تهريب العمال الفلسطينيين لإسرائيل.. رحلة موت يومية

تهريب العمال الفلسطينيين لإسرائيل.. رحلة موت يومية
الضفة الغربية –دنيا الوطن- هيثم الشريف
 اعد هذا التقرير لصالح مشروع مضمون جديد للصحفيين

فجأة انهمر الرصاص على العمال الذين كانوا قد تسللوا مع ساعات الفجر الأولى عبر إحدى الفتحات في السياج الفاصل جنوب الخليل، وجلسوا بانتظار وصول السيارة التي ستقوم بنقلهم الى داخل اسرائيل.
كان كمينا نصبه حيش الاحتلال لهؤلاء العمال بعدما توقع محاولتهم التسلل من هذه المنطقة.
ووقع المحذور!! فقد اخترقت احدى الرصاصات قدم (ب ن-34 عاما) من قرية راس كركر قرب رام الله في شمال الضفة الغربية، والذي شعر حينها بأن حياته قد شارفت على النهاية.
يقول الرجل الذي كتبت له النجاة، وعاد ليروي أحداث ذلك الفجر من تموز الماضي "حين أصابتني الرصاصة، تشهّدت وودعت ظنا مني انني لن أعود إلى أولادي، لان ما اعرفه عن الجيش الاسرائيلي انه في العادة يبقي المصاب على الارض لينزف حتى الموت!".
ويضيف "لقد حدث ذلك اكثر من مرة على حواجز مختلفة، كان من بين آخرها على حاجز عين عريك (غرب رام الله) حين منع الاحتلال إنقاذ عامل أطلق النار عليه، فظل ينزف الى ان مات".
وهناك عشرات الحوادث التي دفع فلسطينيون خلالها حياتهم ثمنا لمحاولتهم التسلل الى اسرائيل بهدف العمل.
ورغم معرفتهم بالأخطار المحدقة، إلا ان آلاف العمال لا يزالون يقومون برحلة الموت الى اسرائيل في كل يوم، وذلك بسبب صعوبة العثور على عمل في الاراضي الفلسطينية حيث تستفحل البطالة.
إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل في الاراضي الفلسطينية 217 الفا يشكلون ما نسبته 21,7 بالمئة من القوة العاملة بحسب ما يظهره مسح أجراه الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني للربع الاول من العام الحالي 2011.
كما اظهر المسح ان هناك 16 الف فلسطيني يعملون في اسرائيل والمستوطنات دون تصاريح عمل، من اصل 78 الفا يعملون هناك بينهم 30 الفا يحملون جواز سفر اجنبي او وثيقة اسرائيلية، و31 الفا لديهم تصاريح.

طريق "اللفّة"

التسلل إلى إسرائيل بحثا عن العمل هو عملية معقدة، وتتم بالتنسيق بين سائقين على كلا الجانبين، وتمر بمسار وعر وخطر يطلق عليه "اللفة"، كناية عن سلوك السائقين طرقا تلتف على الحواجز ونقاط التفتيش.
وفي العادة يقوم السائقون الفلسطينيون بايصال العمال الى مناطق قريبة من فتحات في السياج عند أطراف بلدة الظاهرية جنوب غرب الخليل، وفور عبورهم يجد هؤلاء سائقين من بدو 48 في انتظارهم لنقلهم الى داخل اسرائيل.
غالبا تجري الأمور على ما يرام، ولكن ما حصل في ذلك اليوم الذي أصيب فيه العامل "ب ن" هو ان السائق الذي كان يفترض به ان ينقله مع العمال الاخرين الى داخل اسرائيل بعدما عبروا السياج، قد فر ومن معه لحظة سماعهم وابل من الرصاصات التي أطلقها الجنود.
ويقول الرجل الذي كان مقصده مدينة اللد شمال اراضي 48 ان السائق "هرب وتركنا للجنود فاصطادونا كما تصطاد الارانب".
وبحسب ما يخبرنا به فان السائقين يتقاضون ما بين 100 و400 شيكل من كل عامل تبعا لبعد المنطقة التي سيتم نقله اليها، ويتم تقاسمها بين السائقين على الجانبين.
"ب ن" الذي يعيل خمسة ابناء الى جانب زوجته ووالدته، تمكن من تفادي الموت والاعتقال بفضل سائق السيارة ذاته والذي عاد لنجدته، حيث اسعفه الى احد مستشفيات الخليل.

القط والفأر

السائق الذي أوصل "ب ن" من الضفة، والذي أصيبت سيارته بأربع رصاصات أثناء الهرب، يروي لنا فصولا من لعبة "القط والفأر" بين جيش الإحتلال الإسرائيلي والسائقين الذين يشاركون في عمليات تهريب العمال.
يقول الرجل الذي فضل عدم كشف هويته خشية ملاحقة اسرائيل له "بعد إنتصاف الليل، تبدأ التحضيرات، مع بدو بئر السبع والنقب، الذين نتواصل معهم لتحديد عدد السيارات المطلوبة ووجهة كل منها، بحسب ما لدينا من العمال والاماكن التي سيقصدونها: تل أبيب، أسدود، السبع، أشكلون..إلخ)".
ويتابع "وفي الثالثة صباحا ننطلق قبل خروج قوات الإحتلال الإسرائيلي لمناطق التماس، ليبدأ مشوار معاناتنا وقلقنا عمالا وسائقين، خوفا من التعرض للضرب أو الإعتقال أو حتى القتل".
ويمضي قائلا "ومن خلال أجهزة الهاتف والمخاشير (اللاسلكي) مع البدو، نرصد تحركات الجيش في المنطقة، فإن ذهبوا يسارا نذهب يمينا، وإن ذهبوا يمينا نذهب يسارا، وما أن يغلقوا فتحة وينتقلوا لأخرى، حتى نتوجه إليها ونفتحها، وهكذا..، كلعبة القط والفأر!!".
ويضيف "وفي الوقت المناسب، نتمكن غالبا وفي أقل من دقيقتين، من إيصال العمال من خلال نقطة معينة، تحوي فتحات في الشباك والسياج الفاصل (لا تزيد عن 4-5 فتحات، في المنطقة التي لا تزيد عن 2كم)، ويكون البدوي والسيارات، بالتنسيق معنا قد وصلوا في نفس اللحظة، وما أن يقفز العمال إليها، حتى تغادر السيارات المكان سريعا قبل حضور جيش الإحتلال".
حينها تبدأ "رحلة عذاب أشد قسوة ومرارة بالنسبة للعمال الذين غالبا يتم مطاردتهم وهم يهربون في الطرف المقابل أيضا" كما يقول السائق الذي يعيل اسرة من ستة افراد ويشكو الوضع المعيشي الصعب الذي اجبره على المخاطرة بحياته من اجل لقمة العيش.

استغلال واحتيال

داخل إسرائيل هناك نوع اخر من المعاناة يجدها العامل الفلسطيني. وهي معاناة مزدوجة تتمثل بملاحقات الشرطة واستغلال اصحاب العمل اليهود.
يقول "ب ن" الذي يعمل في مهنة التبليط "نظرا لأن عرب 48، غالبا العين عليهم، ويتم مداهمة ورشاتهم بحثا عن عمال غير قانونيين، فأنا وآخرين نعمل غالبا لدى يهود، سواء في اللد أو الرملة أوغيرهما، وأنا أبقى في كل مرة من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع في عملي قبل أن أعود لبيتي".
ويضيف "المشكلة بالنسبة لنا متشعبة، فمن جهة، يعلم أرباب العمل أنه ليست لدينا تصاريح، فيقومون باستغلالنا من خلال أجرة أقل، ناهيك عن تنكرهم لنا في حالة تعرضنا لإصابات أثناء العمل".
ويتابع "وقد لا يقتصر الأمر على الإستغلال، بل قد يصل أحيانا إلى الاحتيال! ففي إحدى المرات عملت لدى أحدهم قرابة أسبوعين وعندما طالبته بأجرتي التي تعدت الـ4 آلاف شيكل، رفض وهددني بالشرطة!".
ويعمل هذا الرجل في اسرائيل منذ 15 عاما، وقد امضى الاعوام الخمسة الاخيرة منها بدون تصريح بسبب رفض الاحتلال منحه له تحت ذريعة "الدواعي الامنية". وهي نفس الذريعة التي تستخدمها اسرائيل مع آلاف الفلسطينيين الساعين الى العمل في اطار سياستها للتضييق عليهم.
وكما يخبرنا، فقد تم القبض عليه عدة مرات من قبل الشرطة الإسرائيلية، وكان في كل مرة يتم احتجازه 24 ساعة، ولم يكن يتم الإفراج عنه إلا بعد توقيعه تعهدا وشيك ضمانة بقيمة ألف شيكل.

إبتزاز

وقد شكل واقع عدم وجود التصريح بيئة خصبة لعمليات النصب والاحتيال من قبل البعض في اسرائيل ممن يدعون القدرة على استصدار التصريح لقاء مبالغ مالية يتقاضونها من العمال.
ويقر "ب ن" انه وقع في هذه المصيدة ويقول "تحت ضغط الحاجة للعمل، دفعت مبلغ 4 آلاف شيكل مقابل أن يُستخرج لي تصريح عمل، لكنني لم احصل على التصريح، كما لم أسترجع نقودي!".
ولا يقف أمر استغلال حاجة العمال الى التصاريح على عمليات الاحتيال، بل يتخطاها احيانا الى قيام سلطات الاحتلال بابتزازهم بها من اجل تجنيدهم كجواسيس.
ويكشف "ب ن" عن انه خضع لمحاولة ابتزاز من هذا النوع ويقول "قبل إصابتي بيوم كانت المخابرات الإسرائيلية قد إستدعتني مرة أخرى وطلبت مني رسميا أن أعمل معها مقابل حصولي على تصريح عمل!".
ويتابع "ولكنني طبعا رفضت ذلك، وقلت لهم أنني مستعد لأن أعمل زبالا على أن أضحي بكرامتي وشرفي وأرضي، فأنا لدي أطفال أريد لهم عيشة كريمة شريفة حرّة".
ويتساءل الرجل بأسى وحُرقة "ألست إنسانا من حقي أن أعيش؟ أم أن المطلوب مني الرضوخ لإبتزاز الإحتلال الذي يساومني على كرامتي وشرفي؟!".

خيمة ومغارة

"ز. و"-62 عاما" من عرب الرماضين الملاصقة للخط الاخضر، عامل آخر دفعته ظروفه الصعبة للعمل في إسرائيل دون تصريح رغم تقدمه في السن، حيث لديه 8 بنات و6 أولاد، وزوجتين! وكلهم يعيشون معه في خيمة ومغارة يتناوبون الإقامة فيهما صيفا وشتاء.
وهو كما يقول لنا يعمل في إسرائيل منذ أكثر من 40 سنة أمضى 12 منها يعمل بدون تصريح بسبب انه مرفوض امنيا.
ويصف لنا ظروفه الصعبة قائلا "أنا أسكن وعائلتي حاليا في مغارة! ومع ذلك فنحن نفضلها صيفا لأنها تكون أبرد من الخيمة التي نسكنها شتاء! ورغم أن لدي أولادا شبابا، لكنهم جميعا عاطلون عن العمل، ولا يملكون تصاريح للعمل في إسرائيل، ولولا أن وكالة الغوث تعطينا خمس أكياس طحين كل ثلاثة أشهر، لكان وضعنا أكثر تدهورا".
ويضيف "ظروف العمل في ظل التهريب صعبة للغاية، حيث أننا نضطر دائما للنوم إما في منطقة خلاء أو على الأسطح أو في حُرش أو بالقرب من سيل أو جدول خوفا من القبض علينا".
ويتابع قائلا "ورغم تقبلنا لكل هذه الظروف والمحن، إلا أنني شخصيا قبل عشرة أيام خرجت الى إسرائيل لكني عدت خالي الوفاض، ودون أن أحصل على أي أجر! لأنني لم أتمكن من مواصلة العمل!".
العامل الكهل لم يعد قادرا على العمل بسبب وضعه الصحي الذي ساء جراء مشاكل في القلب "بسبب الشد العصبي والضغط الذي يتعرض له صبح مساء كما أخبره الأطباء"
فقد خضع أخيرا لعملية جراحية. ويصف لنا حاله الآن قائلا "ليس لدي حتى ثمن الدواء لأشتريه نظرا لسعره المرتفع! ناهيك عن عدم توفره لدى وزارة الصحة! ولكن، حتى لو كان لدي المال لفضلت شراء الطعام لأطفالي وأولادي!!".

حلول صعبة

يعقب مديرعام الإدارة العامة للتشغيل في وزارة العمل آصف سعيد على ظروف العمل الخاصة بهذه الفئة بقوله" إن الفقر والحاجة والبطالة والوضع الإقتصادي السيء، أسباب أجبرت هذه الفئة على المخاطرة من أجل لقمة العيش".
وأضاف أن العامل من هؤلاء "يذهب بإرادته، ويعمل في إسرائيل رغم علمه بأنه فاقد لكل وكافة أشكال حقوقه الإجتماعية والصحية، فلا نهاية خدمة ولا تأمين صحي، فلو تعرض أحدهم لحادث ما فصاحب العمل لا يُغطيه، بعكس من يعملون بطريقة منظمة وقانونية".
واقر سعيد بأن الحلول صعبة لقضية هذه الشريحة من العمال في ظل القدرة المحدود للسوق على امتصاص البطالة المتزايدة.
وقال "سنويا يدخل في سوق العمل الفلسطيني 45 ألف طالب عمل جديد، في حين ان قدرة السوق تتيح إستيعاب 5 آلاف منهم فقط، وبالتالي فسنويا هناك 40 ألف عامل يضافون إلى البطالة. وعليه فللأسف فإن أعداد من يعملون في إسرائيل وبشكل خاص ممن لا يحملون التصاريح هو في إزدياد".
وأضاف ان "الأمر بمجمله مرهون بإستقرار الوضع الإقتصادي، والذي كلما زاد زادت معه الفرص، بحيث أن إقتصاد قوي يعني سوق أكبر".
ومن جانبه وصف وكيل وزارة العمل حسن الخطيب المشكلة بانها "مقلقة ومزعجة". وحاول التماس العذر قائلا ان "مشكلة البطالة مرض مستشر في كافة الدول..فما بالك في دولة لا زالت تعاني من الإحتلال؟".
وعبر الخطيب عن اعتقاده ان الحد من البطالة لن يحل مشكلة من يعملون في اسرائيل بدون تصاريح، حيث ان مستوى الاجر يظل جاذبا لهم.
وقال "معظم العمال يعلمون أن ما قد يحصلون عليه من أجر لدينا، سيبقى أقل بكثير من الأجر الذي يحصلون عليه من الجانب الإسرائيلي، وبالتالي فإن الغالبية بلا شك ستقرر البقاء في عملها لأنه أفضل ماديا".
فبحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، وفق مسح عام 2010 فأن الأجر الوسيط اليومي بالشيكل للعاملين في الأراضي الفلسطينية يبلغ 76.9 شيكل يوميا، مقابل 150شيقل للعاملين في إسرائيل والمستوطنات.
مع ذلك، فقد حرص وكيل وزارة العمل على طرح العديد من الخيارات التي تدرسها الوزارة قائلا ان من ضمنها بدائل محلية عبر خلق المزيد من فرص العمل، بالاضافة الى السعي لفتح الاسواق العربية للعمالة الفلسطينية.
[email protected]

التعليقات