تونس ..الخارطة السياسية بين هيمنة النهضة وتشتت اليسار

غزة - دنيا الوطن
عقب الإعلان عن فوز حزبه واصل زعيم «النهضة» راشد الغنوشي بث رسائل التطمين للخارج والداخل على حد سواء، حيث أكد على الصداقة التاريخية مع الولايات المتحدة، وكرر مرة أخرى تمسك حركته بـ «الوفاق» مع التوجهات السياسية الأخرى التي ناضلت ضد النظام السابق مشدداً على أنه من غير الممكن إغفال دور من ناضلوا من أجل هذه الثورة، وتداولوا على السجون منذ الاستقلال (1956)، من قوميين واشتراكيين وليبراليين وشيوعيين ونقابيين. ورأى أن «الديمقراطية تكون للجميع و ليست لأحد».

كما جدد الغنوشي تأكيد التزام «الإسلاميين» بعدم المساس بحقوق المرأة والمكاسب التقدمية التي حصلت عليها، إلى جانب تفعيل دورها في صناعة القرار السياسي. مشيراً إلى أن 42 من أصل النساء الـ 49 اللواتي انتخبن في المجلس التأسيسي ينتمين إلى حزبه.

ملامح المشهد الجديد

وقد بدأت النهضة، من خلال مرشحها لرئاسة الوزراء، أمينها العام حمادي الجبالي، مشاوراتها من أجل تشكيل حكومة جديدة، والاتفاق على مختلف مؤسسات المرحلة الانتقالية الثانية.

وفي ما تسعى النهضة إلى الاتفاق أولاً مع الكتلتين الأكبر اللتين حلتا خلفها في عدد المقاعد، وهما «المؤتمر» (30 معقداً)، و«التكتل» (21 مقعداً)، فإن بعض المصادر السياسية والصحافية التونسية أشارت إلى تودد النهضة إلى حزب العمال الشيوعي (البديل الثوري) بزعامة حمة الهمامي (3 مقاعد)، وإلى الحزب الديمقراطي التقدمي (17 مقعدا) الذي أعلن اعتزامه عدم الدخول في أية حكومة ائتلافية والتحول إلى المعارضة، على رغم أنه سبق له ودخل في تحالف سابق مع النهضة من خلال «إئتلاف 18 أكتوبر» (2005)، الذي كان يضم أيضاً بعض القوى اليسارية والقومية والأخرى.

كما أشارت المصادر إلى أن قائمة «التكتل من أجل العمل والحريات»، تسعى هي الأخرى إلى ضم قوى اليسار الأخرى، مثل «الديمقراطي التقدمي» والقطب اليمقراطي الحداثي (5 مقاعد)، الذي كان أعلن هو الآخر تحوله إلى المعارضة، من منطلق ضرورة تعزيز موقع اليسار داخل المجلس التأسيسي والغالبية الممكن تشكيلها، وتحقيق أكبر قدر من الإجماع حول الإستحقاقات المنتظرة.

وفي الواقع فإن قوى اليسار يمكن أن تشكل مجتمعة قوة رئيسية ثانية داخل المجلس تحوز على نحو 80 مقعداً (المؤتمر 30 مقعداً، التكتل 21 مقعداً، الديمقراطي التقدمي 17 مقعداً، القطب الحداثي 5 مقاعد، البديل الثوري 3 مقاعد، إلى جانب عدد من الأحزاب الأخرى التي حاز كل منها على مقعد واحد). وإلى جانبها هناك مجموعة ثالثة تتشكل من القوى الليبرالية المنفتحة، والتي قد تكون أقرب إلى القوى اليسارية منها إلى حركة «النهضة» الإسلامية.

وفي حال فشل «النهضة» في تشكيل غالبية، خصوصاً في ظل تباين التوجهات حول طبيعة النظام السياسي بينها وبين حزب «المؤتمر» الأقرب إليها، (حيث تدعم هي خيار النظام البرلماني، في حين يفضل هو النظام المختلط) فإن هذا قد يفسح في المجال أمام تشكيل ائتلاف بين القوى اليسارية مجتمعة والقوى الليبرالية، أو بعضها على الأقل، على أرضية الاتفاق على عدد من القواسم المشتركة بما يخص الدستور الجديد، والتوجهات الديمقراطية العامة.

ويرى محللون أن الخطاب العام وغير الإيديولوجي، الذي اعتمدته «النهضة»، وتسعى من خلاله الآن إلى استمالة القوى الأخرى للدخول معها في غالبية داخل المجلس التأسيسي، يعبر عن إدراكها للوزن الذي تتمتع به قوى اليسار الديمقراطي داخل هذا المجلس، وبأنها لا يمكن أن تقفز عنها في أي حال من الأحوال.

شكل القطيعة ومحتوى التغيير

يجدر بالذكر هنا أن الخطاب السياسي لحركة النهضة إتسم بالانفتاح على الأحزاب العلمانية، والدعوة إلى الحفاظ على المكتسبات الوطنية الفعلية للمجتمع والدولة التونسيين، وعدم التصادم مع التقاليد العلمانية والمدنية، التي تحققت عبر بناء مؤسسات الدولة في العقود السابقة، بما في ذلك مجلة الأحوال الشخصية، وحقوق المرأة التونسية.

ويرى البعض أن «النهضة» لو تبنت خطاباً دينياً متشدداً رافضاً للمؤسسات التي أنجزتها الدولة التونسية، ومعارضاً لمنجزاتها الاجتماعية، لما حققت هذا الإنجاز، فالتونسي الذي دعم النهضة، هو معارض للنظام السابق، حتى على مستوى الهوية الثقافية، لكنه لا يريد الصدام والحرب مع القوى العلمانية، كما لا يريد التخلي عن منجزاتها.

وكذا الأمر فيما يتصل بالنتائج التي حصل عليها كل من حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، و«التكتل الديمقراطي»، التي يتقاطع تفسيرها إلى حد كبير مع الأسباب التي أفضت إلى فوز «النهضة»، إذ أن التصويت لهذه الأحزاب المنفتحة على الحركات الإسلامية، شكل تعبيراً عن التحولات التي طرأت على قسم من قوى التيار العلماني في تونس، والذي بات يميل إلى نهج تصالحي، على نحو يمنع الاحتكاكات والانقسامات داخل المجتمع التونسي، وخصوصاً الصراع الذي كان محتدماً بين التيارين العلماني والديني.

وفي ضوء ذلك، ربما يمكن تفسير خسارة القطب الحداثي الديمقراطي وبعض الأحزاب اليسارية التي أسست برنامجها ومواقفها على انتقاد النهضة، والسعي إلى تشكيل قطب مضاد لها، على نحو أعاد إلى الأذهان الأدبيات السياسية التي كرسها النظام السابق، وشكل رابطاً بين تلك الأحزاب وثقافة الحكم الاستبدادي، خاصة في ظل تقاطعات بين نخبها الثقافية ونخب ثقافية عملت في كنف النظام السابق. بمعنى أن المعيار الذي حكم خيارات الناخب التونسي الطامح لإحداث القطيعة مع النظام السابق، كان هو مقدار الاقتراب أو الابتعاد عن الثقافة السياسية التي هيمنت سابقاً.

أحداث سيدي بوزيد

وكانت سيدي بوزيد، مدينة البوعزيزي ومهد الثورة التونسية، شهدت تظاهرات غضب وأعمال عنف عقب شطب مقاعد لقائمة «العريضة الشعبية»، لمخالفات تتصل بالتمويل والحملة الانتخابية، إضافة إلى شعور سكان المدينة بالإهانة بعد وصفهم بأنهم «فقراء ومهمشون» من قبل مسؤولين كبار في «النهضة»، وكذلك تصفيق الصحافيين بعد إعلان هيئة الانتخابات إبطال فوز العديد من مرشحي «العريضة» في دائرة المدينة، معتبرين ذلك بمثابة صفعة وجهت إليهم، كما نقل، أن رؤساء اللوائح التي شطبت كانوا أعضاء بارزين في الحزب الدستوري المنحل.

وكانت العريضة ستحل ثالثة في الانتخابات لو احتسبت نتائج قوائمها الملغاة (7 مقاعد) وهي حلت الأولى في دائرة سيدي بوزيد وحصلت على ثلاثة مقاعد عنها متقدمة على حزب النهضة.

وتساءل كثيرون كيف تمكنت هذه اللائحة من حصد كل هذه المقاعد، ليس في سيدي بوزيد فحسب، بل في مدن المنستير وباجة وسوسة وغيرها؟ وعزا البعض ذلك إلى الخطاب الشعبوي الذي اعتمده الحامدي، والوعود التي غازل بها ذوي الدخل المحدود والمناطق النائية.

والحال، فإن «العريضة» الشعبية التي لا يجمعها إطار تنظيمي موحد، وشكلت ملاذاً لبعض رجالات الحزب الحاكم سابقاً، تبنت خطاباً توفيقياً، يجمع بين الطروحات الإسلامية والتقدمية، لتكون منافساً لحركة النهضة والأحزاب اليسارية العلمانية في آن معاً، كما أنها أقامت شبكة علاقات مع عدد كبير من رجال الأعمال الذين كانوا يدعمون التجمع الدستوري في المرحلة السابقة، هذا إضافة إلى التغطية الإعلامية التي وفرتها لها قناة «المستقلة» التي يملكها مؤسسها محمد الهاشمي الحامدي. وهكذا استطاعت المنافسة جدياً خصوصاً في المدن المهمشة والمحرومة سابقاً مثل سيدي بوزيد وأمثالها.

لكن، وعلى رغم حصول تجاوزات هنا أو هناك، فإن الطعون المقدمة لا ترقى إلى حد الطعن بمصداقية ونزاهة العملية الانتخابية بمجملها. وهذا ما أشار إليه المراقبون الأجانب، وأكده أغلب قادة الأحزاب الخاسرة أو التي منيت بانتكاسة، إذ أعربوا عن قبولهم بنتائج الانتخابات واحترامهم لإرادة الناخبين التونسيين.

كما أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أثبتت حيادها وأسهمت، على نحو فعال، في نجاح أول انتخابات ديمقراطية في العالم العربي يتم تنظيمها بعيدا عن كواليس وزارة الداخلية.

التعليقات