عندما يصبح الحلم مسرحا للواقع

عندما يصبح الحلم مسرحا للواقع
محمد سعيد محفوظ
الأفلام الوثائقية مملة، أو معظمها كذلك على الأقل.. لا يستطيع صناع الأفلام الوثائقية أنفسهم أن ينكروا هذه الحقيقة.. فإذا لم تكن متخصصاً في صناعة الأفلام الوثائقية، أو هاوياً لها، أو مهتماً بما تعالجه من قضايا، فسوف يكون من الصعب عليك أن تحتمل فيلماً يفسر لقطاته الغامضة تعليقٌ صوتيٌ رتيب، أو يبحث طوال الوقت عن إجابات مستعصية بأسلوب بوليسي مفتعل، أو يسعى جاهداً لإعادة الحياة إلى لقطات أرشيفية بإضافة مقطوعات موسيقية مكررة.. هذا هو حال أقل الفنون البصرية حظاً في جماهيريته، وهو الفيلم الوثائقي، كما يراه بعض النقاد، وكثير من المشاهدين.
إذا طبقنا التعريف الكلاسيكي الذي وصف به جون جريرسون الفيلم الوثائقي عام 1926، وهو (المعالجة الإبداعية للواقع)، فلن يثير هذا الانطباع دهشتنا، فوفقاً لهذا التعريف نحن أمام إعادة نظر في أحداث وقعت بالفعل، سيكون على المخرج أن يبرهن على مصداقيته وموضوعيته بنقلها من دون تدخل، أو بإضافة أقل قدر من المؤثرات، وهنا يكمن الملل في هذا النوع من الأفلام.. إنها تحمل المُشاهد إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل، وأشخاص لم يقابلهم من قبل، لكن عنصر المفاجأة سرعان ما يختفي أمام المعالجة الحذرة لهذا الواقع غير المطروق.. المعالجة التي تتجنب اقتراف إثم الذاتية والتحيز، فتفتح الباب لأقل القليل من الابتكار والإبداع. العيب ليس في التعريف، ولا في تطبيقه الأعمى.. العيب في فهمنا لمعنى الواقع بشكل عام.. ما هو الواقع؟ هل هو ما يدور حولنا من أحداث راهنة؟ هل هو الوصف الحقيقي للوضع المحيط كما هو موجود؟ هل هو ما جرى بالفعل ولا يمكن الادعاء بشأنه؟ من المنظور التقليدي، كل هذه التعريفات دقيقة، ويسهل على رواد المدارس القديمة إدارج عشرات الأمثلة عليها.
لكن أياً ممن صكوا هذه التعريفات لم يُعمِل عقله ولو قليلاً في المعنى الأشمل للواقع، الذي يغطي (كل) الانعكاسات المحتملة للبيئة، وما تفرزه من تفاعلات تنشأ عنها ـ ضمن ما ينشأ ـ أحداث ووقائع، تلخص هذه الرؤية الضيقة للواقع الذي يغذي الفيلم الوثائقي، كما يراه رواد مدارسه العتيقة.. هؤلاء ـ إلى وقتنا هذا ـ يصبّون جل اهتمامهم على الانعكاسات المادية فقط لهذه البيئة، التي تتضمن فصولاً من قصص حياتنا كما تجري خلال أوقات الوعي واليقظة، من دون تدخل أو تحريف، أملاً في نيل وسام النزاهة من الجمهور والنقاد.
ولكي نشخص القصور في هذا التناول المنقوص للواقع، علينا أن نقر بأن أوقات اللاوعي (التأملات والأحلام على سبيل المثال) هي الأخرى تتسع لمزيد من تلك الانعكاسات الناجمة عما يدور في بيئتنا من وقائع وأحداث.. وطبقاً لبعض الرؤى فإن هذا النوع من الانعكاسات الفكرية والمعنوية تنطوي على مدلولات أدق للواقع، إذ أنها تحتل المنطقة الحرة في ذاتنا، البعيدة (ولو نسبياً) عن قبضة القيم الاجتماعية والثقافية التي تقلم أفكارنا في العادة، وتبقي منها ما يناسب ويرضي المجتمع..
تعالوا نطبق هذا المفهوم على فيلمي (أي كلام).. فالفيلم لا يفترض أحداثاً لم تقع، ولا ينسج من الخيال قصة غير حقيقية، وإنما يقوم على تجربة عاشها البطل (سعيد) بالفعل وتأثر بها، وهو الآن يرغب في أن يرويها للمشاهد، لكنه ـ بدلاً من أن يجلس على مقعد أمام الكاميرا، عاقداً ذراعيه ومصوباً نظره باتجاه مضيفه ـ يستعين بكل ما هو غير تقليدي لسرد قصته، ليس فقط للتغلب على قلة صبر المشاهد (وهي إحدى أزماته في الفيلم على أي حال)، وإنما لأنه اختار أن يدعونا إلى مسرح خياله، كي نرى قصته كما رآها، وهذا هو البديل الأكثر قبولاً واحتراماً لديّ كمخرج، من مجرد ضيف أو بطل (أياً كانت الصفة)، يستدعي أجزاء من قصته أثناء الفيلم، ثم تمتلئ عيناه بالدموع، فإذا بي أسارع بتقريب العدسة نحو عينيه، وأهلل فرحاً بعد انتهاء التصوير، قائلاً: لقد صنعت فيلمي!
الجديد في (أي كلام) أنه يوثق لانطباعات تدور في الخيال عن أحداث ومواقف حقيقية، وفي رأيي أن الانطباعات ـ وحتى الأحلام ـ هي جزء من الواقع، فالانطباعات هي قراءة للواقع، والأحلام انعكاس له، ومعرفة أحدهما أو كليهما يساعد في فهم الشخصية، من دون الحاجة إلى توجيه أسئلة مباشرة.
وقد دعي سعيد من قبل لأن يكون بطلاً في فيلم وثائقي يروي فيه تجربته في لندن منذ انتقل إليها قبل نحو خمسة أعوام، وهو الفيلم الذي حمل اسمه (سعيد) من إخراج المخرج الكويتي راشد العيد (2007)، ورغم المديح الذي ناله راشد على صناعته المتقنة للفيلم، إلا أن سعيد وجد في نهاية المطاف أن عمله التلفزيوني لأكثر من عشر سنوات، لم يضمن له جرأة كافية في تقييم تجربته أمام الكاميرا في هذا الفيلم، فهو ما زال تحت تأثير الصراع في نفسه بين مكانته كمذيع تلفزيوني، ونقمته على المهنة، ولم يكن من حل لاستنطاق سعيد، سوى الإنصات إلى همهماته وهو تحت تأثير المخدر، وجاءت عمليته الجراحية لتخدم هذه الحيلة، وقد كان من السهل الحصول على موافقة سعيد على الفكرة، فأنا سعيد.
بطبيعة الحال، لم يوثق الفيلم للحلم الحقيقي الذي راود سعيد بالضرورة في غرفة العمليات، لكنني ـ بلسان سعيد هنا ـ أجزم أن مثل تلك الأفكار التي وردت في الفيلم لم يكن سهلاً عليه أن يعبر عنها في ظرف آخر، يتمتع فيه بكامل وعيه، وإذا تصادف واستمعت الآن من سعيد لمثل تلك الأفكار، فتأكد أن الفيلم هو الذي منحه الشجاعة لذلك.
الخيال هو جزء من الواقع إذن، وليس مجرد مرآة له كما اعتدنا أن نقول.. وما يجري في عالم الخيال يساهم في تشكيل سلوك أبطالنا وثقافتهم.. كما يرشدنا إلى تحديدٍ أكثر عمقاً لشخصيتهم.. فلِمَ لا ينشر تعريف جريرسون جناحيه ليشمل عالم الأحلام هو الآخر، ويجعل منه مادة للفيلم الوثائقي، كما هو الحال بالنسبة للواقع؟ قد ينادي البعض بتعريف يجمع بين الشمول والدقة من وحي تعريف جريرسون للفيلم الوثائقي، ليصبح (المعالجة الإبداعية لكل من الواقع والخيال الواقعي).. والمقصود بالخيال الواقعي هنا هو الهواجس المستوحاة من الواقع.. فمستقبل مصر بعد عشرين عاماً من الآن هو خيال واقعي، بينما اعتداء كائنات فضائية على الأرض هو خيال محض، لا يمكن أن ينتج فيلماً وثائقياً، بل فيلما للخيال العلمي..
لهذا السبب، كانت جائزة فيلم (أي كلام) من مهرجان الجزيرة الدولي الخامس للأفلام التسجيلية عام 2009 دعوة للتجريب في هذا الحقل الثري، وفوزاً لتيار التجديد الذي يسعى للخروج من القوالب الجامدة، أو على الأقل لتكييفها مع أفكار جديدة ورؤى عصرية.
إعلامي ومخرج مصري مقيم في بريطانيا
[email protected]

الإعلامي محمد سعيد محفوظ ينضم إلى 'بي بي سي إكسترا'
بدأ الكاتب والإعلامي المصري محمد سعيد محفوظ رسمياً في تقديم حلقات من برنامج بي بي سي إكسترا على إذاعة بي بي سي العربية في لندن، وهو من أشهر البرامج التي تبثها الإذاعة العريقة وأكثرها شعبية، ويبث يومياً على جزأين مدة كل منهما ساعة على الهواء، الأول في العاشرة صباحاً بتوقيت غرينتش، والجزء الثاني في الثانية عشرة ظهراً بتوقيت غرينتش.
انضم محفوظ إلى بي بي سي عام 2005، بعد أن قضى ست سنوات في تلفزيون أبو ظبي، قدم خلالها عدداً من البرامج الجريئة، منها 'مقص الرقيب' و'على ذمة التحقيق'، ونال عنهما جوائز عدة، وقد اتجه إلى صناعة الأفلام الوثائقية منذ انتقاله إلى لندن، ودراسته الماجستير والدكتوراه في هذا التخصص بجامعة رويال هولواي البريطانية، ونال جائزة مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية عام 2009 عن فيلمه الأخير (أيّ كلام). وخلال عمله في بي بي سي، قدم وأخرج محفوظ عشرات الساعات الإخبارية الإذاعية، ومئات التقارير التلفزيونية، وقد برز في تغطية أحداث كثيرة في بريطانيا، منها جلسات التحقيق في الحرب على العراق، كما شارك في تقديم حلقات من برنامج 'لجنة تقصي الحقائق' على تلفزيون بي بي سي العربي، الذي استعان به أيضاً كمعلق سينمائي في العديد من المناسبات.

التعليقات