أطباء يموتون بالسرطان بسبب السموم الكيمياوية والمواد المشعة

الجزائر - دنيا الوطن
الدكتور‭ ‬كمال‭ ‬سلام‭ ‬للشروق‭:‬‮ "‬الأطباء‭ ‬المرضى‭ ‬يتلقون‭ ‬نفس‭ ‬المشاكل‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬العمومية‮"‬‭ ‬ يمرض الأطباء ويتألمون ويدخلون المستشفيات ويتعذبون بحثا عن موعد لتلقي العلاج الكيماوي مثلا أو العلاج بالأشعة، شأنهم شأن باقي البشر، وهم الذين طالما أنقذوا حياة الملايين من المرضى

 ويكتشف عدد منهم أنهم مصابون بأمراض مهنية خطيرة مصنفة ومعترف بها رسميا بموجب القرار بين الوزارات الصادر في 5 ماي 1996 عن اللجنة الوطنية للأمراض المهنية المنصبة في 10 أفريل 1995، والمشَكلة من ممثلين عن وزارات الصحة، العمل، يحدد قائمة طويلة من الأوبئة والعدوى الجرثومية كالتهاب الكبد الفيروسي والتهاب السحايا والأمراض التعفنية والأمراض الناجمة عن الخطر الكيماوي، كتعرض الأطباء إلى مواد سامة تدخل في تحضير العلاج الكيماوي لمرضى داء السرطان، وهي مواد جد سامة مثل "السيتوستاتيك"، التي تستعمل لقتل الخلايا السرطانية ومنعها من التكاثر، وتتسبب هذه المادة في حال انتشارها بغرفة العلاج في قتل الخلايا الحية لدى الطبيب أيضا، وفي ذلك خطر كبير على حياته، وتؤكد معلومات حصلنا عليها من مصادر موثوقة، أن عددا من الأطباء أصيبوا بالسرطان بسبب تعرضهم المستمر للمواد السامة خلال تحضير العلاج الكيماوي للمرضى، وهذه الإصابات تظهر على المدى البعيد أي بعد سن الخمسين، كما قد تظهر في سن مبكرة، ويبقى ملف الأطباء المصابين بهذا المرض سرا ترفض أية جهة الإدلاء بمعلومات حوله، لأن السرطان غير معترف به كمرض مهني في الجزائر حتى وسط الأطباء، ما عدا الإصابات التي يثبت أنها ناجمة عن تعرض الطبيب للأشعة أو للمواد المشعة، وعادة يظهر السرطان بعد سنوات طويلة، فالأطباء الذين يتعرضون بشكل مستمر للأشعة يصابون حسب طب العمل بسرطان الدم، سرطان الرئة، وسرطان العظام، وهي الأمراض المهنية التي يحددها القرار على أنها أمراض ناجمة عن التعرض للأشعة، على الرغم من أن المكتب الدولي للعمل أدرج مرض السرطان بكل‭ ‬أنواعه‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬الأمراض‭ ‬المهنية‭ ‬في‭ ‬تقريره‭ ‬الصادر‭ ‬سنة‭ ‬2009‮ ‬‭.‬
 
كارثة‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬النووي
وحسب مصادر من لجنة الوقاية من الأشعة النووية التي تعمل بالتنسيق مع طب العمل، فإن الخطر الكبير الذي يهدد حياة عمال الصحة بما فيهم الأطباء في مصلحة ماري كوري لعلاج السرطان بمستشفى مصطفى باشا مثلا: هو المواد المشعة المستعملة في الطب النووي، وهو نوع من العلاج الذي يعتمد على حقن مواد مشعة في الورم لدى المريض لمعرفة مدى انتشاره في الجسم، وتحديد الأعضاء المصابة، وفي هذا العلاج خطر كبير على الطبيب الذي يتعامل مع إشعاعات نووية تؤثر على صحته، وتتسبب في الإصابة بالسرطان بعد سنوات، كما تذكر مصادرنا من لجنة الوقاية من الأشعة‭ ‬النووية‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬إبعاد‭ ‬بعض‭ ‬الأطباء‭ ‬المصابين‭ ‬بالإشعاع‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬الطب‭ ‬النووي‭ ‬وإخضاعهم‭ ‬للعلاج‭.‬

وتقول بعض المصادر إن هناك من يعمل في مصلحة العلاج الكيماوي والنووي بدون أدنى حماية حتى القفازات التي يرتديها الطبيب، فيها مواد مسببة للحساسية والالتهابات الحادة للجلد، مما يجعل الأطباء ينزعونها.

ويقول الدكتور كمال سلام، وهو مختص رئيس في طب العمل ونائب رئيس نقابة الأطباء المختصين، إن الأطباء يعملون في جو كله أخطار، ويصابون بأمراض قد تؤدي بهم إلى الموت سواء أمراض مهنية أو وراثية أو غيرها، خاصة الإصابات بالسرطان التي أدت بحياة عدد من زملائه الأطباء، آخرهم توفي منذ شهرين في سن مبكرة، ورفض إعطاءنا تفاصيل حول أسمائهم أو تخصصاتهم، لأنها من الأسرار التي تحميها أخلاقيات المهنة، على حد قوله، واكتفى بالاعتراف أن هناك أطباء يعانون من المرض، ويواجهون نفس مشاكل العلاج في المستشفيات العمومية، ويلجؤون للتداوي والتحاليل والأشعة في العيادات الخاصة، وأغلبهم لا يملكون الإمكانيات المالية للعلاج في الخارج، ويتعذبون نظرا لنقص مراكز العلاج بالأشعة على المستوى الوطني، وقال إن من الأطباء من يزاول عمله في ظروف كارثية، وهو يعاني من أمراض مزمنة كطبيب يدخل في غيبوبة بسبب داء السكري أو ضغط الدم أو أزمة ربو، وهو لوحده في المستشفى أثناء المناوبة، وهو ما نعيشه يوميا في المستشفيات، فعلى سبيل المثال فإن أغلب الأطباء في مراكز الصحة الجوارية وهم في سن الخمسين تقريبا يعانون من الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والقلب، ومعرضون للإنهيار العصبي، بسبب الضغوطات والعنف البسيكولوجي والاعتداءات التي يتعرضون إليها من طرف أهالي المرضى، خاصة في المناطق الداخلية، فالأمراض العصبية والنفسية التي تصيب الأطباء يصنفها المكتب الدولي للشغل على أنها أمراض مهنية، ما عدا في الجزائر، فهناك من الأطباء من يتعاطى المهدئات‭ ‬ويفكر‭ ‬في‭ ‬الانتحار‭ ‬أو‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬المهنة‭ ‬بالاستقالة‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭.‬
 
أطباء‭ ‬يعانون‭ ‬جحيم‭ ‬الانتظار‭ ‬في‭ ‬المستشفيات
والإشكال أن التكفل بعلاج الأطباء يكون فقط لدى إصابتهم بمرض مهني محدد ومذكور في قائمة الأمراض المهنية، وتتوفر فيه كل الشروط والأعراض بما فيها تواجد الطبيب في المستشفى خلال إصابته بإحدى الأمراض، فإذا أصيب الطبيب بعد خروجه وابتعاده عن القطاع مثلا، فلا يتم التكفل‭ ‬بمرضه،‭ ‬ويلجأ‭ ‬للعلاج‭ ‬على‭ ‬نفقته،‭ ‬ويتلقى‭ ‬نفس‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬يتلقاها‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭. ‬
وحسب المختص في طب العمل فإن الطبيب الذي يتعرض إلى الإصابة بفيروس السيدا في مصلحة القطار مثلا، أو يصاب بجرثومة التهاب الكبد الفيروسي من نوع"سي"، وهما مرضان قاتلان لم تصنفهما اللجنة الوطنية القانونية ضمن قائمة الأمراض المهنية، لأن إصابة الطبيب بالسيدا أثناء تأدية‭ ‬عمله‭ ‬يعتبر‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬مجرد‮ ‬حادث‭ ‬عمل‭.‬

وقال الدكتور سلامي إنه لا يملك معلومات حول ما إذا كانت هناك إصابات بفيروس السيدا وسط الأطباء في مصلحة القطار، غير أن حوادث العمل واردة، وليست مستبعدة، وعلى الطبيب أن يحمي نفسه بالوقاية والحذر.

وذكر على سبيل المثال الطلبة في سن السادسة طب بدأوا يدخلون المستشفيات ويلامسون المرضى، ويتعرضون للعدوى الجرثومية، مجبرين على التلقيح ضد مرض التهاب الكبد الفيروسي، لكن للأسف أن أغلب الطلبة لم يخضعوا للتلقيح، وفي هذا خطر على حياتهم.

من جهة أخرى، هناك أخطار غير معروفة، لكنها موجودة في المستشفيات كإدمان الأطباء على بعض المواد المخدرة التي يستنشقونها يوميا في غرف العلاج والجراحة، تجعلهم يبحثون عنها ويحقنونها كنوع من تعاطي المخدرات.
 

التعليقات