مسخرة وطن ع وتر

مسخرة وطن ع وتر
بقلم : عبدالرحمن ظاهر

كثير من الاصدقاء يسألني عادة بشكل متكرر .. ما هي الطريقة التي تنتجون فيها عملا فنيا معينا ؟ .. الاجابة المتعارف عليها ان العملية تبدأ بكاتب متمكن يصنع من قلمه و فكره و ثقافته عملا فنيا متكاملا و يسلمه لمخرج متمكن ايضا و يتعاون مع جهة منتجة و راعية لاخراجه الى النور و بثه على الفضائيات بشكله النهائي لينتظر تقييم المشاهد و نقده …

لكن هذه العملية تغيرت ظروفها و معادلتها فيما يسمى (مسلسل وطن ع وتر) … فالكاتب فيها لا يملك اي موهبة تختص بفن الكتابة و التاليف.. و لا يستطيع ترتيب افكاره بشكل مترابط .. بل يكتب رؤوس اقلام لبعض التفاهات التي تدور في رأسه .. و يعاني من مشكلة اعتقاده و قناعته الدائمة ان تلك التفاهات ترقى الى مستوى ينافس الأداء الفني العربي على الساحة … و يقوم بتسليم هذه التفاهات لمخرج يعاني القدر نفسه من الضعف و عدم التمكن .. فيصبح العمل جاهزا لإلقائه في سلة المهملات لانه يفتقر الى كل شيء

لكنه في حالة ( وطن ع وتر ) يختلف الامر كثيرا .. و ذلك لوجود مقومات اخرى اقوى بكثير من المقومات الاساسية لاي عمل فني عادي … مقومات اعتمد عليها الكاتب و الطاقم التمثيلي و المخرج و المنتج .. و تتلخص هذه المقومات في قدرة الكاتب على ( التزبيط ) .. اي انه يستغل علاقته باحد المسؤولين المباشرين عن تسهيل عمليات الانتاج الفني .. و يساعده بالانتقام من اعدائه .. فيكتب نصا فنيا يتظاهر فيه بالجرأة و التعبير عن الرأي بحرية و فضح زيد و عبيد .. فيتحرر و يتشلح من كل قيمه و يبقى عاريا من ثقافته بشكل مقرف و مقزز ليحصل على الرضى و الغفران من ذلك المسؤول .. و يقوم المسؤول بدوره باعطاء امر لانتاج (وطن ع وتر ) و دعمه .. و بالطبع فان هبوط مستوى العمل و تفاهته مبررة لان المسؤول الداعم ايضا لا يملك اي فكرة عن الفن والادب (كما الكاتب و المخرج) و لا يتنازل لعرض العمل على لجنة فنية اصلا

اما الطاقم التمثيلي فلا نريد الخوض في قدرته على الاداء و التمثيل.. بل نشيد بقدرته العالية على ادخال التفاهة لاول مرة على شاشة فلسطين التي تحمل ذلك الاسم النقي .. و نشيد بقدرته العالية على الدردشة امام الكاميرا و الخروج عن النص لانه لا يوجد نص رسمي مكتوب بل رؤوس اقلام … و نوجه لهم التحية و التقدير لانهم تجرأوا و تجاوزوا كل الخطوط الاخلاقية و الوطنية و الادبية و العرفية .. و زادوا على ذلك بتكسير قواعد الاداء الفني التلفزيوني .. اي بالعامية (وقف قدام الكاميرا و خرفلك شوي وضحك الناس).. و يا ليتهم اضحكونا.

كل ما سبق ذكره يعتبر نوعا ما منطقيا في ظل ايقونة ملوثة بجراثيم الفساد و البلطجية الفكرية والثقافية … اما الشيء الذي احاول تفسيره جاهدا و لا اجد له جوابا .. ان كل هذا الانحطاط و هذه المسخرة كانت برعاية شركة جوال الفلسطينية .. وهذا ما صدمني حقا .. فما كنت اعرفه او اظنه ان شركة جوال شركة عريقة تمتلك مستوى عال من المقاييس و الجودة التي لا يمكن التلاعب بها و خصوصا عند رعايتها لاي نشاط .. و ما صدمني اكثر انني قرأت بعيني رسالة اعتذار موجهة من شركة جوال ردا على طلب جهة معينة رعاية برنامج تلفزيوني مميز و كان نص الرسالة بمختصره لا بتفصيله ( نعتذر عن رعاية البرنامج لانه لا يتوافق مع اجندتنا الخاصة بالرعايات و نتمنى ان يحصل تعاون في المستقبل )

و عندما فكرت في الامر لم اجد سوى احتمالين اثنين .. اما ان جوال تلقت امرا لا نقاش فيه  برعاية هذا المسلسل و كانت مجبرة على ذلك و فقدت سيطرتها على التحكم بميزانية الرعايات .. او انها وافقت على رعايته لانه يستحق الرعاية و يعتبر من اجندتها الخاصة بالرعايات .. و في كلا الحالتين فان جوال في موقف محرج جدا و مخز جدا لشركة كانت بنظر الكل الفلسطيني مصدر فخر و الان اصبحت شريكة في ايقونة ملوثة بالفساد و البلطجية الفكرية و الثقافية

في النهاية السؤال الذي يؤلمني حقا .. هل نستطيع كفلسطينيين الاعتذار للعالم كله عن هذه التفاهات التي تعرض على شاشة فلسطين الرسمية دون ان يوقفها احد ؟؟ ام ان الزمن كفيل بغسل هذا العار؟؟

عبدالرحمن ظاهر / نابلس - فلسطين

التعليقات