هيكل : الثورة زلزلت نظام مبارك وقد تتعرض للانتقام

هيكل : الثورة زلزلت نظام مبارك وقد تتعرض للانتقام
غزة - دنيا الوطن
في تعليقه على التطورات المتسارعة في مصر منذ تفجر ثورة شباب 25 يناير ، أعلن الكاتب الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل أن ثورة الشباب المصري أعادت الروح إلى الوطنية المصرية الجامعة وكانت زلزالا هز أركان نظام الرئيس حسني مبارك القائم منذ ثلاثين عاما، إلا أنه حذر في الوقت نفسه من وجود محاولات شرسة لوأد تلك الثورة النبيلة.

وفي البداية ، أكد هيكل أن الشعب أعلن كلمته يوم الثلاثاء العظيم في 25 يناير في استفتاء لم يزور ، الأمر الذي طوى صفحة النظام القائم بصورة لا رجعة فيها رغم وجود محاولة للالتفاف على إرادة الشعب من خلال الإيحاء بأنه خلال ستة أشهر يمكن إنجاز ما عجز النظام عن فعله خلال ثلاثين عاما.

ووصف في هذا الصدد المتظاهرين المتجمعين في ميدان التحرير وسط القاهرة بأنهم "تجسيد لحلم خلاص مصر وكبريائها، وهم أنبل وأجمل ما أنجبه البلد"، مشيرا إلى أنهم "رمز لكبرياء الشعب المصري وحلمه".

ولفت إلى أنهم حين دعوا المصريين إلى التعبير عن غضبهم واحتجاجهم في يوم الثلاثاء العظيم فإن ما بين خمسة وسبعة ملايين مواطن من كل أنحاء مصر استجابوا لهم وقالوا كلمتهم بصوت هادر وقاطع في استفتاء نادر لا مثيل له.

وأشار أيضا في حوار خاص لقناة "الجزيرة" أجراه معه الكاتب الصحفي فهمي هويدي في القاهرة مساء السبت الموافق 5 فبراير إلى أن هذه الرسالة لم تجلجل في فضاء مصر والعالم العربي فحسب، ولكن أصداءها ترددت بقوة في أرجاء الكون بأسره، حتى تسلمها ووعاها كل معني بشأن مصر.

وواصل حديثه وهو يتابع من شرفة بيته الأفواج التي كانت تعبر جسر الجلاء متجهة إلى ميدان التحرير للانضمام إلى الحشد الكبير الذي اعتصم به قائلا :" ولدت مصر من جديد ، أخيرا قدر لمصر أن تستعيد روحها الوثابة وأن تثبت لنفسها وللعالم أنها ما زالت تحتفظ بكبريائها وأنها قادرة على الثورة وإذا لم يكن لثورة شبابها الراهنة من فضل سوى إشهار تلك الرسالة على الملأ لكان ذلك كافيا ، التاريخ له إملاءاته وإن إطلاق تلك الرسالة من ميدان التحرير له رمزية عميقة الدلالة".

الأربعاء الدامي  
وتابع أن ثورة الشباب أعادت الروح إلى الوطنية المصرية الجامعة لكن أسوأ ما في مصر يحاول الآن بشراسة أن يقتل أنبل ما فيها ، قائلا :" الثورة التي أطلقها أولئك الشبان الشجعان كانت زلزالا هز أركان النظام القائم في مصر منذ ثلاثين عاما وللأسف فإن الرد كان صادما ومعيبا ، لنتفق أولا على أن الثورة التي أطلقها أولئك الشبان الشجعان كانت زلزالا هز أركان النظام القائم في مصر منذ ثلاثين عاما. وللأسف فإن الرد كان صادما ومعيبا ، فقد حاولوا إطفاء الشعلة بالدم، ووجدنا أن أسوأ ما في مصر سعى إلى محاولة قتل أنبل ما فيها وهو ما شاهدناه في الأربعاء الدامي وكان اقتحام الخيول والجمال والحمير لميدان التحرير رمزا له ".

وفي رده على سؤال حول المسئول عن الاعتداءات السابقة ، قال هيكل :" الذين فعلوها صورة طبق الأصل من الأداة التي استخدموها حيث لا أتردد في القول إنهم أناس لا يختلفون كثيرا عن الدواب التي استجلبوها وأطلقوها ، التقارير حول تورط شخصيات بذاتها في الحزب الوطني الحاكم ورجال الأعمال فيما حدث صحيحة والأسماء متداولة ومعروفة ، الذي لا خلاف حوله أن العملية كان لابد لها من تمويل، وكان هناك أشخاص جاهزون من أركان التحالف المشهود بين السلطة والمال والأمن وهؤلاء الأشخاص لا يملكون إلا ما يستطيعون به استئجار الحناجر أو شراء الأسلحة وتجنيد البلطجية وأفراد العصابات ".

وبالنسبة للغياب التام للشرطة عن ضبط الأمن في البلاد ، قال هيكل :" هذا جانب من الصورة يستدعى ملاحظات ، الأولى أن مصادر الداخلية تقول إن الذين قاموا بالترويع والنهب وأثاروا الفوضى ينتمون إلى تشكيل سري لا علاقة لهم به والثانية أن تعامل الأمن المركزي مع المتظاهرين في البداية اتسم بقسوة مفرطة حتى بدا وكأنه يمثل ذراعا لقوة غاشمة في بلد احتلته فيما يشكل جريمة حرب في أي بلد يحترم القانون الإنساني والثالثة أن قرار سحب الشرطة لاحقا يكتنفه الغموض في الوقت الراهن ويبدو أنه سيظل سؤالا معلقا على التاريخ والضمير المصريين سيجيب عنه مستقبل الأيام ، والرابعة أن ما حدث ليس مفاجئا تماما لأنه تفكير مستلهم من خطط التأمين التي تتضمنها أدبيات الثورة المضادة المتداولة في العالم الغربي خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية وللمخابرات المركزية تحديدا إسهاماتها في هذا المجال التي انبنت على ما عرف بخطة أجاكسي وأسهم في وضعها خبراء بعض شركات النفط العالمية مثل شل وموبيل أويل وغيرها ".

وتابع في هذا الصدد " من يدقق في وقائع التعامل مع ثورة الشباب في مصر يلاحظ أن ثمة قواسم مشتركة بينها وبين ما جرى من قبل في إيران ضد ثورة مصدق وفي تشيلي أيام بينوشيه، حيث برز في هاتين التجربتين دور بارز للجماعات التي تعمد إلى ترويع الناس وإشاعة الخوف بينهم، لإقناعهم بأن الثورة تهدد استقرارهم وستجعل حياتهم جحيما ".

واستطرد هيكل " تصوير الاشتباك الحاصل باعتباره تراشقا بين متظاهرين يعارضون نظام الرئيس مبارك وآخرين يؤيدونه تزوير للواقع ، المتظاهرون الحقيقيون هم المحتجون الذين اعتصموا في الميدان وقرروا الدفاع عن كرامة هذا البلد وحلمه بأسلوب سلمي مشرف أما الآخرون فهم مستأجرون بلا قضية، سواء كانوا عناصر تابعة للأجهزة الأمنية أم مرتزقة تم شراؤهم أم موظفين وعمالا في بعض المصانع والقطاعات الحكومية، الذين حملتهم سيارات الجهات التابعين لها إلى ميدان مصطفى محمود بالمهندسين لافتعال تجمع يؤيد النظام القائم. وقد ذهبت محاولات الانفعال إلى حد دعا الذين أخرجوا المشهد إلى الاستعانة بالفريق القومي لكرة القدم ومدربه".

موقف أمريكا وإسرائيل
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان الاهتمام الأمريكي الشديد بالوضع في مصر نابع من الحرص على استمرار علاقات البلدين أم أنه يضع في الاعتبار الحرص على العلاقات الأمريكية المصرية أم أوثق صلة باستمرار وتأمين العلاقات المصرية الإسرائيلية؟ ، أجاب هيكل " واشنطن مدفوعة بالأمرين معا ، فمصر تحتل موقعا متميزا في الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، كما أنها مهتمة باستقرار العلاقات المصرية الإسرائيلية ، يضاف إلى ذلك أن الرئيس أوباما يحتاج إلى أصوات اليهود الأمريكيين في محاولته تجديد ولايته ومن ثم فمفهوم أن يولي اهتماما خاصا بما يعتبره أمن إسرائيل ومصالحها".

وبالنسبة للاهتمام الإسرائيلي الخاص بالوضع في مصر ، قال هيكل :" إذا تذكرنا وصف إسرائيل للرئيس مبارك بأنه كنز إستراتيجي لها فإن ذلك يفسر لنا بدقة قلقهم في تل أبيب إزاء احتمال تغيير النظام القائم في مصر ثم إننا في مثل هذه المواقف ينبغي أن نستعيد علامات الاستفهام الكثيرة التي تثار حول العلاقات المصرية الإسرائيلية خصوصا تلك التي تتعلق بالتعهدات والضمانات غير المعروفة التي قدمها الرئيس السادات لإسرائيل ليس فقط لضمان أمنها ولكن أيضا للتأكيد على أنه لن تكون هناك حروب أخرى مستقبلا ضدها".

واختتم هيكل حديثه بالقول :" هناك نقاط ينبغي أن يعيها جميع المصريين في اللحظة الراهنة وهي أن النظام الجريح سيظل شاغله الأوحد هو الانتقام وإذا كان قد أبدى استعدادا لقتل 300 مواطن على الأقل وتشويه وجرح خمسة آلاف آخرين لكي يبقى ستة أشهر فإن أحدا لا يستطيع أن يتصور الثمن الذي يتعين على المصريين دفعه لقاء استمراره هذا بالاضافة إلى أن أحدا لا ينبغي أن يبخس شباب مصر الشرفاء والشجعان حقهم في صناعة حاضرها ومستقبلها كما أن أحدا لا ينبغي أن ينسى أن شهادة الميلاد الجديدة لمصر كتبت بدماء الثلاثمائة شهيد الذين أراد النظام قتلهم، فحولهم إلى نجوم مضيئة وباهرة في سماء مصر ، وأخيرا فإن الأمة مدينة لأولئك الشبان الذين أعتبرهم أجمل وأنبل من أنجبتهم مصر لأنهم بثورتهم ردوا إلي أملا غاب وراء السحب الداكنة التي تكاثرت في سماء مصر وشاءت المقادير أن أعيش لحظة انقشاع تلك السحب وبزوغ شمس ذلك الأمل الذي ملأ أرض مصر كلها بضياء ودفء افتقدته طوال العقود الأربعة الأخيرة".

التعليقات