مسار التحرر في السينما التونسية المعاصرة
مسار التحرر في السينما التونسية المعاصرة
بقلم منذربشير الشفرة
باحث بمجال الجماليات.تونس
ليس لنا ونحن نستنطق المشهد السينمائي التونسي المعاصر سوى مزيد التعمق في تلك المسارات المسطرة خلال التجارب العديدة التي مر بها المشهد الفيلمي والبعد الميزانسيني ورؤى التجرد من قيم التأصل والأيديولوجيا الوارد من آفاق الغرب. كيف التوصل إلى استنطاق الصورة الفيلمية والبنى السردية دون التعرض إلى مفهوم المحرم بالموجة الجديدة التي تخرق السينما التونسية منذ انتشار أفلام التحدي والتحليل النفساني؟ والتوجه للأيديولوجيا المبطنة كرسالة محملة في طيات السرد. لعلها تراكمات لأفكار صارت تنحت ذاتها من خلال تصور مترهل للحرية الفردية بصرف النظر عن قراءة متأنية للمجتمع واستنطاق لراهنه؟ إن الآلية النقدية للأعمال السنمائية في تونس مقصرة جدا ولا ترقى للإنتاج السنمائي والنقلة التي لقيتها الصورة منذ التطور الحداثي الذي شهدته الثمانينات.وفي كثير من الأحيان نرى المنظومة النقدية تسقط في المجاملة وتقديس المخرج وعمله مع إضفاء هالة من التفرد والتضخيم والقدسية على كل عمل يتناول, يفترض الناقد منذ البدء أن العمل الذي يتناوله بالدراسة قمة في الإبداع ولا تشوبه الهنات ولا النقائص. لنا أن نعرج على التجارب المميزة التي تمثل منعرجا حاسما في تاريخ السينما بتونس وأهمها هي أفلام المخرج النوري بوزيد حين اختط جانب الجرأة في التناول وجعل المدنس إجتماعيا هو الرصيد الحقيقي لإستيطيقا التفرد وبلا شك رائد التيار هو المخرج النوري بوزيد في طرائق تناوله وجعله الصورة نافذة للجسد وللفكر المناضل في سبيل الحرية الفردية ومكن كذلك تتنزل تجارب الفنانة المخرجة رجاء العماري والأستاذ معز كمون والمخرج خالد البرصاوي والمخرج رشيد فرشيو في نطاق البحث عن كينونة جديدة بالصورة والأيقونات المستحدثة. نعتقد أن الدراسة النقدية الموضوعية للأعمال السينمائية تتطلب جهدا مضاعفا وبحثا في آليات العمل السيميائي حتى نصل إلى بواطن الأشياء.
لا يمكن الحديث عن تطور وإشعاع السينما التونسية دون التعرض للأستاذ الفقيد الطاهر شريعة الذي جعل هذا المسار المتطور يعبر الوطن نحو آفاق رحبة من الإبداع والحرية فالسينما لا يتطور دون تلك المساحة الأيديولوجية الذي تستنطق الواقع المعيش وتبحث في آفاقه الرحبة في اختلاف جوهري مع آليات الدراما التلفزيونية فلكل صيغه وصورته. قدم الطاهر شريعة للسينما التونسية أسس التوجه الفيلمي بمواقعه المتعددة كصلة بين العمل الإبداعي الإفريقي والفيلم الأوروبي عموما..لم يكن منظرا ولكن توصل إلى تبليغ هذه الرسالة العميقة الخارجة من موطنه الأصلي صيادة حيث بساطته في المعيش وعمقه في التبليغ. من ذا الذي استمع لرؤاه الفنية الراقية باعتبار تونس رائدة الوصل في مستوى الصورة والحكي ولكن الحقيقة هي أن السينما المعاصرة بتونس سقطت في ثنايا الإنتاج ولم تعر الإبداع الصرف والبصمة المعمقة للمؤلف أي اعتبار ...هي الإنتاج النسقي حسب الميولات الضيقة والتوجهات السيرذاتية كفرصة لتبرير الإخفاق الأيديولوجي والفكري وولوج عوالم الإثارة الرخيصة والتي تنتهج مسارب المحاكات للغرب بالأسلوب واللون التونسي بالتمثيل واللهجة.
إن الفكر الفرنكو أراب هو حقيقة معاشة والمنزلقات الأخلاقية واقع أيضا والأكوان النفسية الخصوصية همس معلن ولكن السؤال المحزن هنا : هل هي مساحة للفرد التونسي أم أن الممثل هو رمز للكائن التونسي؟ في الحقيقة لا يختلف إثنان في أن في تقبل الرسالة الفيلمية تقع مطابقة لدى المشاهد التونسي والعربي والأفريقي والأوروبي ما بين التخييل السردي والحقيقة الأجتماعية فمثلا يضحي "بهتة" بآخر فيلم رمزا للشاب التونسي وسلمى بالدواحة مثالا للبنت أيضا...لم يعر المخرج هنا أي اعتبار لآلية التقبل وبلاغتها وقدرتها على الفعل...فإنتاج فيلم بحد ذاته يعد حدثا جللا ولنا في مثال الفيلم المهم الأول لرشيد بوشارب "التبع المهمشين" بحرب الأندوشين خير تبيان لإقناع المسؤولين ومحاولة جريئة لاستنطاق الواقع وهو نفس الأسلوب المتبع في الفيلم الأخير " الخارجون على القانون" العمل الفني والصورة تحير وتدفع إلى الأمام ..هي البعد الرمزي الذي يضم الأبعاد النفسية ويتوق للحرية بمستواها الإنساني العام ويذكرنا برائعة المخرج رومان بولانسكي في عمله "البيانيست" الذي يتجاوز مفهوم النازية والشعوب المقموعة بلقاء موسيقي بين الشاب اليهودي البولوني الفنان والظابط النازي الألماني حيث تجمعهم نقرات البيانو وتوحد أفكارهم بصفة تلقائية مبسطة بعيدا عن غوغاء الأيديولوجيا التي تدعو للمحق والموت...
نحن نعتقد أن السينما هي دعوة معلنة للحب والحياة وهي تتطلب مجهودا مضاعفا من قبل المبدع وعدم خدمة نرجسيته الضيقة وفكره الميغالوماني. الأفلام التونسية التي تتعرض للجنس محقة في تطرقها لهذا المجال المحرم ومحاولاتها فهم آلياته ولكن المنزلق الخطير هو أن تكون الدعوة مفتوحة والتشجيع واضح ومبطن بسير الصورة وكأن الجنس غير مسموح به بالقيم الإنسانية...إن للحب صور عديدة وثرية وإعلان لصيغ متجددة فالبعد الرومنسي الراقي للحب من خلال الأفلام السيكولوجية يمكن أن تنبني على العذرية والأحاسيس الصادقة والتضحية في قمم تمثلها دون إسفاف...فمثلا حسب التقليد العام للمسار الأمريكي المتحرر والنماذج الفلمية نجد حرصا كبيرا على عدم التدقيق بمشاهد عري المرأة بالفراش بخلاف النموذج الفرنسي وهذا مرده للنفس المحافظ للمجتمع الأمريكي بالرغم من الهالة الكبيرة والإشعاع الذي يقدمه...فما هي إذن تجلياته ونقاط قوته؟ تكون الحكاية والصدق في صدارة المنتج المنبني على تصور مباشر للمشاهد...لقطة وحيدة لفيلم "تايتانك" تجسد هاجس جايمس كامرون ومحاولته إعلان مفهوم التضحية بالعاطفة الإنسانية. مثل مشهد ذوبان جسد البطل بالجليد وموته البطيء ومحافظته على حياة المحبوب وهي على بقايا تطفو على سطح الماء. إنه الصدق بالمشاعر زمن الحب المطلق وإشارة إلى طغيان الفكر المادي في عصر العولمة. فما هو الداعي إذن لإبراز صور تونسية مغالية في الإباحية من خلال الأفلام المشار إليها والتي دار حولها جدل كبير؟ يجب أن نعلن في البداية أننا لسنا بصدد انتقاد الممثلين ولا قيامهم بالأدوار فذلك شيء حرفي وداع للإحترام ولكننا نود نقد البنية الجمالية للعمل. إن استراتيجيا العمل مثلا لدى المخرجة رجاء العماري ومعز كمون تندرج في نفس المسار الذي اختطه النوري بوزيد منذ عشر سنين وحول فيه وجهة الإهتمام من الوطنية الفكرية والعمل على الأنتيليجنسيا إلى تبيان الهواجس الباطنية وسينما الإثارة حيث النزعة الصارخة لأرلكان الفنان في انتقاد الرمز والمحرم بالصورة الجاهرة.
إن الموروث الفيلمي التونسي قد فرض نسقا تصويريا وجمالية فنية يصعب الخروج منها, هي حلقة متواترة من التحديات التي يمكن حصرها في النقاط التالية:
· التطرق إلى الخصوصيات الباطنية للنفس الإنسانية.
· التطرق للممارسات الجنسية وتعميمها وكأنها تخص جميع الشرائح
· التركيز على الهامشي كمقياس أزلي للتطور
يمكن لنا التعرض لقولة المخرج النوري بوزيد عن وشائج القربى بينه وبين أفلامه:
""هم أفراد عائلتي، تربطني بهم مودة وعطف، يحملون إحساسي وهواجسي على الرغم من اختلافهم معي، يعانون من تناقضاتي ومن رفضي للرضا عن النفس. صنعتهم من التمرد الفطري ولأجله"
وهنا نستعرض أفلامه التي تعد تحولا في السينما التونسية ولكن إلى أي مدى نجح للوصول إلى خلقة بصمة جمالية خاصة به؟ قد تكون الصورة الكاشفة عن الترسبات النفسية هي الميزة والأسلوب الرمزي هي الخصوصية الفنية و لكن يصعب على الناقد أن يكون بالمعطيان الأولى مدرسة للسنما أو موجة فكرة هي فحسب توجه تونسي فريد ولكنه على شاكلة الواقعية الجديدة الإيطالية مع تأثر واضح للمدرسة النفسية الفرنسية ويسارية إعلانها للأفكار.
" ريح السد" شريط طويل سنة 1986
"صفائح ذهب"، شريط طويل سنة 1989
"وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح"
وهو شريط قصير من الفيلم الجماعي "حرب الخليج وبعد" سنة 1990.
"بيزناس" شريط طويل سنة 1992
"لذّات" شريط وثائقي سنة 1994
"بنت فاميليا" شريط طويل سنة 1996
"عرائس الطين" شريط طويل سنة 2001
"آخر فيلم" شريط طويل سنة 2006.
إن المسار الثري للنوري بوزيد يدعو للتأمل حول القيمة الفنية التي أضافها في أفلامه فهو يبتعد عن كل تصنيف ويحاول تبيان أكوانه الفيلمية بكل تجرد ولكن الملاحظ لديه هو اتباع أسلوب الفجئية في الطرح والمغالاة أحيانا في مباشرة المشاهد. بيد أن الأكيد هو أنه تعامل مع المحرمات بكل الحرية المطلوبة والواقع حسب رأيه هو أكثر جرأة مما يطرح ناسيا أثر الصورة في النفس ووقعها على المتقبل بالرغم من ثقافاته المتعددة وشرائحه المختلفة.
يمكن أن نعرج هنا على قولة ذات بال للمخرج كارل دريير " ليس المهم اقتناص أشياء الواقع بالنسبة للمخرج بل الفكر المخزون داخل ووراء الأشياء" وما نلاحظه في هذا الإطار هو لهفة المخرجين في تونس على تسجيل اللافت في الواقع والتركيز على أشياء دون أشياء أخرى دون الولوج إلى عوالمها ودلالاتها العميقة.
" Ce ne sont pas les choses de la réalité que le metteur en scène doit privilégier mais plutôt l'esprit dans et derrière les choses." Carl Dreyer
مثلما يصرح أيضا المخرج جان لوك غودار " لا يجب القيام بأفلام سياسية ولكن القيام بها سياسيا" والملاحظ هنا هو التوجه إلى توظيف الفيلم بطريقة مباشرة إما بسلوك مبسط ورمزي داخل منظومة واقعية وإما بمحاولات من الفنتازيا التخييلية.
لدى المخرجين التونسيين الذين برزوا بعد الثمانينات تطلعات فيها كثير من الجرأة والفرادة وجب التنويه بها وخلق أيضا جيلا مهما من التقنيين والمصورين والممثلين البارزين مثل المتألق الفنان ظافر العابدين في أدواره التي تعتمد الحضور على الصورة والتفاعل مع الكاميرا مع جاذبية الممثلين الكبار وهذا ينم عن دراية وخبرة وموهبة. ولكن النقص الذي يمكن الإعلان عنه يخص المنظومة الأهم وهي حلقة الكتابة. فالساحة الفنية بتونس تعوزها الكتابة الموجهة التي تحمل أبعادا فكرية والتي رغم بساطتها تطرح بكل تجرد هواجس الشعب وتخرج من النخبوية إلى مكامن فيها الكثير من الإجتهاد. كما يمكن معها أن نتحدث عن أسلوب مرتقب للكتابة وشخصية تدعو للتفكير ولهذا السبب نجد أغلب الخرجين قد نحت تمثاله السينمائي بنفسه وعلى شاكلة مخياله ولم يتبين له أي قصور أو تشويه لأنه صانع المثال وأول مستهلك له وكثرت إذاك أنوات ( جمع أنا) الفنانين وطفقوا ينتجون ويصورون ويتحدثون بلغة الإبداع والحرية ويغزون الجسد في غارات لا قبل للمشاهد بها...الدعوة إلى ماذا؟ لنفي القيم الأخلاقية السائدة...ولكن البديل يبقى غامضا...غائما. لا يمكن المرور دون نظرة بسيطة لما ينجزه المخرج عبد اللطيف بن عمار وخصوصا بآخر أعماله "النخيل الجريح" فقد فهم ثنائية المحرم والرمز بكل الذكاء السينمائي ولكن ما يشد في العمل هو جرأة التناول وحواره مع الآخر بكل الحرية والمسؤولية المطلوبة وإعلان عن تلك النفس المسلوبة من كيانها. فعبد اللطيف بن عمار يؤمن بالرومنسية الجديدة في عصر التحجر ويحاول أن يقلب بين يديه دون نرجسية سيرذاتية دأب عليها أقرانه صفحات مؤلمة من التاريخ ويمكن تصنيفه من الأفلام الوجدانية النفسية الجمعية من منظور دوركهايم حيث له وشائج قربى مع صنوه رشيد بوشارب في طرائق تناوله بيد أن بوشارب يضفي السمة التراجيدية من موت مفاجيء ينبض دما بعين مخرجة ويحن شوقا لإعادة خلق اللحظة.
"L'art ne rend pas le visible, il rend visible." Paul Klee
" Sois sûr d'avoir épuisé tout ce qui se communique par l'immobilité et le silenc
من الطبيعي أن يصرح مبدع العمل أنه متصل بعمله ومتواصل معه وهذا ديدن النوري بوزيد حين يشعر بتوحده مع العمل الإبداعي الذي ينتجه. ولنا أن نسأل بهذا الموضع عن تلك المسافة النقدية المبطنة التي يجب أن يتحلى بها المبدع بصفته مخرجا وكاتبا للسيناريو فحين يخلط المبدع ما بينها يصبح العمل الفني رسالة مجردة حاملة للأيديولوجيا وتفقد كثيرا من ألقها ومن صيرورة إشعاعها الإنساني...إن المحرك الرئيس للأعمال الفنية للنوري بوزيد هو استنطاق الواقع وتناول قضايا الجسد والتدين. وفي ذلك مطبات عديدة ومزالق أكبر مثل النهج الذي أخذه مثل التعميم وجعل الهامشي هو المسار الحقيقي للموطن وبعبارة أوضح يجعل من الهاجس الشخصي الباطني هو الشعار الإجتماعي المميز فالمثلية الجنسية مثلا تصبح قاعدة والإغتصاب في الطفولة هو المسلك الرئيسي والقضايا الحميمية للفتاة هي الأس الرئيسي للتشكلات النفسية والتطرف الديني هو السائد...والحقيقة أن كل ذلك مغالطات وطرح يفتقد للموضوعية إعتمادا على مكان بعينه وزمان محدد. فمثلا حين يفهم المشاهد من هذا الواقع المعيش من خلال فيلم "آخر فيلم" يفهم أن كل الشباب التونسي في حالة تماهي وتوحد مع الشاب " بهتة" ورفاقه المهمشين الذين يتميزون بحرية المعتقد والثورة على السائد والمسالك التقليدية وخصوصا التدين مع تبيان الفرق ما بين الدين المتسامح والتدين والحقيقة هو أن المجتمع التونسي أكثر ثراء وأكثر تشعبا من فهم المخرج الذي يسقط حالة إجتماعية لبعض أحياء العاصمة ويعممها على كل الشرائح الشبابية من جنوب البلاد إلى شمالها. إن الأعمال الفنية للمخرج النوري بوزيد تتنزل في إطار الحرية الفنية وهذا هو المشكل الرئيسي الذي يسم السينما التونسية. هل الحرية الفنية آفاق بدون حدود؟ إلى أي مدى يمكن للقيم الأخلاقية أن تكون إعلانا وسمة للعمل الفني؟
في البداية, من واجبنا مناقشة تبيان الحرية بالصورة الفيلمية. السينما هي الحياة بأتم معنى الكلمة والصورة هي الموقف الذي يتخذه الفنان لتبيان موقفه من المجتمع ولنا أن نصرح هنا أن جل الأفلام الموجة الجديدة منذ الثمانينات تتناول التوجه النفساني وتطرح الخصوصية الجنسية كنافذة أساسية التي لا تطل سوى على خبايا الشرائح المهمشة وتحاول تجاوز الحرمات والتصريح باللفظ والصورة عن هذه الحرية المتجددة.
الجانب الأول هو اللفظ وذلك يعني استعمال الكلام العامي الذي لا تقبله الأوساط المحافظة من سب وكلام يجهر بالجسد وتفاصيله وهي اللغة المستعملة من الشريحة المهمشة حتى تعلن عن رفضها بعنف للقوانين السائدة وهذا ما يميز أفلام النوري بوزيد ورجاء العماري ومعز كمون وخالد البرصاوي...الكلمة إعلان عن الرفض وفحشها تصريح بالثورة من هذا المظور وهي رؤية قاصرة جدا فرب كلام قصير ورصين يزلزل ويقع في النفس ويثيرها...يزعم في هذا الموضع مخرجو الأفلام أنهم كانوا محاذين للحرية ومعلنين عن بواطن المجتمع ولكنهم يتناسون وقوعهم في جورة التعميم بأن كل تونسي مالك لهذه اللهجة العنيفة والمترهلة والفاقدة للقيم الفاضلة وهذا التيار اساسا فرنسي التوجه حيث اعتمد المخرجون الفرنسيون بعد الموجة الجديدة بالستينات والسبعينات على طرح الطابوهات اللفظية كزلزلة لفكر النمطية والتحجر فما تقوم به الأستاذة المخرجة رجاء العماري مثلا بفيلم الدواحة سوى صدى لتلك الأفلام المميزة وشخصيات متونسة لفكر ماي 1968 الصارخ والداعي إلى قلب الموازين وهو الفكر المتسم بالجرأة والتقدمية والتطور الهام ولكن يبقى نفس السؤال المطروح: ما هو البديل المطروح لدى المخرجة الموقرة من خلال الستار الأحمر والدواحة؟ هل تطرح اللغة المتمردة والجرأة المستوردة بكل تفاصيلها كبديل للحياة المستقبلية التونسية؟ يعتبر جيل رجاء العماري ومعز كمون وخالد البرصاوي تواصلا للنهج الذي اختطه النوري بوزيد من استنطاق جريء للواقع المعيش ومحاولة لتبيان الجانب الخفي الذي طمسه التدين المفرط.
الجانب الثاني هو الصورة وبنفس الوقع والمسار يتبين كيف تعرض المخرجون لمواضيع الجسد والفكر بكل العنف في الطرح فالصورة الفيلمية لها وقع أشد من التلفظ ورسالة ليس من الهين توقع نتائجها.فمنذ تعرض أفلام النوري بوزيد لقضايا المسكوت عنه بصفة معلنة وواضحة المعالم نجد لدى المنظومة النقدية منذ الثمانينات التهليل والتكبير للإنجازات الفريدة في طرائق غزو الجسد والتطرق للمحرمات بكل الجرأة المطلوبة والنفس الثوري ولكن المتأمل في الظاهرة التي تمتد إلى الآن مع مثيلاته من رجاء العماري وغيرها من التحرر الأنثوي المطلوب...ليس من إختلاف حول التحرر والتطور ولكن الأمر يتجاوز كل ذلك من خطورة التهويل والتضخيم إلى حد المغالطة بالصورة...فكأننا بالمخرج ذلك البطل الفريد الدون كيشوطي الذي توصل إلى كشف الواقع "الظالم" بالحديث المصور الذي لا يقدر عليه أحد والحقيقة هي أننا في زمن حوار الحضارات نجد الفكر الغربي المستنير يتوق إلى تهدأة حلمه والعودة إلى تلك المناخات الإجتماعية المتماسكة والتي تحكمها قيم الخير والفضيلة ونجد بلدان الجنوب تعيش مجددا فترة الثورة الجنسية التي شهدتها أوروبا منذ الستينات...هي بالحقيقة فترة ضرورية لإنصاف النفس ومنحها المساحات الضرورية يمكننا مثلا الإشارة إلى العمل المميز لباتريس شيرو في فيلمه "الإنسان الجريح" حين تعرض لقضية المثلية الجنسية بكل الثراء الإنساني والتفكر حول الطبيعة في تواجدها مع الفكر المدني من المنظور المفكر روسيو وقد أثارت الموضوع بكل الجراة والنبل المخرجة التونسية نادية الفاني مع إضفاء بعد أنثوي للقضية...إذن ما هو المقلق في تبيان الصورة الفيلمية؟ ما هي القضية التي أثارت الجدل الكبير حين بث فيلم صفائح من ذهب وفيلم الدواحة وفيلم آخر ديسمبر وفيلم بين الوديان؟ وما هي تجليات الرمز والمحرم بهذه الأفلام ومدى تفردها؟ كيف نقبل الحرية الفكرية ونضجر بإعلانها من خلال تصوير المفاتن الجسدية واللحظات الساخنة في تجلياتها الحميمية؟
إن الصورة هي استنطاق للواقع وكشف لبواطنه ولكن الحلم الكبير الذي يميز المبدع لا يجب أن ينزلق في التفصيل ويكون صدى لحضارات أخرى وتجارب الغير. الإجابة بسيطة وهي الإغتراب الفكري وذلك يعني أن الدعوة للتحرر الأيديولوجي لم تأت من خلال خيارات وطنية متأصلة ومتجذرة بالأصول الفكرية التي تميز البلاد وتدعو إلى تطوير جدي وجذري من خلال نسق متواصل وجهد يومي دائب وهذا ما نلمسه في فكر خير الدين والطاهر الحداد والتطور الفكري التونسي الراسخ القدم في قيمه الأخلاقية والدينية والتقدمية في آن...فمثالنا هو الإنجاز الفريد الذي ميز مثلا فيلم الدواحة من تعرية البطلة لصدرها وذلك إعلان للحلم والتحدي والثورة ولا شك في ذلك وهو أيضا عمل محمود للفنانة في نسق اتباعها مسار الصورة البديلة عن كلاسيكيات النمطية للفيلم التقليدي ولكن السؤال المطروح هنا هو الآتي: ما الذي تقدمه رسالة التعرية المعلن والمفضوح؟ ما هو الغرض الذي تحاول المخرجة تبيانه؟
هل هو عكس للحظة الوجد النسوي أو إثارة للمشاهد الممكن ورسالة للغرب أن في كون الشرق أيضا جرأة وعدم وجود مساحة غير مكشوفة لهذا الشرق الجديد؟ إن العمل الفني هو العمل المحاور وليس العمل الذي يعرض البضاعة الغير المتوقعة فاللون المحلي هو الذي يلقى الرواج ويقنع المشاهد الغربي والشرقي في آن ويمكن أن ندرج بهذا الإطار العمل الروائي المميز للأفغاني عتيق رحيمي من ولوج عوالم الثبات بلغة باطنية ثاقبة وترميز أو بعض الأفلام الإيرانية التي تطرح الإيمان في القرن الحالي كقضية تهم العالم بأسره وتبيان لأسباب الوجود دون محاكاة للغرب.
نعتقد في هذا النطاق أن الأزمة الرئيسة التي تسم السينما التونسية هي محاولة السينمائيين أو جلهم إعتبار التطرق الجريء بالصورة هو السبيل الوحيدة للتغيير مع استلهام الأساليب الفنية المضمنة من الموروث الفيلمي الفرنسي المعاصر والواقعية الجديدة الإيطالية ولجوء عدد كبير إلى التغرد بأساليب الغنائية والدرامية للأمريكيين كسارج ليوني. يمكن لنا أن نورد رأيا لمخرجة تونسية شابة فيه كثير من الصحة وهي فاتن الحفناوي:" الذي أحسه مع كامل احترامي لكل المخرجين، أن السينما التونسية هي سينما المخرج المؤلف، الذي يقدم فيلما في تونس عادة ما يتحدث عن موضوع شخصي مع أن الأفلام جيدة تقنيا.. لكن السؤال الذي اطرحه دائما. لماذا لا تخرج السينما التونسية عن القوالب المعتادة وتتحدث عما يجري في العالم ويرد المخرجين الفعل... المخرج النوري بوزيد، لأنه تمكن من وضع بصمته بردة فعله في فيلمه الأخير.. الوحيد من المخرجين التونسيين الكبار الذي تفاعل مع ما يجري حولنا في العالم. أحبه واحترمه منذ كان أستاذي وزاد احترامي له بفيلمه الأخير" . فقط نريد أن نضيف في هذا النطاق أن تقنية الصورة ليست بعزل عن المضمون فلا يمكن أن نتحدث عن إبداع جمالي بالصورة وتقصير بالحكاية والسرد فالعمل الفني هو تكامل منجز للصورة والكلام والحكي. ويمكن في هذا الموضع الإشارة إلى العمل الفيلم الأخير أو مشروع إعداد فيلم ذي السمة التجريبية فهو خلافا لما قد يعلنه العمل من ثورية في التصوير أي تقنية التضمين"فيلم داخل فيلم" بيد أنه إستيطيقيا كلاسيكي النزعة وواضح الطرح وهو محاربة دون مواراة للفكر الرجعي بكل تفاصيله ولا يتطلب جهدا كبيرا للفهم ويمكن هنا التعرض بإطراء للدور المنوط بالممثل لطفي العبدلي لما قام به من تلقائية وبساطة بأدائه لدوره ولكن بالرغم من كل شيء هو ذاته وقع في النمطية من تقليد لشباب الأحياء الصعبة التي تعيش حياة البؤس والفن وقد استلهم كثيرا من شخصيته في الحياة كي يسقطها بالعمل الفني وهو ربما ما شد المخرج المضمن والمخرج الحقيقي في ثنائية جدلية تصل إلى حد التشنج وهو موجه أساسا لشريحة مثقفة تفهم جيدا نوعية هذا الصراع.
وفي نفس منطق الإثارة نقرأ للروائي كمال الرياحي موقفا مماثلا لفيلم "الحادثة" لرشيد فرشيو حيث يعتمد موقف الإثارة الرخيصة حتى يسوق الفيلم ويلج الممثلون عوالم الشهرة ويعيش المخرج بالتالي شعور التفرد والتحدي والإنخراط بمدرسة النوري بوزيد المبنية على الفرادة في الكشف والجرأة في التصريح:
" فانتظرنا ككل المتابعين للسينما المحلية عرض هذا الفيلم الذي كنا نتمنى أن يكون حدثا في السينما التونسية فكان اسما على مسمّى، مجرد حادثة نتمنى أن تكون عرضية في تاريخ السينما لما رأينا فيه من تراجع كبير عن المكتسبات التي حققتها السينما التونسية. وأعتقد أن نبل القضايا التي تناولها لا تشفع له ضعف الآداء الفني وتفكك السيناريو وضعف الآداء التمثيلي لجل الممثلين، وكأن المخرج التونسي رشيد فرشيو يدخل سوق السينما بشعار الشارع المصري "الجمهور عاوز كده"و قد صرّحنا إلى إحدى الفضائيات بعيد عرض الفيلم بأنه يدخل السينما التونسية في حقل "أفلام المقاولات" لأول مرة. تلك الأفلام التي تستقطب الجماهير ولكنها تسجّل في التاريخ الأسود للسينما لأنها خالية من أي إضافة فنّية..
وإن كان محرّك الفيلم هو الايدولوجيا، و نحن نشك في هذا، فإن "من طبيعة الايدولوجيا أن يكون المرء فيها أعمى" لذلك ازدحم الفيلم بالمتناقضات والصدف المركّبة والأخطاء الفنية التي لا يرتكبها مخرج هاوٍ. وإن كان صحيحا أن واقعية السينما شيء والواقع شيء آخر كما يقال فإن السينما عليها أيضا أن لا تخلق منطقا خاصا بها يسيّر عملية سرد أحداث الفيلم ...
هذا عدا الصدف العجيبة و الغريبة التي تتحكم في مسار الفيلم و قيامه على كليشي مستهلك في السينما المصرية وهي خيانة زوجة الضابط زوجها العنيف" ( باب المتوسط. 24 جوان 2008).
وهنا تبرز التقنية السينمائية الفريدة في تطرقها إلى أكوان من الرمز من خلال عملية التصوير واللعب مع الأضواء...فهنالك استراتيجيات عمل يمكن التفكر فيها مثلما يقدم لذلك روبار بريسون " إلى استراتيجيات السرعة والصوت يمكن القيام باستراتيجيا البطء والصمت" لكننا نجد في كثير من الأحيان النسق الفيلمي بالأعمال التونسية تتميز بخليط من البطء والسرعة دون قصدية معلنة وربما كان علينا في هذا الإطار تأكيد نضج التجارب السينمائية لكل من محمد الزرن في بحثه عن كينةنة جديدة للرسم بالتشكيل البصري والأعمال المميزة لمعز كمون حين توصل إلى تبليغ الرحلة البصرية والتناغم من خلال عمله الأخير "آخر ديسمبر" حيث أمكن له أن يصيد شخوصه داخل امتداد ريفي طبيعي جميل ورائق. مثلما كان روبير بريسون يدافع عن الرغبة في الإكتشاف ولحظة الإنكشاف في كتابه "ملاحظات مصور".
إنها لحظات العشق المتيم تأخذ المصور والمشاهد في آن. ولنا أن نسأل في هذا الإطار هل ا|لأعمال الفنية السينمائية في تونس تطبيقات غربية لتقنيات مع روح تونسية أم أن الفن تخلص من كل الجنسيات وتحول إلى عمل مطلق؟
الملاحظ للتيار الفيلمي التونسي يأسف كثيرا لضيق الكون الفلسفي العميق وعدم وجود مساحات للفكر والتأمل وعدم الخوض بمساحات الحلم بمفهوم باشلار من " أن التخييل هو إعلاء الواقع بدرجات" وربما في ملاحظاتنا بعض التعميم ولكننا نرى أن هذا ما يسم الأغلبية من خلال ظواهر غريبة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أ) الإعتماد على أسلوب التحليل النفساني من خلال التعرض لقضايا الشباب
ب) الإنفراد بالقراءة الشخصية الضيقة للمخرج
ت) إعتبار الجسد النافذة الوحيدة للحرية
ث) التقنية السينمائية لا تتميز بأسلوب فني يميز المبدع وعدم التوصل إلى تشكل مدرسة
الفنان المهتم بالسينما والمنتج للأعمال الفنية صاحب مخزون جميل من الأحاسيس والأفكار الحالمة والراقية، يرى أن على المتقبل أن يضطلع بدوره في نشر رسالة الفن السينمائي الراقي في المجتمع كما أن المجتمع الذي يستعرض تشكيلة واسعة من المدارس الفنية والأساليب التقنية في صناعة العمل الفني، يعلم تماماً لغة الحكي وتفاصيله. لأنه سيكون فاهماً إلى حدٍ كبير ما الذي يبحث عنه، ويعرف كيف يقرأ أو يترجم خلجات الفنان. وحتى إذا لم يعجبه الأسلوب أو الفكرة، فهو على الأقل مدرك للفن....
ومن ناحية أخرى فهذا الحس الجمالي سينعكس بذلك على مناحي الحياة الأخرى من سيكولوجيا وتفاصيل ، بيد أنه لا يعتمد على تفضيل أسلوب على آخر، بل على الذائقة الفنية عموماً".
وليس هناك بالتالي فجوة بين المتلقي والعمل الفني، والواقع هو أن العمل الفني أحد أهم طرق التوصيل المباشرة للقيم الإنسانية وانتشارها بين الناس. وفي هذا النطاق يمكننا التعرض إلى أعمال المخرج المبدع عبد اللطيف بن عمار من سجنان إلى فيلم التحدي والرومنسية " شامة النخيل الجريح" فقد بات أسلوبه في الإخراج مزيجا من الحساسية والتناغم مع إضفاء روح من الوطنية المبطنة والخفية التي تهز مشاعر الذين عاشوا فترة بنزرت ومحاولات استنطاق التاريخ لإعادة الإعتبار لماض ظن لأنه ولى. لقد كان عمل المخرج عبد اللطيف بن عمار تواصلا لمدرسة تونسية بدأت بفيلم الفجر لعمار الخليفي ووجدت صداها بأعمال الملتزمين بهواجس الوطن الأم ولكنه لم يغفل الجانب الحقيقي للتاريخ وحاول من خلال الشخصية الواقعية أن يفتح ملفا جديدا لم يستنطق بعد وأوكل المهمة لطالبة جامعية وكأنه يريد مزيدا من الدقة في محاسبة التاريخ مع إسداء الدور المهم لفنان لم تسلط عليه الأضواء كثيرا وأدى أدوارا تلفزية غير ذات بال لكنه يمتاز بكاريزما الحضور وتبيان الوجه المشرق للجيل التونسي وهو الفنان ناجي ناجح , حين يحاول تمرير الرسالة بكل الصدق والأمانة ويكشف عن وجه المستعمر المخادع والمتسلط, لم يكن لدى عبد اللطيف بن عمار أي وجل في تناول قضية الحال حيث جسد حقا حرية التعبير عن الإحساس الفردي والإحساس الجماعي مع نزعة حميمية ورومنسية جديدة في تبيان النوستالجيا وقد خصص مساحة كبيرة للمساهمة الجزائرية كإعلان عن فكر منفتح وديمقراطي في مستوى الفن. كتابة عبد اللطيف بن عمار السينمائية مزيج من الحنين الباطني والثورة الهادئة ولعله درس لكل الذين يرون في أنفسهم القدوة والتفرد بالثورة على المجتمع بصفته قامعا دافنين بهذه الطريقة كل الهواجس الأخرى المهمة في حياة التونسي والعربي المسلم داخل دوامة العولمة فالكائن السينمائي ليس ذاك السجين الذي يكتفي بالنظر المطول لسرته ولا الذي يحاول التسري وشخصنة القضايا المصيرية للإنسان. ليست مثلا كل الأمهات من مثيلات راضية بالدواحة تضرب عرض الحائط مباديء الشرف والعفة وتطرح نموذجا حرا من كل القيود. نعي هنا أن دور المثقف رئيسي في التشجيع على اختراق كل المحرمات إذا توفرت منظومة اجتماعية متوازنة تطرح نفسها كبديل أساسي والغريب أنه بأفلام النوري بوزيد ونفس التوجه الذي يتخذه من عقبه من المخرجين لا نجد الطرف الذي يمثل النقيض وإن وجدناه فهو مختل ينتفي معه شرط التوازن. هي قصدية الريبية والتشكيك التي تعكس رؤية الآخر, قراء للفكر الغربي الذي ليس هو المثال الذي يجب استيراده...تتم بكل التجلي ومن خلال الصورة رؤية مشوهة للماضي وهي ذات الرؤية التي يصورها المخرج الفنان "رضا الباهي" من خلال أفلامه ولكن بكل الإشراق الضروري والنقد الهاديء والطبيعة الحنينة ب"صندوق عجب" ويمكن أن نعود إلى مقال الصحفي سميح بن عامر لتبيانه مرجعيات الواقعية الإيطالية والشرقية المصرية حيث يخرج هنا عن سرب الجمالي التونسي:
"كما أن الباهي وعلى عكس بعض السينمائيين المغاربة الذين ينطلقون من القطيعة مع السينما المصرية السائدة تجاريا، يعتبر نفسه تلميذا في مدرسة يوسف شاهين وصلاح أبوسيف وبركات ومحمود ذو الفقار، بالإضافة إلى عشقه للواقعية الايطالية الجديدة. ومن أفلامه الثائرة والمرجعية "السنونو لا تموت في القدس". ومن أهم المشاريع التي أعد لها الباهي فيلمه "براندو وبراندو" عن أسطورة السينما العالمية النجم مارلون براندو الذي وافق بالفعل على مشروع الفيلم وأبدى إعجابه بالسيناريو، لكن فرحة الباهي كمخرج عربي بهذا الانجاز لم تتم بسبب وفاة براندو ليعود اليه اليوم من خلال فيلمه المرتقب "حينما تسقط النجوم"
ويضيف الصحفي سميح في نفس الإطار كلاما عن انتاجات الباهي بمجال السينما:".
"وللباهي العديد من الأفلام الروائية والوثائقية التي نحتت مسيرته الاخراجية بكثير من الابداع منها: "الملائكة" 1983 بطولة كمال الشناوي وليلى فوزي ومديحة كامل، إنتاج كويتي مصري تونسي، وعرض في أسبوع المخرجين في كان، و"وشم على الذاكرة" 1986 بطولة جولي كريستي وباتريك برويال وحميدو والذي اختير في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية الدولي، و"السنونو لا تموت في القدس" 1994 وحصد جوائز عالمية في فالنسيا وباستيا وغيرها. ثم "صندوق عجب" 2002 بطولة هشام رستم والمطرب التونسي العربي لطفي بوشناق. كما قدم في الثمانينات 10 أفلام وثائقية لصالح مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي منها فيلمي "صناعة السفن" و"أعماق البحر"، وقدم أيضا سلسلة وثائقية بعنوان "القدس العربية" عن مخرجين عرب منهم الأخضر حامينا وفريد بوغدير وكريم بهلول وعبد اللطيف بن عمار" (المصدر: العرب أونلاين-صابر سميح بن عامر).
لقد أطنب النقد التونسي في مدح تجليات الصورة في السينما التونسية ونحن أيضا ندرك ذلك ونجله ولكنه الجد الأدنى للعمل السينمائي ولم نجد له ميزة تفرده وتخرجه من النمطية. فتونس السينما هي المكان المثال الرمز لبروز عدد مهم من الإنتاج الجيد ولكن نظرا لقلة الكتابة بالسيناريو ونظرا لجمال الصورة وعدم اتسامها بجوهر وأساس مميز تبقى رهينة التقلبات الظرفية. يمكن مثلا أن نتعلم من المساحات التشكيلين السينمائيين من أمثال جاكسون بولوك. نسق الخريف ( 1950) و دوغلاس سيرك في كل ما تسمح به السماء( 1955) بخصوص التجريد الغنائي وهي مغامرة الضوء في البياض حيث لا يعد الفكر داخل صراع وينمو بالإمكانيات المتاحة. وبالرغم من الإجتهادات الملحة للتصوير الفني السينمائي تبقى بصمة المؤلف والتميز العالمي هي قطب الرحى ومجمل الإهتمام.
وخلافا لما يعتقد الكثيرون فالفنان لا يحصى بمساحة من الحرية عظمى بل هو قيد تأملاته وواجبه نحو الآخرين مثلما يصرح بذلك أندري تاركوفسكي في الزمن المقيد" لا يكون الفنان حرا أبدا ولا أحد أقل حرية منه لأنه مقيد بعطائه وموهبته وخدمته لآخرين".
"L'artiste n'est jamais libre, personne n'est moins libre que l'artiste, parce qu'il est enchaîné à son don, à sa vocation, à son service envers les autres." Andrei Tarkovski, Le Temps scellé .
إن الأعمال الفنية السينمائية في تونس لها مسارات عديدة وتعاملها مع المحرم والرمز به كثير من الإختلاف وتبين مما سبق أن الفنان مقيد دوما بالرغم من مساحة الحرية التي يشتغل في إطارها. وتعد أرض تونس الخصبة بعطائها مجالا واسعا للإنتاج السينمائي كصناعة أولا وكواجهة أساسية تعكس الشواغل الدفينة للشرائح الاجتماعية المختلفة. فهل توصل المخرجون والمنتجون إلى نوعيات من التعامل النبيل مع التراث اللامادي للبلد وساروا في ركاب الحداثة الفنية بكل الجرد المطلوب؟ في الحقيقة تصعب الإجابة لأن الطريق الوعرة للسينما تتطلب جهدا أكبر وعملا دءوبا للوصول إلى بر الأمان والتألق وصنع آلية عمل متألقة تخرج من الكون السوداوي للتحليل النفساني الموجه إلى رؤى أكثر عمقا مع المحافظة على الفكر التقدمي الجريء لأن الشجاعة الأدبية وخبايا الصورة لها أسرارها ورموزها وكونها الفريد. علينا الخروج من تقاليد التأييد المطلق أو التجريح المتحامل إلى مساحات السجال الرحبة والجدليات المفيدة لعلنا نبلغ التحليق بالفن السابع في سماء قرطاج ولا نعيش على الإعجاب بتجارب الآخرين أو الوقوف على تفاصيل تؤرق ولا تضيف.
المراجع
1) Les célibataires de l’art. Jean Marie shaeffer.gallimard.1996
2) Histoire du cinéma.institut national d’histoire de l’art. Paris sorbonne 2002
3) L’œil à la caméra.Dominique Villain.cahier du cinéma 2000
4) Hédi khalil. الحداثة السينمائية
بقلم منذربشير الشفرة
باحث بمجال الجماليات.تونس
ليس لنا ونحن نستنطق المشهد السينمائي التونسي المعاصر سوى مزيد التعمق في تلك المسارات المسطرة خلال التجارب العديدة التي مر بها المشهد الفيلمي والبعد الميزانسيني ورؤى التجرد من قيم التأصل والأيديولوجيا الوارد من آفاق الغرب. كيف التوصل إلى استنطاق الصورة الفيلمية والبنى السردية دون التعرض إلى مفهوم المحرم بالموجة الجديدة التي تخرق السينما التونسية منذ انتشار أفلام التحدي والتحليل النفساني؟ والتوجه للأيديولوجيا المبطنة كرسالة محملة في طيات السرد. لعلها تراكمات لأفكار صارت تنحت ذاتها من خلال تصور مترهل للحرية الفردية بصرف النظر عن قراءة متأنية للمجتمع واستنطاق لراهنه؟ إن الآلية النقدية للأعمال السنمائية في تونس مقصرة جدا ولا ترقى للإنتاج السنمائي والنقلة التي لقيتها الصورة منذ التطور الحداثي الذي شهدته الثمانينات.وفي كثير من الأحيان نرى المنظومة النقدية تسقط في المجاملة وتقديس المخرج وعمله مع إضفاء هالة من التفرد والتضخيم والقدسية على كل عمل يتناول, يفترض الناقد منذ البدء أن العمل الذي يتناوله بالدراسة قمة في الإبداع ولا تشوبه الهنات ولا النقائص. لنا أن نعرج على التجارب المميزة التي تمثل منعرجا حاسما في تاريخ السينما بتونس وأهمها هي أفلام المخرج النوري بوزيد حين اختط جانب الجرأة في التناول وجعل المدنس إجتماعيا هو الرصيد الحقيقي لإستيطيقا التفرد وبلا شك رائد التيار هو المخرج النوري بوزيد في طرائق تناوله وجعله الصورة نافذة للجسد وللفكر المناضل في سبيل الحرية الفردية ومكن كذلك تتنزل تجارب الفنانة المخرجة رجاء العماري والأستاذ معز كمون والمخرج خالد البرصاوي والمخرج رشيد فرشيو في نطاق البحث عن كينونة جديدة بالصورة والأيقونات المستحدثة. نعتقد أن الدراسة النقدية الموضوعية للأعمال السينمائية تتطلب جهدا مضاعفا وبحثا في آليات العمل السيميائي حتى نصل إلى بواطن الأشياء.
لا يمكن الحديث عن تطور وإشعاع السينما التونسية دون التعرض للأستاذ الفقيد الطاهر شريعة الذي جعل هذا المسار المتطور يعبر الوطن نحو آفاق رحبة من الإبداع والحرية فالسينما لا يتطور دون تلك المساحة الأيديولوجية الذي تستنطق الواقع المعيش وتبحث في آفاقه الرحبة في اختلاف جوهري مع آليات الدراما التلفزيونية فلكل صيغه وصورته. قدم الطاهر شريعة للسينما التونسية أسس التوجه الفيلمي بمواقعه المتعددة كصلة بين العمل الإبداعي الإفريقي والفيلم الأوروبي عموما..لم يكن منظرا ولكن توصل إلى تبليغ هذه الرسالة العميقة الخارجة من موطنه الأصلي صيادة حيث بساطته في المعيش وعمقه في التبليغ. من ذا الذي استمع لرؤاه الفنية الراقية باعتبار تونس رائدة الوصل في مستوى الصورة والحكي ولكن الحقيقة هي أن السينما المعاصرة بتونس سقطت في ثنايا الإنتاج ولم تعر الإبداع الصرف والبصمة المعمقة للمؤلف أي اعتبار ...هي الإنتاج النسقي حسب الميولات الضيقة والتوجهات السيرذاتية كفرصة لتبرير الإخفاق الأيديولوجي والفكري وولوج عوالم الإثارة الرخيصة والتي تنتهج مسارب المحاكات للغرب بالأسلوب واللون التونسي بالتمثيل واللهجة.
إن الفكر الفرنكو أراب هو حقيقة معاشة والمنزلقات الأخلاقية واقع أيضا والأكوان النفسية الخصوصية همس معلن ولكن السؤال المحزن هنا : هل هي مساحة للفرد التونسي أم أن الممثل هو رمز للكائن التونسي؟ في الحقيقة لا يختلف إثنان في أن في تقبل الرسالة الفيلمية تقع مطابقة لدى المشاهد التونسي والعربي والأفريقي والأوروبي ما بين التخييل السردي والحقيقة الأجتماعية فمثلا يضحي "بهتة" بآخر فيلم رمزا للشاب التونسي وسلمى بالدواحة مثالا للبنت أيضا...لم يعر المخرج هنا أي اعتبار لآلية التقبل وبلاغتها وقدرتها على الفعل...فإنتاج فيلم بحد ذاته يعد حدثا جللا ولنا في مثال الفيلم المهم الأول لرشيد بوشارب "التبع المهمشين" بحرب الأندوشين خير تبيان لإقناع المسؤولين ومحاولة جريئة لاستنطاق الواقع وهو نفس الأسلوب المتبع في الفيلم الأخير " الخارجون على القانون" العمل الفني والصورة تحير وتدفع إلى الأمام ..هي البعد الرمزي الذي يضم الأبعاد النفسية ويتوق للحرية بمستواها الإنساني العام ويذكرنا برائعة المخرج رومان بولانسكي في عمله "البيانيست" الذي يتجاوز مفهوم النازية والشعوب المقموعة بلقاء موسيقي بين الشاب اليهودي البولوني الفنان والظابط النازي الألماني حيث تجمعهم نقرات البيانو وتوحد أفكارهم بصفة تلقائية مبسطة بعيدا عن غوغاء الأيديولوجيا التي تدعو للمحق والموت...
نحن نعتقد أن السينما هي دعوة معلنة للحب والحياة وهي تتطلب مجهودا مضاعفا من قبل المبدع وعدم خدمة نرجسيته الضيقة وفكره الميغالوماني. الأفلام التونسية التي تتعرض للجنس محقة في تطرقها لهذا المجال المحرم ومحاولاتها فهم آلياته ولكن المنزلق الخطير هو أن تكون الدعوة مفتوحة والتشجيع واضح ومبطن بسير الصورة وكأن الجنس غير مسموح به بالقيم الإنسانية...إن للحب صور عديدة وثرية وإعلان لصيغ متجددة فالبعد الرومنسي الراقي للحب من خلال الأفلام السيكولوجية يمكن أن تنبني على العذرية والأحاسيس الصادقة والتضحية في قمم تمثلها دون إسفاف...فمثلا حسب التقليد العام للمسار الأمريكي المتحرر والنماذج الفلمية نجد حرصا كبيرا على عدم التدقيق بمشاهد عري المرأة بالفراش بخلاف النموذج الفرنسي وهذا مرده للنفس المحافظ للمجتمع الأمريكي بالرغم من الهالة الكبيرة والإشعاع الذي يقدمه...فما هي إذن تجلياته ونقاط قوته؟ تكون الحكاية والصدق في صدارة المنتج المنبني على تصور مباشر للمشاهد...لقطة وحيدة لفيلم "تايتانك" تجسد هاجس جايمس كامرون ومحاولته إعلان مفهوم التضحية بالعاطفة الإنسانية. مثل مشهد ذوبان جسد البطل بالجليد وموته البطيء ومحافظته على حياة المحبوب وهي على بقايا تطفو على سطح الماء. إنه الصدق بالمشاعر زمن الحب المطلق وإشارة إلى طغيان الفكر المادي في عصر العولمة. فما هو الداعي إذن لإبراز صور تونسية مغالية في الإباحية من خلال الأفلام المشار إليها والتي دار حولها جدل كبير؟ يجب أن نعلن في البداية أننا لسنا بصدد انتقاد الممثلين ولا قيامهم بالأدوار فذلك شيء حرفي وداع للإحترام ولكننا نود نقد البنية الجمالية للعمل. إن استراتيجيا العمل مثلا لدى المخرجة رجاء العماري ومعز كمون تندرج في نفس المسار الذي اختطه النوري بوزيد منذ عشر سنين وحول فيه وجهة الإهتمام من الوطنية الفكرية والعمل على الأنتيليجنسيا إلى تبيان الهواجس الباطنية وسينما الإثارة حيث النزعة الصارخة لأرلكان الفنان في انتقاد الرمز والمحرم بالصورة الجاهرة.
إن الموروث الفيلمي التونسي قد فرض نسقا تصويريا وجمالية فنية يصعب الخروج منها, هي حلقة متواترة من التحديات التي يمكن حصرها في النقاط التالية:
· التطرق إلى الخصوصيات الباطنية للنفس الإنسانية.
· التطرق للممارسات الجنسية وتعميمها وكأنها تخص جميع الشرائح
· التركيز على الهامشي كمقياس أزلي للتطور
يمكن لنا التعرض لقولة المخرج النوري بوزيد عن وشائج القربى بينه وبين أفلامه:
""هم أفراد عائلتي، تربطني بهم مودة وعطف، يحملون إحساسي وهواجسي على الرغم من اختلافهم معي، يعانون من تناقضاتي ومن رفضي للرضا عن النفس. صنعتهم من التمرد الفطري ولأجله"
وهنا نستعرض أفلامه التي تعد تحولا في السينما التونسية ولكن إلى أي مدى نجح للوصول إلى خلقة بصمة جمالية خاصة به؟ قد تكون الصورة الكاشفة عن الترسبات النفسية هي الميزة والأسلوب الرمزي هي الخصوصية الفنية و لكن يصعب على الناقد أن يكون بالمعطيان الأولى مدرسة للسنما أو موجة فكرة هي فحسب توجه تونسي فريد ولكنه على شاكلة الواقعية الجديدة الإيطالية مع تأثر واضح للمدرسة النفسية الفرنسية ويسارية إعلانها للأفكار.
" ريح السد" شريط طويل سنة 1986
"صفائح ذهب"، شريط طويل سنة 1989
"وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح"
وهو شريط قصير من الفيلم الجماعي "حرب الخليج وبعد" سنة 1990.
"بيزناس" شريط طويل سنة 1992
"لذّات" شريط وثائقي سنة 1994
"بنت فاميليا" شريط طويل سنة 1996
"عرائس الطين" شريط طويل سنة 2001
"آخر فيلم" شريط طويل سنة 2006.
إن المسار الثري للنوري بوزيد يدعو للتأمل حول القيمة الفنية التي أضافها في أفلامه فهو يبتعد عن كل تصنيف ويحاول تبيان أكوانه الفيلمية بكل تجرد ولكن الملاحظ لديه هو اتباع أسلوب الفجئية في الطرح والمغالاة أحيانا في مباشرة المشاهد. بيد أن الأكيد هو أنه تعامل مع المحرمات بكل الحرية المطلوبة والواقع حسب رأيه هو أكثر جرأة مما يطرح ناسيا أثر الصورة في النفس ووقعها على المتقبل بالرغم من ثقافاته المتعددة وشرائحه المختلفة.
يمكن أن نعرج هنا على قولة ذات بال للمخرج كارل دريير " ليس المهم اقتناص أشياء الواقع بالنسبة للمخرج بل الفكر المخزون داخل ووراء الأشياء" وما نلاحظه في هذا الإطار هو لهفة المخرجين في تونس على تسجيل اللافت في الواقع والتركيز على أشياء دون أشياء أخرى دون الولوج إلى عوالمها ودلالاتها العميقة.
" Ce ne sont pas les choses de la réalité que le metteur en scène doit privilégier mais plutôt l'esprit dans et derrière les choses." Carl Dreyer
مثلما يصرح أيضا المخرج جان لوك غودار " لا يجب القيام بأفلام سياسية ولكن القيام بها سياسيا" والملاحظ هنا هو التوجه إلى توظيف الفيلم بطريقة مباشرة إما بسلوك مبسط ورمزي داخل منظومة واقعية وإما بمحاولات من الفنتازيا التخييلية.
لدى المخرجين التونسيين الذين برزوا بعد الثمانينات تطلعات فيها كثير من الجرأة والفرادة وجب التنويه بها وخلق أيضا جيلا مهما من التقنيين والمصورين والممثلين البارزين مثل المتألق الفنان ظافر العابدين في أدواره التي تعتمد الحضور على الصورة والتفاعل مع الكاميرا مع جاذبية الممثلين الكبار وهذا ينم عن دراية وخبرة وموهبة. ولكن النقص الذي يمكن الإعلان عنه يخص المنظومة الأهم وهي حلقة الكتابة. فالساحة الفنية بتونس تعوزها الكتابة الموجهة التي تحمل أبعادا فكرية والتي رغم بساطتها تطرح بكل تجرد هواجس الشعب وتخرج من النخبوية إلى مكامن فيها الكثير من الإجتهاد. كما يمكن معها أن نتحدث عن أسلوب مرتقب للكتابة وشخصية تدعو للتفكير ولهذا السبب نجد أغلب الخرجين قد نحت تمثاله السينمائي بنفسه وعلى شاكلة مخياله ولم يتبين له أي قصور أو تشويه لأنه صانع المثال وأول مستهلك له وكثرت إذاك أنوات ( جمع أنا) الفنانين وطفقوا ينتجون ويصورون ويتحدثون بلغة الإبداع والحرية ويغزون الجسد في غارات لا قبل للمشاهد بها...الدعوة إلى ماذا؟ لنفي القيم الأخلاقية السائدة...ولكن البديل يبقى غامضا...غائما. لا يمكن المرور دون نظرة بسيطة لما ينجزه المخرج عبد اللطيف بن عمار وخصوصا بآخر أعماله "النخيل الجريح" فقد فهم ثنائية المحرم والرمز بكل الذكاء السينمائي ولكن ما يشد في العمل هو جرأة التناول وحواره مع الآخر بكل الحرية والمسؤولية المطلوبة وإعلان عن تلك النفس المسلوبة من كيانها. فعبد اللطيف بن عمار يؤمن بالرومنسية الجديدة في عصر التحجر ويحاول أن يقلب بين يديه دون نرجسية سيرذاتية دأب عليها أقرانه صفحات مؤلمة من التاريخ ويمكن تصنيفه من الأفلام الوجدانية النفسية الجمعية من منظور دوركهايم حيث له وشائج قربى مع صنوه رشيد بوشارب في طرائق تناوله بيد أن بوشارب يضفي السمة التراجيدية من موت مفاجيء ينبض دما بعين مخرجة ويحن شوقا لإعادة خلق اللحظة.
"L'art ne rend pas le visible, il rend visible." Paul Klee
" Sois sûr d'avoir épuisé tout ce qui se communique par l'immobilité et le silenc
من الطبيعي أن يصرح مبدع العمل أنه متصل بعمله ومتواصل معه وهذا ديدن النوري بوزيد حين يشعر بتوحده مع العمل الإبداعي الذي ينتجه. ولنا أن نسأل بهذا الموضع عن تلك المسافة النقدية المبطنة التي يجب أن يتحلى بها المبدع بصفته مخرجا وكاتبا للسيناريو فحين يخلط المبدع ما بينها يصبح العمل الفني رسالة مجردة حاملة للأيديولوجيا وتفقد كثيرا من ألقها ومن صيرورة إشعاعها الإنساني...إن المحرك الرئيس للأعمال الفنية للنوري بوزيد هو استنطاق الواقع وتناول قضايا الجسد والتدين. وفي ذلك مطبات عديدة ومزالق أكبر مثل النهج الذي أخذه مثل التعميم وجعل الهامشي هو المسار الحقيقي للموطن وبعبارة أوضح يجعل من الهاجس الشخصي الباطني هو الشعار الإجتماعي المميز فالمثلية الجنسية مثلا تصبح قاعدة والإغتصاب في الطفولة هو المسلك الرئيسي والقضايا الحميمية للفتاة هي الأس الرئيسي للتشكلات النفسية والتطرف الديني هو السائد...والحقيقة أن كل ذلك مغالطات وطرح يفتقد للموضوعية إعتمادا على مكان بعينه وزمان محدد. فمثلا حين يفهم المشاهد من هذا الواقع المعيش من خلال فيلم "آخر فيلم" يفهم أن كل الشباب التونسي في حالة تماهي وتوحد مع الشاب " بهتة" ورفاقه المهمشين الذين يتميزون بحرية المعتقد والثورة على السائد والمسالك التقليدية وخصوصا التدين مع تبيان الفرق ما بين الدين المتسامح والتدين والحقيقة هو أن المجتمع التونسي أكثر ثراء وأكثر تشعبا من فهم المخرج الذي يسقط حالة إجتماعية لبعض أحياء العاصمة ويعممها على كل الشرائح الشبابية من جنوب البلاد إلى شمالها. إن الأعمال الفنية للمخرج النوري بوزيد تتنزل في إطار الحرية الفنية وهذا هو المشكل الرئيسي الذي يسم السينما التونسية. هل الحرية الفنية آفاق بدون حدود؟ إلى أي مدى يمكن للقيم الأخلاقية أن تكون إعلانا وسمة للعمل الفني؟
في البداية, من واجبنا مناقشة تبيان الحرية بالصورة الفيلمية. السينما هي الحياة بأتم معنى الكلمة والصورة هي الموقف الذي يتخذه الفنان لتبيان موقفه من المجتمع ولنا أن نصرح هنا أن جل الأفلام الموجة الجديدة منذ الثمانينات تتناول التوجه النفساني وتطرح الخصوصية الجنسية كنافذة أساسية التي لا تطل سوى على خبايا الشرائح المهمشة وتحاول تجاوز الحرمات والتصريح باللفظ والصورة عن هذه الحرية المتجددة.
الجانب الأول هو اللفظ وذلك يعني استعمال الكلام العامي الذي لا تقبله الأوساط المحافظة من سب وكلام يجهر بالجسد وتفاصيله وهي اللغة المستعملة من الشريحة المهمشة حتى تعلن عن رفضها بعنف للقوانين السائدة وهذا ما يميز أفلام النوري بوزيد ورجاء العماري ومعز كمون وخالد البرصاوي...الكلمة إعلان عن الرفض وفحشها تصريح بالثورة من هذا المظور وهي رؤية قاصرة جدا فرب كلام قصير ورصين يزلزل ويقع في النفس ويثيرها...يزعم في هذا الموضع مخرجو الأفلام أنهم كانوا محاذين للحرية ومعلنين عن بواطن المجتمع ولكنهم يتناسون وقوعهم في جورة التعميم بأن كل تونسي مالك لهذه اللهجة العنيفة والمترهلة والفاقدة للقيم الفاضلة وهذا التيار اساسا فرنسي التوجه حيث اعتمد المخرجون الفرنسيون بعد الموجة الجديدة بالستينات والسبعينات على طرح الطابوهات اللفظية كزلزلة لفكر النمطية والتحجر فما تقوم به الأستاذة المخرجة رجاء العماري مثلا بفيلم الدواحة سوى صدى لتلك الأفلام المميزة وشخصيات متونسة لفكر ماي 1968 الصارخ والداعي إلى قلب الموازين وهو الفكر المتسم بالجرأة والتقدمية والتطور الهام ولكن يبقى نفس السؤال المطروح: ما هو البديل المطروح لدى المخرجة الموقرة من خلال الستار الأحمر والدواحة؟ هل تطرح اللغة المتمردة والجرأة المستوردة بكل تفاصيلها كبديل للحياة المستقبلية التونسية؟ يعتبر جيل رجاء العماري ومعز كمون وخالد البرصاوي تواصلا للنهج الذي اختطه النوري بوزيد من استنطاق جريء للواقع المعيش ومحاولة لتبيان الجانب الخفي الذي طمسه التدين المفرط.
الجانب الثاني هو الصورة وبنفس الوقع والمسار يتبين كيف تعرض المخرجون لمواضيع الجسد والفكر بكل العنف في الطرح فالصورة الفيلمية لها وقع أشد من التلفظ ورسالة ليس من الهين توقع نتائجها.فمنذ تعرض أفلام النوري بوزيد لقضايا المسكوت عنه بصفة معلنة وواضحة المعالم نجد لدى المنظومة النقدية منذ الثمانينات التهليل والتكبير للإنجازات الفريدة في طرائق غزو الجسد والتطرق للمحرمات بكل الجرأة المطلوبة والنفس الثوري ولكن المتأمل في الظاهرة التي تمتد إلى الآن مع مثيلاته من رجاء العماري وغيرها من التحرر الأنثوي المطلوب...ليس من إختلاف حول التحرر والتطور ولكن الأمر يتجاوز كل ذلك من خطورة التهويل والتضخيم إلى حد المغالطة بالصورة...فكأننا بالمخرج ذلك البطل الفريد الدون كيشوطي الذي توصل إلى كشف الواقع "الظالم" بالحديث المصور الذي لا يقدر عليه أحد والحقيقة هي أننا في زمن حوار الحضارات نجد الفكر الغربي المستنير يتوق إلى تهدأة حلمه والعودة إلى تلك المناخات الإجتماعية المتماسكة والتي تحكمها قيم الخير والفضيلة ونجد بلدان الجنوب تعيش مجددا فترة الثورة الجنسية التي شهدتها أوروبا منذ الستينات...هي بالحقيقة فترة ضرورية لإنصاف النفس ومنحها المساحات الضرورية يمكننا مثلا الإشارة إلى العمل المميز لباتريس شيرو في فيلمه "الإنسان الجريح" حين تعرض لقضية المثلية الجنسية بكل الثراء الإنساني والتفكر حول الطبيعة في تواجدها مع الفكر المدني من المنظور المفكر روسيو وقد أثارت الموضوع بكل الجراة والنبل المخرجة التونسية نادية الفاني مع إضفاء بعد أنثوي للقضية...إذن ما هو المقلق في تبيان الصورة الفيلمية؟ ما هي القضية التي أثارت الجدل الكبير حين بث فيلم صفائح من ذهب وفيلم الدواحة وفيلم آخر ديسمبر وفيلم بين الوديان؟ وما هي تجليات الرمز والمحرم بهذه الأفلام ومدى تفردها؟ كيف نقبل الحرية الفكرية ونضجر بإعلانها من خلال تصوير المفاتن الجسدية واللحظات الساخنة في تجلياتها الحميمية؟
إن الصورة هي استنطاق للواقع وكشف لبواطنه ولكن الحلم الكبير الذي يميز المبدع لا يجب أن ينزلق في التفصيل ويكون صدى لحضارات أخرى وتجارب الغير. الإجابة بسيطة وهي الإغتراب الفكري وذلك يعني أن الدعوة للتحرر الأيديولوجي لم تأت من خلال خيارات وطنية متأصلة ومتجذرة بالأصول الفكرية التي تميز البلاد وتدعو إلى تطوير جدي وجذري من خلال نسق متواصل وجهد يومي دائب وهذا ما نلمسه في فكر خير الدين والطاهر الحداد والتطور الفكري التونسي الراسخ القدم في قيمه الأخلاقية والدينية والتقدمية في آن...فمثالنا هو الإنجاز الفريد الذي ميز مثلا فيلم الدواحة من تعرية البطلة لصدرها وذلك إعلان للحلم والتحدي والثورة ولا شك في ذلك وهو أيضا عمل محمود للفنانة في نسق اتباعها مسار الصورة البديلة عن كلاسيكيات النمطية للفيلم التقليدي ولكن السؤال المطروح هنا هو الآتي: ما الذي تقدمه رسالة التعرية المعلن والمفضوح؟ ما هو الغرض الذي تحاول المخرجة تبيانه؟
هل هو عكس للحظة الوجد النسوي أو إثارة للمشاهد الممكن ورسالة للغرب أن في كون الشرق أيضا جرأة وعدم وجود مساحة غير مكشوفة لهذا الشرق الجديد؟ إن العمل الفني هو العمل المحاور وليس العمل الذي يعرض البضاعة الغير المتوقعة فاللون المحلي هو الذي يلقى الرواج ويقنع المشاهد الغربي والشرقي في آن ويمكن أن ندرج بهذا الإطار العمل الروائي المميز للأفغاني عتيق رحيمي من ولوج عوالم الثبات بلغة باطنية ثاقبة وترميز أو بعض الأفلام الإيرانية التي تطرح الإيمان في القرن الحالي كقضية تهم العالم بأسره وتبيان لأسباب الوجود دون محاكاة للغرب.
نعتقد في هذا النطاق أن الأزمة الرئيسة التي تسم السينما التونسية هي محاولة السينمائيين أو جلهم إعتبار التطرق الجريء بالصورة هو السبيل الوحيدة للتغيير مع استلهام الأساليب الفنية المضمنة من الموروث الفيلمي الفرنسي المعاصر والواقعية الجديدة الإيطالية ولجوء عدد كبير إلى التغرد بأساليب الغنائية والدرامية للأمريكيين كسارج ليوني. يمكن لنا أن نورد رأيا لمخرجة تونسية شابة فيه كثير من الصحة وهي فاتن الحفناوي:" الذي أحسه مع كامل احترامي لكل المخرجين، أن السينما التونسية هي سينما المخرج المؤلف، الذي يقدم فيلما في تونس عادة ما يتحدث عن موضوع شخصي مع أن الأفلام جيدة تقنيا.. لكن السؤال الذي اطرحه دائما. لماذا لا تخرج السينما التونسية عن القوالب المعتادة وتتحدث عما يجري في العالم ويرد المخرجين الفعل... المخرج النوري بوزيد، لأنه تمكن من وضع بصمته بردة فعله في فيلمه الأخير.. الوحيد من المخرجين التونسيين الكبار الذي تفاعل مع ما يجري حولنا في العالم. أحبه واحترمه منذ كان أستاذي وزاد احترامي له بفيلمه الأخير" . فقط نريد أن نضيف في هذا النطاق أن تقنية الصورة ليست بعزل عن المضمون فلا يمكن أن نتحدث عن إبداع جمالي بالصورة وتقصير بالحكاية والسرد فالعمل الفني هو تكامل منجز للصورة والكلام والحكي. ويمكن في هذا الموضع الإشارة إلى العمل الفيلم الأخير أو مشروع إعداد فيلم ذي السمة التجريبية فهو خلافا لما قد يعلنه العمل من ثورية في التصوير أي تقنية التضمين"فيلم داخل فيلم" بيد أنه إستيطيقيا كلاسيكي النزعة وواضح الطرح وهو محاربة دون مواراة للفكر الرجعي بكل تفاصيله ولا يتطلب جهدا كبيرا للفهم ويمكن هنا التعرض بإطراء للدور المنوط بالممثل لطفي العبدلي لما قام به من تلقائية وبساطة بأدائه لدوره ولكن بالرغم من كل شيء هو ذاته وقع في النمطية من تقليد لشباب الأحياء الصعبة التي تعيش حياة البؤس والفن وقد استلهم كثيرا من شخصيته في الحياة كي يسقطها بالعمل الفني وهو ربما ما شد المخرج المضمن والمخرج الحقيقي في ثنائية جدلية تصل إلى حد التشنج وهو موجه أساسا لشريحة مثقفة تفهم جيدا نوعية هذا الصراع.
وفي نفس منطق الإثارة نقرأ للروائي كمال الرياحي موقفا مماثلا لفيلم "الحادثة" لرشيد فرشيو حيث يعتمد موقف الإثارة الرخيصة حتى يسوق الفيلم ويلج الممثلون عوالم الشهرة ويعيش المخرج بالتالي شعور التفرد والتحدي والإنخراط بمدرسة النوري بوزيد المبنية على الفرادة في الكشف والجرأة في التصريح:
" فانتظرنا ككل المتابعين للسينما المحلية عرض هذا الفيلم الذي كنا نتمنى أن يكون حدثا في السينما التونسية فكان اسما على مسمّى، مجرد حادثة نتمنى أن تكون عرضية في تاريخ السينما لما رأينا فيه من تراجع كبير عن المكتسبات التي حققتها السينما التونسية. وأعتقد أن نبل القضايا التي تناولها لا تشفع له ضعف الآداء الفني وتفكك السيناريو وضعف الآداء التمثيلي لجل الممثلين، وكأن المخرج التونسي رشيد فرشيو يدخل سوق السينما بشعار الشارع المصري "الجمهور عاوز كده"و قد صرّحنا إلى إحدى الفضائيات بعيد عرض الفيلم بأنه يدخل السينما التونسية في حقل "أفلام المقاولات" لأول مرة. تلك الأفلام التي تستقطب الجماهير ولكنها تسجّل في التاريخ الأسود للسينما لأنها خالية من أي إضافة فنّية..
وإن كان محرّك الفيلم هو الايدولوجيا، و نحن نشك في هذا، فإن "من طبيعة الايدولوجيا أن يكون المرء فيها أعمى" لذلك ازدحم الفيلم بالمتناقضات والصدف المركّبة والأخطاء الفنية التي لا يرتكبها مخرج هاوٍ. وإن كان صحيحا أن واقعية السينما شيء والواقع شيء آخر كما يقال فإن السينما عليها أيضا أن لا تخلق منطقا خاصا بها يسيّر عملية سرد أحداث الفيلم ...
هذا عدا الصدف العجيبة و الغريبة التي تتحكم في مسار الفيلم و قيامه على كليشي مستهلك في السينما المصرية وهي خيانة زوجة الضابط زوجها العنيف" ( باب المتوسط. 24 جوان 2008).
وهنا تبرز التقنية السينمائية الفريدة في تطرقها إلى أكوان من الرمز من خلال عملية التصوير واللعب مع الأضواء...فهنالك استراتيجيات عمل يمكن التفكر فيها مثلما يقدم لذلك روبار بريسون " إلى استراتيجيات السرعة والصوت يمكن القيام باستراتيجيا البطء والصمت" لكننا نجد في كثير من الأحيان النسق الفيلمي بالأعمال التونسية تتميز بخليط من البطء والسرعة دون قصدية معلنة وربما كان علينا في هذا الإطار تأكيد نضج التجارب السينمائية لكل من محمد الزرن في بحثه عن كينةنة جديدة للرسم بالتشكيل البصري والأعمال المميزة لمعز كمون حين توصل إلى تبليغ الرحلة البصرية والتناغم من خلال عمله الأخير "آخر ديسمبر" حيث أمكن له أن يصيد شخوصه داخل امتداد ريفي طبيعي جميل ورائق. مثلما كان روبير بريسون يدافع عن الرغبة في الإكتشاف ولحظة الإنكشاف في كتابه "ملاحظات مصور".
إنها لحظات العشق المتيم تأخذ المصور والمشاهد في آن. ولنا أن نسأل في هذا الإطار هل ا|لأعمال الفنية السينمائية في تونس تطبيقات غربية لتقنيات مع روح تونسية أم أن الفن تخلص من كل الجنسيات وتحول إلى عمل مطلق؟
الملاحظ للتيار الفيلمي التونسي يأسف كثيرا لضيق الكون الفلسفي العميق وعدم وجود مساحات للفكر والتأمل وعدم الخوض بمساحات الحلم بمفهوم باشلار من " أن التخييل هو إعلاء الواقع بدرجات" وربما في ملاحظاتنا بعض التعميم ولكننا نرى أن هذا ما يسم الأغلبية من خلال ظواهر غريبة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أ) الإعتماد على أسلوب التحليل النفساني من خلال التعرض لقضايا الشباب
ب) الإنفراد بالقراءة الشخصية الضيقة للمخرج
ت) إعتبار الجسد النافذة الوحيدة للحرية
ث) التقنية السينمائية لا تتميز بأسلوب فني يميز المبدع وعدم التوصل إلى تشكل مدرسة
الفنان المهتم بالسينما والمنتج للأعمال الفنية صاحب مخزون جميل من الأحاسيس والأفكار الحالمة والراقية، يرى أن على المتقبل أن يضطلع بدوره في نشر رسالة الفن السينمائي الراقي في المجتمع كما أن المجتمع الذي يستعرض تشكيلة واسعة من المدارس الفنية والأساليب التقنية في صناعة العمل الفني، يعلم تماماً لغة الحكي وتفاصيله. لأنه سيكون فاهماً إلى حدٍ كبير ما الذي يبحث عنه، ويعرف كيف يقرأ أو يترجم خلجات الفنان. وحتى إذا لم يعجبه الأسلوب أو الفكرة، فهو على الأقل مدرك للفن....
ومن ناحية أخرى فهذا الحس الجمالي سينعكس بذلك على مناحي الحياة الأخرى من سيكولوجيا وتفاصيل ، بيد أنه لا يعتمد على تفضيل أسلوب على آخر، بل على الذائقة الفنية عموماً".
وليس هناك بالتالي فجوة بين المتلقي والعمل الفني، والواقع هو أن العمل الفني أحد أهم طرق التوصيل المباشرة للقيم الإنسانية وانتشارها بين الناس. وفي هذا النطاق يمكننا التعرض إلى أعمال المخرج المبدع عبد اللطيف بن عمار من سجنان إلى فيلم التحدي والرومنسية " شامة النخيل الجريح" فقد بات أسلوبه في الإخراج مزيجا من الحساسية والتناغم مع إضفاء روح من الوطنية المبطنة والخفية التي تهز مشاعر الذين عاشوا فترة بنزرت ومحاولات استنطاق التاريخ لإعادة الإعتبار لماض ظن لأنه ولى. لقد كان عمل المخرج عبد اللطيف بن عمار تواصلا لمدرسة تونسية بدأت بفيلم الفجر لعمار الخليفي ووجدت صداها بأعمال الملتزمين بهواجس الوطن الأم ولكنه لم يغفل الجانب الحقيقي للتاريخ وحاول من خلال الشخصية الواقعية أن يفتح ملفا جديدا لم يستنطق بعد وأوكل المهمة لطالبة جامعية وكأنه يريد مزيدا من الدقة في محاسبة التاريخ مع إسداء الدور المهم لفنان لم تسلط عليه الأضواء كثيرا وأدى أدوارا تلفزية غير ذات بال لكنه يمتاز بكاريزما الحضور وتبيان الوجه المشرق للجيل التونسي وهو الفنان ناجي ناجح , حين يحاول تمرير الرسالة بكل الصدق والأمانة ويكشف عن وجه المستعمر المخادع والمتسلط, لم يكن لدى عبد اللطيف بن عمار أي وجل في تناول قضية الحال حيث جسد حقا حرية التعبير عن الإحساس الفردي والإحساس الجماعي مع نزعة حميمية ورومنسية جديدة في تبيان النوستالجيا وقد خصص مساحة كبيرة للمساهمة الجزائرية كإعلان عن فكر منفتح وديمقراطي في مستوى الفن. كتابة عبد اللطيف بن عمار السينمائية مزيج من الحنين الباطني والثورة الهادئة ولعله درس لكل الذين يرون في أنفسهم القدوة والتفرد بالثورة على المجتمع بصفته قامعا دافنين بهذه الطريقة كل الهواجس الأخرى المهمة في حياة التونسي والعربي المسلم داخل دوامة العولمة فالكائن السينمائي ليس ذاك السجين الذي يكتفي بالنظر المطول لسرته ولا الذي يحاول التسري وشخصنة القضايا المصيرية للإنسان. ليست مثلا كل الأمهات من مثيلات راضية بالدواحة تضرب عرض الحائط مباديء الشرف والعفة وتطرح نموذجا حرا من كل القيود. نعي هنا أن دور المثقف رئيسي في التشجيع على اختراق كل المحرمات إذا توفرت منظومة اجتماعية متوازنة تطرح نفسها كبديل أساسي والغريب أنه بأفلام النوري بوزيد ونفس التوجه الذي يتخذه من عقبه من المخرجين لا نجد الطرف الذي يمثل النقيض وإن وجدناه فهو مختل ينتفي معه شرط التوازن. هي قصدية الريبية والتشكيك التي تعكس رؤية الآخر, قراء للفكر الغربي الذي ليس هو المثال الذي يجب استيراده...تتم بكل التجلي ومن خلال الصورة رؤية مشوهة للماضي وهي ذات الرؤية التي يصورها المخرج الفنان "رضا الباهي" من خلال أفلامه ولكن بكل الإشراق الضروري والنقد الهاديء والطبيعة الحنينة ب"صندوق عجب" ويمكن أن نعود إلى مقال الصحفي سميح بن عامر لتبيانه مرجعيات الواقعية الإيطالية والشرقية المصرية حيث يخرج هنا عن سرب الجمالي التونسي:
"كما أن الباهي وعلى عكس بعض السينمائيين المغاربة الذين ينطلقون من القطيعة مع السينما المصرية السائدة تجاريا، يعتبر نفسه تلميذا في مدرسة يوسف شاهين وصلاح أبوسيف وبركات ومحمود ذو الفقار، بالإضافة إلى عشقه للواقعية الايطالية الجديدة. ومن أفلامه الثائرة والمرجعية "السنونو لا تموت في القدس". ومن أهم المشاريع التي أعد لها الباهي فيلمه "براندو وبراندو" عن أسطورة السينما العالمية النجم مارلون براندو الذي وافق بالفعل على مشروع الفيلم وأبدى إعجابه بالسيناريو، لكن فرحة الباهي كمخرج عربي بهذا الانجاز لم تتم بسبب وفاة براندو ليعود اليه اليوم من خلال فيلمه المرتقب "حينما تسقط النجوم"
ويضيف الصحفي سميح في نفس الإطار كلاما عن انتاجات الباهي بمجال السينما:".
"وللباهي العديد من الأفلام الروائية والوثائقية التي نحتت مسيرته الاخراجية بكثير من الابداع منها: "الملائكة" 1983 بطولة كمال الشناوي وليلى فوزي ومديحة كامل، إنتاج كويتي مصري تونسي، وعرض في أسبوع المخرجين في كان، و"وشم على الذاكرة" 1986 بطولة جولي كريستي وباتريك برويال وحميدو والذي اختير في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية الدولي، و"السنونو لا تموت في القدس" 1994 وحصد جوائز عالمية في فالنسيا وباستيا وغيرها. ثم "صندوق عجب" 2002 بطولة هشام رستم والمطرب التونسي العربي لطفي بوشناق. كما قدم في الثمانينات 10 أفلام وثائقية لصالح مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي منها فيلمي "صناعة السفن" و"أعماق البحر"، وقدم أيضا سلسلة وثائقية بعنوان "القدس العربية" عن مخرجين عرب منهم الأخضر حامينا وفريد بوغدير وكريم بهلول وعبد اللطيف بن عمار" (المصدر: العرب أونلاين-صابر سميح بن عامر).
لقد أطنب النقد التونسي في مدح تجليات الصورة في السينما التونسية ونحن أيضا ندرك ذلك ونجله ولكنه الجد الأدنى للعمل السينمائي ولم نجد له ميزة تفرده وتخرجه من النمطية. فتونس السينما هي المكان المثال الرمز لبروز عدد مهم من الإنتاج الجيد ولكن نظرا لقلة الكتابة بالسيناريو ونظرا لجمال الصورة وعدم اتسامها بجوهر وأساس مميز تبقى رهينة التقلبات الظرفية. يمكن مثلا أن نتعلم من المساحات التشكيلين السينمائيين من أمثال جاكسون بولوك. نسق الخريف ( 1950) و دوغلاس سيرك في كل ما تسمح به السماء( 1955) بخصوص التجريد الغنائي وهي مغامرة الضوء في البياض حيث لا يعد الفكر داخل صراع وينمو بالإمكانيات المتاحة. وبالرغم من الإجتهادات الملحة للتصوير الفني السينمائي تبقى بصمة المؤلف والتميز العالمي هي قطب الرحى ومجمل الإهتمام.
وخلافا لما يعتقد الكثيرون فالفنان لا يحصى بمساحة من الحرية عظمى بل هو قيد تأملاته وواجبه نحو الآخرين مثلما يصرح بذلك أندري تاركوفسكي في الزمن المقيد" لا يكون الفنان حرا أبدا ولا أحد أقل حرية منه لأنه مقيد بعطائه وموهبته وخدمته لآخرين".
"L'artiste n'est jamais libre, personne n'est moins libre que l'artiste, parce qu'il est enchaîné à son don, à sa vocation, à son service envers les autres." Andrei Tarkovski, Le Temps scellé .
إن الأعمال الفنية السينمائية في تونس لها مسارات عديدة وتعاملها مع المحرم والرمز به كثير من الإختلاف وتبين مما سبق أن الفنان مقيد دوما بالرغم من مساحة الحرية التي يشتغل في إطارها. وتعد أرض تونس الخصبة بعطائها مجالا واسعا للإنتاج السينمائي كصناعة أولا وكواجهة أساسية تعكس الشواغل الدفينة للشرائح الاجتماعية المختلفة. فهل توصل المخرجون والمنتجون إلى نوعيات من التعامل النبيل مع التراث اللامادي للبلد وساروا في ركاب الحداثة الفنية بكل الجرد المطلوب؟ في الحقيقة تصعب الإجابة لأن الطريق الوعرة للسينما تتطلب جهدا أكبر وعملا دءوبا للوصول إلى بر الأمان والتألق وصنع آلية عمل متألقة تخرج من الكون السوداوي للتحليل النفساني الموجه إلى رؤى أكثر عمقا مع المحافظة على الفكر التقدمي الجريء لأن الشجاعة الأدبية وخبايا الصورة لها أسرارها ورموزها وكونها الفريد. علينا الخروج من تقاليد التأييد المطلق أو التجريح المتحامل إلى مساحات السجال الرحبة والجدليات المفيدة لعلنا نبلغ التحليق بالفن السابع في سماء قرطاج ولا نعيش على الإعجاب بتجارب الآخرين أو الوقوف على تفاصيل تؤرق ولا تضيف.
المراجع
1) Les célibataires de l’art. Jean Marie shaeffer.gallimard.1996
2) Histoire du cinéma.institut national d’histoire de l’art. Paris sorbonne 2002
3) L’œil à la caméra.Dominique Villain.cahier du cinéma 2000
4) Hédi khalil. الحداثة السينمائية

التعليقات