الجزائريون يعزفون عن شراء الأسماك, إنتاج قليل وأسعار مرتفعة

غزة - دنيا الوطن
يقول مصطفى عزوق (متقاعد وأب لأربعة أطفال) "كنتُ في السابق أشتري كيلوغراماً من السمك بشكل شبه يومي، أما بعد أن ارتفعت أسعاره، فلم أعد أشتريه سوى مرة واحدة في الأسبوع، وأحياناً أكتفي بالسمك الصغير، لقد أصبح سلعة موجهة للأغنياء كاللحوم الحمراء".

وتؤكد صحيفة "الاتحاد" الإماراتية أن الارتفاع "الصاروخي" الذي طرأ على أسعار السمك في الجزائر مؤخرا أدى إلى عزوف عد كبير من المستهلكين عن شرائه.

ويعترف بائعو السمك في أسواق الجزائر العاصمة بأن الطلب قلَّ كثيراً على بضاعتهم بسبب التهاب الأسعار الذي أضرَّ بهم قبل المستهلكين.

ويقول علي مقدود (بائع سمك بسوق الرويبة في العاصمة الجزائرية) "كنتُ أبيع حمولة صندوقين إلى ثلاثة في ظرف ساعة أو اثنتين على الأكثر، أما الآن فلا أكاد أبيع حمولة صندوق واحد من السمك طيلة نصف يوم، الكل يساوم، ولكن القليلين فقط من يشترون، وأحياناً اضطر إلى بيعه بأقل من سعر الشراء قبل أن يتعرض للتلف وتتضاعف خسارتي، وهو الأمر الذي يحدث أكثر في فصل الصيف حيث يفسد السمك بسرعة، هذه المهنة لم تعد مربحة كما كانت وأفكر في تغييرها".

ويعود سبب التهاب الأسعار إلى التراجع المستمر لإنتاج هذه المادة الغذائية في الوقت الذي يتزايد فيه السكان.

وتكشف أرقام قدمتها الفيدرالية الجزائرية للصيد البحري أن الإنتاج تراجع في عام 2010 إلى حدود 130 ألف طن فقط من السمك مقابل 187 ألف طن في 2009، وهو ما أفضى آلياً إلى تضاعف أسعاره لنقص العرض وزيادة الطلب.

ويبدي رئيس الفيدرالية حسين بلوط الكثير من الحسرة والمرارة بسبب هذا التراجع الذي يعتبره "غير منطقي بالنظر إلى طول الساحل الجزائري الذي يصل إلى 1284 كم".

ويحصر بلوط أسباب هذا التراجع في "الصيد في المناطق المحرَّمة واستعمال المتفجرات لصيد أنواعٍ من السمك، والصيد العشوائي وعدم احترام فترة الراحة البيولوجية للسمك ما يؤدي إلى استنزاف هذه الثروة، حتى الأسماك التي لا يتعدى طولها 4 سنتمترات تُصطاد وتباع برغم أن القانون الجزائري يمنع ذلك ويحدد لها مقياس 11 سنتمترا على الأقل، وهناك أيضاً التلوث الواسع في البحر المتوسط بسبب انتشار البقع النفطية، وهو عامل منفر وطارد للأسماك".

ويكشف رئيس الفيدرالية أن "هناك 11 نوعاً من الأسماك مهددة بالانقراض في البحر المتوسط، وأن الثروة البحرية في هذا البحر في خطر، وقد تنقرض في حدود عام 2040 إلى عام 2050 ويصبح البحر المتوسط بحراً ميتاً".

ويؤكد بلوط أن ثمة سبباً آخر لارتفاع أسعار السمك وحرمان الفقراء وذوي الدخل المحدود منه في الجزائر وهو "المضاربة".

ويضيف "هناك فوضى عارمة في السوق، الصيادون يعرضون سلعتهم في الساعة الثانية صباحاً في المسْمكات، ثم يأتي التجار المضاربون وينقلون السلعة من يدٍ إلى أخرى في ظل غياب كلي للرقابة، قبل أن تصل إلى المستهلكين بأسعار باهظة.. هؤلاء المضاربون عصابات حقيقية تتحكم في السوق".

وتؤكد صحيفة "الشروق" الجزائرية أن الجزائر تبقى "الحلقة الأضعف" في إنتاج السمك بالمغرب العربي، مشيرة إلى تقرير دولي مفاده أن الصيد البحري وإنتاج السمك في الجزائر يبقى متواضعا مقارنة مع ما يحدث في القطاع في المغرب.

وتشير إلى أن المغرب تعدى إنتاجه 1 مليون طن، في حين إن الإنتاج في الجزائر يكاد يتجاوز 200 ألف طن.

ويعيب التقرير على الصيد البحري وتربية المائيات في الجزائر أنه تقليدي وغير متجه نحو العصرنة، وهو موجه فقط للاستهلاك الداخلي "ما يحرم الجزائر من موارد مالية إضافية" حسب صحيفة "الشروق".

ويقول توفيق رحماني، مسؤول بوزارة الصيد البحري الجزائرية إن الحديث عن أن الثروة السمكية آيلة إلى الانقراض في البحر المتوسط "كلامٌ يفتقد إلى الأسس العلمية المبنية على الدراسات والبحوث"، ويضيف "علماءُ البحار والباحثون وحدهم من يحدِّد ذلك".

ويعزو تراجع الإنتاج في البلاد إلى قلة السردين "لأن السمك يهاجر من منطقة إلى أخرى فهو يزيد وينقص في فترات متقطعة، فضلاً عن عدم ملاءمة الكثير من السواحل الجزائرية للصيد البحري من الناحية الجيولوجية".

ويضيف لصحيفة "الاتحاد": "هناك أيضاً سوء الأحوال الجوية التي تجعل الصيادين لا يشتغلون عملياً سوى نحو ثلاثة أشهر في السنة ما دفع وزير القطاع عبد الله خنافو لإعلان إنشاء صندوق لتعويض الصيادين عن سوء الأحوال الجوية قريباً قبل أن يعزف الكثير منهم عن هذه المهنة".

وتراهن الجزائر على رفع إنتاجها مجدداً ليصل إلى حدود 240 ألف طن مع حلول عام 2015، من خلال تحديث أسطول الصيد ودعم المستثمرين الخواص في هذا المجال، وإعادة تنظيم المسمكات بإنشاء 12 مسمكة جديدة بمقاييس دولية لوضع حد للفوضى والمضاربة في الأسعار.

وافتتحت وزارة الصيد البحري الجزائرية مؤخرا مزرعتين لبيوض السمك في كل من مدينة "سطيف" و"سيدي بلعباس" في شرق ووسط البلاد لإنتاج صغار السمك الموجَّه لتغطية حاجيات المستثمرين في مجال "تربية المائيات"، ما يضع حدا لاستيراد صغار السمك من الخارج.

وفي انتظار نجاح مشروع "تربية المائيات" الذي أضحى قبلة المئات من الشباب المستثمِر، يبقى معدل استهلاك الجزائري من السمك محدوداً للغاية ولا يزيد عن أربع كيلوغرامات سنويا، وهو معدل بعيد عن مقاييس الاستهلاك الفردي المحدد من قبل منظمة التغذية العالمية.

التعليقات