حلم من العراق

غزة - دنيا الوطن
بقلم: رزان أبو ملش
حلم راودني كانت بدايته رؤياها، من بثوب العز اكتست وبجمال الوجه اتسمت، بدوت مسرعة أكثر من العادة،

أمشي على الأرض وكأني أطير بخطوات رشيقة وخفيفة، قطعت مسافات لأراها وحدودا لأشتم رائحتها، منذ الصغر وأنا أرسمها في مخيلتي، هو عشق لا شفاء منه، عشتُ في حكاياها قصصا كانت هي بطلتها، ورثت عشقها في جيناتي من حكايا والدي عنها وعن كبريائها، عن كرامتها وعزة نفسها، عن جمالها العربي الآسر.

هي بغداد الساحرة المنسية من عاشت في المنفى سنين طويلة، عاشت الحرب القاسية حاصروها ذبحوها بسكين تآمر عربية بصناعة أمريكية، لكنها أقوى من خناجرهم، بعظمتها حاكت الأساطير، أساطير لا مثيل لها من حضارة وعلم وفن، من مقاومة لدكتاتورية وحرب تحرير طويلة من قصص عشق وردية، رأيتها بثوب عربي فاخر، فسحر الشرق فيها يتجسد بعيون نسائها وخشونة رجالها، عشت بغداد من خلال وصف والدي لها حفظت شوارعها وتخيلت صورتها، انتظرت زيارتها بفارغ الصبر باعدت بيني وبينها الحرب والحدود لكننا وأخيرا التقينا.

كيف أصفه وهل يستطيع المتيم بالعشق ان يصف حبيبه، أحببته من كتب التاريخ أيام المدرسة من حكايا معلمتي سونيا نور، من كانت تصفه بآخر حصون الكرامة العربية، أحببته في شعر السياب و نازك الملائكة، أحببته بصوت ناظم الغزالي، بنكهة التشاي، وبرائحة ضفاف دجلة والفرات.

وصلتُ العراق بعد دعوة لحضور الملتقى العربي الثاني لرصد قضايا الشباب، بتوصية من الصديق العزيز الدكتور عصام لما يعرفه عني من عشق لبغداد وحلم لزيارتها، عندما وطئت قدماي أرض العراق اغرورقت عيناي بالدموع، مطار من أعرق المطارات التي رأيت لوحة نحاسية فائقة الجمال زينت جداره وهذا كان قبل حوالي ثلاثين عاما!!!! قبل أن يكون لدى كثيرين في عالمنا العربي مطارات! حاولت استجماع طاقتي للنظر لأدق التفاصيل لأشبع عيناي من الصور والناس والأماكن، من يصدق بأن عظمة هذا البلد تكمن في أهله الذين صمدوا حرباً بعد حرب وحصار وقتل ودمار، البناء متوقف منذ فترة فمعظم البنايات قديمة لتشعر أن الزمان توقف في العراق في الثمانينيات فأشكال العمارات وطرازها ينم عن حداثة كانت مزدهرة في وقتها لتأتي الحروب المتتالية والحصار ويشل حركة النمو والتطور، لتستمر بالمقابل حركة التعليم والوعي الشعبي، فقد سافرتُ كثيرا لكني لم أجد شعباً بثقافة العراقيين وحضارتهم، في حديثهم يدخلون أبياتا من الشعر لتضفي على الحديث جمالية ورقياً، وفي شوارعم تشعر بالفخر والعزة فهناك تماثيل لرموز الحضارة القديمة كنّا ربمّا قد غفلناها فمن أسمائهم الى اسماء شوارعهم فذاك شارع المتنبي و آخر أبو النواس، وحين سئلت عن أول انطباع أجبتهم شعرتُ بنفسي في حكايا سندباد لما ارتبطت تلك الأساطير بمرح الطفولة وسعادتها، ولم أفكر بإجابتي بل هذا أول ما راودني، سعادة مطلقة اجتاحت روحي.

 درست الإعلام وعملتُ به، لكنني الأن أدرك بأنّه جزء من المؤامرة، يعمل على رسم صورة نمطية غير واقعية عن شعوب وحضارات، صور لنا العراق بلدا خطرا ومنقسماً، وهذا ما لم نلمسه بتعاملنا مع اخوتنا العراقيين، على العكس تماماً وجدنا تمازجا رائعا، هناك فعلا ألحان مختلفة لكنها جميعا تشكل لحنا عراقيا واحداً جميلاً، وعلى اختلاف الألوان والأعراق إلا أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم.

لم يكن العراق كما يصورونه، لقد شعرتُ بأمان ومحبة طوال فترة اقامتي، وجوههم مؤلوفة وودودة، هم جزء منّا تغيّب حقبة من الزمان ليعود الأن وبقوة ليقول للعالم أجمع أنا موجود ومؤثر، في العراق شابات وشباب يريدون التغيير والتطوير، أفكار بناءة ومتألقة، حب للعمل التطوعي، وكم فرحت لمشاركتي بنشاط بجهد عربي لا أسماء أجنبية تحاصر المكان، فخورة أنا بهم وبعملهم.

ففي زحمة الحياة التقيتهم من كانوا خير أصدقاء واهل، أصبح لدي الأن عائلة كبيرة هناك في بغداد خلف الحدود والمآذن والقباب، لن أنساهم من اتسمت وجوههم بالبشاشة والمحبة، رغم الآلام الكثيرة التي عاشوها إلا أنهم يبتسمون، ويزرعون في قلبك الأمل لغدٍ أجمل وأفضل. ولكنني كفلسطينية ألفت الحزن منذ الصغر فبت أعرفه ويعرفني وفي العراق حزن وسواد فقد كان وحيدا بعيدا عن أخوته، ونعلم أنه على طريق عودته لمجده وحضارته، ويجب علينا أن نوجه أعيننا إليه أن نزوره ولا نقاطعه، وأنا ادعوكم شابات وشبان نساء وشيوخ ورجال أن تكونوا جزءا من التغيير، ولنبدأ المشوار لبغداد أرض الحضارة والعلم حيث لنا فيها امتداد، ولن تشعروا فيه بلحظة اغتراب، فأيها الفلسطيني لك فيه حب ووجود، بأسماء أحيائها وشبانها وبناتها، هو العراق وطن من لا وطن له، فقد أحسستُ بوجودي فيه منذ الأزل، هو بلاد الرافدين بلاد الأنسانية بلادنا كلنا.

وإن كان هناك صوت للرصاص فهناك صوت آخر أعلى لأوتار العود وأهازيج الحب، حيث يحلو الغناء على ضفة دجلة والفرات، وفي العراق أشجار نخيل باسقات جميلات، وعيون مليئة بالأسرار تدعوك بخجل لقراءتها،  أما العشق في بغداد فله لون آخر أجمل، شعر فشغف فهيام، كطيور السنونو المهاجرة التي مهما طال غيابها تعود في محطتها الأخيرة للوطن البعيد. فالسماء هناك أبهى وأنقى وقد تبدو لك أوسع، هي ذات السماء لكن سحرها في المساء غريب ومختلف، إذن فلي في عشق العراق حق.

اجتمعنا من إحدى عشرة دولة عربية، لم تختلف وجوهنا كثيرا لكن اختلفت جوازات السفر، جمعتنا اغاني فيروز وذكريات مسلسلات الكرتون، نحن لم نختلف يوما، لكن فرقتنا حدود وأعلام، لدينا ذاكرة جمعية واحدة وهمّ وحلم واحد، ونشترك في ذات الابتسامة، نحن كما العراق باختلافة عربا وكردا وتركمان، نسجوا تراب العراق كالفسيفساء جميلة كلما ازادت احجارها اختلافا ازدادت سحرا وجمالا، فدعونا لا نذعن من اختلافنا، فالاختلاف جميل ومهم فبه ننسج أجمل اللوحات، فاللوحات أجمل ان تعددت الونها.

لم أعتد البكاء وقت الفراق لكني على فراق بغداد بكيت، تركت قلبي هناك ولست ممن يترك شيئا ورائه وقت الرحيل! سأعود لأن قلبي هناك معلق بين دجلة والفرات، القدس مسقط الرأس وبغداد مسقط الروح. وكما قال السيّاب في رائعته أنشودة المطر:" وكم ذرفنا ليلةَ الرحيل من دموع ثم اعتللنا خوفَ أن نُلامَ بالمطر".


التعليقات