بالصور هندسة الطُرق الرومانية في فلسطين

بالصور هندسة الطُرق الرومانية في فلسطين
السويد - دنيا الوطن-ايهاب سليم
 لا شك أن الكولوسيوم أو ما يُعرف بأسم المدرج الفلافي وسط مدينة روما, يُعد أحد أهم الأنجازات المُدهشة للحضارة الرومانية في تلك الحقبة, لكن لحضارة روما القديمة أنجازات أخرى دامت أطول فترة وتركت بصماتها على مجريات الأحداث التاريخية, ومنها الطُرق الرومانية.
  
لم تنقل الطرق الرومانية البضائع والجنود فحسب, فقد أستُخدمت هذه الطرق كوسيلة لنقل المُفكرون والحرفيون والسائحون والممثلون والمصارعون, وكذلك لنقل الأفكار والتأثيرات الفنية والعقائد الفلسفية والدينية, حسبما يوضح الأختصاصي في دراسة النقوش, رومولو أ.ستاتشولي.

 في الماضي, أعتُبرت الطرق الرومانية روائع هندسية, فقد بنى الرومان على مرّ القرون شبكة طرق حسنة التنظيم بلغَ طولها في نهاية المطاف أكثر من 80,000 كيلومتر في أكثر من 30 بلداً, حيث أمتدت من بريطانيا غرباً حتى ضفتي دجلة والفرات ووصلت شمالاً حتى أسبانيا, وكذلك شمالي أفريقيا.

كانَ الطريق الأبياوي أول طريق عام مُهم بناه الرومان, وقد ربطَ هذا الطريق الذي دُعي "أم الطُرق" روما ببرنديزيوم "برنديزي اليوم", وهي مرفأ أعتُبرَ بوابة الشرق, سمي هذا الطريق بأسم أبيُس كلوديوس سايكُس, الرسمي الروماني الذي أبدأه حولي سنة 312 ق.م.

بالأضافة الى ذلك تفرعَ من روما أيضاً طريقا سالاريا وفلامينيا اللذان أتجها شرقاً نحو البحر الأدرياتيكي, وبذلك سهّلا بلوغ منطقة البلقان فضلاً عن منطقتي الراين والدانوب, أما طريق أريليا فقد أمتدَ شمالاً نحو بلاد الغال وشبه الجزيرة الأيبيرية, في حين ربطَ طريق أوستيا روما بمدينة أوستيا, التي أعتبرها الرومان أفضل مرفأ للأبحار الى أفريقيا ومنها.

ولعبت الطُرق دوراً مهما في حياة الرومان حتى قبل أن يبدأوا هم أنفسهم بشق الطرق, فقد نشأت عاصمتهم حيث التقت الطرق القديمة عند المخاضة الوحيدة على المجرى الأدنى لنهر التيبر, وتُخبر المراجع القديمة أن الرومان بدأوا بتقليد القرطاجيّين, ساعين الى تحسين الطرق القديمة التي بُنيت قبل ظهورهم, ولكن يُرجح أن الرومان تعلّموا شق الطرق في الواقع من الأتروسكيين.

علاوة على ذلك, كانت هذه المنطقة تضُم قبل ظهور الرومان العديد من الدروب المُستعملة بكثرة, وربما أستخدمت هذه الدروب لنقل المواشي من مرعى الى أخر, غير أن السفر على الطرق القديمة كان صعباً, اذ أنها كانت مُغبرة صيفاً ومُوحلة شتاءً, وفوق هذه الطرق بنى الرومان طرقهم.

وقد صُممت الطرق الرومانية بأتقان وبُنيت لتكون عملية جميلة, وتدوم طويلاً, وكان الطريق الروماني عادة يربط بين نقطتين عبر أقصر مسار مُمكن, مما يُفسّر لماذا أمتدت أجزاء كبيرة من الطرق الرومانية في خطوط مُستقيمة, ولكن وجبَ في الكثير من الأحيان أن يتبع الطريق تضاريس المنطقة التي يمر فيها, ففي المناطق التي تكثر فيها الجبال والهضاب, اختارَ المهندسون الرومان حيثما أمكن الجانب المُشمس من الجبل وشقّوا الطريق عند مُنتصف المُنحدرات, وكانَ هذا الأسلوب يُخفف من مشقات السفر التي يسببها الطقس المتردي.

تعددت أساليب الرومان في بناء الطرق, كما أظهرت الحفريات الأثرية, فقد حددوا أولاً مسار الطريق, وهذه كانت مُهمة المسّاحين, وبعد ذلك قامَ الجنود, العمال و "العبيد", بعمل شق الطريق المضني, فكانوا يحفرون خندقين متوازيين تفصلهما مسافة لا تقل عن 2,5 متر تقريباً, وقد وصلت هذه المسافة في الغالب الى 4 أمتار وأتسعت أكثر عند المُنعطفات, وفي بعض الأحيان بلغ عُرض الطريق عند أنتهاء العمل 10 أمتار, بما فيها الممرّان المُخصصان للمشاة على الجانبين.

وبعد ذلك, كانَ التراب بين الخندقين يُزال الى أن يصل الحفارون الى قاعدة صلبة, ثم يملأون الحفرة بين الخندقين بثلاث أو أربع طبقات من مواد مُختلفة, فيضعون أولاً طبقة من الحجارة الكبيرة أو الدبش يضيفون فوقها الحصى أو الحجارة المُسطحة المُثبتة معاً بالأسمنت, واخيراً كانوا يضعون طبقة من الحصى او قطع الحجارة ويرصّونها, ليُجيب المثل الروماني القديم "كُل الطُرق تؤدي الى روما".

وبصرف النظر عن تحسين الصحة العامة والصرف الصحي والطب والتعليم والري ونظام المياه العذبة والحمامات والنظام العام, عملَ الرومان على تحسين البنية التحتية ولاسيما في فلسطين, فقد أتسعت البلاد بالشوارع لأستيعاب المزيد من المُشاة والعربات والحيوانات, وربطت هذه الطُرق الرومانية المُدن الفلسطينية والمناطق المجاورة بمدينة القُدس, ليكون المثل "كُل الطُرق تؤدي الى القدس".

  وما أثار أعجاب القدماء هو الطرق الرومانية المرصوفة بالحجارة, فقد كانَ سطح هذه الطرق عبارة عن حجارة مُسطحة كبيرة أخذت عادة من الصخور المحلية, وجعلَ الرومان هذه الطرق محدوبة قليلاً عند الوسط, مما سهّلَ جريان مياه الأمطار من وسط الطريق, فساهم أسلوب البناء هذا في دوام الطرق وبقاء بعضها الى يومنا هذا.






















التعليقات