قراءة في مركّب الجاليات الفلسطينية – بلغاريا مثالاً

قراءة في مركّب الجاليات الفلسطينية – بلغاريا مثالاً
قراءة في مركّب الجاليات – بلغاريا مثالاً
خيري حمدان
شاءت الأقدار أن يتشتت الشعب الفلسطيني في معظم أنحاء المعمورة وفي أكثر المناطق النائية فوق هذه البسيطة، ناقلين معهم همّ الوطن، وحلم الدولة والعودة. لكن جنبًا إلى جنب، نقلت هذه الجاليات مخزونًا كبيرًا من العادات والتقاليد المتوارثة، وخلّفت في الشتات شرائح اجتماعية جديدة لم تتمكن من التلوّن والتطبع بالأوساط الجديدة إلا ما ندر، وهذا أمر طبيعي ومفهوم ولا يمكن الطعن في مصداقيته. وقد يقول البعض بأن الحاجة للتغيير ليست ضرورية للغاية.
مرحلة الدراسة
وهي الأهم في معظم مراحل الإنسان بغضّ النظر عن المكان الذي أنهى فيه المعنيون دراساتهم العليا. الشرائح الفلسطينية تلقت تعليمها في العديد من دول المنظومة الاشتراكية، لتوفر المنح الدراسية وانفتاح هذه الدول على مفاهيم الثورة وضرورة دعم حركات التحرر على شتى أنواعها. علمًا بأن هذه الدول تركت رسلا وسفراء لها في معظم أنحاء العالم العربي، وهو الأمر الذي تفتقر إليه حاليًا بعد أن أصبحت الدراسة في بلغاريا، وغيرها من دول المنظومة مكلفًا للغاية وانقطعت المنح الدراسية بشتى أنواعها أو انخفض معدلاتها. كما درس أبناء الجالية الفلسطينية في العديد من الدول الأوروبية وأمريكا وأستراليا وكندا وروسيا، واضطر الكثيرون منهم للبقاء في هذه الدول. هناك بالطبع الكثير من الأسباب التي أدّت إلى هذا الشتات، أهمّها صعوبة عودة الكثير من الفلسطينيين الذين يحملون وثائق سفر من دول عربية لا تمكنهم من دخول أراضيها فما بالك بالسفر إلى القارات الأخرى.
ارتفعت أعداد الفلسطينيين الذين قرروا البقاء في الشتات، وتزوج معظمهم من أجنبيات أو عربيات متواجدات في الخارج. وتكوّنت جاليات وتجمّعات عربية كبيرة، أصبح لها حضورها الواضح والجليّ، خاصّة وأن معظمهم قد تمكن من الاندماج في المجتمعات الأجنبية، فحصل على فرصة للعمل ومارس التجارة والسياسة والإبداع، وبعضهم أصبح علمًا في هذه البلدان.
الاستقرار العائلي في الشتات
- نحن هنا، ألا ترونا؟ هذا بالطبع سؤال متداول بين الأوساط الفلسطينية في الخارج وهو موجّه تحديدًا للسلطة الفلسطينية، علمًا بأن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية تمكنت من الإبقاء على التواصل بشتّى الطرق مع هذه الجاليات في السابق، سواءً على الصعيد الفصائلي أو الشخصي أو الوظيفي. لكن المنظمة أغلقت ملفاتها لتحتلّ مؤسسات السلطة الفلسطينية مكانة الصدارة بدلاً من المنظمة في العديد من المساقات، ما أدى إلى تجاهل هذه الجاليات، خاصّة شأن التمثيل الفلسطيني والمشاركة في الانتخابات الوطنية على شحّها، لذا جاء هذا التساؤل في محلّه: من نحن؟ هل نحن فلسطينيون أم مواطنون تائهون في الشتات بحثًا عن هويّة؟
الجواب على هذه الأسئلة شديد التعقيد، وربّما يحمل مفتاح حلّ القضية الفلسطينية. إذا تمكن أبناء الجاليات بأن يكونوا جزءًا من الحراك السياسي الفلسطيني الداخلي، فهذا يعني عمليًا بأن السلطة الفلسطينية لم تتخلَ عن حقّ العودة، وهذا ما نتمناه وكم نحن بحاجة إلى دلائل قاطعة بهذا الشأن. لكن إذا بقي الأمر محضَ تمنٍ فهذه مشكلة وتعني ذوبان أفواج جديدة من الجاليات الفلسطينية في الشتات.
الكثير من أبنائنا وبناتها لم يفهموا لماذا بكينا حين توفّي القائد ياسر عرفات! طبعًا هم يعرفون هويته ومنصبه، لكن فاتهم في عقد من الزمن، انسلّ من بين أيدينا، كالماء دون أن نشعر بذلك، فاتهم البعد العاطفي للعلاقة التي ربطت الرئيس ياسر عرفات مع أبناء الوطن. في أحد برامج "من سيربح المليون" طُرِح السؤال التالي وقيمته 25 ألف دولار: ما لون الكوفية التي كان يعتمرها الرئيس الراحل ياسر عرفات؟ بالرغم من استخدام "جوكر" لمعرفة الجواب الصحيح إلا أن المتسابق فشل في معرفة لون الكوفية. بالطبع هناك هدف من وضع هذا السؤال وهو، هل تتذكر الأجيال الجديدة تلك الحقبة النشطة من تاريخ الشعب الفلسطيني والذي كان الرئيس عرفات رمزها؟ يبدو بأن الأمور أخذت منحىً آخر غير ما نشتهي. على أيّة حال، أخذ أبناء الشعب الفلسطيني يبحثون عن أثر ورائحة القضية والوطن في أروقة السفارات الفلسطينية. لكن قبل أن نتطرق للحديث عن السفارات دعونا نتناول بشيء من التحليل أوضاع الجاليات الفلسطينية في الشتات، وحتى نتفهم أبعاد هذا الحضور يجب الأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
- الجاليات الفلسطينية هي مرآة للمجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية بشكلٍ عام.
- الجاليات الفلسطينية حقيقة ثابتة ويجب القبول بها على علاتها، بمعنى - لا توجد جالية جيدة وأخرى سيئة، ولا يمكن استبدال أبناء الجالية المتواجدون في الخارج بهدف تحسينها، لكن يمكن تحسين أداءها والاعتناء بها ورفع مستوى الوعي لدى أبنائها.
- الجاليات الفلسطينية ليست البديل عن السفارات الفلسطينية مهما كان أداء بعضها رديء، لكن يمكن لهذه الجاليات أن تلعب دورًا إيجابيًا داعمًا للدور الدبلوماسي الذي تلعبه السفارات.
- الجاليات الفلسطينية وجدت ضمن ظروف تاريخية صعبة، وأحيانًا رغمًا عن إرادة أبنائها المتواجدون في الشتات، ولو قدّر لهم العودة إلى الوطن أو ما يشبه الوطن لعاد جزء لا بأس به بمحض إرادته، بالرغم من الجذور التي مدّها في الشتات.
- الجاليات الفلسطينية سفارات دائمة للسلطة المركزية ويمكنها دائمًا أن تقوم بتوجيه السفير وطاقمه لينجح في مهمته، ولتقصير المسافة التي قطعتها الجالية بين السفارة وفئات المجتمع والدولة المضيفة.
- الجاليات الفلسطينية شديدة الحساسية، ولديها القدرة على تحسس الفساد الإداري الفلسطيني الرسمي ويمكن الثقة بتجربتها وبرأيها حال الشروع في اعتماد سفراء وقناصلة وموظفين دبلوماسيين وإداريين، أو الشروع بإجراء تنقلات.
النقاط التي ذكرتها آنفًا تشير إلى أن الجاليات الفلسطينية تعاني هي الأخرى من الكثير من المشاكل، وهذا أمر طبيعي، خاصة إذا كانت تجربة بناء وتأسيس الجاليات ما يزال حديثًا ويخضع للكثير من الاعتبارات الشخصية، خلافًا لما تمكنت من التوصّل إليه الجاليات في أمريكا اللاتينية وكندا على سبيل المثال. من أهمّ هذه المشاكل هي شأن الانتخابات وعقدة الرئاسة، الشأن الذي أصبح بمثابة مقتل للجاليات، على الأقل في التجربة البلغارية، حيث رفض معظم رؤساء الجالية الفلسطينية خلال العشرين عامًا التخلّي عن هذا المنصب بسهولة، ما أدّى إلى شقّ الجالية في نهاية المطاف، لتصبح جاليتين لكلّ منهما ولاءاته وأجندته الخاصّة، علمًا بأن الجالية الفلسطينية الفاعلة في بلغاريا متواضعة مقارنة برومانيا على سبيل المثال من حيث العدد. وأعتقد بأن الجالية الفلسطينية في رومانيا تعاني هي الأخرى من مشاكل مماثلة. هذا التحليل لا يعني تبنّي جهة ما ضدّ أخرى، لكنّه يسعى لتفعيل الدور الفلسطيني وتفهّم الضرر الكبير الذي قد يلحق بأداء الجاليات نتيجة لتشتيت الجهود وتشكيل تجمّعين متواضعين غير قادرين على مواجهة تحديّات العصر ((استحقاق الدولة على سبيل المثال))، إذ فشلت الجاليتين الفلسطينيتين في بلغاريا من تحقيق دعم شعبي واضح لاستحقاق الدولة وجاء دورهما باهتًا للغاية.
السفارات
هي المعاقل التي تتمنى الجاليات أن تجدها مفتوحة الأبواب دائمًا، معاقل قادرة على حمل جزء من همومها على الصعيد المعنويّ أو الماديّ وفقًا لما هو متوفّر من شروط وإمكانيات. السفارات هي محافل نعتزّ بها، لأنّها جاءت نتاج نضال طويل، نتاج قوافل من الشهداء والأسرى والمشرّدين. هي المراكز التي يجب أن تكون قادرة على حمل الرسالة الدبلوماسية والتواصل مع المؤسسات المضيفة، للحصول على الدعم في المحافل الدولية، واكتساب أكبر قدر ممكن من التعاون المشترك. هناك دون شك حبل سرّة رقيق يربط ما بين السفارات والجاليات الفلسطينية، وهو أقوى من العلاقات التي تربط السفارات الأخرى بجالياتها، وذلك لخصوصية القضية الفلسطينية. العلاقة ما بين السفارات الفلسطينية وجالياتها شهدت تطورًا كبيرًا، بل خطرًا في كثير من الأحيان، وذلك وفقًا لتوجهات السفير - رأس الهرم الدبلوماسي الفلسطيني. هناك سفراء عملوا على بناء جسور متينة ما بين رموز السلطة الفلسطينية والجاليات في الشتات، وكانوا يقدمّون كلّ ما في وسعهم لعقد مؤتمرات وندوات للقادة ورموز السلطة حال حضورهم بزيارة رسمية إلى البلاد ومشاركة الجاليات في هذه الفعاليات، وهناك سفراء بذلوا كلّ ما في وسعهم للتعتيم على هذه الزيارات ووقفوا حجر عثرة أمام أيّ تواصل ممكن لتحقيق مصالح شخصية أو خوفًا من شكوى أبناء الجالية أو لعدم فهم لدورهم المؤقت في البلاد أو بشكلٍ متعمّد ولأسباب ذاتيّة تعدّ الأنانية أبرزها. وهنا لن أشير بأصابع الاتّهام لأيّ سفير اختارته السلطة ليكون عينها ولسانها في الخارج، لأنّي لا أنوي التجريح، لكنّي لن أسكت عن حقّي في تحليل الوضع الفلسطيني المتردّي في العديد من الدول والتجاوز المتعمّد لدور هذه الجاليات التي يمتلك الكثيرمن أبنائها تاريخًا نضاليًا حافلاً.
من جهة أخرى، هناك بعض المواطنين الفلسطينيين الذين قد يكتفون بالحصول على وظيفة متواضعة بعقد خارجيّ في هذه السفارات لسدّ الحاجة المعيشية. كسائق أو مترجم أو سكرتير وهذا متاح لنظام السفارات ولا يتناقض مع القوانين المتعامل بها في البلاد، وهؤلاء الأشخاص أولى من الآخرين، خاصّة إذا تعذّرت الخيارات أمامهم بسبب الأزمات الاقتصادية التي داهمت العديد من الدول الأوروبية. كما إنّ موازنات هذه السفارات تسمح بهذا الصرف اليسير وهي مستفيدة في نهاية المطاف، لأنّ خبرات وتجارب هؤلاء المواطنون ستصبّ في نهاية المطاف في السفارات والسلطة المركزية.
كما إن الجاليات قادرة على مدّ الطريق ما بين السفارات والأحزاب السياسية في الخارج بسهولة، لأنّ الجيل الثاني تمكّن من الاندماج في المجتمعات الأجنبية وقادر على فهم طريقة تفكير الفئات المختلفة من هذه المجتمعات، كما تمكّنوا من الحصول على العديد من الوظائف والمراكز، وبمكن لهذا الجيل التأثير جزئيًا على القرار والتوجهات ووجهات النظر في هذه البلدان. يمكن القول بأن هذا الجيل مهمّش من قبل السفارات الفلسطينية، ونتيجة للخلافات الحادّة بين أبناء الجاليات الفلسطينية في الخارج.
لا شكّ بأن هناك الكثير ممّا يتوجب علينا القيام به لتنشيط وتفعيل دور الجاليات والسفارات الفلسطينية، إذا أردنا أن نكون، رغمًا عن سياسة القهر والاحتلال والاستيطان والتجهيل والقمع والاستبداد وسياسة الأنظمة الشمولية. وذلك بداية في حلّ الخلاف بين أبناء الجاليات الفلسطينية في الخارج وتقصير المسافة بين مقرّ هذه الجاليات والسفارات الفلسطينية.