سكان الفاو صيادون تائهون في بحر ضيق

بغداد - دنيا الوطن
قبل دخولنا مدينة الفاو، وعند بوابتها المهدمة، هناك يافطة سوداء كبيرة، محت الريح والأمطار والرطوبة والملح الكثير من حروفها، لكنها تفصح عن أرقام كبيرة قد لا تتكرر مع مدينة صغيرة كهذه. فالرقم 52948 يشير إلى عدد الجنود العراقيين الذين سقطوا على أرضها منذ أن دخلها الإيرانيون حتى تحريرها منهم عام 1988، والرقم الثاني يقول إن 6190609 قذائف سقطت من إيران والعراق على ترابها، ترى ما الثمن الذي جناه سكانها من الأرقام هذه؟

«صار البحر ضيقا علينا، شباكنا أكبر من بحرنا، والرزق قل، وترك البحارة مهنة الصيد، صار النفط أهم من السمك والطعام ...الخ»، هذه عبارات تتردد على ألسنة الناس والصيادين، في مدينة الفاو (110 كلم جنوب البصرة)، التي يحدها خور عبد الله من الغرب وشط العرب من الشرق، فيما يسيح البحر بلون أزرق تحتها من الجنوب لتلتصق بقضاء أبي الخصيب والزبير من الشمال، شبه الجزيرة هذه كانت مصدرا لكل أنواع الأسماك البحرية في العراق، قبل أن تغزو الأسماك المجمدة السوق، وقد ظلت الفاو تنفرد بعشرات الأنواع من السمك البحري الذي لا يعرفه حتى سكان البصرة أنفسهم فضلا عن إنتاجها الوفير من الحناء، التي كانت تزرع هنا ولا تزرع في أي مكان من العراق.

مشاريع النفط قيدت الحركة
يقول الصيادون ومعهم غالبية سكان المدينة الذين عادوا إليها عقب انتهاء الحرب مع إيران نهاية الثمانينات ان شركة نفط الجنوب ملكت كل شيء فهي عائق أمام المشاريع السكانية على الأرض، لأنها تربط العراق من حديثة حتى جنوب البصرة في الفاو وأم قصر بشبكة أنابيب وآبار مثلما هي عائق كبير في عرض البحر أنابيب تصدير وموانئ وسفن عملاقة ومنصات تحميل ومخلفات بيئية.
يقول عبد الله ناصر، صاحب لنش صيد: «المشاريع النفطية قرب السواحل وفي البحر قيدت حركتنا، وهناك صعوبة كبيرة في نشر الشباك في خور عبد الله، والشركات الأجنبية التي تقوم بمد الأنابيب حرمتنا من الصيد، ومنصات التحميل الجديدة سوف تغلق البحر بوجهنا، والعمل الواسع في ميناءي العميّة والبصرة يؤثر في رزقنا هنا، وكذلك حركة ناقلات النفط الكبيرة التي تضطرنا لرفع شباكنا أمامها، بحرنا ضيق والمشاريع كثيرة، ماذا نعمل؟ لا أسماك في سواحلنا والنفط يغير لون الشباك.
ومنذ فترة ليست بالقليلة وشكاوى الصيادين من ندرة تواجد الأسماك قرب السواحل العراقية، بسبب ازدحام المنطقة بناقلات النفط وحركة البناء المستمرة، ويقول صالح مهدي يوسف بحار في لنش يملكه عبد الله ناصر إن:«النفط يغير لون شباك الصيد من الأبيض إلى الأصفر، والسمك ينفر من رائحة النفط كما هو معلوم».
وصارت الشكاوى من مضايقة خفر السواحل لا تقدم شيئا يقول يوسف: «الحكومة ضعيفة، ويا هو اليجي يسوك علينه»، وحيثما يكون الصيد وفيرا يذهب البحارة، لكن الرزق خارج مياهنا الإقليمية، دائما، لذا فالمشاكل لا تنتهي ،المخاطر والرزق خطان لا يتوازيان.

بيع الزبيدي والربيان في البحر
يقول البحارة الذين ترسو سفنهم، واغلبها قديمة ومن الحديد السكراب في «النكعةط بالفاو، ان الصيادين العراقيين يخشون التوغل خارج مياهنا، وهم يتركون مسافة أكثر من 30 ميلا بحريا، لذا فشكواهم دائمة من شحة الصيد، فيما يقول التجار ان الصيادين يبيعون الأنواع الجيدة والكبيرة من السمك مثل «الزبيدي والربيان والهوامير والنويبي» إلى أقرانهم الكويتيين والايرانيين،لأنهم يشترون بأسعار مرتفعة، وبالدولار، ويأتون بالأنواع الصغيرة للنكعة،هم ينكرون ذلك طبعا.

الفاو مدينة منكوبة
أما أسعار الأسماك المستوردة (المجمدة) التي غزت السوق العراقية فهي معاناة مضافة يعانيها الصيادون، فقد انفتحت السوق على المصادر الخارجية (الكويت، إيران، دول الخليج الأخرى، و الأردن ) فضلا عن مشاريع تربية الأسماك في كربلاء وبغداد والمحافظات الأخرى، (العراقيون يفضلون السمك الحي المشوي على الطريقة البغدادية ) كل ذلك جعل من مهنة ومخاطر صيد الأسماك عرض البحر مهنة في طريقها إلى الزوال كما يقول النوخذة أبو يوسف(70 سنة) وقد ترك الصيد، وهو يجلس اليوم على كرسي قديم قرب صاحب دكان، وسط السوق، لكنه ما انفك يسأل عن أحوال الداخلين والخارجين من البحر، لكأنه يبني متحفا لتأريخه الشخصي.
قائمقام الفاو وليد الشريفي يطالب الحكومة المحلية بتعويض الصيادين جراء ما تعرضوا له من المشاريع النفطية هذه، وهو يقول ان خسائرهم كبيرة، جراء تقلص المساحة المائية لهم، وهو صاحب المقولة الشهيرة «الفاو مدينة منكوبة» جراء صعود لسان الملح، الذي بات يتكرر كل موسم، وهو الذي يقول دائما، الناس يغادرون الفاو لأنها غير صالحة للعيش جراء ملوحة الماء الذي خرب زراعة الحناء والنخل، حيث كانت تعرف المدينة، وكذلك أهلك المواشي، لكن أحدا لم يسمعه.

الأسماء ستختفي
الفاو الجنوبي،رأس البيشة، رأس الشيطان أو «محنتيني» كلها أسماء لمكان واحد هو نهاية شط العرب وبداية رأس الخليج، الاسماء هذه ستختفي نهائيا، أو بدأت تختفي فعلا منذ ساعة الشروع ببناء ميناء البصرة الكبير، إذ أن الجرافات وآليات شق الطرق بدأت تجرّف ما تخلف من النخل منذ قطعه في الحرب مع إيران، وتردم الأنهار التي كانت يوما تسقي مئات الآلاف من الدونمات المزروعة بالنخل والحناء والخضار والفاكهة، هذه المنطقة ستشهد انطلاقة مدينة جديدة، وفاتحة تجارية، صناعية، قد يغير منطق التأريخ.
وفي دفتر مذكراته يكتب لأمه سيرل بورتر، الضابط الانكليزي الذي كان أول من وطئت قدماه أرض الفاو، نازلا من سفينته الحربية عام 1916 يقول: نحن لسنا في جنوب شرق آسيا حيث تحيط بنا الورود والنساء المتعطشات، هنا وحول لا نهاية لها،وشجيرات من عوسج وشوك، لا أرى شيئا أخضر.
لم تعد صناعة سفن الصيد تجارة مربحة لمصانع السفن واللنشات في أبي الخصيب والمنطقة الصناعية بحمدان كما يقول الصياد فاضل إسماعيل (65 عاما) لأن الصيد أساسا مهنة أكلها الزمن في البصرة بسبب عدم تحديثها «نحن نعيش خارج الزمن».

التعليقات