امتناع لبنان عن التمويل يصنّفه كدولة خاضعة للإرهاب الداخلي
غزة - دنيا الوطن
عقدت الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي ورشة عمل قانونية حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في فندق البستان - بيت مري، حيث جمعت عددا من القضاة والمحامين وأساتذة القانون من لبنان والبلاد العربية.
وحضر الورشة ممثل وزير الداخلية نجيب مسعد، النائب مروان حمادة، ممثل النائب ستريدا جعجع روبير توما، نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد، نقيب المحامين في طرابلس بسام الداية، القاضية ليليان سعد، ممثلان عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وجد رمضان أولغا كفران، وفاعليات قانونية واعلامية.
الأحدب: خيط رفيع يفصل بين السياسة والعدالة والقانون
افتتح الورشة التي تستمر يومي الجمعة والسبت رئيس الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي المحامي الدكتور عبد الحميد الأحدب الذي قال: "نجتمع اليوم للمرة الثالثة بعد لاهاي وبعد مؤتمر العدالة الجنائية في ورشة العمل لدراسة المحكمة الخاصة بلبنان... وهو لقاء نجتمع فيه لنقدّم دفعة على الحساب من دين العدالة الدولية علينا".
ورأى أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين كل من السياسة والعدالة والقانون"، موضحاً ان الهدف من لقائنا القانوني اليوم هو رسم حدود هذا الخيط الرفيع ونفصّل: أولاُ التزامات الدولة بموجب قرار مجلس الأمن 1757، وثانياً الآثار القانونية المترتبة على امتناع الدولة اللبنانية عن التعاون مع المحكمة الخاصة، وثالثاً لنبحث أمر تمديد عمل المحكمة بموجب احكام ملحق قرار مجلس الأمن 1757، ورابعاً لنبحث تمويل المحكمة والنتائج القانونية المترتبة عن التخلف عن التمويل".
وأشار إلى أن "رجل القانون الكبير نيكولاس ميشال لبّى دعوتنا واختار الحديث عن "المحكمة الخاصة بلبنان كمساهمة من لبنان من اجل الحقيقة والعدالة والسلام". كما لبّى جهابذة من رجال القانون في البلاد العربية ولبنان ولنا الفخر بمشاركتهم".
وذكّر بالقاضي الكبير انطونيو كاسيزي الذي توفي منذ أسابيع قليلة واصفاً إياه بأنه من "جعل العدالة الجنائية الدولية معيناً صافياً تشرب الإنسانية كلها من عطائه لا مجرد ضريح من رخام يُدفن فيه الظلم الذي يلحق بالبشرية".
وإذ لفت إلى أن "كاسيزي آمن بأن العمل القضائي هو عمل من أعمال العبادة، له طقوسه وطهارته ومراسمه، وسيبقى خالداً ما بقيت العدالة الجنائية الدولية وازدهرت". واعتبر انه عندما كتب رئيس الحكومة اللبناني السابق فؤاد السنيورة مقالاً في الصحف بعنوان "رسالة اعتذار من القاضي انطونيو كاسيزي" فقد أعطاه حقه بالاعتذار منه عن الاساءات السياسية التي تعرض لها.
وأوضح ان المحاكم الجنائية الدولية التي أنشأها مجلس الأمن وكانت محكمة لبنان آخرها، من محكمة راوندا الى محكمة يوغسلافيا السابقة الى محكمة لاووس الى محكمة سيراليون... الخ، هذه المحاكم كانت هدية حضارية للإنسانية لمنع الإفلات من العقاب"، وأشار إلى ان مذابح مثل تلك التي حصلت في راوندا او يوغسلافيا السابقة والتي ذهب ضحيتها مئات الألوف من الأبرياء، كان يمكن ان تبقى بلا عقاب كما هو شأن المجازر التي كانت تحصل في التاريخ!! ولولا سقوط حائط برلين، ولولا ان مجلس الأمن تحرك لإنشاء هذه المحاكم الجنائية الدولية... لكان الإفلات من العقاب بقي هو القاعدة".
وأكد أن ربيع الثورات العربية الذي يشهده العالم العربي أخذ يُدرك مدى الحاجة الى التصديق على معاهدة روما والدور الذي تلعبه المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في حماية الانسانية من الابادة الجماعية ومن الجرائم ضد الانسانية".
وأضاف الأحدب أن هذا المؤتمر هو صرخة في ربيع العالم العربي تدعو الى ضرورة سرعة مصادقة الدول العربية على معاهدة روما لتحمي المحكمة الجنائية الدولية الشعوب العربية من الجرائم ضد الانسانية، مشدداً على أن العدالة هي نتاج حضاري وانساني ليس لها انتماءات سياسية ولا مطامع بوليسية... فعبد الرزاق السنهوري ليس مسؤولاً عن حماقات العقيد القذافي ولا عن حماقات صدام حسين!
وتابع: "لكن اليقظة التي ولّدتها المحاكم الجنائية الدولية في تكريس عدم الإفلات من العقاب، وفي جعل المستبدين يدفعون ثمن إبادة الشعوب، هذه اليقظة هي التي تساهم في انتشار ربيع الثورات العربية... حتى لا يضرب من هم مثل عبد الرزاق السنهوري كما ضرب في مكتبه في رئاسة مجلس الدولة في مصر وحتى لا يُصرف ستة آلاف قاضٍ دفعة واحدة فيما سمي في مصر سنة 1969 مجزرة القضاة".
واسترسل: "حتى تعود العدالة الى عرينها، كانت ورشة العمل هذه، وكانت المحاكم الجنائية الدولية التي تمنع الإفلات من العقاب، وتحاسب كل جانٍ على ما فعلته يداه! وفي يوم ونصف اليوم سنحاول معاً رسم الخيط الرفيع الذي يفصل السياسة عن القانون في أمر المحكمة الخاصة بلبنان".
وإذ لفت الى واقع قانوني فيه الخيط بين السياسة والقانون عريض جداً، وذكّر بأن قرار مجلس الأمن 1757 ينص على ما يلي: "يتصرف (أي مجلس الأمن) بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويقرر: ان يبدأ سريان الوثيقة المرفقة المتعلقة بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بما في ذلك الضميمة الملحقة بها، اعتباراً من 10 حزيران 2007 ما لم تقدم حكومة لبنان قبل ذلك التاريخ اخطاراً بموجب المادة 19 (1) من الوثيقة المرفقة.
واستنتج "أن قرار مجلس الأمن اتخذ في 30 أيار 2007"، وأوضح أن "الإتفاق بين الأمم المتحدة وبين الجمهورية اللبنانية بشأن انشاء المحكمة الخاصة بلبنان، اعطى مجلس الأمن الحكومة اللبنانية، وبالتالي مجلس النواب، مهلة عشرة ايام لتقديم اقتراحات بتعديلات او ملاحظات، الأمر الذي لم يحصل"، مضيفاً: "وتالياً فإنه في 10 حزيران 2007 اصبح الاتفاق بين الأمم المتحدة وبين الجمهورية اللبنانية بشأن المحكمة الخاصة بلبنان جزءاً لا يتجزأ من قرار مجلس الأمن 1757 بمقتضى نص قرار مجلس الأمن ذاته، وبالتالي فبعد 10 حزيران لم يعد هناك اتفاق قابل للتعديل او الجدل او المناقشة، لأن اوان الجدل والمناقشة قد فات بعد 10 حزيران 2007. لم يعد هناك اتفاق بل صار هناك قرار لمجلس الأمن رقم 1757 يتضمن الاتفاق بين الأمم المتحدة الجمهورية اللبنانية بشأن المحكمة الخاصة بلبنان".
وجزم بأن "اي حديث عن التخلف عن انفاذ بند من بنود هذا الاتفاق هو مخالفة لقرار مجلس الامن وأي محاولة لتعديل هذا الاتفاق هي محاولة لتعديل قرار مجلس الامن الذي لا يقبل التعديل الا من مجلس الامن ذاته.
وختم بالقول: "حرصت ان اطرح هذه النقطة القانونية التي تدخل السياسة كثيرا اليها وتشوه فيها وتتلاعب بأحكامها. فالخيط بين السياسة وبين القانون في هذه النقطة واضح ولا يقبل اي جدل.اننا ندعوكم لمناقشة هذه النقطة في أحاديث المحدثين ومناقشة المناقشين".
ومن الحقوقيين والقانونيين العرب الذين شاركوا في ورشة العمل: أيمن سلامة (مصر) - محمد عياط (المغرب) - حازم عتلم (مصر) - تاج السر حامد (السودان) - لطفي الشاذلي (تونس) - مانع جمال عبد الناصر (الجزائر).
ومن الجانب اللبناني شارك: وائل طبارة - محمد أمين الداعوق - غالب محمصاني - سامي سلهب - شفيق المصري - هادي سليم - ماجد فياض - محمد مراد - محمد فريد مطر - صلاح حنين - سينتيا عيد - الأب فادي فاضل - رزق زغيب - وفؤاد شبقلو.
ثم عقدت الجلسة الأولى وتمحورت عن التزامات الدولة اللبنانية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757 وأدارها النقيب السابق للمحامين رمزي جريج الذي ذكّر بقرار انشاء المحكمة الدولية واعتبره ملزماً للدولة اللبنانية.
سلامة: مجلس الأمن يتصرف بموجب سلطاته لتحقيق السلم والأمن
وتحدث خلال الجلسة الأستاذ الفخري للقانون في جامعة ديبول الولايات المتحدة الأميركية البروفسور أيمن سلامة، وقال: "بالنسبة للأساس القانوني الملزم لقرارات مجلس الأمن بشكل عام، فبموجب نصوص ميثاق منظمة الامم المتحدة، نصت الفقرة الثانية من المادة الثانية على أنه "كي يكفل أعضاء الهيئة التي تسهم جميع الحقوق والمزايا المترتبة على صفة العضوية، يقومون بحسن نية بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم بهذا الميثاق".
ولفت إلى أن الميثاق نص أيضاً في المادة 25 أن يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، ومنها القرارات التي يصدرها والتي تقوم الدول بتنفيذها انصياعاً، وتحديداً حين يتخذ المجلس مثل هذه القرارات بموجب الفصل السابع، والذي يسميه الفقه الدولي بالفصل الإكراهي أو القسري أو البوليسي، لتضمنه لإجراءات تقييدية على الدول حالما رفضت الإذعان لهذه القرارات.
وأوضح أن منظمة الأمم المتحدة تحظى بامتيازات وحصانات أكدتها التطبيقات والممارسات العملية لأجهزتها الرئيسية والفرعية، خصوصاً أن المنظمة تضطلع بمهمة سياسية تسهر على انجازها بوسائل سياسية.
وقال: "حين تقوم الدول بتخويل المنظمة وهيئاتها بالانضمام إلى ميثاق المنظمة، فيكونون قد اكسبوها الاختصاص بالاطلاع الفعلي بوظائفها، ما يؤكد حقيقة قانونية وواقعة وهي انه بالرغم من ان المنظمة تتشكل من دول ذات سيادة، ومع ذلك تبقى المنظمة متميزة وأسمى من هذه الدول ذات السيادة".
ولفت إلى "أن قرارات مجلس الأمن تعتبر بمثابة تشريع دولي له حرمته التامة لا سيما من حيث وجوب تنفيذها، وبالتالي يعتبر مصدرا هاماً من مصدر الحقوق الدولية. كل الدول التي تم فيها اتخاذ قرار بموجب الباب السابع، تعرضت لعقوبات تلقائياً ، كما يشكل مجلس الأمن لجنة اجراءات لمتابعة تنفيذ دول أعضاء الأمم المتحدة لهذا القرار".
وإذ أوضح أن مجلس الأمن ليس له نظام أساسي، فهو هيئة سياسية لا هيئة قضائية، ولا يقيد بأي شيء ويهدف إلى تحقيق اهداف ومقاصد هيئة الأمم التحدة، اعتبر أن مجلس الأمن يتصرف بموجب سلطاته لتحقيق السلم والأمن الدوليين، أملاً في ألا يكون الإفلات من العقاب في الثقافة والسياسة والجغرافيا العربية.
كما أكد أن شرعية قرارات مجلس الأمن ليست القانون الدولي أو الدستور، مذكراً بأن "الاتفاقية التي انعقدت بين الدولية اللبنانية والامم المتحدة ليست اتفاقية تجارية أو سياسية أو ثقافية أو جمركية، بل اتفاقية دولية لتحقيق السلم والأمن الدوليين، ليس في لبنان بل سائر المعمورة، باعتبار أن مجلس الأمن جهاز عالمي وليس دوليا".
طبارة: لبنان ملزم بمتابعة الانفاق على المحكمة حتى انتهاء نشاطاتها
بدوره، ذكّر رئيس محكمة استئناف بيروت سابقاً القاضي وائل طبارة بالأحداث التاريخية التي رافقت إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وأوضح ان لبنان التزم بأمرين اثنين: الأول، يتعلق بتكوين المحكمة بحيث يؤمن عددا من القضاة لتبوء بعض المراكز، ولا نتوقف عنده، وهو قد جرى الالتزام به وتنفيذه عند تكوين هذه المحكمة، وهذا الموضوع غير مطروح اليوم وكما يبدو انه يخرج عن اطار مناقشات هذا المؤتمر.اما الموضوع الثاني، فهو موجبات الدولة اللبنانية بتمويل المحكمة طيلة وجودها وحتى نهاية أعمالها.
ثم استعرض النصوص التي تحكم التزامات الدولة اللبنانية ثم تناول كيف حصل التطبيق العملي والفعلي لهذه الالتزامات.
وجزم بأن لبنان ملزم بمتابعة الانفاق على المحكمة حتى انتهاء نشاطاتها بما في ذلك تنفيذ أحكامها وتصفية موجوداتها، وقد يستغرق الأمر كما هو حاصل في بعض المحاكم الدولية الخاصة الأخرى اكثر من عشر سنوات اضافية، وكل ذلك من أجل عدم افلات المجرمين من العدالة الدولية.
وإذ أكد ان العدالة لا يمكن ان تكون الا دولية تكوينا وتمويلا بالنظر لما تركته الجريمة المنوطة بها من أثر على المجتمع الدولي، وذكر بأن المحكمة الخاصة بلبنـان ليست محكمة خاصة بعائلة لبنانية معينة، مشدداً على أن لبنان الحضاري والمنتمي الى الأسرة الدولية ينبغي ان يكون منسجما مع نفسه ومع المجتمع الدولي وملزما بالتالي بقرارات الأمم المتحدة وبمجلس الأمن فيها ووجوب تنفيذها. ولا يمكنه ان يتنصل من الموجبات المالية التي التزم بها، فهي متوجبة عليه قانونا.
وقال: "اما اذا امتنعت الدولة اللبنانيـة من خلال مجلس النواب او من خلال الحكومـة الحاضرة عن تأمين مساهمتها المالية المستحقة بذمتها فإن لبنان لا يتصرف حينذاك تصرف الرجل الدولي الصادق والشريف في علاقته مع المجتمع الدولي. وسوف يوضع ضمن البلاد التي تخضع للارهاب الداخلي والمتفشي فيها كالمرض الساري وقد تصل الى حـد القطيعة معه"، مشيراً إلى أن علاقة لبنان بالدول الخارجية سوف تنعكس سلبا كنتيجة لذلك على معظم قطاعاته الاقتصادية لأن عمله السلبي هذا يؤدي الى حماية الارهـاب اينما كان بنظر المجتمع الدولي والذي أطلق حروبـا ضروسا على هذا الارهاب. وكان ضحيته الشهيد الرئيس رفيق الحريري.
وعما جرى سداده في السابق، وفي ما يتبقى من نفقات تمويل لم تسدد حاضرا او مطلوبة مستقبلا، قال: "لم تقم اية مشكلة ما بين العام 2007 والعام 2010، وربما لأن الحكومة التي كانت قائمة حينذاك هي من بادرت الى طلب انشاء المحكمة الخاصة بلبنان للاقتصاص من الفاعلين، وتم سداد حتى الآن 58.607.490.000 $ وهذه المبالغ تمثل نفقات المحكمة المسددة سابقا وتوازي الحصة المترتبة على لبنان خلال السنوات الماضية الأربعة، وبالتالي فإن لبنان يكون قد التزم بما يعرف بالشرعية الدولية حتى تاريخه. واذا ما جرى تقسيم هذا المبلغ على أربع سنوات لتحديد المعدل الوسطي، فإن ما أصاب لبنان من نفقات يوازي خمسة عشر مليون دولار أميركي تقريبا في كل سنة. والكلام عن عجز لبنان ماليا عن ايفاء هذا المبلغ لأنه مدين بمليارات من الدولارات الأميركية امر لا يصمد على بساط البحث الجدي. ومعارضة لحظ هذا المبلغ في الموازنة او حتى بنقل اعتماد من احتياطي الموازنة العامة على اساس القاعدة الاثنتي عشرية او الامتناع عنه يأتي من ضمن المواقف السياسية الداخلية التي لا تخدم مصلحة لبنان العليا.
وجزم بان المحكمة الدولية مستمرة وستستمر لأن المجتمع الدولي راغب في استمرارها، مشيراً الى ان من يعتقد ان المحكمة الخاصة بلبنان سوف تكون بحالة شلل او جمود من جراء عدم التمويل الجزئي من قبل لبنان يكون مخطئا طالما ان البدائل موجودة والمساهمات الدولية سوف تزيد بنسبة معينة بحيث تغطى كامل أوجه الانفاق المترتبة على وجودها واستمرارها.
ورأى أن الدول الأجنبية الكبرى ستصنّف لبنان في حال تخلف عن سداد حصته كدولة ارهابية وتعمد الى فرض القطيعة عليه، ومن هنا، فإنها تستطيع مصادرة أموال اللبنانيين او أموال الدولة اللبنانية على حد سواء. ونجد ان هذا التفكير قاصر عن الاحاطة بحقيقة الأمر. ولقد أمضى اللبنانيون وقتا كثيرا وأضاعوا فرصا عديدة من خلال هذه المواقف التي ترمي الى افلات المتورطين من العقاب بحيث ان هذا الأمر الذي شغل اللبنانيين سابقا أصبح الشغل الشاغل لهم اليوم، وأصبح هو العقدة في سبيل تأمين رفاهية اللبنانيين في زمن اجتاحته الأزمات المالية والاقتصادية.
زغيب: لا وجود لحدود قانونية لسلطة مجلس الأمن الاستنسابية
بدوره قسم المحاضر في الجامعة اللبنانية الدكتور رزق زغيب موجبات الدولة اللبنانية بحسب القرار 1757 إلى قسمين الأول موجب تعاون والآخر موجب دفع، وتساءل هل التزامات الدولة هي قانونية أو عقدية؟
وتحدث عن ثابتتين، الأولى: هي أن مشروع الإتفاق بين الدولة اللبنانية ومنظمة الأمم المتحدة بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان لم يقترن بالإبرام النهائي من قبل السلطات المختصة في لبنان وفقاً للمادة 52 من الدستور، وذكّر بأن مشروع الإتفاق لإنشاء المحكمة لم يصل به المسلك الدستور الواجب اعتماده إلى خواتيمه ويصبح اتفاقاً مبرماً وفقاً للأصول، وذلك لأسباب سياسية وقانونية. ورأى أن أن تلاقي الإرادتين لإنشاء الإتفاق لم يتحق نتيجة غياب إلإرادة اللبنانية وهي التعبير عن رضى الدولة اللبنانية.
أما الثابتة الثانية فهي، بحسب زغيب، لا نفع لتحييد مجلس الأمن أو تقييده، وقال: "لا وجود لحدود قانونية لسلطة مجلس الأمن الذي يتمتع بسلطة استنسابية لإدخال الجرائم بالفصل السابع".
وأوضح أن مجلس الأمن يتمتع بصلاحيات واسعة تخوله انشاء أجهزة للمساهمة بإرساء الأمن بما فيها محاكم خاصة مثل يوغسلافيا ورواندا، لافتاً إلى أن القرارات الداخلة تحت الفصل السابع تسمو على القواعد القانونية الوطنية، وقال: "لا يمكن القول إن القرار مجلس الأمن 1757 قد صادق على الإتفاق المعقود بين الأمم المتحدة والدولة اللبنانية، فمجلس الأمن أنشأ المحكمة واقعاً بموجب الفصل السابع وقرر انفاذ ما اسماه وثيقة انشاء المحكمة".
وإذ اعتبر أن القوة الإلزامية لما يسمى خطبا بالإتفاق لا تأتي من كونها بنود سارية المفعول بل كونها نافذة بموجب قرار دولي تحت الفصل السابع"، أشار إلى القرار تحدث عن وثيقة واتفاق، معولاً على تصحيح هذا عبر غرف المحاكمة "بداية واستئنافاً".
وجرت خلال الجلسة مداخلات قانونية شددت على ضرورة التزام لبنان بتمويل المحكمة، وأكد نائب رئيس مجلس الدولة في مصر سابقاً المستشار محمود فهمي أنه لا يمكن لقواعد الأمم المتحدة أن "تعلو على الدستور الداخلي لأي دولة ذات شرعية دستورية داخلية ".
وردا على القول إن المادة 20 تجيز التعديل والإضافة بالاتفاق، قال :"من المعلوم أن المحكمة الخاصة بلبنان ستبقى محكمة داخلية في لبنان، أي جزء من النظام القضائي اللبناني، ولا يمكن لأي جهة، برأيي، أن تفرض على القضاء الداخلي لأي دولة أي أمر"، معتبراً أنه "من الناحية الدستورية ، لا يوجد ما يعلو على دستور الدولة الداخلي".
عقدت الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي ورشة عمل قانونية حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في فندق البستان - بيت مري، حيث جمعت عددا من القضاة والمحامين وأساتذة القانون من لبنان والبلاد العربية.
وحضر الورشة ممثل وزير الداخلية نجيب مسعد، النائب مروان حمادة، ممثل النائب ستريدا جعجع روبير توما، نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد، نقيب المحامين في طرابلس بسام الداية، القاضية ليليان سعد، ممثلان عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وجد رمضان أولغا كفران، وفاعليات قانونية واعلامية.
الأحدب: خيط رفيع يفصل بين السياسة والعدالة والقانون
افتتح الورشة التي تستمر يومي الجمعة والسبت رئيس الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي المحامي الدكتور عبد الحميد الأحدب الذي قال: "نجتمع اليوم للمرة الثالثة بعد لاهاي وبعد مؤتمر العدالة الجنائية في ورشة العمل لدراسة المحكمة الخاصة بلبنان... وهو لقاء نجتمع فيه لنقدّم دفعة على الحساب من دين العدالة الدولية علينا".
ورأى أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين كل من السياسة والعدالة والقانون"، موضحاً ان الهدف من لقائنا القانوني اليوم هو رسم حدود هذا الخيط الرفيع ونفصّل: أولاُ التزامات الدولة بموجب قرار مجلس الأمن 1757، وثانياً الآثار القانونية المترتبة على امتناع الدولة اللبنانية عن التعاون مع المحكمة الخاصة، وثالثاً لنبحث أمر تمديد عمل المحكمة بموجب احكام ملحق قرار مجلس الأمن 1757، ورابعاً لنبحث تمويل المحكمة والنتائج القانونية المترتبة عن التخلف عن التمويل".
وأشار إلى أن "رجل القانون الكبير نيكولاس ميشال لبّى دعوتنا واختار الحديث عن "المحكمة الخاصة بلبنان كمساهمة من لبنان من اجل الحقيقة والعدالة والسلام". كما لبّى جهابذة من رجال القانون في البلاد العربية ولبنان ولنا الفخر بمشاركتهم".
وذكّر بالقاضي الكبير انطونيو كاسيزي الذي توفي منذ أسابيع قليلة واصفاً إياه بأنه من "جعل العدالة الجنائية الدولية معيناً صافياً تشرب الإنسانية كلها من عطائه لا مجرد ضريح من رخام يُدفن فيه الظلم الذي يلحق بالبشرية".
وإذ لفت إلى أن "كاسيزي آمن بأن العمل القضائي هو عمل من أعمال العبادة، له طقوسه وطهارته ومراسمه، وسيبقى خالداً ما بقيت العدالة الجنائية الدولية وازدهرت". واعتبر انه عندما كتب رئيس الحكومة اللبناني السابق فؤاد السنيورة مقالاً في الصحف بعنوان "رسالة اعتذار من القاضي انطونيو كاسيزي" فقد أعطاه حقه بالاعتذار منه عن الاساءات السياسية التي تعرض لها.
وأوضح ان المحاكم الجنائية الدولية التي أنشأها مجلس الأمن وكانت محكمة لبنان آخرها، من محكمة راوندا الى محكمة يوغسلافيا السابقة الى محكمة لاووس الى محكمة سيراليون... الخ، هذه المحاكم كانت هدية حضارية للإنسانية لمنع الإفلات من العقاب"، وأشار إلى ان مذابح مثل تلك التي حصلت في راوندا او يوغسلافيا السابقة والتي ذهب ضحيتها مئات الألوف من الأبرياء، كان يمكن ان تبقى بلا عقاب كما هو شأن المجازر التي كانت تحصل في التاريخ!! ولولا سقوط حائط برلين، ولولا ان مجلس الأمن تحرك لإنشاء هذه المحاكم الجنائية الدولية... لكان الإفلات من العقاب بقي هو القاعدة".
وأكد أن ربيع الثورات العربية الذي يشهده العالم العربي أخذ يُدرك مدى الحاجة الى التصديق على معاهدة روما والدور الذي تلعبه المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في حماية الانسانية من الابادة الجماعية ومن الجرائم ضد الانسانية".
وأضاف الأحدب أن هذا المؤتمر هو صرخة في ربيع العالم العربي تدعو الى ضرورة سرعة مصادقة الدول العربية على معاهدة روما لتحمي المحكمة الجنائية الدولية الشعوب العربية من الجرائم ضد الانسانية، مشدداً على أن العدالة هي نتاج حضاري وانساني ليس لها انتماءات سياسية ولا مطامع بوليسية... فعبد الرزاق السنهوري ليس مسؤولاً عن حماقات العقيد القذافي ولا عن حماقات صدام حسين!
وتابع: "لكن اليقظة التي ولّدتها المحاكم الجنائية الدولية في تكريس عدم الإفلات من العقاب، وفي جعل المستبدين يدفعون ثمن إبادة الشعوب، هذه اليقظة هي التي تساهم في انتشار ربيع الثورات العربية... حتى لا يضرب من هم مثل عبد الرزاق السنهوري كما ضرب في مكتبه في رئاسة مجلس الدولة في مصر وحتى لا يُصرف ستة آلاف قاضٍ دفعة واحدة فيما سمي في مصر سنة 1969 مجزرة القضاة".
واسترسل: "حتى تعود العدالة الى عرينها، كانت ورشة العمل هذه، وكانت المحاكم الجنائية الدولية التي تمنع الإفلات من العقاب، وتحاسب كل جانٍ على ما فعلته يداه! وفي يوم ونصف اليوم سنحاول معاً رسم الخيط الرفيع الذي يفصل السياسة عن القانون في أمر المحكمة الخاصة بلبنان".
وإذ لفت الى واقع قانوني فيه الخيط بين السياسة والقانون عريض جداً، وذكّر بأن قرار مجلس الأمن 1757 ينص على ما يلي: "يتصرف (أي مجلس الأمن) بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويقرر: ان يبدأ سريان الوثيقة المرفقة المتعلقة بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بما في ذلك الضميمة الملحقة بها، اعتباراً من 10 حزيران 2007 ما لم تقدم حكومة لبنان قبل ذلك التاريخ اخطاراً بموجب المادة 19 (1) من الوثيقة المرفقة.
واستنتج "أن قرار مجلس الأمن اتخذ في 30 أيار 2007"، وأوضح أن "الإتفاق بين الأمم المتحدة وبين الجمهورية اللبنانية بشأن انشاء المحكمة الخاصة بلبنان، اعطى مجلس الأمن الحكومة اللبنانية، وبالتالي مجلس النواب، مهلة عشرة ايام لتقديم اقتراحات بتعديلات او ملاحظات، الأمر الذي لم يحصل"، مضيفاً: "وتالياً فإنه في 10 حزيران 2007 اصبح الاتفاق بين الأمم المتحدة وبين الجمهورية اللبنانية بشأن المحكمة الخاصة بلبنان جزءاً لا يتجزأ من قرار مجلس الأمن 1757 بمقتضى نص قرار مجلس الأمن ذاته، وبالتالي فبعد 10 حزيران لم يعد هناك اتفاق قابل للتعديل او الجدل او المناقشة، لأن اوان الجدل والمناقشة قد فات بعد 10 حزيران 2007. لم يعد هناك اتفاق بل صار هناك قرار لمجلس الأمن رقم 1757 يتضمن الاتفاق بين الأمم المتحدة الجمهورية اللبنانية بشأن المحكمة الخاصة بلبنان".
وجزم بأن "اي حديث عن التخلف عن انفاذ بند من بنود هذا الاتفاق هو مخالفة لقرار مجلس الامن وأي محاولة لتعديل هذا الاتفاق هي محاولة لتعديل قرار مجلس الامن الذي لا يقبل التعديل الا من مجلس الامن ذاته.
وختم بالقول: "حرصت ان اطرح هذه النقطة القانونية التي تدخل السياسة كثيرا اليها وتشوه فيها وتتلاعب بأحكامها. فالخيط بين السياسة وبين القانون في هذه النقطة واضح ولا يقبل اي جدل.اننا ندعوكم لمناقشة هذه النقطة في أحاديث المحدثين ومناقشة المناقشين".
ومن الحقوقيين والقانونيين العرب الذين شاركوا في ورشة العمل: أيمن سلامة (مصر) - محمد عياط (المغرب) - حازم عتلم (مصر) - تاج السر حامد (السودان) - لطفي الشاذلي (تونس) - مانع جمال عبد الناصر (الجزائر).
ومن الجانب اللبناني شارك: وائل طبارة - محمد أمين الداعوق - غالب محمصاني - سامي سلهب - شفيق المصري - هادي سليم - ماجد فياض - محمد مراد - محمد فريد مطر - صلاح حنين - سينتيا عيد - الأب فادي فاضل - رزق زغيب - وفؤاد شبقلو.
ثم عقدت الجلسة الأولى وتمحورت عن التزامات الدولة اللبنانية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757 وأدارها النقيب السابق للمحامين رمزي جريج الذي ذكّر بقرار انشاء المحكمة الدولية واعتبره ملزماً للدولة اللبنانية.
سلامة: مجلس الأمن يتصرف بموجب سلطاته لتحقيق السلم والأمن
وتحدث خلال الجلسة الأستاذ الفخري للقانون في جامعة ديبول الولايات المتحدة الأميركية البروفسور أيمن سلامة، وقال: "بالنسبة للأساس القانوني الملزم لقرارات مجلس الأمن بشكل عام، فبموجب نصوص ميثاق منظمة الامم المتحدة، نصت الفقرة الثانية من المادة الثانية على أنه "كي يكفل أعضاء الهيئة التي تسهم جميع الحقوق والمزايا المترتبة على صفة العضوية، يقومون بحسن نية بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم بهذا الميثاق".
ولفت إلى أن الميثاق نص أيضاً في المادة 25 أن يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، ومنها القرارات التي يصدرها والتي تقوم الدول بتنفيذها انصياعاً، وتحديداً حين يتخذ المجلس مثل هذه القرارات بموجب الفصل السابع، والذي يسميه الفقه الدولي بالفصل الإكراهي أو القسري أو البوليسي، لتضمنه لإجراءات تقييدية على الدول حالما رفضت الإذعان لهذه القرارات.
وأوضح أن منظمة الأمم المتحدة تحظى بامتيازات وحصانات أكدتها التطبيقات والممارسات العملية لأجهزتها الرئيسية والفرعية، خصوصاً أن المنظمة تضطلع بمهمة سياسية تسهر على انجازها بوسائل سياسية.
وقال: "حين تقوم الدول بتخويل المنظمة وهيئاتها بالانضمام إلى ميثاق المنظمة، فيكونون قد اكسبوها الاختصاص بالاطلاع الفعلي بوظائفها، ما يؤكد حقيقة قانونية وواقعة وهي انه بالرغم من ان المنظمة تتشكل من دول ذات سيادة، ومع ذلك تبقى المنظمة متميزة وأسمى من هذه الدول ذات السيادة".
ولفت إلى "أن قرارات مجلس الأمن تعتبر بمثابة تشريع دولي له حرمته التامة لا سيما من حيث وجوب تنفيذها، وبالتالي يعتبر مصدرا هاماً من مصدر الحقوق الدولية. كل الدول التي تم فيها اتخاذ قرار بموجب الباب السابع، تعرضت لعقوبات تلقائياً ، كما يشكل مجلس الأمن لجنة اجراءات لمتابعة تنفيذ دول أعضاء الأمم المتحدة لهذا القرار".
وإذ أوضح أن مجلس الأمن ليس له نظام أساسي، فهو هيئة سياسية لا هيئة قضائية، ولا يقيد بأي شيء ويهدف إلى تحقيق اهداف ومقاصد هيئة الأمم التحدة، اعتبر أن مجلس الأمن يتصرف بموجب سلطاته لتحقيق السلم والأمن الدوليين، أملاً في ألا يكون الإفلات من العقاب في الثقافة والسياسة والجغرافيا العربية.
كما أكد أن شرعية قرارات مجلس الأمن ليست القانون الدولي أو الدستور، مذكراً بأن "الاتفاقية التي انعقدت بين الدولية اللبنانية والامم المتحدة ليست اتفاقية تجارية أو سياسية أو ثقافية أو جمركية، بل اتفاقية دولية لتحقيق السلم والأمن الدوليين، ليس في لبنان بل سائر المعمورة، باعتبار أن مجلس الأمن جهاز عالمي وليس دوليا".
طبارة: لبنان ملزم بمتابعة الانفاق على المحكمة حتى انتهاء نشاطاتها
بدوره، ذكّر رئيس محكمة استئناف بيروت سابقاً القاضي وائل طبارة بالأحداث التاريخية التي رافقت إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وأوضح ان لبنان التزم بأمرين اثنين: الأول، يتعلق بتكوين المحكمة بحيث يؤمن عددا من القضاة لتبوء بعض المراكز، ولا نتوقف عنده، وهو قد جرى الالتزام به وتنفيذه عند تكوين هذه المحكمة، وهذا الموضوع غير مطروح اليوم وكما يبدو انه يخرج عن اطار مناقشات هذا المؤتمر.اما الموضوع الثاني، فهو موجبات الدولة اللبنانية بتمويل المحكمة طيلة وجودها وحتى نهاية أعمالها.
ثم استعرض النصوص التي تحكم التزامات الدولة اللبنانية ثم تناول كيف حصل التطبيق العملي والفعلي لهذه الالتزامات.
وجزم بأن لبنان ملزم بمتابعة الانفاق على المحكمة حتى انتهاء نشاطاتها بما في ذلك تنفيذ أحكامها وتصفية موجوداتها، وقد يستغرق الأمر كما هو حاصل في بعض المحاكم الدولية الخاصة الأخرى اكثر من عشر سنوات اضافية، وكل ذلك من أجل عدم افلات المجرمين من العدالة الدولية.
وإذ أكد ان العدالة لا يمكن ان تكون الا دولية تكوينا وتمويلا بالنظر لما تركته الجريمة المنوطة بها من أثر على المجتمع الدولي، وذكر بأن المحكمة الخاصة بلبنـان ليست محكمة خاصة بعائلة لبنانية معينة، مشدداً على أن لبنان الحضاري والمنتمي الى الأسرة الدولية ينبغي ان يكون منسجما مع نفسه ومع المجتمع الدولي وملزما بالتالي بقرارات الأمم المتحدة وبمجلس الأمن فيها ووجوب تنفيذها. ولا يمكنه ان يتنصل من الموجبات المالية التي التزم بها، فهي متوجبة عليه قانونا.
وقال: "اما اذا امتنعت الدولة اللبنانيـة من خلال مجلس النواب او من خلال الحكومـة الحاضرة عن تأمين مساهمتها المالية المستحقة بذمتها فإن لبنان لا يتصرف حينذاك تصرف الرجل الدولي الصادق والشريف في علاقته مع المجتمع الدولي. وسوف يوضع ضمن البلاد التي تخضع للارهاب الداخلي والمتفشي فيها كالمرض الساري وقد تصل الى حـد القطيعة معه"، مشيراً إلى أن علاقة لبنان بالدول الخارجية سوف تنعكس سلبا كنتيجة لذلك على معظم قطاعاته الاقتصادية لأن عمله السلبي هذا يؤدي الى حماية الارهـاب اينما كان بنظر المجتمع الدولي والذي أطلق حروبـا ضروسا على هذا الارهاب. وكان ضحيته الشهيد الرئيس رفيق الحريري.
وعما جرى سداده في السابق، وفي ما يتبقى من نفقات تمويل لم تسدد حاضرا او مطلوبة مستقبلا، قال: "لم تقم اية مشكلة ما بين العام 2007 والعام 2010، وربما لأن الحكومة التي كانت قائمة حينذاك هي من بادرت الى طلب انشاء المحكمة الخاصة بلبنان للاقتصاص من الفاعلين، وتم سداد حتى الآن 58.607.490.000 $ وهذه المبالغ تمثل نفقات المحكمة المسددة سابقا وتوازي الحصة المترتبة على لبنان خلال السنوات الماضية الأربعة، وبالتالي فإن لبنان يكون قد التزم بما يعرف بالشرعية الدولية حتى تاريخه. واذا ما جرى تقسيم هذا المبلغ على أربع سنوات لتحديد المعدل الوسطي، فإن ما أصاب لبنان من نفقات يوازي خمسة عشر مليون دولار أميركي تقريبا في كل سنة. والكلام عن عجز لبنان ماليا عن ايفاء هذا المبلغ لأنه مدين بمليارات من الدولارات الأميركية امر لا يصمد على بساط البحث الجدي. ومعارضة لحظ هذا المبلغ في الموازنة او حتى بنقل اعتماد من احتياطي الموازنة العامة على اساس القاعدة الاثنتي عشرية او الامتناع عنه يأتي من ضمن المواقف السياسية الداخلية التي لا تخدم مصلحة لبنان العليا.
وجزم بان المحكمة الدولية مستمرة وستستمر لأن المجتمع الدولي راغب في استمرارها، مشيراً الى ان من يعتقد ان المحكمة الخاصة بلبنان سوف تكون بحالة شلل او جمود من جراء عدم التمويل الجزئي من قبل لبنان يكون مخطئا طالما ان البدائل موجودة والمساهمات الدولية سوف تزيد بنسبة معينة بحيث تغطى كامل أوجه الانفاق المترتبة على وجودها واستمرارها.
ورأى أن الدول الأجنبية الكبرى ستصنّف لبنان في حال تخلف عن سداد حصته كدولة ارهابية وتعمد الى فرض القطيعة عليه، ومن هنا، فإنها تستطيع مصادرة أموال اللبنانيين او أموال الدولة اللبنانية على حد سواء. ونجد ان هذا التفكير قاصر عن الاحاطة بحقيقة الأمر. ولقد أمضى اللبنانيون وقتا كثيرا وأضاعوا فرصا عديدة من خلال هذه المواقف التي ترمي الى افلات المتورطين من العقاب بحيث ان هذا الأمر الذي شغل اللبنانيين سابقا أصبح الشغل الشاغل لهم اليوم، وأصبح هو العقدة في سبيل تأمين رفاهية اللبنانيين في زمن اجتاحته الأزمات المالية والاقتصادية.
زغيب: لا وجود لحدود قانونية لسلطة مجلس الأمن الاستنسابية
بدوره قسم المحاضر في الجامعة اللبنانية الدكتور رزق زغيب موجبات الدولة اللبنانية بحسب القرار 1757 إلى قسمين الأول موجب تعاون والآخر موجب دفع، وتساءل هل التزامات الدولة هي قانونية أو عقدية؟
وتحدث عن ثابتتين، الأولى: هي أن مشروع الإتفاق بين الدولة اللبنانية ومنظمة الأمم المتحدة بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان لم يقترن بالإبرام النهائي من قبل السلطات المختصة في لبنان وفقاً للمادة 52 من الدستور، وذكّر بأن مشروع الإتفاق لإنشاء المحكمة لم يصل به المسلك الدستور الواجب اعتماده إلى خواتيمه ويصبح اتفاقاً مبرماً وفقاً للأصول، وذلك لأسباب سياسية وقانونية. ورأى أن أن تلاقي الإرادتين لإنشاء الإتفاق لم يتحق نتيجة غياب إلإرادة اللبنانية وهي التعبير عن رضى الدولة اللبنانية.
أما الثابتة الثانية فهي، بحسب زغيب، لا نفع لتحييد مجلس الأمن أو تقييده، وقال: "لا وجود لحدود قانونية لسلطة مجلس الأمن الذي يتمتع بسلطة استنسابية لإدخال الجرائم بالفصل السابع".
وأوضح أن مجلس الأمن يتمتع بصلاحيات واسعة تخوله انشاء أجهزة للمساهمة بإرساء الأمن بما فيها محاكم خاصة مثل يوغسلافيا ورواندا، لافتاً إلى أن القرارات الداخلة تحت الفصل السابع تسمو على القواعد القانونية الوطنية، وقال: "لا يمكن القول إن القرار مجلس الأمن 1757 قد صادق على الإتفاق المعقود بين الأمم المتحدة والدولة اللبنانية، فمجلس الأمن أنشأ المحكمة واقعاً بموجب الفصل السابع وقرر انفاذ ما اسماه وثيقة انشاء المحكمة".
وإذ اعتبر أن القوة الإلزامية لما يسمى خطبا بالإتفاق لا تأتي من كونها بنود سارية المفعول بل كونها نافذة بموجب قرار دولي تحت الفصل السابع"، أشار إلى القرار تحدث عن وثيقة واتفاق، معولاً على تصحيح هذا عبر غرف المحاكمة "بداية واستئنافاً".
وجرت خلال الجلسة مداخلات قانونية شددت على ضرورة التزام لبنان بتمويل المحكمة، وأكد نائب رئيس مجلس الدولة في مصر سابقاً المستشار محمود فهمي أنه لا يمكن لقواعد الأمم المتحدة أن "تعلو على الدستور الداخلي لأي دولة ذات شرعية دستورية داخلية ".
وردا على القول إن المادة 20 تجيز التعديل والإضافة بالاتفاق، قال :"من المعلوم أن المحكمة الخاصة بلبنان ستبقى محكمة داخلية في لبنان، أي جزء من النظام القضائي اللبناني، ولا يمكن لأي جهة، برأيي، أن تفرض على القضاء الداخلي لأي دولة أي أمر"، معتبراً أنه "من الناحية الدستورية ، لا يوجد ما يعلو على دستور الدولة الداخلي".

التعليقات