بين غزة وأثينا شبابيك آلام وطاقات حرية .. بالصور

بين غزة وأثينا شبابيك آلام وطاقات حرية .. بالصور
بقلم: د.كامل خالد الشامي

أستاذ جامعي وكاتب 

جامعة الأقصى

توجهت في الصباح الباكر إلي معبر رفح , وعلي احدي حوائط الصالة الخارجية حشد من المسافرين  يحاولون التأكد من أن أسمائهم موجدة في كشوفات السفر لهذا اليوم. من يريد السفر إلي خارج غزة علية أن يقوم بتسجيل اسمه لدي الجهات المختصة قبل ذلك بأيام وأن يكون مستعدا للتأخير أو إلغاء السفر لأي أمر كان.

كان الناس يتوافدون علي الصالة شيئا فشيئا ومع مرور الوقت ازداد عدد المرشحين للسفر كثيرا,وبدأ الباعة المتجولين ينشطون وهم  أكثر تفاؤلا, علت أصواتهم وهم ينادون" شرائح جوال فلسطينية ومصرية" كان من بين الباعة شخص كفيف يقوده ابنة علي ما اعتقد, ينادي بأعلى صوته ليبيع بضاعته, ولكن أحدا لم يكترث فمرشحي السفر مرتبكون وخائفون من المجهول, فليس كل مرشح للسفر يسافر.

تظهر علي الباعة ملا مح الشقاء والتعب وفي قراءة سريعة تظهر في عيونهم هموم كثيرة ,كانوا نحال, ووجوههم تميل الاصفرار, وهندامهم غالبا ماهو متسخ, هذا أمر طبيعي فهم فقراء يحاولون التغلب علي الفقر بطريقتهم.

عندما  وصلت إلي المعبر المصري وأنهيت إجراءات السفر , خرجت متوجها إلي موقف سيارات القاهرة, -وكنت قد أضعت  7 ساعات طوال لكي اقطع مسافة 300 متر ما بين الحدود الفلسطينية والمصرية,واعتقد أنني الآن محظوظ جدا, ففي فترة الاحتلال الإسرائيلي للمعبر كنت أحتاج إلي 17 ساعة لكي اقطع نفس المسافة وفي النهاية لم يكن يسمح لي بالسفر فأعود أدراجي خائبا-. رأيت نفس المشهد: أناس قسي عليهم الزمن يبيعون  شرائح الجوال والبعض يبيع السجائر وآخرون يعرضون عليك حمل متاعك, وقفت أتأمل الباعة فوجدتهم  يشبهون الباعة علي الجانب الفلسطيني, وبينما أن ارقب المشهد جاء عامل وفي يده ساندويتش, وقام بتناوله مع 5 من أصدقائه الباعة. ذهبت إلي  نفس المقصف واشتريت واحدا مثله ,قمت بفحصه ووجدت أن مكوناته كانت قطعة دجاج مطبوخة لا تزيد عن 10 جرامات والبقية عبارة عن خضار بمعجون الطماطم, والحصيلة أن الساندويتش لا يحتوي علي أكثر من 150 سعره حرارية, وهي الوجبة التي تناولها  6 أشخاص من العاملين علي موقف السيارات.

هذا المشهد يتكرر كثير ا في منطقة الشرق الأوسط التي أسافر إليها , لا أحد يعبأ بهؤلاء الناس فعليهم أن يتدبروا أمورهم, ولكنهم في نظري أوفر حظا من أولئك الذين يمتهنون التسول.

في الطريق إلي مطار القاهرة كان السائق ينهب الأرض حتى لا تفوتني الطائرة, لا تبدوا علي السائق علامات البهجة, واخبرني أن أقصي دخل يمكن أن يحصل علية خلال شهر  هو حوالي 50 دولارا أمريكيا.  كان يتجنب الحديث عن السياسة وعن أي شيء يدور في فلكها.

عندما وصلت المطار كان لم يبقي علي إقلاع الطائرة إلا حوالي 30 دقيقة, وصلت وطلبت التذكرة الالكترونية التي كنت قد طلبت من صديقي حكيم إن يحجزها لي, وتفاجئت أن الحجز كان باسم أخي وليس باسمي ,فاشتريت تذكرة من المطار وأقلعت علي الطائرة المتجهة إلي أثينا.

في مطار أثينا كان لدي 9 ساعات انتظار حتى تقلع الطائرة المتجهة إلي نيقوسيا, تجولت في السوق الحرة استقر بى المطاف في احدي مقاهيه التي  لم يكن بها زائرا غيري, البائعة نحيلة , وعصبية وهي تقوم بتنظيف ارض المقهى ثم جميع  الأثاث والأجهزة, وتخدم  الزبائن القلة المارين من هناك.

من خلال حديثي معها فهمت منها الكثير عن الوضع الاقتصادي السيئ في اليونان, وعن صدمة اليونانيين بعد انضمامهم إلي الاتحاد الأوروبي لكن,كانت المرأة فقيرة لا يزيد دخلها عن 800 يوروا في الشهر. الشيء المذهل أنها كانت تتحدث بكل اطمئنان وبكل حرية وكدت أعتقد أنها سياسية صاحبة نفوذ.

في طريق عودتي قرررت أن أعود إلي أثينا وامكث فيها يوما واحدا, واستطعت أن أزور الأكروبوليس والمتحف وغيرة, وفي المطاعم الشعبية كانت رائحة الشواء مختلطة بالزعتر تعبأ  السماء, لم أشعر أن اليونانيون  مدينون ب400 مليار يوروا, شعرت أن سكان أثينا هم من أقرض العالم هذا المبلغ.

في بيت صديقي قالت لي زوجته اليونانية عندما سألتها عن ديون اليونان" الحكومة يجب أن تحل المشكلة وإلا لن ننتخبها" كانت تتحدث وهي متأكدة من أن الحكومة هي صاحبة المسئولية وأن بإمكان الناس تغيير الحكومة. ولكن في بلاد الشرق الأوسط فالحكومات هي التي تغير الناس.

[email protected]







التعليقات