اتساع التضامن مع المهندس المغربي أحمد بن الصديق

الرباط - دنيا الوطن
مازالت قضية المهندس المغربي أحمد بن الصديق، الذي أعلن عن خلعه لبيعة الملك محمد السادس تعبيرا عن رفضه للفساد واحتجاجا على عدم اهتمام الملك بقضيته وإنصافه ورد مظلمته، تستقطب اهتمام وتضامن كثير من الشخصيات والهيئات الحقوقية والسياسية ومنظمات المجتمع المدني في البلاد وخارجها.

وأعلنت عشرات المنظمات الحقوقية المغربية ومنظمات المجتمع المدني من داخل المغرب وخارجه، وعشرات الشخصيات من مختلف المجالات، عن تضامنها مع أحمد بن الصديق، في قضيته التي يتعرض بسببها لحصار ومضايقة مستمرين من قبل رجال الأمن المغربي حسب ما أعلنه بنفسه وأكدته تقارير المنظمات الحقوقية.

وكان أحمد بن الصديق أعلن في يوليو/ تموز الماضي، في رسالة مفتوحة وجهها إلى الملك محمد السادس، عن خلعه لبيعة الملك من عنقه بعدما لحقه من ظلم وإهمال ولامبالاة في قضية أقدمت فيها جهات نافذة على سلبه حقوق الملكية الفكرية وحقوقه المهنية في مشروعين أنجزهما المهندس بن الصديق ونالا موافقة الملك قبل أن يتم تحويلهما إلى جهات أخرى "تحت أعين المسؤولين وبتواطؤ منهم".

وكتب بن الصديق في رسالته شديدة اللهجة إلى الملك "لقد يئستُ من عدلك فخلعتُ بيعـتك من عنقي".. و"لقد ظلمتني أشد الظلم أيها الرجل، وكل يوم يزداد ظلمك شدة وإيلاما، لقد قابلتَ إخلاصي لوطني بالإهانة واللامبالاة، ووفائي بالجحود والاحتقار وإهدار الكرامة." وخاطب الملك بقوله "أيها الملك"، لقد "دمرتَ مستقبل أبنائي بصمتِك المخجل وصمت مؤسساتك وأجهزتك، وقتلـتـنا مرات ومرات وقتلت المروءة كذلك". 

وتأتي قضية إعلان خلع البيعة من قبل إطار وطني مشهود له بكفاءته، في ظرف حساس يمر منه المغرب حيث يشتد الحراك الإجتماعي والسياسي يوما بعد يوم منذ انطلاق الاحتجاجات في البلاد في فبراير/ شباط الماضي وانبثاق حركة 20 فبراير المطالبة بالإصلاح السياسي واجتثاث الفساد.

ومنذ نشر الرسالة المثيرة في يوليو/ تموز الماضي والمهندس بن الصديق يتعرض لحصار ومضايقة مستمرين من قبل رجال الأمن المغربي حسب ما أكدته تقارير المنظمات الحقوقية في المغرب، حيث تخشى السلطات من أن تسهم مبادرة بن الصديق في كشف المستور من المواضيع المتعلقة بالحكم الملكي وتزيد من إذكاء حالة الرفض لاستمرار سوء تدبير المال العام واستشراء الفساد في مؤسسات الدولة وعدم التفات المسؤولين الكبار إلى المتضررين من أجل رفع الضرر عنهم وإنصافهم.

كما تأتي رسالة بن الصديق في مضمونها متوافقة مع السقف الذي ينادي به الحراك السياسي والاجتماعي في المغرب وهو اقرار ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، إذ نفى بن الصديق في هذا الخصوص أن يكون لديه أي "اعتراض على الملكية البرلمانية كنظام سياسي" أو أن تكون له أية مشكلة مع شخص الملك. وساعدت هذه الأسباب في استقطاب المبادرة لمزيد من المتضامنين من مختلف الفئات الإجتماعية والهيئات الحقوقية والسياسية والمدنية.

واعتبرت 17 عشر منظمة حقوقية مغربية تشكل الائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان قضية أحمد بن الصديق واحدة من القضايا التي تكشف عن استمرار سوء تدبير المال العام والحكامة والمساواة بين المواطنين وعدم التفات المسؤولين إلى المتضررين من أجل إنصافهم.

وقال الائتلاف الحقوقي إنه اطلع على مجموع الرسائل والتصريحات التي نشرها المهندس أحمد ابن الصديق منذ 2008 إلى اليوم والمقالات الصحافية التي واكبتها ولا تزال، وما تطرحته تلك الوثائق من معطيات دقيقة ذات دلالات خاصة تتعلق بمسؤولين في مستويات متقدمة من القرار.

وانتقد تعامل المعنيين مع تلك الوثائق باللامبالاة والصمت والتنصل من المسؤولية، خاصة وأن الأمر لا يقف عند حدود المظلمة الشخصية بل يقدم نموذجا لإشكالية الحكامة واستفحال الفساد بالبلاد نتج عنه إجهاض مبادرات ومشاريع تتصل بالمصلحة الوطنية.

كما أعلن الائتلاف عن تضامن المنظمات المنضوية تحته مع المهندس بن الصديق في ما يتعرض له من حصار ومراقبة يومية ومستمرة من طرف رجال الأمن المغربي؛ وفق ما ما جاء في التقرير الذي نشره حقوقيون بعد زيارتهم لبن الصديق في منزله ووقوفهم على ما يتعرض له من تضييق من طرف أشخاص عبر بعضهم أنه موظف الدولة حسب التقرير.

وطالب الائتلاف الحقوقي، برفع "الحصار البوليسي" عن المهندس أحمد بن الصديق، مع فتح تحقيق قضائي نزيه ومحايد في ما جاء في رسالته من قضايا تهم الشأن العام ومنها تلك التي "سبق لبعض مكونات الائتلاف أن تابعتها منذ سنوات". كما طالب بالإسراع في كشف الحقيقة كاملة وعن المسؤوليات في الملفات التي أثارها بن الصديق وبإنصاف من يجب إنصافه ومعاقبة من يجب معاقبته.

ويعد إعلان المهندس أحمد بن الصديق عن خلعه لبيعة الملك، أمرا غير مسبوق في المغرب، على الأقل منذ استقلال البلاد عن المستعمر الفرنسي في خمسينيات القرن الماضي حيث تمت إضافة بعض الأسس القانونية لحكم المملكة العلوية الذي يمتد لأكثر من أربعة عقود على أسس دينية منها البيعة وإمارة المؤمنين.

وفي غمرة الحراك الاجتماعي وما أفرزه من نقاش بشأن نظام الحكم في البلاد، ساهمت رسالة خلغ البيعة بدورها في توسيع النقاش بشأن الأسس الدينية والقانونية للحكم الملكي في المغرب التي تتوزع بين الموروث التاريخي وما أسفرت عنه "صفقة" الاستقلال من جهة، وما تفرضه المرحلة الراهنة من إصلاح ينبغي أن يواكب التغيرات في المنطقة خاصة مع اتساع المطالبة بنظام ملكي برلماني يكون فيه للملك موقع رمزي وتكون فيه السيادة للقانون.

في المقابل يرى الملك وأنصاره في مفهومي "إمارة المؤمنين" و"البيعة" هبة تاريخية وأداة شرعية لاستمرار الحكم واستتباب الوضع، حيث ظل هاذان المفهومان يشكلان على مر التاريخ أهم الأسس التي ساعدت اسرة العلويين على بسط سلطة الحكم والاستقرار في مجتمع مغربي متنوع ومحافظ. لكن استمرار السلطة وبسط الاستقرار ظل في نظر كثير من المغاربة عنوانا لمرحلة طويلة من التحكم والاستبداد والظلم الفساد.

التعليقات