المدونات: فضاء لحرية التعبير أم مساحة للتحريض والتشهير

الخليل-دنيا الوطن- هيثم الشريف
رغم وجودالمدونات(Blogs)منذ تسعينيات القرن الماضي، غيرأنها لم تجد الإهتمام في العالم العربي، إلا منذ سنوات قليلة، وتقول إحصائيات غير رسمية أن في العالم العربي أكثرمن(600) ألف مدونة، الفاعلة منها(150) ألف مدونة فقط، لأنها لا زالت لا تشكل ظاهرة إعلامية تحظى باهتمام الرأي العام العربي أو المحلي، مع هذا بدأت المدونات مؤخرا تلعب الدورالمنوط بها، حيث تمردت على قواعد الصحافة التقليدية، فكانت المنفذ والمساحة الوحيدة للمدون الذي لا يجد مساحة لنشرما يكتب، في ظل سيطرة السلطات الرسمية على معظم وسائل الإعلام، كما حدث في ربيع الثورات العربية " تونس ومصر ليبيا".
و مع أن التدوين في فلسطين بدأ بالإنتشارمنذ العام 2004، إلا أن ثقافة التدوين، لا زالت بعيدة عن أن تأخذ دورها كوسيلة ذات تأثير في الرأي العام المحلي، أو أن تُشكّل أداة ضاغطة على أصحاب القرار، فيما يخدم المصالح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع، لأنها عموما ووفق الكثيرين، لا زالت تعاني من ضعف التأثير، والمضمون.
إلا أن المدونة ياسمين الخضري(21)سنة، ورغم حداثتها في مجال التدوين، إشتهرت وراج سيطها، ليس بتميز كتاباتها في نظرالمحيطين بها، والمقربين منها فقط، وإنما بالنسبة لعدد من أشهرالشبكات الإعلامية العالمية، كقناة CNN الإخبارية الأمريكية، التي نشرت في موقعها على الإنترنت، إلى جانب عدد من المواقع الأجنبية الأخرى،عدداً من مقالاتها المنشورة في مدونتها، والتي كان آخرها في آذار الماضي، إذ تم نشر مقالٌ تحدثت فيه ياسمين حول شعورنا كعرب وفلسطينيين بعد ربيع الثورات العربية، وكيف أننا بدأنا نشعربالفخر لكوننا عرب، بعد فترة زمنية طويلة من الشعور بالإحباط واليأس،بحسبها.
كما قامت وكالات أنباء عالمية أخرى، بترجمة الكثير من مقالات ياسمين،المنشورة في مدونتها، منها"مقالًٌ كتبته حول نبتة الصبّار، التي تتفتح مرة واحدة بالسنة ليلاً، والتي شبهتها بحصارغزة. وآخر تحدثت فيه عن زيارتها الوحيدة لمدينة القدس.
وعن تجربتها في التدوين قالت الكاتبة ياسمين لمـدى الإعلام" أنشأت مدونتي قبل عام، وزارها للآن أكثر من 8 آلاف زائر، جُلهم من أمريكا وأستراليا، لأنني أُدون مقالاتي باللغة الإنجليزية، لرغبتي في إيصال صوتنا لمن لا يتحدثون لغتنا، وللعالم الغربي".
وفي الحين الذي قامت فيه شبكات إعلامية عالمية بنقل أو ترجمة مقالات لبعض المدونين أو المدونات، تحدثوا فيها عن آراءهم بحرية، ففي حالات أخرى، تم مصادرة هذا الحق في التعبيرعن الآراء، إذ تعرض الكثيرين من المدونين لإغلاق مدوناتهم، من قبل جهات متنفذه، ومنهم المدون الشاعروالصحفي عبدالحميدعبدالعاطي (26)سنة، حيث قامت شركة جوجل بإغلاق مدونته عام2010، لنشره قصيدة تحدث فيها عن أسطول الحرية، والتي ترجمها متضامين مع القضية الفلسطينية للغة الإنجليزية والفرنسية، والتي كانت قد نشرت في كتاب أصدره إتحاد الكتّاب العرب حول أسطول الحرية ، وآخر أصدرته رابطة الكتاب الفلسطينيين، قبل شطب القصيدة من مدونته.
الشاعرعبدالحميد عبدالعاطي، الذي بدأ التدوين عام 2006، وجاوز عدد زوار مدونته 100 ألف زائر، قبل أن يتم شطبها، تحدث لمـدى الإعلام قائلا"وصلتني رسالة تحذير من جوجل طلبت مني فيها إلغاء قصيدتي من على مدونتي، فأرسلت لهم بأن هذه حرية شخصية، فاعتبروني مُعاد للسامية! وحذفت مدونتي على الفور، زار بعدها قطاع غزة مسؤول مصري من الشركة، وطلب مقابلتي، وتم بعدها إرجاع مدونتي بعد حذفهم للقصيدة! وخاصية الترجمة، علما أن حالة إرجاع مدونتي بعد شطبها تعتبر حالة فريدة، حيث أن الكثير من زملاء لي، ومن بينهم الصحفي باسل خلف من قطاع غزة، وآخرين من الضفة الغربية، لم تُعاد إليهم مدوناتهم بعد شطبها من جوجل مطلقا".
أما المدون محمدأبوعلان، صاحب مدونة "بحرك يافا" وهي من أبرز المدونات العربية النشطة في مجال المتابعة لإنتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي، والتي فازت بالمرتبة الأولى في بيروت ضمن إطار مشروع" حشد الصحفيين والمدونين العرب لمناصرة حقوق الإنسان" (والذي شارك فيه30 مدون وصحفي، من 17 دولة عربية)، فقد تعرضت للقرصنة والتخريب من قبل"الهكرز"، ما دفعه لإعادة إطلاقها في2009، من خلال "شبكة أمين الإعلامية" مجددا، ويبلغ زوارها للآن ما يزيد عن 800ألف زائر، رغم القرصنة، والمنع الذي طال المدونة في تونس نهاية العام الماضي، لمساهمتها في العديد من حملات التضامن التي طالت تونسيين.
ويرى المدون محمد أبوعلان، الذي درس العلوم السياسية والصحافة، أن بعض المدونات العربية كان لها تأثير كبير في الشارع العربي، حيث قال" بعض المدونات العربية كشفت أمورا مخفية، فمثلا في المغرب، كشف مدون الستارعن أكبرعملية رشاوى تتم بين رجال الشرطة والسائقين، بدل مخالفة السير! حيث قام بتصويرالعديد من الحالات ونشرها، ما أثار ضجة كبيرة، وردود فعل عنيفة. لكن فلسطينيا، لم تأخذ المدونات حتى الآن دورها بين وسائل الإعلام، لأنها لم تدخل بعد ضمن ثقافة المجتمع، رغم وجود هامش مقبول من الحرية، مقارنة ببعض الدول العربية، لكنها لا تزال تأخذ الصبغة السياسية، فإن كنت من فصيل معين فقل ما شئت، أما إن كنت من فصيل آخر، فممنوع أن تقول ما تريد، وعليه، لا يوجد هناك حرية مطلقة، حتى لا يفهم البعض أن عندنا حرية تعبير مثل السويد!! ".
فقد تلقت الكاتبة الصحفية أسماء الغول من غزة، ونتيجة لآراءها المنشورة عبر مدونتها، تهديداً صريحا مباشراً بالقتل لها ولإبنها، من خلال رسالة وصلت مدوّنتها تحت عنوان مصيرك"أسماء مصيرك قرّب…" مع ذلك تستمرأسماء بالعطاء، وبنشر آراءها وأفكارها، متسلحة بحبها لوطنها، وحب من حولها والناس لها.
إستمرارالمدونين والصحفيين منهم في التدوين، رغم التخريب والمنع والتضييق والتهديد، يعني أمرا واحداً بحسب مراسل الجزيرة نت، مديرالمركز العربي للإعلام عوض الرجوب، والذي قال "ضيق المساحة والحرية في وسائل الإعلام الأخرى، ومنع نشربعض الموضوعات، تدفع الصحفي للتوجه للكتابة من خلال المدونات، لتوفر مساحة أكبر للرأي منها في وسائل الإعلام الأخرى، مع ذلك، وإن كان سقف الحريات في التدوين أعلى منه في وسائل الإعلام الأخرى، إلا أنه يبقى محدود، فلا أعتقد أن الصحفي يستطيع طرح قضايا مُعمقة حتى في المدونات الشخصية، مثل (قضايا الفساد، حقوق الإنسان، التعذيب) ".
وقد خالفه بذلك المديرالتنفيذي لشبكة أمين الإعلامية الصحفي خالد أبوعكر، والذي يُعد موقعه الوحيد فلسطينيا الذي يستضيف مدونات، إذ رد قائلا" بالعكس، هناك الكثير مما نُشر في المدونات كإنتقاد المسؤول أوالوزير، أومقالاً إنتقد فيه البعض الرئيس، وأخرى إنتقدت الأداء السياسي، أوالإنتهاكات، أما بخصوص قيام جهات رسمية بمنع ما يتم نشره في المدونات، فلم نسمع إلا عن بعض الإنتهاكات، المتمثلة بالإتصال بالمدون في حالات محددة في غزة، وحالتين في الضفة الغربية".
" شبكة أمين الإعلامية"، وجرّاء جهدها المضني على يد خُبراء أكفّاء يعملون بروح الفريق لدى طاقم الشبكة، ومن خلال زيارات ميدانية وتدريبات عملية، بالشراكة مع مختلف مؤسسات المجتمع المدني، والقطاعين العام والخاص، إضافة إلى الجامعات والمعاهد والكليات، في معظم محافظات الوطن برئتيه، تمكنت ومنذ إنطلاق مشروعها الخاص بالتدوين عام2006، من إستضافة ما يقارب 1600 مدونة، زارها قرابة خمسة ملايين شخص، لكن خالد أبوعكر أقرّ بأن نسبة المدونات الفاعلة لا تتجاوز الـ25%من بين المدونات المسجلة، لأسباب منطقية لا حصرلها".
من جانبه إعتبر نقيب الصحفيين الفلسطينيين، الدكتورعبدالناصر النجار، أنه يجب التأكد مما يرد في المدونات من مصادرها الحقيقية، وبالتالي فهو يرى أنه لا يمكن إعتبارها مصدراً للمعلومات، كما إعتبر قيام الكثيرين من المدونين بإتهام وزراء بعينهم بأنهم فاسدين، أو قولهم أن الحكومة فاسدة، أمرخطير في الصحافة ولا يجوز، لأنه إطلاق مسبّق للأحكام، وأضاف" والأخطرمن ذلك قيام البعض بإستخدام أسماء مستعارة في التدوين، حيث لا تعرف من الذي ُيدون! ولا اتجاهاته! وهل هو صادق أم كاذب! وهنا تكمن الخطورة، فحتى أنا الكثيرمن المدونات تناولتني شخصيا بالسب والشتم والتجريح، وحين حاولت البحث في الموضوع، وجدت أن "السيرفر"الخاص بالمدون بأندونيسيا!! وبالتالي لاسلطة أو رقابة أو دور لنا على التدوين، ولا نستطيع عمل شيء، وهذه مشكلة موجوده حتى في الدول الغربية".
الخبير والمدرب في مجال التدوين م. خالد الشرقاوي، قدّرعدد المدونات على الشبكات الفلسطينية، بما يزيد عن 3400 مدونة، منهم(45% لنساء) بينما الفاعلين منهم لا يتجاوز1500 مدونة، بينهم(25 %) من المدونات يكتب أصحابها بالإنجليزية، وأن تصنيف فلسطين من حيث عددالمدونات، يأتي في المرتبة الثامنة عربياً، بسبب أن شركات الإتصالات لدينا لم تصل بعد إلى الجيل الثالث أوالرابع، لدعم البث العريض للإنترنت من خلال أجهزة الموبايل، إضافة إلى أن تكلفة إستخدام الإنترنت من خلال الأجهزة الذكية منها في دول الخليج على سبيل المثال بسيطة جداً، وأضاف"وعليه، لا تزال المغرب في المرتبة الأولى، وعُمان والصومال، بالمرتبة الأخيرة(بغض النظرعن المسببات)".
وحول تكلفة إستخدام الإنترنت، التي قد تكون سببا في تأخرالتدوين في فلسطين عموما، فقد لخص مستشارالرئيس لشؤون الإتصالات والمعلوماتية، الدكتور صبري صيدم، حديثه بالقول" رغم إنزعاج البعض مما سأقول، لكنني من المؤمنين بأن خدمة الإنترنت يجب أن تكون مجانية في فلسطين، ومتاحة بسرعات عالية، حتى لا يكون لدى أحد المانع من الدخول إلى العالم الرقمي بكافة نشاطاته".
[email protected]

التعليقات