سلسلة التوريد التحولية للمستشفيات: تحقيق التوازن بين التكاليف والنوعية

سلسلة التوريد التحولية للمستشفيات: تحقيق التوازن بين التكاليف والنوعية
دبي-دنيا الوطن
  في ضوء تصاعد تكاليف الرعاية الصحية على المستوى العالمي، حدد خبراء من بوز أند كومباني السبل التي تساعد في التخفيف من ارتفاع التكاليف من خلال سلاسل التوريد للمستشفيات، وفي الوقت نفسه تساعد على تحسين مستوى رعاية المرضى.

يعلق المدير الأول في بوز أند كومباني جاد بيطار قائلا: "شكلت الرعاية الصحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا نسبة 3-5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008 علماً أنها ترتفع بسرعة بمعدل سنوي يبلغ ​​نحو 15 في المئة منذ عام 2005. ولا تزال نظم الرعاية الصحية في المنطقة، شأنها شأن نظم كثيرة أخرى في مختلف أنحاء العالم، غير قادرة حتى الآن على وضع صيغة ناجحة لتوفير رعاية صحية على درجة عالية من الجودة، وفي متناول الجميع وبكلفة مستدامة على المدى الطويل".
 
احتواء التكاليف وتحسين الرعاية

يعني نجاح إدارة سلسلة التوريد للمستشفى (SCM) القدرة على تنفيذ مهمات واسعة - من التخطيط الى إدارة رأس المال العامل - تساهم في الحصول على أي منتج أو خدمة يكون العاملون في المستشفى بحاجة اليه أو إليها لرعاية المريض. ويمكن لتطبيق إدارة سلسلة التوريد أن يساعد في احتواء التكاليف وفي الوقت نفسه تحسين خدمات الرعاية الصحية. وفي المستشفيات، تشمل إدارة سلسلة التوريد المواد الطبية وغير الطبية وكذلك النفقات التشغيلية والرأسمالية.
 

نضج إدارة سلسلة التوريد للمستشفى

يقول غابريال شاهين، الشريك في بوز أند كومباني: "يسعى مديرو المستشفى الى تحسين العمليات في منشآتهم بسبب التأثير الإيجابي البعيد المدى الذي يمكن أن يتركه ذلك عموما. ويجب على المديرين ان يتطلعوا أولا إلى تبسيط سلسلة التوريد الخاصة بهم وتحسينها، كونها تمثل ما بين 20 و 30 في المئة من موازنة المستشفى. تمر سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفيات عادة في ثلاث مراحل من النضج، وحتى في أسواق العمل الناضجة، ثمة عدد قليل من المستشفيات حقق تقدما ملموسا نحو المستوى الأكثر تقدما".
  

هذه المراحل هي :

النموذج التأسيسي: يهدف النموذج الأول والأبسط إلى ضمان كون الإمدادات موجودة في المخزن. ويكون هذا غالبا الحد الأدنى لإدارة سلسلة التوريد، مع التركيز على العمليات وإدارة المواد في موازاة وجود قدرات استراتيجية محدودة. وعند هذا المستوى، غالبا ما تعتمد المستشفيات نهجا مجزءاً، لتلبي حاجات كل قسم بدلا من مقاربة المسألة بالنظر إلى المستشفى ككل، فتحقق بالتالي القليل فقط من التكامل والفعالية عبر الاقسام.

نموذج التحسين: هذا النموذج الأكثر تقدما يستخدم نهجا يشمل المستشفى ككلّ لتستطيع من خلاله المستشفيات خفض التكاليف وتحسين الفعالية. هنا، تعتمد المستشفيات نهجا أكثر استراتيجية لادارة سلسلة التوريد ببناء قدرات تسمح لها بتحسين توقع التوريد والتحكم فيه. وينطوي هذا النموذج على تعاون وثيق بين الاقسام لخفض التكاليف عن طريق تكامل مختلف أقسام المستشفى وتحقيق الوفر المبني على حجم التعاملات. ويتطلب هذا النموذج من مسؤولي قسم سلسلة التوريد تحليل النفقات، والاستعانة بمصادر خارجية للقيام بمهمات غير أساسية لقسم سلسلة التوريد، والسعي الى توحيد معايير العمل لتحسين الفعالية.

نموذج التحول: يختلف هذا النموذج الأكثر نضجا لادارة سلسلة التوريد عن نموذج التحسين اختلافاً جوهرياً، وهو يهدف الى تحقيق توازن بين التحكم في النفقات ونتائج معالجة المرضى. وتكون المؤسسات التي تعمل وفق هذا النموذج منخرطة عادة في جهود تقليل التكاليف، وباتت تدرك الآن أهمية التركيز من حيث زيادة القيمة الإجمالية للمستشفى. غير أن هذه المهمة هي بلا شك شاقة، نظرا الى التناقضات الملازمة لمحاولة خفض التكاليف وفي الوقت نفسه تحسين النتائج وحيازة رضا المريض. ولكن يمكن لأقسام ادارة سلسلة التوريد ان ترتفع الى مستوى هذا التحدي من خلال تبني نهج تعاوني، لا سيما مع العاملين في المهن السريرية. وذلك بهدف إشراكهم في تحديد العناصر التي توفر أفضل النتائج للمرضى - بناء على الأدلة والشواهد - مقارنة بالتكاليف. ويقوم هذا النموذج التعاوني على اساسات حوكمة قوية، مثل إنشاء لجان توحيد مواصفات المنتجات.

باختصار، يمكن لنماذج ادارة سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفيات أن تتطور وان تحول التركيز من مجرد ضمان كون المواد المطلوبة موجودة في المخزن، الى تطوير العمليات المتكاملة والأنظمة التي تهدف إلى خفض التكاليف، تحسين الفعالية، وتعزيز سلامة المرضى والنتائج السريرية.
 
نموذج التحول بالممارسة العملية

هناك ثلاثة ممكنات ضرورية لتسهيل عملية اعتماد نموذج التحول في ادارة سلسلة التوريد، وهي:

الحوكمة التعاونية

يسمح الهيكل الإداري المناسب لحوكمة سلسلة التوريد للمستشفيات بالحفاظ على التوازن بين خفض التكاليف وتوفير الرعاية العالية الجودة. مع النضج المتنامي، تتطور حوكمة سلسلة التوريد من التركيز على فريق ادارة سلسلة التوريد وحده الى نهج تعاوني تشارك فيه كل الجهات المعنية، والتي من دونها ستفشل ببساطة كل الجهود الأخرى للانتقال إلى نموذج التحول.

يتطلب هذا التعاون بنية حوكمة واجراءات ملائمة لدعم العاملين في المهن السريرية في فهم المقايضات التي تطال اختيار المنتجات. ويحتاج فريق ادارة سلسلة التوريد في المستشفيات إلى إشراك العاملين في المهن السريرية ليكون أفراد الفريق الأول شركاء يقدرون أهمية نوعية الرعاية، فيكسبون بذلك ثقة العاملين في المهن السريرية.

يقول بيطار: "ان تحقيق مثل نموذج الحوكمة الناضج هذا، يعني الابتعاد عن مجرد تنفيذ أوامر العاملين في المهن السريرية والانخراط معهم في حوار دائم وبناء، وتزويدهم بالمعلومات المناسبة لمساعدتهم في اتخاذ القرار الصحيح لمرضاهم وللمستشفى. هذه عملية معقدة تشمل جمع بيانات، مقارنة وتحليلات الكلفة/ القيمة ، وتواصلا".
 

تبسيط العمليات

يضمن تبسيط العمليات ضمن المهمات الأساسية لسلسلة التوريد فعالية تنفيذ ادارة سلسلة التوريد، في الوقت الذي يدعم فيه الشفافية والتوافق مع هيكيلية الحوكمة التعاونية التي تعتبر في غاية الأهمية لتحقيق نموذج التحول. ويسمح ضمان الشفافية في عمليات إدارة سلاسل التوريد للمعنيين بأن يكونوا مزوّدين بمجموعة البيانات الصحيحة ليتفاعلوا بشكل إيجابي في مواجهة التحديات، مثل كون عدد كبير من المواد قد نفدت، أو وجود عدد كبير من الموردين الذين يقدّمون منتجات متماثلة. في الوقت نفسه، يمكن لعملية شفافة تكوين وعي لدى اصحاب العلاقة وتمكينهم من المشاركة في اتخاذ قرارات حاسمة مبنية على مجموعة من المقايضات التي تتعلق بالمواد أو الخدمات المطلوبة لتوفير رعاية المرضى.

 

نظم متكاملة

تسمح أتمتة نظم تكنولوجيا المعلومات وتكاملها للمستشفيات بالربط السلس بين حوكمتها واجراءات ادارة سلسلة التوريد. وسينشئ نظام موحّد طرق موافقة إلكترونية على عمليات الطلب والدفع على حد سواء، ويضمن توافق تطبيقات ادارة سلسلة التوريد مع سياسات الحوكمة واجراءاتها من خلال منح المستخدمين المسجلين سلطة اتخاذ القرارات فقط ضمن الصلاحيات المعطاة لهم.

سوف تحتاج المستشفيات إلى إنشاء بنية مشتركة لبيانات ادارة سلسلة التوريد، فضلا عن تسلسل مفصل لخطوات الموافقة على النفقات، مشروطة طبعا بتفويض يسمح بالقيام بها. وتكون هذه البنية بمثابة لغة لنظام متكامل، وتسهّل التعاون الذي يتمكن بفضله المشترون والموردون من إنشاء مسار فعّال لمعلومات ادارة سلسلة التوريد وتوفير الشفافية على امتداد السلسلة بكاملها من أجل تسهيل كل العمليات الفاصلة بين الشراء والدفع.

 

التغلب على التحديات لتحقيق نموذج التحول

ستواجه المستشفيات صعابا فردية في بناء قدرات ادارة سلسلة التوريد وإنضاجها، غير أن هناك حلولاً ممكنة لعدد من المسائل المشتركة :

تحديد استراتيجية لادارة سلسلة التوريد مع مسار واضح للمضي قدما. بدون وجود استراتيجية موثقة، تعود أقسام ادارة سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفيات عادة إلى أسلوب رد الفعل الذي يهدف إلى تلبية طلبات من الأقسام الأخرى. ولتجاوز هذا النهج البدائي، على المعنيين بادارة سلسلة التوريد أن يدركوا أن هذا القسم ليس مزوّد خدمات بل شريك استراتيجي في توفير رعاية صحية جيدة، ومن ثم التصرف وفق هذا المنظور.

بناء مجموعات من المهارات الاستراتيجية لادارة سلسلة التوريد. هذا هو التحدي المتكرر في أنحاء العالم، في ظل ندرة الخبراء المهَرة في مجال ادارة سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفيات. وستجد المستشفيات التي ما زالت في طور التأسيس خصوصا، صعوبة في جذب المواهب واستبقائها، لأن معظم القادة سيشعرون بأنهم لا يمكن ان يلعبوا دورا استراتيجيا في مثل هذه البيئات. وستحتاج إدارات المستشفيات الى إشراك قيادات العاملين في المهن السريرية وادراك أهمية وجود ادارة سلسلة التوريد كشريك حقيقي مع الإدارة والأطباء لدعم الجهود الرامية إلى التقدّم نحو نموذج التحول.

إنشاء نموذج حوكمة متين. بدون إرساء نموذج حوكمة متين، ستفتقر ادارة سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفى إلى الآلية اللازمة للدخول في شراكة مع جميع الجهات المعنية، وإشراكها في اتخاذ القرارات الرئيسية. وبالتالي، من الضروري إنشاء مثل هذا النموذج مع التزام الإدارة العليا به بجانبيها الطبي والإداري الصرف. والواقع أن هيكلية الحوكمة تصبح منتدى للحوار، وتصبح ادارة سلسلة التوريد بمثابة مزود للمعلومات الأساسية التي تمكّن المستشفيات من اتخاذ قرارات متأنية ومتوازنة.

ضمان كون البيانات متاحة وموثوقاً بها. نادرا ما يجمع مؤسسو ادارة سلسلة التوريد مجموعات شاملة من البيانات. وقد استثمرت مستشفيات قليلة في تصميم الهيكليات اللازمة للبيانات، على غرار قوائم التصنيف وقوائم المواد الأساسية. ومن المهم بالنسبة الى أقسام ادارة سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفيات التي تسعى إلى تحقيق نموذج التحول أن تستثمر في النظم الشاملة لتكنولوجيا المعلومات التي يمكنها أتمتة العمليات الممتدة من الشراء إلى الدفع وإتاحة إنشاء مجموعات شاملة من البيانات.

 

دمج عمليات ادارة سلسلة التوريد. عندما تكون العمليات مجزأة أو غير مكتملة، ستلجأ ادارة سلسلة التوريد إلى أنشطة مخصصة، تؤدي بدورها إلى الانحراف عن السياسات والاجراءات القائمة. وتؤدي مثل هذه النظم إلى أخطاء عديدة، لذا من المهم  بالنسبة الى أي مستشفى يسعى إلى تحقيق نموذج التحول، القيام بإعادة هيكلة شاملة للعمليات الممتدة من الشراء إلى الدفع، وجعلها متكاملة مع السياسات والإجراءات المناسبة، ومتوافقة مع نظم فعالة من تكنولوجيا المعلومات.

يرى شاهين في النهاية، أن أمام المستشفيات اليوم فرصة كبيرة - و تحديا مهما - لتغيير سلاسل التوريد الخاصة بها بحيث تلبّي معايير باتت أعلى من أي وقت مضى، تتعلق بتحقيق نتائج للمريض والحاجة إلى تقديم خدمات الرعاية الصحية بطريقة أكثر فعالية.

ويقول: "لا تزال غالبية المستشفيات في أنحاء العالم تعمل في إطار النموذج التأسيسي الذي تكون وظيفته الاساسية تزويد الخدمات. وبما ان تكاليف الرعاية الصحية تواصل الارتفاع، يمكن للعديد من المستشفيات تجديد ادارة سلسلة التوريد الخاصة بها لتجعلها عملاً تعاونياً أكثر استراتيجية وحيوية، يمكن أن يساعدها في ضبط التكاليف والتمكن من خدمة المرضى بشكل أفضل. وإذا عرفنا أن تقديم الخدمات بفعالية وزيادة جودة الرعاية لا يتعارضان، يمكن أن يكون ذلك حافزا قويا لتحوّل سلسلة التوريد في المنطقة".

على المستشفيات الحريصة على تغيير ادارة سلسلة التوريد الخاصة بها الشروع في مهمة بناء القدرات، والتأكد من أن العاملين لديها يملكون مهارات استراتيجية في مجال ادارة سلسلة التوريد، وتحديد استراتيجيات واضحة، وإنشاء نموذج حوكمة متين، ودمج العمليات، وضمان توافر البيانات ومتانتها.

يقتضي تغيير ادارة سلسلة التوريد الخاصة بالمستشفى تغييراً في طريقة التفكير وكذلك في الممارسات لتصبح المستشفيات "رشيقة" وفعالة، في موازاة تحسّن عام لأعمالها، وإرساء شراكات طويلة الأجل مع الموردين الذين يمكن التعاون معهم بشكل وثيق بهدف تقديم القيمة سنة بعد أخرى، وضمان أفضل النتائج للمرضى.

التعليقات