جامعة الأميرة نورة من حلم السعوديات بالدراسة إلى أكبر صرح أكاديمي

الرياض - دنيا الوطن
لا يختلف السعوديون اليوم على أهمية تعليم المرأة، بل إنهم باتوا يبتعثون نساءهم إلى أكثر من 26 بلداً لطلب العلم في أرقى الجامعات. كما افتتحت عشرات الجامعات والكليات والمعاهد الخاصة بهن داخل المملكة. غير أن السياق التاريخي لتعليم المرأة مرّ بمراحل محفوفة بالتحديات والمنغصات في البدايات. ففي الستينات من القرن الماضي، حين قرّرت الدولة افتتاح مدارس لتعليم البنات في السعودية، واجه القرار اعتراض بعض فئات المجتمع، في ظل ظهور آراء متشددة كانت ترى أن إخراج الفتيات من بيوت آبائهن للمدارس يمثل «مصيبة». إلا أن الدولة حسمت الجدل لمصلحة نقل المجتمع إلى العلم والمعرفة، بعد أن أصدر الملك سعود بن عبدالعزيز عام 1959، الأمر بافتتاح أولى مدارس تعليم البنات في مدن المملكة الرئيسة.

ومنذ الجدل الذي أثاره الممانعون لتعليم المرأة قبل 50 عاماً تغيرت أمور عدة ليصبح تعليم المرأة اليوم محوراً جوهرياً في حياة المجتمع وإنجازات الدولة، إذ أعلن أخيراً عن افتتاح جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، أول جامعة مختصة للبنات في المنطقة وأكبر مدينة جامعية في العالم، في سعي نحو «تحقيق التميز والريادة محلياً وإقليمياً وعالمياً في مجال التعليم الجامعيّ والبحث العلميّ وخدمة المجتمع وتنمية البيئة وبناء مجتمع المعرفة في إطار من القيم الإسلامية والثقافية والاجتماعية للمجتمع وبما يساهم في تحقيق التنمية المستدامة».

وعندما يخرج الزائر من مطار العاصمة الرياض، فإن أول ما يلفت انتباهه من جهة اليمين تلك المساحة الواسعة التي خصصت للمدينة الجامعية. فهي تقوم على مساحة 8 ملايين متر مربع، وتبلغ مسطحات مبانيها قرابة 3 ملايين متر مربع، بتكلفة تزيد على 20 بليون ريال، وبقدرة استيعابية تصل إلى 40 ألف طالبة في مختلف الاختصاصات. وتجسد المدينة الجامعية التي افتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يوم الأحد 15 أيار (مايو) الماضي رؤيته لبناء الإنسان من خلال افتتاح صرح تعليمي مخصص للبنات، وتحول المملكة إلى الاقتصاد المعرفي.

اعتذر الملك عبدالله بن عبدالعزيز عن عدم قبول تسمية الجامعة باسمه، مختاراً اسم عمته للجامعة التي كانت حلم الكثير من الفتيات السعوديات وقدوة لهن. وقد اشتهرت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن (ولدت في مدينة الرياض عام 1875)، بشراكتها مع شقيقها الملك المؤسس عبدالعزيز في صفات عدة. فقيل عنها إنها امرأة صاحبة شخصية قوية وكارزمية، وتتمتع برجاحة عقل توازي «عقول أربعين رجلاً»، كما امتلكت الحس السياسي الذي جعل الملك المؤسس يولي اهتماماً كبيراً لأفكارها وآرائها السياسية. بل كان الملك عبدالعزيز يعتز بها فيردد: «أنا أخو نورة». وتوفيت الأميرة نورة في 1950 بعدما عاشت 77 عاماً، كانت مليئة بالمواقف والمشاهد اللافتة على صعد عدة، في ظل ظروف صعبة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

الملك عبدالله كان حريصاً على إنهاء مشروع المدينة الجامعية في فترة وجيزة وبالوقت المحدد، حتى إنه طلب وضع كاميرات للنقل المباشر على مدى 24 ساعة لمتابعة سير العمل في المشروع، إضافة إلى التقارير الشهرية التي ترفع إليه، لإنجاز المـــهمة خلال سنتين ونصف. وتقول مديرة الجامعة الدكتورة هدى العميل لـ«الحياة»: «إن حرص خادم الحرمين الشريفين على سرعة إنجاز هذا المشروع أعطى حافزاً أكبر على أن نكون عند حسن ظنه، ونحث جميع المنتسبات إلى الجامعة من كادر تدريسي وطالبات على استغلال هـــذه البــنية التعليمية لــتزويد الــوطن بالعــقول المتســلحة بالمــعرفة».

وصممت المدينة الجامعية وفقاً لأحدث المواصفات البيئية وتوفير الطاقة، ومن ذلك نظام تسخين المياه من طريق الطاقة الشمسية، كما طبقت فيها أحدث المعايير لجعلها صديقة لذوات الحاجات الخاصة في جميع أرجائها، بما في ذلك قطار نقل الركاب الآلي الذي روعيت في إنشائه وتشغيله الجوانب البيئية، ولقد تم تنفيذ وتجهيز المشروع من قبل شركات ومؤسسات ومصانع سعودية ومورّدين سعوديين تجاوز عددهم ألفي شركة ومورد، وبلغ عدد العاملين يومياً في المواقع في أجزاء من مراحل التنفيذ أكثر من 75 ألف شخص ما بين مهندس وفني وعامل.

وتضم المدينة 15 كلية في مختلف الاختصاصات النظرية والعلمية، منها 5 كليات طبية، ومستشفى تعليمي بسعة 700 سرير، ومركز للأبحاث مجهز بأحدث الوسائل، ومركز لتنمية المهارات السريرية يعتبر الأكبر على مستوى العالم ويشتمل على أحدث التقنيات التي توصل لها العلم في هذا المجال.

وتحوي المدينة الجامعية المنطقة السكنية وتتكون من 1440 فيلا ووحدة سكنية لأعضاء هيئة التدريس، وسكناً للطالبات يستوعب أكثر من 12200 طالبة، روعيت فيه متطلبات ذوي الحاجات الخاصة من الإناث، وكذلك المنطقة الترفيهية والرياضية التي تنقسم إلى قسمين منفصلين، الأول: خاص بهيئة التدريس، وينقسم بدوره إلى جزأين، أحدهما خاص بالرجال، والآخر بالعوائل، ويحتوي على جميع سبل الترفيه الرياضية والاجتماعية، ويستوعب أكثر من 3000 شخص، أما الثاني فخاص بالطالبات، ويحتوي على استاد يتسع لـ7 آلاف متفرجة وجميع سبل الترفيه الرياضية والاجتماعية.

ويؤكد المراقبون أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز يسعى إلى تحقيق أحلام نساء وطنه، وهو يخصص لهن سنوياً مشاريع «تشكل قفزات نوعية في مسيرتهن» ويعلن عن قرارات تبين مدى اهتمامه بمشاركتهن في الإصلاح والتطوير، كان آخرها إعلانه دخول المرأة في عضوية مجلس الشورى، ومشاركتها في انتخابات المجالس البلدية انتخاباً وترشيحاً.

التعليقات