الانتخابات المصرية..مؤشرات مقلقة
غزة - دنيا الوطن
بقلم: زياد ابوشاويش
في نتائج أولية ربما تتغير حصل الإسلاميون المصريون في الجولة الأولى من الانتخابات بالقائمة النسبية على 64% من أصوات الناخبين مسجلين تفوقاً واضحاً ليس على باقي القوى والأحزاب، بل وعلى توقعات الأكثر تفاؤلاً من قادة التيار الديني الحزبي المتشدد والوسطي والمعتدل على حد سواء.
حزب "الإخوان المسلمون" مع حلفائه في قائمة التحالف الديمقراطي حصل على 36% من الأصوات بينما حصل السلفيون المتشددون بتلاوينهم المختلفة داخل حزب النور على 24% وهو ضعف ما كان متوقعاً في أحسن حالاتهم، وحصل حزب الوسط بقيادة أبو العلا ماضي وهو منشق عن الإخوان منذ عام 96 على 4% من الأصوات، وفي نتائج الفردي حسب المؤشرات الأولية سيحصل التيار الديني على ذات النسبة تقريباً.
الليبراليون واليساريون والقوميون وقوى الثورة ممن أشعلوها وأنتجوا ميدان التحرير وعمموه حصلوا على باقي النسبة، حيث حصلت الكتلة المصرية التي تضم حزب التجمع الناصري اليساري وجماعة المليونير سويرس الليبرالي وجملة أحزاب صغيرة على 15% والوفد الليبرالي على نسبة 8%، كما حصل تحالف الثورة مستمرة على 3% تقريباً، وتوزعت باقي الأصوات على باقي الكتل والأحزاب بتفاوت يصل أحياناً العشرين ضعفاً.
الملاحظة الأبرز في النتائج أن أحزاباً صنعت الثورة وشاركت فيها منذ اليوم الأول، بل نكاد نقول أنها مهدت للثورة ورسمت طريقها منذ سنوات لم تنل ما تستحقه من تقدير، بل يوشك المرء على القول أن نتائج هذه الجولة من الانتخابات أتت كعقوبة لها وخيبت آمال الكثير ممن راهنوا على المسار الديمقراطي بالوتيرة التي جرت فيها الانتخابات قبل وضع دستور للبلاد ومنح القوى الجديدة فرصتها في التنظيم والاستعداد للمعركة الانتخابية.
بالطبع سنجد أسماء تلمع في التنافس الفردي من هؤلاء المناضلين وسنرى شباب ثوري يدخل السياسة من أوسع أبوابها، لكن المؤكد حتى اللحظة أن قوى ثورة 25 يناير المتواجدين في ميدان التحرير، وما يمثله الميدان في ضمير مصر ووجدان الأمة العربية لم يجد ترجماته الحقيقية في الانتخابات المصرية التي جرت نهاية الشهر الماضي.
ليس هنا مقام تفسير ما وقع ونتائج انتخابات كانت بحق أفضل من أية انتخابات سابقة في تاريخ مصر من حيث نسبة المشاركة أو صدقية النتائج، لكن ما يهم هنا هو التنبيه لخطورة الاستنتاجات التي يمكن إدراكها بعد مقاربة النتائج ورؤية النسبة الكبيرة التي حصلت عليها الجماعة السلفية ومن لف لفها.
إن الحديث عن نجاح الوسطيين والمعتدلين في التيار الديني كالإخوان المسلمين (وحزب الوسط بصورة أضعف) لا يمكن أن يغيب الصورة القاتمة لنجاح تيار التطرف الوهابي الذي حصد نتائج ستجعل كل التيار الديني الإسلامي رهينة لدى هؤلاء السلفيين، وقد لاحظنا كيف يستدرج الإخوان لأفخاخ السلفيين ويرغموا على خوض معاركهم في كثير من الأوقات، ناهيك عن مصادر تمويلهم وارتباطاتهم الخارجية ورفضهم للعروبة وتياراتها الوحدوية.
إن الحديث عن شراء محلات وأندية في شارع الهرم بغض النظر عن طبيعة نشاط هذه الأماكن (السياحية غالباً) عن طريق مؤسسات يملكها أثرياء محسوبون على هؤلاء الناس وبدء التنافس في الشارع على الظهور بمظهر الورع والسعي لأسلمه المجتمع والقوانين بالشكل الذي نراه في لحى هؤلاء وجلابيبهم ونظرتهم للحريات العامة والخاصة والمرأة وغير ذلك من قضايا التحضر والمدنية، بخلاف عشرات المؤشرات المقلقة على نوعية الحياة التي يسعى هؤلاء لفرضها على باقي المجتمع بما في ذلك حياته السياسية، إن هذا كله يدل على أن الديمقراطية المصرية بدأت تنتج نقيضها إن لم يجر تدارك الأمر في الجولات القادمة بما فيها الانتخابات الرئاسية والشورى، أو جولتي الانتخابات لباقي المحافظات والدوائر.
ليس التنبيه على خطورة النتائج معناه رفضها أو محاولة الالتفاف عليها فهذه غير مقبولة ولا تعالج أية قضية، بل المقصود أن هناك ثمناً غالياً سيدفعه المواطن المصري والدولة المصرية في السعي نحو الحرية والديمقراطية والمشاركة، وأن الوقت لم يفت على تدارك الأمر باتجاه تخفيف هذا الثمن وجعله في حدود قدرة مصر على حمله، خاصة أن هناك قضايا أمة تنتظرها على تخوم مستقبل يكاد يمسك بتلابيب الجميع بلا استثناء.
إنه زمن التحدي على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية والعلمية، وفي الأساس السياسية، كما أنه زمن الانفكاك من التبعية واستعادة دور ووجه مصر الحقيقي، وهذا صعب في وجود قوى ظلامية ومتخلفة على رأس السلطة أو في قلبها.
المصريون قالوا كلمتهم ولابد أن نحترمها، وأفضل لمصر أن تخوض التجربة الديمقراطية وتدفع ثمنها قاسياً من أن تبقى تحت حكم العسكر والتبعية لأمريكا وبيديها أغلال كامب ديفيد.
النتائج النهائية لم تظهر بعد والمؤشرات المقلقة سنجد مفاعيلها في تلك النتائج شئنا أم أبينا، ولهذا علينا أن نبني حساباتنا للمستقبل على هذا الأساس، وفي كل الأحوال ستكون مهمة البحث عن الأسباب ومعالجتها بسرعة هي الشغل الشاغل لذوي البصيرة والعقول الراجحة، وكلما تحلينا بالشجاعة لوضع يدنا في عش الدبابير وواجهنا تقصيرنا ونقائصنا بحزم كلما قللنا حجم معاناة الشعب وأعطينا البشارة للأمة.
[email protected]
بقلم: زياد ابوشاويش
في نتائج أولية ربما تتغير حصل الإسلاميون المصريون في الجولة الأولى من الانتخابات بالقائمة النسبية على 64% من أصوات الناخبين مسجلين تفوقاً واضحاً ليس على باقي القوى والأحزاب، بل وعلى توقعات الأكثر تفاؤلاً من قادة التيار الديني الحزبي المتشدد والوسطي والمعتدل على حد سواء.
حزب "الإخوان المسلمون" مع حلفائه في قائمة التحالف الديمقراطي حصل على 36% من الأصوات بينما حصل السلفيون المتشددون بتلاوينهم المختلفة داخل حزب النور على 24% وهو ضعف ما كان متوقعاً في أحسن حالاتهم، وحصل حزب الوسط بقيادة أبو العلا ماضي وهو منشق عن الإخوان منذ عام 96 على 4% من الأصوات، وفي نتائج الفردي حسب المؤشرات الأولية سيحصل التيار الديني على ذات النسبة تقريباً.
الليبراليون واليساريون والقوميون وقوى الثورة ممن أشعلوها وأنتجوا ميدان التحرير وعمموه حصلوا على باقي النسبة، حيث حصلت الكتلة المصرية التي تضم حزب التجمع الناصري اليساري وجماعة المليونير سويرس الليبرالي وجملة أحزاب صغيرة على 15% والوفد الليبرالي على نسبة 8%، كما حصل تحالف الثورة مستمرة على 3% تقريباً، وتوزعت باقي الأصوات على باقي الكتل والأحزاب بتفاوت يصل أحياناً العشرين ضعفاً.
الملاحظة الأبرز في النتائج أن أحزاباً صنعت الثورة وشاركت فيها منذ اليوم الأول، بل نكاد نقول أنها مهدت للثورة ورسمت طريقها منذ سنوات لم تنل ما تستحقه من تقدير، بل يوشك المرء على القول أن نتائج هذه الجولة من الانتخابات أتت كعقوبة لها وخيبت آمال الكثير ممن راهنوا على المسار الديمقراطي بالوتيرة التي جرت فيها الانتخابات قبل وضع دستور للبلاد ومنح القوى الجديدة فرصتها في التنظيم والاستعداد للمعركة الانتخابية.
بالطبع سنجد أسماء تلمع في التنافس الفردي من هؤلاء المناضلين وسنرى شباب ثوري يدخل السياسة من أوسع أبوابها، لكن المؤكد حتى اللحظة أن قوى ثورة 25 يناير المتواجدين في ميدان التحرير، وما يمثله الميدان في ضمير مصر ووجدان الأمة العربية لم يجد ترجماته الحقيقية في الانتخابات المصرية التي جرت نهاية الشهر الماضي.
ليس هنا مقام تفسير ما وقع ونتائج انتخابات كانت بحق أفضل من أية انتخابات سابقة في تاريخ مصر من حيث نسبة المشاركة أو صدقية النتائج، لكن ما يهم هنا هو التنبيه لخطورة الاستنتاجات التي يمكن إدراكها بعد مقاربة النتائج ورؤية النسبة الكبيرة التي حصلت عليها الجماعة السلفية ومن لف لفها.
إن الحديث عن نجاح الوسطيين والمعتدلين في التيار الديني كالإخوان المسلمين (وحزب الوسط بصورة أضعف) لا يمكن أن يغيب الصورة القاتمة لنجاح تيار التطرف الوهابي الذي حصد نتائج ستجعل كل التيار الديني الإسلامي رهينة لدى هؤلاء السلفيين، وقد لاحظنا كيف يستدرج الإخوان لأفخاخ السلفيين ويرغموا على خوض معاركهم في كثير من الأوقات، ناهيك عن مصادر تمويلهم وارتباطاتهم الخارجية ورفضهم للعروبة وتياراتها الوحدوية.
إن الحديث عن شراء محلات وأندية في شارع الهرم بغض النظر عن طبيعة نشاط هذه الأماكن (السياحية غالباً) عن طريق مؤسسات يملكها أثرياء محسوبون على هؤلاء الناس وبدء التنافس في الشارع على الظهور بمظهر الورع والسعي لأسلمه المجتمع والقوانين بالشكل الذي نراه في لحى هؤلاء وجلابيبهم ونظرتهم للحريات العامة والخاصة والمرأة وغير ذلك من قضايا التحضر والمدنية، بخلاف عشرات المؤشرات المقلقة على نوعية الحياة التي يسعى هؤلاء لفرضها على باقي المجتمع بما في ذلك حياته السياسية، إن هذا كله يدل على أن الديمقراطية المصرية بدأت تنتج نقيضها إن لم يجر تدارك الأمر في الجولات القادمة بما فيها الانتخابات الرئاسية والشورى، أو جولتي الانتخابات لباقي المحافظات والدوائر.
ليس التنبيه على خطورة النتائج معناه رفضها أو محاولة الالتفاف عليها فهذه غير مقبولة ولا تعالج أية قضية، بل المقصود أن هناك ثمناً غالياً سيدفعه المواطن المصري والدولة المصرية في السعي نحو الحرية والديمقراطية والمشاركة، وأن الوقت لم يفت على تدارك الأمر باتجاه تخفيف هذا الثمن وجعله في حدود قدرة مصر على حمله، خاصة أن هناك قضايا أمة تنتظرها على تخوم مستقبل يكاد يمسك بتلابيب الجميع بلا استثناء.
إنه زمن التحدي على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية والعلمية، وفي الأساس السياسية، كما أنه زمن الانفكاك من التبعية واستعادة دور ووجه مصر الحقيقي، وهذا صعب في وجود قوى ظلامية ومتخلفة على رأس السلطة أو في قلبها.
المصريون قالوا كلمتهم ولابد أن نحترمها، وأفضل لمصر أن تخوض التجربة الديمقراطية وتدفع ثمنها قاسياً من أن تبقى تحت حكم العسكر والتبعية لأمريكا وبيديها أغلال كامب ديفيد.
النتائج النهائية لم تظهر بعد والمؤشرات المقلقة سنجد مفاعيلها في تلك النتائج شئنا أم أبينا، ولهذا علينا أن نبني حساباتنا للمستقبل على هذا الأساس، وفي كل الأحوال ستكون مهمة البحث عن الأسباب ومعالجتها بسرعة هي الشغل الشاغل لذوي البصيرة والعقول الراجحة، وكلما تحلينا بالشجاعة لوضع يدنا في عش الدبابير وواجهنا تقصيرنا ونقائصنا بحزم كلما قللنا حجم معاناة الشعب وأعطينا البشارة للأمة.
[email protected]

التعليقات