أمي اردنية وجنسيتها حق انساني لأبنائها ونقطة على السطر

أمي اردنية وجنسيتها حق انساني لأبنائها ونقطة على السطر

علا الشيخ
الرأي برس

هي الدموع وحدها التي اخذتها معها في حقيبة دموع المودعين…عندما قررت ترك البيت ترك الشارع ترك الأصحاب وترك ما كانت تعتقده وطنها.. فلا يوجد تفسير من الممكن فهمه او اكتشافه عندما يقرر المرء ترك الكل والاقامة في مكان آخر متعذر التنبؤ به ..
حاول الطير الذي كان ينقر على نافذتها كل صباح ان يرفرف بجناحية معبرا عن غضبه لقرارها…لكنه لا يعلم ان وجوده في هذا الوطن أهم من وجودها فيه…
تعترف انها يأست لكن مجريات الحياة هي التي تقودنا الى التفكير…منذ اصبح عمرها 17 عاما عرفت انها لست أردنية بمعنى أنها لا تعامل معاملة الاردنيين وكان هذا الاكتشاف سيناريو لبداية الرحلة في العقل الصغير وقتها الى المستقبل الذي تريد ان تكون فيه…
فهي التي عادت من الكويت وكان جلالة المغفور له الملك حسين يستقبل الأردنيين المتضررين من الحرب العراقية على الكويت انذاك في مطار الملكة علياء، تذكر امرأة اضاعت جوازها وكانت تبكي فوجدت ضابطا يطبطب عليها ويقول انت في وطنك فلا تجزعي … كان عمرها 10 سنوات لكنها تذكر تلك التفاصيل كي تبني علاقة مع الوطن الجديد الذي ستعيش فيه …أمها ذهبت الى بوابة الأردنيين وتركتهم خلفها بين الحقائب ختمت جواز سفرها وأخذت سبعة أفراد من بطنها الى بوابة الغير أردنيين،مكتوب عليها بوابة العرب.. بعد ان اعتقدت تلك الطفلة ان وطنها الأردن لكنها لم تعرف انه وطن مؤقت مثل جنسيتها المؤقته الا بعد حين..
بوابة الأشقاء العرب…لم تنساها يوما…ولم تسأل عنها أمها ايضا…شعرت انه تعبير جميل …لكن بعد مرور الزمن شعرت كم هو مهين…
مهين لشريحة كاملة تعيش على هذه الارض تعطيها من قوت يومها ومن تعبها ومن حبها ومن تضحيتها …مهين لطفلة تدخل الكشافة تحيي العلم الاردني وترفعه عااااااااااااااليا …مهين لقرارت تنمو في العقل كي يعرف ابناء الأردنيات أن المستقبل ليس لهم وعليهم أن يبحثوا خارجا عن فرص للحياة
فرص للحياة…كالتعليم كالتطبيب كالعمل …مهين انك مضطر لحمل جواز السفر المؤقت معك طوال الوقت كي تثبت انك موجود…فوقتها لم تكن تمنح الهوية الأردنية لغير الاردنيين.
مهين لنور ابو سرحان مثلا التي ولدت وترعرعت في ربوع هذا الوطن لتحمل شهادة الصيدلة ، لم تكن تعرف عدم حصولها على مزاولة المهنة سيقف عائقا امام طريقها، بحجة انها اجنبية ولا يحق لها الحصول على مزاولة المهنة وممارسة العمل.
مهين للكاتبة التي يقرأها الناس والتي لم توقع عقدا بحياتها الا بعد ان حصلت على الجواز الاردني اثر زواجها وبعد ثلاث سنوات من عقد القران و قد تعدت الثلاثين
مهين للناس الذين نجحوا في الثانوية العامة ودخلوا تنسيق العرب والأجانب حتى لو كانت معدلاتهم فوق التسعين..
مهين للأم نفسها التي تعجز في منح جنسيتها لأبنائها لأنها ببساطة امرأة…
ايّ معنى، يُمكن فهمه أو ابتكاره أو اكتشافه، لترك البيت والسفر للإقامة في مكان آخر: مكان بعيد، غريب، متعذّر التنبؤ به؟
لتعود قصة البوابات الثلاث تفرض نفسها…وتعود الأم لتختم جوازها في مكان وتختمم جواز سفر ابنائها في مكان آخر…فالقطارات التي تمرّ بنا وتعبر مسرعة، مبتعدة، والتي لا نلحق بها ولا نصعد إليها ولا نغادر معها، هي نفسها القطارات التي نذهب معها بأحلامنا، حتى تنطلق عابرةً طبيعة لا سلطة لحواسّك عليها، مخترقةً أماكن لا تراها إلا لمحاً، ومارقةً الفيزياء غير ملتفتة لأحلام الناس المنتظرة، المتأخرة، والخاسرة.
أمي اردنية وجنسيتها حق انساني لأبنائها ونقطة على السطر .

التعليقات