الحريري بين الأمس واليوم خسارات لا تعدّ ولا تحصى والجماهير الزرقاء تسأل "على من يتكّل الشيخ سعد؟ وهل جعجع كافٍ؟"

غزة - دنيا الوطن
لو كان النائب سعد الحريري يعرف مسبقاً حجم الخسائر السياسية التي ستنتج عن سقوط حكومته، لكان بالتأكيد أحال ملف الشهود الزور على المجلس العدلي، وتخطى كل مطالب قوى المعارضة آنذاك، إن عبر تسويات تدوير الزوايا، وإن من خلال تقديم المزيد من التنازلات، كل ذلك تفادياً لمحاصرته سياسياً ولعدم الوصول الى ما هو عليه حاله اليوم.
هذه المعادلة باتت تشكل قناعة شبه ثابتة لدى الجماهير الحريرية التي تشعر يوماً بعد يوم بقساوة الإبعاد عن مراكز القرار وبإنعكاسات العاصفة السياسية التي ضربتها، ليس فقط شعورًا بقيمة الوجود في السلطة فحسب، بل لأن سؤالاً واحداً لا تنفك عن طرحه، وهو، على من أو ماذا يتكل "الشيخ سعد" في تعويض هذا الكمّ الهائل من الخسارات المتتالية، وفي حال عدم التعويض، من أين سيؤمن الأوكسيجين المطلوب لمعركته السياسية وصولاً الى إنتخابات العام 2013؟
آخر الخسارات الحريرية وأقربها، بالنسبة الى جماهير التيار الأزرق، تتمثل بالحرب الإعلامية الضروس التي يشهدها محور بيت الوسط-عين التينة. هذه الحرب التي لن تنال من علاقة رئيس المجلس النيابي نبيه بري بحزب الله، ولا من الرابط التاريخي بين بري وجمهوره او حتى بينه وبين سوريا،  دمّرت آخر جسر للتواصل بين بيت الوسط والضاحية الجنوبية، هذا الجسر الذي لطالما لعب دوراً مرطباً على صعيد العلاقة المتوترة بين الحريري وحزب الله. وفي المحصلة، يكون الحريري قد ألحق الضرر بنفسه وتياره من جراء هذه الحرب التي يشنها من دون تحديد الأهداف منها.
"المراجعة ضرورية" يقول مصطفى إبن باب التبانه وأحد ناشطي تيار المستقبل في طرابلس، الناقم على الحريري بسبب تركه البلاد من دون عودة، ويسأل كيف يمكن أن نبقى ساكتين عن سفر "الشيخ سعد" عندما يأتي العتب على هذا الغياب من الحلفاء قبل الأخصام؟ وهل من المقبول أن يقدم الحريري على خطوة تدفع برئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير المالية محمد الصفدي الى أحضان حزب الله وحلفائه؟ وبماذا شعر الحريري عندما رأى الرجلان يزوران الخصم اللدود عمر كرامي؟ وكيف التعويض عن هاتين الرافعتين الإنتخابيتين؟ وهل أن التيار يستطيع بمفرده أن يواجه هذا الثلاثي طرابلسياً إضافة الى العلويين وحلفاء سوريا"؟      
من عاصمة الشمال طرابلس، الى جارتها عكار، حيث أهالي القرى الحدودية يترحمون على الأيام التي كان فيها رئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن، يسرح ويمرح على طريق الشام، موفداً الى رئيس فرع أمن دمشق وريف دمشق اللواء رستم غزالي، من الحريري بهدف تحضير الزيارة الشهيرة التي استقبل فيها سعد في دمشق إستقبالاً حميماً.
ويقول بلال من وادي خالد، أيهما أفضل لتيار المستقبل في منطقة خزانه البشري عكار، أن ينعم سكان القرى الحدودية القائم إقتصادها على التهريب، بأحسن العلاقات السياسية والإقتصادية مع سوريا، أو أن يتحول هذا التيار الى محرض بنظر السوريين ومتدخل بالأحداث الدموية لدرجة إتهام بعض نوابه بتهريب السلاح الى الداخل السوري؟
أم الخسارات بالنسبة الى الجماهير المستقبلية هي تخلي النائب وليد جنبلاط عنها، فهو الذي كان يشد عصبها في ساحة الشهداء، وهو أيضاً من كان وراء فوز لائحتهم الإنتخابية في دائرة البقاع الغربي – راشيا حيث تقاربت الأرقام ليحسم الصوت الدرزي المعركة الطاحنة. وهو الذي أعطى على لائحته الشوفية نائباً سنياً لتيار المستقبل، ونائبين مارونين لحلفاء التيار، القوات اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار، الأمر الذي قد لا يكرره الزعيم الدرزي في حال إستمر خلافه السياسي مع الأقلية. خسارة جنبلاط هذه لا يمكن تعويضها إلا بإستعادة الرجل الى تحالفاته السابقة "ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك والقرار فيه لجنبلاط لا للحريري؟" يسأل الحريريون، "وهل يمكن الوصول الى إنتخابات العام 2013 ونحن نراهن على طلاق وليد بيك مع الأكثرية الجديدة؟ كيف نستعيد الأكثرية من دون أصواته؟"
تمايز حزب الكتائب عن تيار المستقبل والقوات أحياناً يهدد نوعياً جماهير المستقبل في البترون والكورة والأشرفيه، هذه الدوائر التي أقفلت صناديقها الإنتخابية على فوارق ضئيلة لمصلحة لوائح المستقبل، قد يضطر التيار الأزرق الى شطبها نهائياً من روزنامة إنتصاراته النيابية في حال قرر المكتب السياسي الكتائبي يوماً الإلتحاق بالفريق الأكثري الجديد قبل إنتخابات 2013، بهدف العودة الى السلطة مجدداً ومحاربة خصمه اللدود سمير جعجع.
الخسارات الحريرية لا تقف عند حدود السياسة، بل تتخطاها لتصل الى مقامات دينية رئيسة في لبنان. ففي السابق كانت استماتة دفاع  البطريرك الماروني نصرالله صفير عن المحكمة الدولية الخاصة لبنان، وإنتقاده سلاح حزب الله، ينزلان نزول الصاعقة على جماهير المعارضة آنذاك الموالاة اليوم. أما اليوم فها هو سيد بكركي الجديد البطريرك مار بشاره بطرس الراعي يتحدث عن العدالة البعيدة عن التسييس، ويتهم المجتمع الدولي بترك إسرائيل تعتدي يومياً على لبنان، مبرراً إنطلاقاً من ذلك وجود سلاح المقاومة، وفي الوقت ذاته الذي ترأس فيه صفير قداس القوات اللبنانية في مجمع فؤاد شهاب الرياضي، جال الراعي على بعض القرى والمدن في الجنوب اللبناني.
وفيما يرى الحريرون أن التبدل الذي طرأ على صعيد مقاربة بكركي لهذه القضايا، خارج عن إرادة الحريري ويتعلق بالتغيير الذي حصل جراء الإنتخابات التي رعتها الفاتيكان، يحمّلونه كامل المسؤولية في الخلاف المستجد بين فريقه ومفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني. ولعل خروجهم من مسجد محمد الأمين في يوم عيد الفطر قبل دقائق قليلة من بدء المفتي بإلقاء خطبته، خير دليل الى ذلك. وفي هذا الإطار يرى إمام مسجد طرابلسي أن تيار المستقبل ساهم بسياسته العدائية لسماحته بدفع الأخير الى التموضع سياسياً الى جانب فريق ميقاتي والصفدي، ولولا هذه العدائية لكان المفتي اضطر الى البقاء في الوسط ولكان الحريري إستطاع أن يحرج مرجعه الديني الأول. وفي المحصلة بات الدور الذي كان يلعبه قباني مع تيار المستقبل بعهدة مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو.   
بين ليلة وضحاها، إستفاق الحريريون على أزمة مالية يعاني منها رئيسهم، في شركة سعودي أوجيه الخاصة به. وفي لحظة غير متوقعة تبلغوا أن رئيسهم أصبح رئيساً سابقاً للحكومة، وتزامناً مع كل ذلك هم يراقبون اليوم مدراءهم العامين ورجالهم في المؤسسات تحت تهديد وضغط الفريق الأكثري، كما هو وضع المحكمة الدولية أيضاً، وحبل الخسارت على الجرار، الأمر الذي يدفع الى طرح السؤال بجدية، في حال سقطت حكومة ميقاتي يوماً تحت تهديد مشروع مماثل لخطة الكهرباء، فعلى من يتكل الحريري ليعود ويحكم؟

التعليقات