بيل كلينتون في قمة عين على الأرض : انعدام المساواة والأنظمة المالية السيئة هي الأسباب الجذرية وراء العجز العالمي في التكيف مع عالمنا المتغير

أبوظبي- دنيا الوطن، جمال المجايدة 
 ألقى الرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون خلال مشاركته في قمة عين على الأرض المنعقدة حاليا في ابوظبي الضوء على عدد من النقاط الهامة: ابرزها أن بإمكاننا مساعدة العالم في استعداده لمواجهة المستقبل، إلا أننا بحاجة إلى التعاون لتحقيق ذلك.

وقال أن انعدام المساواة يعود بالضرر علينا جميعاً، لأنه يفرقنا ويفصلنا. كما أن علينا دائماً أن نثبت من خلال أمثلة ملموسة أن الأعمال الخيرية تحمل قيمة مادية.

واضاف قائلا / أن علينا إجبار أنظمتنا المالية على التعامل مع مصادر الطاقة المتجددة بنفس الأطر الزمنية الاستثمارية المطبقة على المشاريع التقليدية. وأخيراً، أنه وفي ظل تزايد أعداد سكان المدن، فإن مواجهة قضية كفاءة المباني في استهلاك الطاقة تعد الطريقة الأكثر فاعلية في خفض معدلات هائلة من انبعاثات غازات الدفيئة.

 

ويرى الرئيس كلينتون أن تنظيم قمة عين على الأرض في إمارة أبوظبي يمثل بحد ذاته علامة واضحة على التقدم الكبير الذي أحرزه العالم في ما يتعلق بالوعي البيئي. حيث قال: "إنه حدث رائع. قبل سنوات قليلة ماضية فقط، ما كان لأحد أن يفكر في تنظيم مؤتمر للتحاور حول البيانات والانبعاثات هنا في منطقة الخليج. ونحن نجتمع هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة لأننا ندرك بأن المسار الذي نحن عليه ليس مستداماً".

 

وفي خطاب تلته جلسة أسئلة واستفسارات أمام حشد رفيع المستوى من المشاركين في القمة، قدم الرئيس كلينتون عرضاً مبدعاً تخللته حقائق هامة وتدعمه الخبرة الاستثنائية التي اكتسبها من خلال مؤسسة كلينتون في مختلف أنحاء العالم. وتناولت كلمته مواضيع وأمثلة من أنحاء العالم بدءاً بإمكانيات الحرارة الجوفية في آيسلندا ووصولاً إلى القرار الذي اتخذته جزر المالديف عقب كارثة تسونامي بتركيز سكانها في 13 جزيرة يجري العمل على زيادة ارتفاعها عن سطح البحر.

 

كما تناول تاريخ العصور القديمة أيضاً، حيث قال: ""لقد أصبحنا نعرف أن الإنسان الذي لا ينحدر من أصول نقية من شبه الصحراء الإفريقية، يملك نحو 4% من جينات أجدادنا في عصور ما قبل التاريخ، أو إنسان النياندرتال. لقد سعدت زوجتي وابنتي بهذه المعلومة لأنها تؤكد لهم ما عرفوه دائماً، وهو أن جزءاً مني هو إنسان النياندرتال الأول".

 

وحول تحول العالم اليوم إلى قرية مترابطة، قال الرئيس كلينتون "إن حدودنا اليوم تبدو أشبه بشبكات الصيد منها بجدران فعلية"، حيث تجتازها أنشطة الهجرة والتمويل والتلوث والتجارة وغيرها. فهناك في أي لحظة نحو نصف مليون شخص في الجو، يسافرون من مدينة إلى أخرى.

 

وأضاف كلينتون: "والنقطة الأساسية في هذه القضية هي أننا جميعاً سنتأثر بأمور بدأت تتشكل في مكان آخر. فعلى سبيل المثال، تتعرض القمم الجليدية في غرينلاند إلى الذوبان بمعدل متسارع. وإذا واصلت ذوبانها بالمعدلات الحالية فإن كل هذه المياه العذبة في شمال الأطلسي قد تؤدي إلى انسداد جريان الخليج" والذي يحافظ على اعتدال درجات الحرارة في أوروبا. وإذا حصل ذلك بالفعل فإن الدول المسؤولة بالشكل الأكبر عن انعاثات غازات الدفيئة عبر التاريخ ستدخل مرة أخرى في مرحلة شبيهة بالعصر الجليدي المصغر الذي ساد قبل 700 عام. وأضاف: "وعلى النقيض من ذلك، وفيما ترتفع درجة حرارة العالم في بقية أجزائه، فإن بعض الأطراف التي تسببت في ارتفاع درجات الحرارة قد تتجنب التعرض لكثير من آثارها".

 

وربط الرئيس كلينتون بشكل متكرر بين مظاهر انعدام المساواة وعدم الاستقرار والازدهار، مشيراً إلى العديد من الأمثلة التي تظهر أن الازدهار ينبع من عالم يجمعه المزيد من الأهداف المشتركة ويتمتع بنسبة أقل من انعدام المساواة. وقال: "هناك قدر كبير من انعدام المساواة في العالم سواء ضمن الحدود نفسها أو بين الحدود المختلفة. لقد لاحظتم أن المظاهرات لم تقتصر على أحداث "الربيع العربي"، بل امتدت إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال المظاهرات الاحتجاجية في وول ستريت وإلى أوروبا نتيجة أزمة منطقة اليورو. ومن من المهم أن نتذكر دائماً، أن (أزمة منطقة اليورو) بدأت معنا نحن في الولايات المتحدة الأمريكية". كما تطرق في حديثه إلى عدم الاستقرار الذي يؤدي إلى حالة من الشلل قائلاً: "لا بد لنا أحياناً من شيء من عدم الاستقرار حفاظاً على توازن الأنظمة. لكن الكثير من عدم الاستقرار سيؤدي إلى شل حركة الناس".

 

وبالنسبة للرئيس كلينتون، فإن "النموذج الاقتصادي الذي كنا نتبعه ليس نموذجاً مستداماً، وذلك بسبب طريقة استهلاكنا للطاقة واستنزافنا للموارد. وفي هذا السياق، فإن هذه القمة تمثل حدثاً هاماً، كما أن كل من يساهم في توفير البيانات الجيدة لنا منكم يلعب دوراً بالغ الأهمية".

 

وألقى الرئيس كلينتون على أهمية القياس والمعلومات، مشيراً إلى ضرورة أن تكون هذه المعلومات مفيدة في تعزيز اتخاذ القرارات المدروسة. وطرح مثالاً على ذلك من "الجدل كبير فيما يتعلق باستئجار أو شراء الدول الغنية بالنفط لأراض زراعية في إفريقيا، حيث يعتني المزارعون الإفريقيون بالتربة السطحية بشكل جيد. إن هذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً، لكن طريقة تنفيذ مثل هذه المشاريع قد تمثل فرقاً كبيراً. فإذا كانت الزراعة في هذه الأراضي ذات طابع صناعي يعتمد على الآلات، فإن هذا سيؤدي إلى استنزاف التربة السطحية والموارد المائية، ولن تتمكن قارة إفريقيا من التطور، مما يعيق بدوره نسبة أكبر من أنشطة التجارة والاعتماد المتبادل بين الدول، وهو ما نحن بحاجة إليه في هذا العالم المتغير. فنحن نعيش في عالم تحكمه علاقات متبادلة والاعتماد على بعضنا البعض". كما شدد كلينتون ثانية على أن علينا أن نتبع نهجاً يشمل الجميع، مشيراً إلى أنه "ليس بإمكاننا تقسيم العالم إلى أغنياء وفقراء".

 

وفي هذا السياق، تأتي قمة عين على الأرض، والتي تطمح لمساعدة الدول النامية في اتخاذ قرارات مدروسة من خلال الوصول إلى شبكة أكبر وأفضل من البيانات، تأتي كتطور هام يعكس جهود إمارة أبوظبي للتعامل مع هذه القضايا الخطيرة.

 

وذكر الرئيس كلينتون الحضور بأن ما يحدث فرقاً هو الأمثلة الملموسة، وليس مجرد الكلمات. وقال: "أنا لست واثقاً مما تم الاتفاق عليه في مؤتمر دوربان، لكنني واثق من هذا: الاتفاقيات لا تعني شيئاً إذا لم يكن لدينا مشاريع تثبتها على الأرض. لقد قضيت معظم حياتي مع الناس أقول لهم "إذا كان لديك شك في إمكانية فعل ذلك فانظر بنفسك إلى هذا المشروع أو ذاك. انظر إلى تلك المزارع في إفريقيا والتي نجحت في مضاعفة إنتاجيتها، أو تلك الأبنية في الولايات المتحدة التي تمكنت من خفض استهلاكها للطاقة". فأنا أفضل أن أقوم بمشروع واحد بدلاً من إلقاء عشر خطابات".

كما عاد كلينتون تكراراً إلى القضايا المالية، مشيراً إلى أن تفعيل التغيير في أنظمة الطاقة لدينا يرتبط بالعادات السيئة ونقص التمويل أكثر مما يرتبط بالتكنولوجيا.

 

ويتطلع الرئيس كلينتون إلى عالم يتم فيه إنتاج الطاقة من مصادر أكثر تنوعاً بكثير – إلا أن على المستثمرين والمؤسسات المالية أن تتعامل مع هذه المشاريع على الأقل بنفس المعيار المطبق على أنظمة الطاقة الأكثر تلويثاً للبيئة. ومن أمثلة ما ذكره الرئيس حول هذا الموضوع: ""إن أحد أحلامي وطموحاتي هو أن نتخلص من جميع مكبات النفايات في العالم، وأن نقوم بإعادة تدوير كل المخلفات البلاستيكية والزجاجية والمعدنية، وأن نستخدم المخلفات العضوية كأسمدة، وأن نستغل كل شيء آخر للحصول على الطاقة. أريد ارتفاع الحرارة الجوفية. والأمر يعتمد بشكل أساسي على التمويل. فإذا أردت أن تبني مصنعاً جديداً للفحم فإنك ستدفع تكاليفه على مدى 20 عاماً. إنها عملية طويلة يعرفها الجميع. ستدفع تكاليف محطة نووية على مدى 30 عاماً".

 

إلا أنه لا توجد حزم تمويل مشابهة لدعم مشاريع الطاقة المتجددة. "إن المرافق الفعالة فعلاً لتحويل المخلفات إلى طاقة تدفع تكاليفها في أقل من 0 عاما. وكثيراً ما يوجه إلي هذا السؤال: كيف يمكن أن تقوم بتمويل مشروع على مدى 17 عاماً؟" حسناً، إننا نقوم بذلك كل يوم في محطات الطاقة الأخرى!"  

أما فيما يتعلق بالتخطيط للكوارث والمرونة في مواجهتها، فقد أشار الرئيس كلينتون إلى أن الأمر لا يتعلق بالبيانات فقط. حيث وجد في أعقاب كارثة تسونامي التي ضربت المحيط الهندي أن "أنظمة التحذير المبكر قد تساعدنا في أن نحاكي أسلوب الحيوانات التي تهرب مبتعدة عن مكان الكارثة. إن الحيوانات تتمتع بنظام تحذير مبكر، وهذا أمر مهم. لكن علينا أن لا نفكر فقط في الاستعداد للكارثة، بل بكيفية منع وقوع الأضرار". وأشار إلى أنه في أعقاب إعصار كاترينا الذي أغرق نيو أورليانز، " أجريت دراسة لمعرفة سبب تحطم الحواجز البحرية. ووجدت الدراسة أنه لو كانت الأراضي الرطبة في نفس الوضع الذي كانت عليه قبل ثلاثين عاماً لتمكنت من خفض سرعة الأمواج إلى النصف، وتقليل الضرر بنسبة 90%". 

التعليقات