الصائغ تأبط منفاه.. ودبشة يمشي إلى ذاته
غزة - دنيا الوطن
أمسية مسكونة بالشجن، بدخان الحرب، وظلال الغربة، تلك الأمسية التي استهل بها معرض الكتاب احتفاءه بالقصيد أمس الأول، ضيفاها شاعران، العراقي عدنان الصائغ المحمل بهموم الفنى، وعلى ظهره سيط الطغيان، والكويتي صلاح دبشة
الساعي بين الناس بعين تسخر وتتألم ولا تكاد تصدق. قدم الشاعران نصوصها على مدار ثلاث جولات، أدارها وقدم لها الناقد السعودي د. محمد العباس، الذي أشار في مطلع تقديمه الى طبيعة الشعر المزدوجة: ذلك المقروء في الصمت، والآخر الملقى على الجمهور والذي يحتاج الى تفاعل، وتدخُل فيه معادلة التلقي حين يستحوذ على الجمهور، مؤكدا أن تجربة الشاعرين عدنان الصائغ وصلاح دبشة لها من الخبرة والتمرس ما يكفي للاستحواذ على مشاعر الجمهور.
واختتم العباس تقديمه الذي خلا من تلاوة السيرة الذاتية للشاعرين، بقوله ان السيرة الحقيقية للشاعر هي قصائده، ففيها أصداء حياته، أو نتف منها.
وطن نصفه للأغاني
كان اللقاء أولا مع قصائد عدنان الصائغ التي جمعت بين قصيدة التفعيلة والنثر، وفي قصائده النثرية، كان الصائغ يقترب من الروح المموسقة باداء محبوك موقّع. رحلت قصائده وعادت من الوطن دون أن تعثر على وجه. وطن نصفه للأغاني، ونصفه للقهر. تهكم الصايغ على كل أشكال السلطة والرقابة بداية من الكتاب، يقول في قصيدته «بياض»:
الرقيب الذي في الكتاب
ظل يلتهم الكلمات، السطور، الحروف البوارز
حتى تكرش من كثرة الصفحات وغاب
الهي..
ما الذي سوف يفعله ببياض كهذا؟
البياض حجاب.
للمفارقة نصيبها في قصائد عدنان الصائغ كما في قصيدته «رقيب داخلي»:
فكر أن يكتب عن ياسمين الحدائق
فتذكر أعواد المشانق
فكر أن يكتب عن موسيقى النهر
فتذكر أشجار الفقراء التي أيبسها الحرمان
فكر أن يكتب عن قرنفل المرأة العابق في دمه
فتذكر صفير المجنزرات التي رحلت في أصدقائه
الى المنافي.
عبر قصائده المتراوحة بين استعراض صورة وتجربة ممتدة، وبين اللقطات الخاطفة المكثفة يشف نص الصائغ عن لعنة المنافي، عن ما يخلفه الاستبداد من غناء مكسور، وما تتركه الحرب المجنونة من خواء روحي «فرغتك الحروب من الحب». كما التأمت القصائد حول معاني التمرد بحثا عن منفذ لحرية الحب والابتكار، والخروج عن «الخط المستقيم» الى تعرجات الحياة ومفاجآتها، خصوصا في نصوصه القصيرة. عناوين قصائده تشي برحلة الشاعر الطارقة على بابين: باب للوطن وآخر للغربة «العراق»، «العبور الى المنفى»، «بكائية لامرئ القيس»، وغيرها سيرة ذاتية يختلط فيها الخاص بالعام، بحث عن وجه للذات يمر عبر الوطن.
مغرم بالحركة
بخلاف كثافة الشجن الشعري الذي تتسم به قصايد الصائغ، جاءت نثرية قصائد الشاعر صلاح دبشة، لترسم وجه عالم لا يقل اغترابا، لكنه يكشف عن هذا الاغتراب عبر التفاصيل الخارجية للحياة، عبر قصيدة تمشي على قدمين تلتقط المشهد بحس تسجيلي دقيق، تتسرب تحته خفية مياه التهكم واللا يقين. في تقديمه له وصف الناقد محمد العباس نصه بأنه مغرم بالحركة، وأن هذه الحركة هي فكرة آخذة في التجرد، حتى تتحول الى صورة، انه يمشي في «تظاهرة شخصية» الى أن يصادف ذاته، لا يهوى الكلام لكثير في القصيدة، ولايدخل بها في مهرجان لغوي، المشي عنده يعادل الشعر، فهو انساني مرهف.
في نصه «العيد»، يسبغ صلاح دبشة صفات تحفل بالشاعرية والمبالغة لكنها تبطن شيئا آخر يقول:
العيد هلّ هلاله
لعوض الدوخي أن يحلق في سماء الفصل
يوصد بأوتار العود أبواب المدرسة
غدا
صوته يمسح الكلام الكثير عن السبورة
يرسم بدلا منه ارجوحة
غدا نخرج الى الشارع
كطيارات ورقية
أمهاتنا يمسكن بالخيوط
شجرتنا ترخي أغصانها للعصافير
شارعنا يوسع أرصفته
تطبع أمي على خدي قبلة
يجمع صداها بين فراشتين في شارع مجاور
تمنح صورة العيد الجماعة سرعان ما يتكشف نقيضها: زيف الرياء الاجتماعي والانساني، تصبح المناسبة التقليدية معرضا لاجتماع زائف، وتنكسر المصافحة الهشة، على مرآة العالم الذاتي لكل شخص.
وفي قصيدته «نداء ضد الحرب» يستعيد دبشة بعضا من أجواء عمله في «تظاهرة شخصية»، غير انه يندفع بها الى اتجاه الرؤية ونقيضها: لا انسانية الحرب، ماديتها الفظة الكئيبة التي ترحم، ولا تعرف مكانا للعاطفة، ولا يمكن من ثم استئناسها بأي حيلة، غير أن هنا يكمن مصرعها، فهي تهزم نفسها بنفسها وتتغطى بالتراب والدخان الذي أثارته. فالحرب التي «لا ترد على الأسئلة» هي أيضا «الخاسرة بلا محالة».
أمسية مسكونة بالشجن، بدخان الحرب، وظلال الغربة، تلك الأمسية التي استهل بها معرض الكتاب احتفاءه بالقصيد أمس الأول، ضيفاها شاعران، العراقي عدنان الصائغ المحمل بهموم الفنى، وعلى ظهره سيط الطغيان، والكويتي صلاح دبشة
الساعي بين الناس بعين تسخر وتتألم ولا تكاد تصدق. قدم الشاعران نصوصها على مدار ثلاث جولات، أدارها وقدم لها الناقد السعودي د. محمد العباس، الذي أشار في مطلع تقديمه الى طبيعة الشعر المزدوجة: ذلك المقروء في الصمت، والآخر الملقى على الجمهور والذي يحتاج الى تفاعل، وتدخُل فيه معادلة التلقي حين يستحوذ على الجمهور، مؤكدا أن تجربة الشاعرين عدنان الصائغ وصلاح دبشة لها من الخبرة والتمرس ما يكفي للاستحواذ على مشاعر الجمهور.
واختتم العباس تقديمه الذي خلا من تلاوة السيرة الذاتية للشاعرين، بقوله ان السيرة الحقيقية للشاعر هي قصائده، ففيها أصداء حياته، أو نتف منها.
وطن نصفه للأغاني
كان اللقاء أولا مع قصائد عدنان الصائغ التي جمعت بين قصيدة التفعيلة والنثر، وفي قصائده النثرية، كان الصائغ يقترب من الروح المموسقة باداء محبوك موقّع. رحلت قصائده وعادت من الوطن دون أن تعثر على وجه. وطن نصفه للأغاني، ونصفه للقهر. تهكم الصايغ على كل أشكال السلطة والرقابة بداية من الكتاب، يقول في قصيدته «بياض»:
الرقيب الذي في الكتاب
ظل يلتهم الكلمات، السطور، الحروف البوارز
حتى تكرش من كثرة الصفحات وغاب
الهي..
ما الذي سوف يفعله ببياض كهذا؟
البياض حجاب.
للمفارقة نصيبها في قصائد عدنان الصائغ كما في قصيدته «رقيب داخلي»:
فكر أن يكتب عن ياسمين الحدائق
فتذكر أعواد المشانق
فكر أن يكتب عن موسيقى النهر
فتذكر أشجار الفقراء التي أيبسها الحرمان
فكر أن يكتب عن قرنفل المرأة العابق في دمه
فتذكر صفير المجنزرات التي رحلت في أصدقائه
الى المنافي.
عبر قصائده المتراوحة بين استعراض صورة وتجربة ممتدة، وبين اللقطات الخاطفة المكثفة يشف نص الصائغ عن لعنة المنافي، عن ما يخلفه الاستبداد من غناء مكسور، وما تتركه الحرب المجنونة من خواء روحي «فرغتك الحروب من الحب». كما التأمت القصائد حول معاني التمرد بحثا عن منفذ لحرية الحب والابتكار، والخروج عن «الخط المستقيم» الى تعرجات الحياة ومفاجآتها، خصوصا في نصوصه القصيرة. عناوين قصائده تشي برحلة الشاعر الطارقة على بابين: باب للوطن وآخر للغربة «العراق»، «العبور الى المنفى»، «بكائية لامرئ القيس»، وغيرها سيرة ذاتية يختلط فيها الخاص بالعام، بحث عن وجه للذات يمر عبر الوطن.
مغرم بالحركة
بخلاف كثافة الشجن الشعري الذي تتسم به قصايد الصائغ، جاءت نثرية قصائد الشاعر صلاح دبشة، لترسم وجه عالم لا يقل اغترابا، لكنه يكشف عن هذا الاغتراب عبر التفاصيل الخارجية للحياة، عبر قصيدة تمشي على قدمين تلتقط المشهد بحس تسجيلي دقيق، تتسرب تحته خفية مياه التهكم واللا يقين. في تقديمه له وصف الناقد محمد العباس نصه بأنه مغرم بالحركة، وأن هذه الحركة هي فكرة آخذة في التجرد، حتى تتحول الى صورة، انه يمشي في «تظاهرة شخصية» الى أن يصادف ذاته، لا يهوى الكلام لكثير في القصيدة، ولايدخل بها في مهرجان لغوي، المشي عنده يعادل الشعر، فهو انساني مرهف.
في نصه «العيد»، يسبغ صلاح دبشة صفات تحفل بالشاعرية والمبالغة لكنها تبطن شيئا آخر يقول:
العيد هلّ هلاله
لعوض الدوخي أن يحلق في سماء الفصل
يوصد بأوتار العود أبواب المدرسة
غدا
صوته يمسح الكلام الكثير عن السبورة
يرسم بدلا منه ارجوحة
غدا نخرج الى الشارع
كطيارات ورقية
أمهاتنا يمسكن بالخيوط
شجرتنا ترخي أغصانها للعصافير
شارعنا يوسع أرصفته
تطبع أمي على خدي قبلة
يجمع صداها بين فراشتين في شارع مجاور
تمنح صورة العيد الجماعة سرعان ما يتكشف نقيضها: زيف الرياء الاجتماعي والانساني، تصبح المناسبة التقليدية معرضا لاجتماع زائف، وتنكسر المصافحة الهشة، على مرآة العالم الذاتي لكل شخص.
وفي قصيدته «نداء ضد الحرب» يستعيد دبشة بعضا من أجواء عمله في «تظاهرة شخصية»، غير انه يندفع بها الى اتجاه الرؤية ونقيضها: لا انسانية الحرب، ماديتها الفظة الكئيبة التي ترحم، ولا تعرف مكانا للعاطفة، ولا يمكن من ثم استئناسها بأي حيلة، غير أن هنا يكمن مصرعها، فهي تهزم نفسها بنفسها وتتغطى بالتراب والدخان الذي أثارته. فالحرب التي «لا ترد على الأسئلة» هي أيضا «الخاسرة بلا محالة».

التعليقات