبترول وشركة بروة العقارية حيث بلغت قيمة الصفقة 11 مليار ريال والذي من المتوقع إنجازه في العام 2015، خير دليل على هذه الشراكات القائمة والالتزام بين الشركاء لما فيه المصلحة العامة. ومن الشراكات التي قامت بها الشركات القطرية خلال العام 2011 توقيع اتفاقية بين قطر للبترول وشركة شل الهولندية لإنشاء مصنع بتروكيماويات في مدينة راس لفان الصناعية بتكلفة تقدر بحوالي 6.4 مليارات دولار حيث يشمل المشروع قيد التنفيذ مصنع تكسير بخار كبيرا إذ يتم استقطاب لقيمات تغذية من مشاريع الغاز الطبيعي في قطر، بالإضافة إلى مصنع مونو ايثلين جليكول تبلغ قدرته الإنتاجية 1.5 مليون طن سنويا و300 كيلو طن سنويا من ألفا أوليفين الطولي وغيرها من مشتقات أوليفين. ولعل السر في حسن تنفيذ استراتيجيات قطر وخططها الوطنية سعيها الناجح لإقامة هذه الشراكات بهدف استقاء الخبرات بما يساهم في تنفيذ مشاريع ضخمة داخليا وخارجيا مستفيدة من الثروات الطبيعية من الغاز والنفط لإرساء اقتصاد متنوع يضمن مستقبل الأجيال القادمة.
بناء مصفاة في الصين
ومن أبرز تلك الشراكات في الخارج ما أعلنت عنه شركة قطر للبترول الدولية شهر أكتوبر الماضي من انها اتفقت مع شركة النفط الوطنية الصينية «سي.ان.بي.سي» و«رويال داتش شل» على تحديد موقع بناء مصفاة ومجمع للبتروكيماويات في الصين والبدء في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع. كما دخلت قطر للبترول في مفاوضات للدخول في مشاريع للنفط والغاز في الخارج ومنها دخولها في مباحثات للاستحواذ على حصة في مشروع «يامال» للغاز الطبيعي المسال بالقطب الشمالي تطوره شركة «نوفاتك» ثاني أكبر منتج روسي للغاز حيث يقوم هذا المشروع على تطوير حقل جنوب تامبي بشبه جزيرة يامال الواقعة بالمنطقة القطبية الشمالية. وقد واصلت قطر التوسع في الأسواق العالمية خلال العام2011 في مجال الغاز الطبيعي المسال حيث وقعت عبر شركتي «رأس غاز» و«قطر غاز» اتفاقيات طويلة الأجل مع بعض الدول من أميركا الشمالية لتزويد أسواقها بالغاز الطبيعي المسال. وتطلق دولة قطر هذا الكم الهائل من المشاريع التي تقدر تكاليفها بمليارات الدولارات وفقا لجداوى اقتصادية مدروسة تتطابق مع حجم الميزانيات التي تضعها بعيدا عن المخاطر الاستثمارية وفقا للرؤية التي اختطها سمو أمير البلاد المفدى.
الموازنة الجديدة
كما بدأت موازنة هذا العام، بجانب تقسيمها الإداري المتعارف عليه، بإدخال التقسيم الوظيفي للنفقات العامة وتوزيعها على 10 قطاعات رئيسية وذلك لدعم تطويرها الجاري إلى موازنة برامج وأداء تقوم على مبدأ القيمة مقابل التكلفة، وتركز على المخرجات والنتائج. وراعت الموازنة توجهات السياسة الاقتصادية لرؤية قطر الوطنية 2030، واستراتيجية التنمية الوطنية 2011 ـ 2016، ويتجلى ذلك في تخصيص نسبة 41% من النفقات العامة لبرامج المشروعات العامة التي تشمل تمويل المشاريع الكبرى كالبدء في إنشاء ميناء الدوحة الجديد، ودراسات مشروع السكة الحديد، واستكمال إنشاء مطار الدوحة الجديد، والصرف الصحي، وغيرها من مشاريع البنية التحتية، مع إعطاء الأولوية لقطاعي الصحة والتعليم. ومن المتوقع أن يصل حجم إنفاق قطر على البنية التحتية إلى 150 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة القادمة حيث سيتراوح حجم انفاق قطر على البنية التحتية في القطاعات غير النفطية ما بين 120 و140 مليار دولار خلال الخمس أو الست سنوات القادمة، إلى جانب إنفاق يقدر بين 30 و40 مليار دولار في قطاع النفط والغاز خلال نفس الفترة، أي بمعدل 30 مليار دولار سنويا لكليهما معا. ومن أبرز مشاريع البنية التحتية الجارية التي تعمل قطر على تطويرها حاليا وفقا للرؤية الحكيمة لصاحب السمو أمير البلاد المفدى الذي يعتبر أن «التنمية الشاملة هي الهدف الاساسي لتحقيق التقدم والازدهار للمواطنين» مشروع الميناء الجديد بمدينة مسيعيد الذي تم وضع حجر أساسه في شهر أكتوبر الماضي. ويعتبر هذا المشروع الذي من المتوقع افتتاحه في عام 2016 أحد اكبر الموانئ البحرية في المنطقة وتقدر ميزانيته بنحو 25.6 مليار ريال ومقام على مساحة تقدر بنحو 26.5 كيلومترا مربعا. وتعمل الدولة على تعزيز المرافق الحيوية القائمة حيث تم في شهر يونيو الماضي افتتاح مبنى المغادرين الجديد الذي أطلق عليه اسم (مبنى المغادرين «ب») ضمن مطار الدوحة الدولي والمخصص لرحلات شركات الطيران الأجنبية في مخطط تطوير البنية التحتية للمطار لتمكينه من استيعاب الأعداد المتزايدة من المسافرين حيث خصص مبنى المغادرين «أ» لرحلات الخطوط الجوية القطرية فقط.
مطار جديد
ومن المتوقع أن تفتتح قطر مطارها الجديد قريبا والذي تبلغ تكلفته حوالي 15 مليار دولار، وبطاقة استيعابية تبلغ 24 مليون مسافر سنويا في مرحلته الأولى، على ان يستوعب 50 مليونا في مرحلة لاحقة. كما دشنت قطر في شهر مايو الماضي محطة «راس قرطاس» للطاقة وهو أكبر مشروع لتوليد الكهرباء في البلاد في مدينة راس لفان الصناعية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 2730 ميغاوات من الكهرباء، و63 مليون غالون من المياه المحلاة وبتكلفة إجمالية تصل إلى 14 مليار ريال (حوالي 4 مليارات دولار). وكانت المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء «كهرماء» أعلنت عن إرساء عقود مشاريع بقيمة 3.6 مليارات ريال في عام 2011 على شركات عالمية من أجل تطوير وتمديد شبكة الكهرباء الرئيسية ومحطات التقوية وذلك ضمن خطتها في المرحلة العاشرة لتطوير النقل الكهربائي في دولة قطر وذلك نظرا لتزايد عدد المستفيدين من خدمات «كهرماء» والتي تقدر بحوالي 272 ألف مشترك كهرباء في عام 2011 بزيادة 16% عن العام 2010. كما وقعت هيئة الأشغال العامة (أشغال) ستة عقود خدمات استشارية كبرى مع شركات عالمية بمبلغ يزيد على ملياري ريال وذلك لإدارة وتصميم والاشراف على تنفيذ برامج وتحديث شبكات الطرق الداخلية وشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية في قطر بتكلفة إجمالية قدرها 40 مليار ريال قطري. وتكمن قوة ومتانة الاقتصاد القطري في الأسس المصرفية والمالية الراسخة والإجراءات الحكومية التي اتخذتها الجهات المعنية للمحافظة على الوضع الائتماني الجيد مع الحرص على توافر معدلات سيولة كافية لدى المصارف ومحاولة كبح جماح التضخم في آن واحد من خلال المراقبة الفاعلة التي يقوم بها مصرف قطر المركزي حيث ظل التضخم في قطر على مدار عام 2011، عند مستوى 2% تقريبا. وتحسنت نسبة السيولة في القطاع المصرفي القطري إلى حد كبير في الربع الأول من عام 2009 وظلت عند مستويات جيدة منذ ذلك الحين حيث نجح القطاع المصرفي القطري في التغلب على ظروف ضيق السيولة التي شهدها في النصف الثاني من عام 2008، وتسعى قطر لمواكبة التطورات بما يفيد القطاع المصرفي حيث أصدر مصرف قطر المركزي هذا العام قرارا يقضي بإغلاق النوافذ الإسلامية للبنوك التجارية مع نهاية العام بهدف تفعيل الرقابة وفصل محافظ البنوك التجارية عن الإسلامية. ويواكب المصرف في قراراته البيئة الاقتصادية العالمية حيث تدخل هذه السنة أكثر من مرة معدلا أسعار الفائدة نظرا للاعتبارات المحلية والوقائع الاقتصادية العالمية حيث خفض المصرف تدريجيا معدلات أسعار الفائدة الرئيسية خلال السنة العام 2011. واتخذت الحكومة عدة تدابير استباقية من أجل الحد من تأثير الأزمة المالية العالمية على البنوك المحلية من خلال العمل على تعزيز السيولة لدى البنوك وتطوير قاعدة رأس المال لديها، بالإضافة إلى خفض تكاليف التمويل وتعزيز الثقة في السوق حيث تمت زيادة رؤوس الأموال وشراء الأصول كتدابير استباقية ووقائية في أعوام 2009 و2010 و2011 لتعزيز متانة النظام المصرفي وسيولته ومرونته.
مع انقضاء عام وبزوغ عام جديد برزت دولة قطر كإحدى الدول الأسرع نموا اقتصاديا على المستوى العالمي في وقت خيم فيه هاجس الخوف من تكرار حدوث أزمة اقتصادية عالمية جديدة في ظل عدم اتضاح الرؤية وسط تفاقم أزمة الديون الاوروبية وتزايد العجز في الميزانية الاميركية إضافة إلى الانعكاسات السلبية على اقتصادات الدول التي شهدت اضطرابات جراء ما سمي «بثورات الربيع العربي».
ومن المتوقع أن تسجل قطر نموا يتجاوز 20% نهاية العام 2011 وفقا لما أعلن عنه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في خطابه الذي ألقاه أمام الدورة الأربعين لأعمال مجلس الشورى، مؤكدا ان قطر من أسرع الاقتصاديات نموا في العالم. وتعمل دولة قطر وفقا لخطط راسخة تؤسس لتنمية مستدامة بما يحقق «رؤية قطر الوطنية 2030» والتي ترتكز على تدعيم التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد معرفي.
ويتوقع أن يرتفع إجمالي الناتج المحلي لدولة قطر، من 547 مليار ريال العام 2011 إلى 775 مليار ريال خلال العام 2016 وفقا للبيانات التي أعلنت عنها استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 التي تم تدشينها في شهر مارس الماضي والتي تعد ترجمة للأهداف الطموحة لرؤية قطر الوطنية والتي تهدف إلى رسم «قطر المستقبل» وإرساء أسس التنمية الدائمة في البلاد، . وتتوقع هذه الاستراتيجية ان يصل حجم إجمالي الاستثمار المحلي الى 820 مليار ريال خلال الفترة 2011-2016. ويتابع الاقتصاد القطري مسيرته التنموية التي بدأت قبل سنوات والتي توضحها الأرقام حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسنة 2010، (16.6) %، كما حققت قطر معدل نمو سنوي بلغ 15.7 % في الفترة من 2006 إلى 2010.
وشهدت قطر تطورات اقتصادية بارزة في سياق تطوير استراتيجيات طويلة الأمد حولت مسار الدولة من دولة ذات اقتصاد يعتمد على تصدير البترول بشكل خام إلى دولة حديثة تصل بمنتجاتها إلى مختلف أصقاع العالم وتحتل الريادة العالمية في صناعاتها ومنتجاتها المتعددة.
لاعب رئيسي في صناعة الغاز
وبعد أن اصبحت قطر لاعبا رئيسيا في صناعة الغاز الطبيعي المسال عالميا بوصول إنتاجها إلى 77 مليون طن سنويا، كان العام 2011 المسار الأبرز لتحقيق إنجازات اقتصادية من خلال افتتاح مشاريع ريادية ساهمت بوضع الدولة على الخارطة العالمية لتكون منافسا قويا لأكبر الدول العالمية. والشاهد على هذه المسيرة التنموية المشاريع التي باشرت دولة قطر بتنفيذها في شتى المجالات الاقتصادية خلال العام 2011 وفق استراتيجية وهدف التنويع الاقتصادي، ومن أبرز هذه المشاريع مشروع «برزان» الذي سيساهم في جعل قطر لاعبا رئيسيا في صناعة الغاز البترولي المسال في العالم خلال السنوات المقبلة حيث سيصل إنتاجها إلى 14 مليون طن سنويا بارتفاع أربعة ملايين طن سنويا عن مستوى الإنتاج الحالي من هذا الغاز. وسينتج مشروع برزان للغاز الذي تم وضع حجر أساسه شهر نوفمبر الماضي وبتكلفة تصل إلى حوالي 10.3 مليارات دولار أي نحو 37.5 مليار ريال قطري، نحو 1.4 مليار قدم مكعبة من الغاز يوميا.
وسيتم تشغيل خط الإنتاج الأول لمشروع برزان الذي يهدف لتوفير وتلبية الطلب على منتجات الغاز في السوق المحلية في الربع الثالث من العام 2014 بطاقة إنتاجية تبلغ 700 مليون قدم مكعبة يوميا، على أن يتم بدء الإنتاج من الخط الثاني في الربع الأول من العام 2015 بطاقة إنتاجية مماثلة، كما سينتج هذا المشروع إضافة إلى الغاز المخصص للاستهلاك المحلي حوالي 23 ألف برميل يوميا من المكثفات و1900 طن يوميا من غاز الايثان إلى جانب غاز البترول المسال (ال بي جي) من خلال إنتاج نوعين من الغاز وهما البروبان بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي 860 طنا يوميا وغاز البيوتان بطاقة إنتاجية تبلغ 680 طنا يوميا إضافة إلى نوع آخر من المكثفات بمعدل 6 آلاف برميل يوميا. وقد حققت قطر إنجازا في مجال صناعة تحويل الغاز إلى سوائل العام 2011 حيث وصل إنتاجها مع افتتاح مشروع اللؤلؤة خلال العام الحالي إلى 170 ألف برميل يوميا من سوائل الغاز الطبيعي. ويعتبر مشروع اللؤلؤة لتحويل الغاز إلى سوائل الذي تم تدشينه شهر نوفمبر الماضي بتكلفة بلغت نحو 19 مليار دولار ظاهرة عالمية في تقنية تحويل الغاز إلى سوائل، حيث يقدم أكبر مصنع لتحويل الغاز إلى سوائل في العالم، وأكبر سعة لإنتاج زيوت تشحيم أساسية بجودة فائقة على مستوى العالم، إضافة إلى أنه يعتبر أكبر منشأة في العالم منتجة لمادة «البارافين» العادية المعتمدة على تحويل الغاز إلى سوائل. ويقدم المشروع الذي تبلغ طاقته الإنتاجية الكاملة 140 ألف برميل يوميا، أجود منتجات تحويل الغاز إلى سوائل بالإضافة إلى 120 ألف برميل يوميا من غاز البترول المسال والمكثفات والإيثان وأكبر سعة تكسير هيدروجيني في مكان واحد في العالم، وأكبر حجم إنتاج للاوكسيجين في مكان واحد على مستوى العالم. وينتج المشروع في مرحلته الاولى نحو 70 ألف برميل يوميا من منتجات تحويل الغاز إلى سوائل و60 ألف برميل يوميا من سوائل الغاز الطبيعي والايثين، كما يتوقع أن تبدأ المرحلة الثانية من الإنتاج في مشروع اللؤلؤة قبيل نهاية العام الحالي ليصل المشروع إلى كامل طاقته الإنتاجية قبل منتصف العام 2012. ويعتبر إحداث تنمية صناعية متوازنة أحد أهم أهداف قطاع الطاقة الذي تنتهجه قطر وذلك من خلال توسيع وتنويع القاعدة الصناعية وتطوير الصناعات المساندة والمصاحبة للصناعات الأساسية بهدف تنويع مصادر الدخل للدولة، وعلى الرغم من أن معظم إنتاج الغاز الطبيعي موجه نحو التصدير، إلا أن التوسع في الصناعات اللاحقة والقائمة على استخدام الغاز في إنتاج مواد ذات قيمة مضافة يشهد نموا كبيرا حيث من المتوقع ان يصل إنتاج قطر من مختلف منتجاتها البتروكيماوية خلال السنوات القليلة القادمة حوالي 19 مليون طن متري سنويا من خلال خطط صناعية متوازنة حيث كان تدشين (قافكو5) شهر ديسمبر الماضي خطوة ريادية لتحقيق هذا الهدف.
أهمية مشروع قافكو 5
وتكمن أهمية مشروع «قافكو 5» الذي تبلغ تكلفته 3.2 مليارات دولار في أنه وبعد تشغيله بكامل طاقته الانتاجية المتوقعة عام 2012، ستصبح الشركة أكبر منتج في العالم لليوريا والأمونيا معا من موقع واحد، حيث سيزيد المصنع إنتاج قافكو من الأمونيا من 2.2 مليون طن متري إلى 3.8 ملايين طن متري، وسيرفع إنتاجها من اليوريا من 3 ملايين طن متري إلى 4.3 ملايين طن متري في السنة. وتعود قصة النجاح في مسيرة الاقتصاد القطري إلى الاهتمام بصياغة شراكات محلية وعالمية والحرص على تحويل بنود الشراكات إلى خطوات عملية ضمن استراتيجية تقوم على مبدأ تعزيز المنفعة المتبادلة لكافة الشركاء ولعل اكتمال صفقة بيع مشروع «بروة الحي المالي» بين قطر للبترول وشركة بروة العقارية حيث بلغت قيمة الصفقة 11 مليار ريال والذي من المتوقع إنجازه في العام 2015، خير دليل على هذه الشراكات القائمة والالتزام بين الشركاء لما فيه المصلحة العامة. ومن الشراكات التي قامت بها الشركات القطرية خلال العام 2011 توقيع اتفاقية بين قطر للبترول وشركة شل الهولندية لإنشاء مصنع بتروكيماويات في مدينة راس لفان الصناعية بتكلفة تقدر بحوالي 6.4 مليارات دولار حيث يشمل المشروع قيد التنفيذ مصنع تكسير بخار كبيرا إذ يتم استقطاب لقيمات تغذية من مشاريع الغاز الطبيعي في قطر، بالإضافة إلى مصنع مونو ايثلين جليكول تبلغ قدرته الإنتاجية 1.5 مليون طن سنويا و300 كيلو طن سنويا من ألفا أوليفين الطولي وغيرها من مشتقات أوليفين. ولعل السر في حسن تنفيذ استراتيجيات قطر وخططها الوطنية سعيها الناجح لإقامة هذه الشراكات بهدف استقاء الخبرات بما يساهم في تنفيذ مشاريع ضخمة داخليا وخارجيا مستفيدة من الثروات الطبيعية من الغاز والنفط لإرساء اقتصاد متنوع يضمن مستقبل الأجيال القادمة.
بناء مصفاة في الصين
ومن أبرز تلك الشراكات في الخارج ما أعلنت عنه شركة قطر للبترول الدولية شهر أكتوبر الماضي من انها اتفقت مع شركة النفط الوطنية الصينية «سي.ان.بي.سي» و«رويال داتش شل» على تحديد موقع بناء مصفاة ومجمع للبتروكيماويات في الصين والبدء في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع. كما دخلت قطر للبترول في مفاوضات للدخول في مشاريع للنفط والغاز في الخارج ومنها دخولها في مباحثات للاستحواذ على حصة في مشروع «يامال» للغاز الطبيعي المسال بالقطب الشمالي تطوره شركة «نوفاتك» ثاني أكبر منتج روسي للغاز حيث يقوم هذا المشروع على تطوير حقل جنوب تامبي بشبه جزيرة يامال الواقعة بالمنطقة القطبية الشمالية. وقد واصلت قطر التوسع في الأسواق العالمية خلال العام2011 في مجال الغاز الطبيعي المسال حيث وقعت عبر شركتي «رأس غاز» و«قطر غاز» اتفاقيات طويلة الأجل مع بعض الدول من أميركا الشمالية لتزويد أسواقها بالغاز الطبيعي المسال. وتطلق دولة قطر هذا الكم الهائل من المشاريع التي تقدر تكاليفها بمليارات الدولارات وفقا لجداوى اقتصادية مدروسة تتطابق مع حجم الميزانيات التي تضعها بعيدا عن المخاطر الاستثمارية وفقا للرؤية التي اختطها سمو أمير البلاد المفدى.
الموازنة الجديدة
كما بدأت موازنة هذا العام، بجانب تقسيمها الإداري المتعارف عليه، بإدخال التقسيم الوظيفي للنفقات العامة وتوزيعها على 10 قطاعات رئيسية وذلك لدعم تطويرها الجاري إلى موازنة برامج وأداء تقوم على مبدأ القيمة مقابل التكلفة، وتركز على المخرجات والنتائج. وراعت الموازنة توجهات السياسة الاقتصادية لرؤية قطر الوطنية 2030، واستراتيجية التنمية الوطنية 2011 ـ 2016، ويتجلى ذلك في تخصيص نسبة 41% من النفقات العامة لبرامج المشروعات العامة التي تشمل تمويل المشاريع الكبرى كالبدء في إنشاء ميناء الدوحة الجديد، ودراسات مشروع السكة الحديد، واستكمال إنشاء مطار الدوحة الجديد، والصرف الصحي، وغيرها من مشاريع البنية التحتية، مع إعطاء الأولوية لقطاعي الصحة والتعليم. ومن المتوقع أن يصل حجم إنفاق قطر على البنية التحتية إلى 150 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة القادمة حيث سيتراوح حجم انفاق قطر على البنية التحتية في القطاعات غير النفطية ما بين 120 و140 مليار دولار خلال الخمس أو الست سنوات القادمة، إلى جانب إنفاق يقدر بين 30 و40 مليار دولار في قطاع النفط والغاز خلال نفس الفترة، أي بمعدل 30 مليار دولار سنويا لكليهما معا. ومن أبرز مشاريع البنية التحتية الجارية التي تعمل قطر على تطويرها حاليا وفقا للرؤية الحكيمة لصاحب السمو أمير البلاد المفدى الذي يعتبر أن «التنمية الشاملة هي الهدف الاساسي لتحقيق التقدم والازدهار للمواطنين» مشروع الميناء الجديد بمدينة مسيعيد الذي تم وضع حجر أساسه في شهر أكتوبر الماضي. ويعتبر هذا المشروع الذي من المتوقع افتتاحه في عام 2016 أحد اكبر الموانئ البحرية في المنطقة وتقدر ميزانيته بنحو 25.6 مليار ريال ومقام على مساحة تقدر بنحو 26.5 كيلومترا مربعا. وتعمل الدولة على تعزيز المرافق الحيوية القائمة حيث تم في شهر يونيو الماضي افتتاح مبنى المغادرين الجديد الذي أطلق عليه اسم (مبنى المغادرين «ب») ضمن مطار الدوحة الدولي والمخصص لرحلات شركات الطيران الأجنبية في مخطط تطوير البنية التحتية للمطار لتمكينه من استيعاب الأعداد المتزايدة من المسافرين حيث خصص مبنى المغادرين «أ» لرحلات الخطوط الجوية القطرية فقط.
مطار جديد
ومن المتوقع أن تفتتح قطر مطارها الجديد قريبا والذي تبلغ تكلفته حوالي 15 مليار دولار، وبطاقة استيعابية تبلغ 24 مليون مسافر سنويا في مرحلته الأولى، على ان يستوعب 50 مليونا في مرحلة لاحقة. كما دشنت قطر في شهر مايو الماضي محطة «راس قرطاس» للطاقة وهو أكبر مشروع لتوليد الكهرباء في البلاد في مدينة راس لفان الصناعية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 2730 ميغاوات من الكهرباء، و63 مليون غالون من المياه المحلاة وبتكلفة إجمالية تصل إلى 14 مليار ريال (حوالي 4 مليارات دولار). وكانت المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء «كهرماء» أعلنت عن إرساء عقود مشاريع بقيمة 3.6 مليارات ريال في عام 2011 على شركات عالمية من أجل تطوير وتمديد شبكة الكهرباء الرئيسية ومحطات التقوية وذلك ضمن خطتها في المرحلة العاشرة لتطوير النقل الكهربائي في دولة قطر وذلك نظرا لتزايد عدد المستفيدين من خدمات «كهرماء» والتي تقدر بحوالي 272 ألف مشترك كهرباء في عام 2011 بزيادة 16% عن العام 2010. كما وقعت هيئة الأشغال العامة (أشغال) ستة عقود خدمات استشارية كبرى مع شركات عالمية بمبلغ يزيد على ملياري ريال وذلك لإدارة وتصميم والاشراف على تنفيذ برامج وتحديث شبكات الطرق الداخلية وشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية في قطر بتكلفة إجمالية قدرها 40 مليار ريال قطري. وتكمن قوة ومتانة الاقتصاد القطري في الأسس المصرفية والمالية الراسخة والإجراءات الحكومية التي اتخذتها الجهات المعنية للمحافظة على الوضع الائتماني الجيد مع الحرص على توافر معدلات سيولة كافية لدى المصارف ومحاولة كبح جماح التضخم في آن واحد من خلال المراقبة الفاعلة التي يقوم بها مصرف قطر المركزي حيث ظل التضخم في قطر على مدار عام 2011، عند مستوى 2% تقريبا. وتحسنت نسبة السيولة في القطاع المصرفي القطري إلى حد كبير في الربع الأول من عام 2009 وظلت عند مستويات جيدة منذ ذلك الحين حيث نجح القطاع المصرفي القطري في التغلب على ظروف ضيق السيولة التي شهدها في النصف الثاني من عام 2008، وتسعى قطر لمواكبة التطورات بما يفيد القطاع المصرفي حيث أصدر مصرف قطر المركزي هذا العام قرارا يقضي بإغلاق النوافذ الإسلامية للبنوك التجارية مع نهاية العام بهدف تفعيل الرقابة وفصل محافظ البنوك التجارية عن الإسلامية. ويواكب المصرف في قراراته البيئة الاقتصادية العالمية حيث تدخل هذه السنة أكثر من مرة معدلا أسعار الفائدة نظرا للاعتبارات المحلية والوقائع الاقتصادية العالمية حيث خفض المصرف تدريجيا معدلات أسعار الفائدة الرئيسية خلال السنة العام 2011. واتخذت الحكومة عدة تدابير استباقية من أجل الحد من تأثير الأزمة المالية العالمية على البنوك المحلية من خلال العمل على تعزيز السيولة لدى البنوك وتطوير قاعدة رأس المال لديها، بالإضافة إلى خفض تكاليف التمويل وتعزيز الثقة في السوق حيث تمت زيادة رؤوس الأموال وشراء الأصول كتدابير استباقية ووقائية في أعوام 2009 و2010 و2011 لتعزيز متانة النظام المصرفي وسيولته ومرونته.

التعليقات