مخاوف التونسيات من تزايد نفوذ الإسلاميين

غزة - دنيا الوطن
تدفقت نساء تونس في الشوارع مسلحات بحقهن في التصويت، وهو أحدث أسلحتهن، عندما صوتت البلاد في أكتوبر الماضي في أولى انتخاباتها الديمقراطية منذ إندلاع الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي وأنهت سيطرته المحكمة على البلاد التي دامت 27 عاماً.

ومع ذلك، فقد كان الإنتصار الساحق لحزب النهضة الاسلامي المعتدل في انتخابات 23 أكتوبر مصدرا للقلق الشديد لقطاع عريض من النساء التونسيات، اللواتي يشعرن بأن ما حققهن من مكتسبات خلال كفاحهن المرير من أجل التحرر قد يضيع من بين أيديهن نتيجة لصعود نجم القيادة الدينية في فترة ما بعد الثورة.

وتفاقمت هذه المخاوف بعد الهجمات الأخيرة التي شنتها الجماعات المتشددة المعروفة بإسم السلفيين على دور السينما ومحطات التلفزيون التي تعرض أفلاماً لسينمائيات من النساء. وتزايدت الأوضاع حدة في أعقاب الإعتداء على المدرسين والطلاب بالجامعات في انحاء البلاد.

وفي غضون ذلك، حاول حزب النهضة بكل السبل أن ينأى بنفسه عن أعمال المتطرفين، عبر إصدار تأكيدات متكررة للمواطنين بأنه ينتهج خطاً أكثر اعتدالاً.

في هذا الشأن، أكدت سعاد عبد الرحيم، العضوة المنتخبة في الجمعية التأسيسية النهضة لوكالة إنتر بريس سيرفس: "سوف نحترم أسلوب حياة الشعب التونسي ونعمل على الحفاظ على حقوق المرأة".

وتجدر الإشارة إلي أن سعاد عبد الرحيم هي الوحيدة التي لا ترتدي الحجاب من بين 42 إمرأة منتخبة لتمثيل حزب النهضة، بل إنها صارت تمثل الصورة "المعتدلة" لحزب النهضة، وقبوله الإفتراضي وتسامحه تجاه جميع النساء، بغض النظر عن الدين أو اللباس.

ومع ذلك، فإن عناصر النهضة الأكثر تحفظاً، وكذلك السلفيين المتشددين الذين رفضوا التصويت في الإنتخابات، غاضبون من هذا النهج ويطالبون حزب النهضة بصوت عال أن يتخذ موقفاً دينياً أكثر تشدداً.

وفي الأسبوع الماضي إحتشدت عشرات النساء، من الطالبات والمعلمات والناشطات، خارج مدينة العلوم، جامعة أريانة بتونس، للفت الانتباه الى الاعتداءات الجسدية واللفظية التي تشنها على النساء الجهات المحافظة الجديدة والمؤثرة في عديد من المواقع الإجتماعية.

كما صرخت مجموعة من الملتحين السلفيين في المارة من النساء على طول جدران مدينة العلوم أمام مسجد: "إرحلن"، وهو الشعار المماثل لذلك المستخدم خلال الثورة ضد بن علي للدلالة على غضب المواطنين.

هذه الإساءات اللفظية توجه معظم الوقت إلى النساء اللواتي يرتدين ملابساً تتحدى الزي المحافظ المتوقع للمرأة في العديد من البلدان الإسلامية.

هذا ولم تصدر أي جهة أو منظمة بياناً رسمياً لإدانة هذا الإعتداء، مما أجبر النساء على العودة إلى وسائل الاعلام الإجتماعية، وهي الاستراتيجية المستخدمة على نطاق واسع أثناء الثورة كوسيلة لحشد الدعم والدعوة لتنظيم احتجاجات.

ومن المثير للاهتمام، أن الدعوة لتظاهرة كبرى أمام قصر الحكومة في القصبة قد نشرت ليس من خلال المدونين أو النشطاء البارزين، ولكن عن طريق النساء العاديين اللاتي يؤكدن أنهن لا ينتمون لأي حزب أو أيديولوجية محددة.

وجاءت الإستجابة لهذه الدعوة من عشرات النساء، المتدينات والعلمانيات على حد سواء، وبعض مؤيدي حزب النهضة، وغيرهن من غير المنتميات للسياسة، وجميعهن مصممات على حماية حقوقهن الجديدة بموجب دستور البلاد الجديد.

"أنا أستاذة التاريخ الإسلامي بالجامعة، واذا حدث أن قلت شيئا أثناء الدرس لا يتوافق مع الفكر الإسلامي المحافظ، فإنني سأكون في خطر حقيقي"، حسبما أفادت وكالة انتر بريس سيرفس، لطيفة بيكيه، عضوة في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات المتشددة، إحدى المنظمات العديدة التي تسعى بنشاط لحماية حقوق الإنسان للمرأة في تونس الجديدة.

ويذكر أن العديد من الجمعيات النسائية في تونس تكنن الشكوك حول هذه المنظمة التي يقال أن لها صلات بحزب زين العابدين بن علي التجمع الدستوري الديمقراطي.

أما النساء العلمانيات الواقعات بين شق الرحى، فهن يبذلن قصارى جهدهن للحفاظ على هدوئهن خلال هذه اللحظة الانتقالية الحرجة لمستقبل تونس.

فقالت سنا بن عاشور الرئيسة السابقة لجمعية النساء الديمقراطيات لوكالة إنتر بريس سيرفس: "حزب النهضة هو خصمي السياسي بشكل تلقائي بصفتي من النساء العلمانيات والتقدميات”. وأوضحت "تزعم قيادة حزب النهضة أنها سوف تحترم حقوق المرأة التونسية، ولكن هذه الوعود يمكن التحقق منها فقط من خلال تصرفاتهم".

أما سعاد رجب، وهي طبيبة للأمراض النفسية وناشطة بجمعية النساء الديمقراطيات، فقد قالت لوكالة إنتر بريس سيرفس:"لقد تلقت كثير من النساء الناشطات سياسياً تهديدات خطيرة عبر الإنترنت".

وأفادت: "لقد تم إلغاء صورة سنا بن عاشور من موقعها على الفيسبوك بوضع علامة إكس عليها، وهي الرمز الذي يمثل تهديداً بالقتل".

هذا وعلي الرغم من المخاوف التي انتابت النساء قبل الانتخابات، إلا أنهن لم يردن التضحية بحقهن في التصويت المكتسب حديثاً عبر مقاطعة الانتخابات.

فقالت سميرة هيزاوي، المرشحة الانتخابية لحزب العمال الجديد" الذي أسسه مؤخراً الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي تدعو بإصرار أيضاً من أجل مساواة المرأة: "لقد أردنا الحفاظ على حقنا في التصويت بحرية لمرة في حياتنا- لقد لاحظنا بعض المخالفات، ولكنها ليست كافية لمنعنا من التصويت".

والواقع هو أن معظم هؤلاء النساء يتسمن بالشجاعة وهن على استعداد للكفاح الطويل الشاق القادم. وسلمى بيكار، المخرجة الشهيرة وممثلة القطب الديمقراطي الحداثي، هي واحدة منهن.

فقالت لوكالة انتر بريس سيرفس: "لست خائفة من حزب النهضة - فمعظم نجاحه يرجع إلى حملة دعائية فعالة بدعم من المحطات التلفزيونية الفضائية مثل قناة الجزيرة. ولولا هذا الدعم ما حقق الاسلاميون هذا الإنتصار الساحق".

وأضافت "لقد وعدوا بالحفاظ على قانون العائلة في تونس (أكثر قوانين الأسرة تقدمية في العالم العربي)، لكنهم بدأوا الحديث بالفعل عن أن قوانين التبني خارجة على الشريعة الإسلامية".

وإستطردت قائلة: "تنتشر الشائعات أيضاً في الفيسبوك حول نية الحزب الفصل بين الجنسين في المدارس والحافلات والأماكن العامة الأخرى، ونحن بحاجة لأن نكون على علم بهذه التغييرات كي نكون مستعدين للمقاومة".

وبدورها، قالت شاكراس بلحاج يحيى لوكالة انتر بريس سيرفس، وهي نقابية في الإتحاد العام التونسي للشغل: "على الرغم من أن حزب النهضة قد أظهر الوجه المعتدل في البداية، فأنا أشك أن الإسلاميين قادرون على أن يكونوا معتدلين على المدى الطويل".

وشرحت: "أخوتي الست اخترن إرتداء الحجاب، وهو الخيار الذي لا أفهمه. وأنا ما زلت أرتدي التنورة القصيرة، لكن الناس أصبحوا ينظرون إلي بشكل مختلف الآن".

أما وصال كسراوي، هي صحفية شابة في إذاعة شمس، فهي ترتدي الملابس الغربية أيضاً، خائفة مما يمكن أن يحدث في السنوات (أو حتى الأشهر) القليلة المقبلة. فتؤكد: "هؤلاء (المعتدلون) سوف ينتظرون، ربما لسنة، وربما أقل، قبل إظهار وجههم الحقيقي. لكن الحقيقة أن قاعدتهم قد بدأت في تهديد النساء بالفعل".

التعليقات