مصر : إجراءات احترازية في الكنيسة وتبادل الإتهامات حول مسؤولية الأحداث

غزة - دنيا الوطن
تواصلت ردود الأفعال حول الأحداث التي شهدتها محافظة الجيزة صباح أمس من مشادات ومشاحنات التي وقعت على خلفية شروع الأجهزة المحلية في محافظة الجيزة لهدم مبنى خدماتي بنته كنيسة "العذراء والملاك ميخائيل" مما أسفر عن مصادمات بين الشرطة والأقباط أدت إلى مقتل شخص وإصابة واعتقال العشرات منهم.

ووجهت النيابة العامة 14 إتهاماً إلى نحو 171 مواطناً هي: التجمهر بالمخالفة للقانون، إحداث الشغب، زعزعة السلم والأمن العام، التخريب العمد للمنشآت العامة، إحراز واستعمال مواد متفجرة، الشروع فى قتل مساعد مدير أمن الجيزة، محاولة قتل ضباط بقسم شرطة العمرانية، الاعتداء على قوات الأمن المركزي، إتلاف سيارات الأمن، السرقة بالإكراه لبطاريات سيارات الشرطة، احراز أسلحة بيضاء ونارية بدون تراخيص، عدم حمل بطاقات هوية، إلقاء الطوب والحجارة على سيارات الشرطة والمارة، وتعطيل وسائل النقل العام عمداً. وأمرت النيابة بإستدعاء خمسة قساوسة من مطرانية الجيزة لسماع أقولهم في القضية.

وتجددت المظاهرات مساء أمس، و لكن أمام مقر نيابة الجيزة الكلية، وإشترك فيها العشرات من أهالي المعتقلين والمحامين، إحتجاجاً علي ما وصفوه ب "منع دفاع المتهمين من حضور التحقيقات، وعدم الإفراج عنهم"، وهتفوا: "افرجوا عن ولادنا"، "مسلم قبطى الإيد فى الإيد، والعزيمة حديد فى حديد". وبات أهالي الجرحى ليلتهم أمام مستشفى أم المصريين العام، التي يرقد على أسرتها نحو 55 مصاباً، و فرضت قوات الأمن طوقاً أمنياً مشدداً حول المستشفى، وأشرف رجال أمن في زي رسمي على دخول وخروج المرضى.

وشكلت النيابة فريق من المحققين للاستماع إلى أقوال المصابين من رجال الشرطة ومن الأقباط فضلا عن الاستماع لأقوال الأقباط الذين تم القبض عليهم عقب المصادمات.

واعتبر الكاتب الصحافي مجدي الدقاق القيادي بالحزب الوطني الحاكم في اتصال هاتفي مع "إيلاف" أن الأمور تفاقمت بشكل مبالغ فيه دون مبرر مشيراً إلى أن الجهات التنفيذية إذا كانت قراراها سليمة فيحق لها تنفيذ قرارتها أما إذا كانت غير ذلك فيجب مراجعتها.

وأكد الدقاق على أنه من الخطأ ربط ما حدث بالتصويت في انتخابات مجلس الشعب المقررة يوم 28 من الشهر الجاري مشيرا إلى أن هذا الموضوع خلط الدين بالسياسة فضلا عن مثل هذا الحديث يولد مناخ من العنف الطائفي الغير مرغوب فيه.


وفي أول ظهور له عقب المظاهرات التي وقعت صبيحة العظة الإسبوعية له، لم يتطرق البابا شنودة إلى تلك الأحداث، مفضلاً الحديث عن مصادمات بين مسلمين ومسيحيين وقعت منذ نحو أسبوعين في محافظة قنا جنوب الصعيد، ودعا المسؤولين إلى صرف تعويضات مادية للمتضررين من الأقباط، متهماً الأمن بغض الطرف عن التدمير الذي تعرضت له تلك ممتلكاتهم، وقال "يعني إيه يتحرق 20 بيت فى منطقة النواهض بقنا فين رجال الأمن؟".

وحاول عدد من الأقباط المتضررين من أحداث العمرانية وقرية أبوتشت في قنا، الحديث خلال العظة ورددوا عبارات سرعان ما تمت السيطرة عليها وعلى اللافتات التي أخرجوها من ملابسهم ورفعوها إلا أن الأمن سرعان ما سيطر علي الموقف وقال البابا "من يريد أن يتحدث عما يعانيه ويطالب بأي شيء عليه أن يكتب ذلك ليصلني وأتعامل معه بالحكمة اللازمة، ولكن الصوت العالي والشغب لن يفيد ويضر بل يضرني أنا شخصيا".

ومن جهته، حمل المستشار نجيب جبرائيل المستشار القانوني للبابا، علي الحزب الوطني الحاكم بشدة، متهماً إياه بالمسؤولية عما وقع من أحداث تسببت في قتل مواطن وجرح 67 آخرين، متوقعاً أن يفقد أصواتهم في الإنتخابات البرلمانية المقبلة.

وقال لـ "إيلاف" إن تظاهر الأقباط بهذه الطريقة العنيفة، هو نتاج تراكمات كثيرة على مدار عشرات السنين، منها تهميشهم سياسياً، وتجاهل منحهم حقوقهم، وعدم إصدار القانون الموحد لبناء دور العبادة. وإتهم جبرائيل محافظ الجيزة ومدير الأمن بإساءة إستغلال السلطة، من خلال منع إتمام بناء الكنيسة رغم السماح بالبدء في إنشائها منذ نهاية العام الماضي، وطالب بمحاكمتهما بموجب هذه التهمة، معلناً إنه سوف يتقدم ببلاغ إلى النائب العام بهذا الشأن.

وأضاف جبرائيل: إن الأقباط في مصر غاضبون جداً، ويشعرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، بعد أن حرموا من بناء كنيسة للعبادة، وتم الإعتداء عليهم وإعتقال المئات منهم، و كان من الممكن ألا تصل الأمور إلى هذا الحد لو أن المسؤولين تعاملوا مع الموقف بحكمة. وطالب بالإفراج عن جميع المعتقلين، وتعويض المصابين.

وشدد في الوقت نفسه على ضرورة "بحث المسألة الطائفية في مصر بمنتهي الشفافية، وإجتثاث أسبابها من جذورها، والتي تتمثل في التمييز ضد الأقباط، وإصدار القانون الموحد لبناء دور العبادة. وإعادة صياغة الثقافة المجتمعية التي تفرق بين المسلم والمسيحي". وفسر جبرائيل عدم تعليق البابا على ما حدث، بقوله إن قداسة البابا غاضب جداً، ويصلي من أجل سلامة وأمن مصر كلها.

وعلى الجانب الآخر، اتهمت مديرية أمن الجيزة قساً لم تعلن اسمه بقيادة نحو خمسة آلاف مسيحي ورشق مبني المحافظة بالحجارة، وقالت في بيان لها: إن عدد من الأقباط قد تجمعوا على مدى 3 أيام حول مبنى لخدمات الكنسية بهدف فرض الأمر الواقع و إدخال سيارات نقل محملة بمواد البناء في محاولة لاستثمار المناخ الانتخابي وتصاعد وتيرة الحملات الدعائية الخارجية أخيراً، و ذلك لبناء كنيسة بالمخالفة للقانون، رافضين الاستجابة للنصح والتحذير بضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية.


وأضاف البيان: وبادر المتجمعون وعددهم نحو 600 شخص بمحاولة تصعيد تحركهم وتجمعهم وتسلق عدد منهم مبنى الخدمات وقذفوا القوات المتواجدة بالحجارة وزجاجات المولوتوف كما قاموا بقطع الطريق الدائري، و فور وصول قوات فض الشغب تم التنبيه عليهم بالانصراف والابتعاد عن المبنى. الأمر الذي لم يلق أي استجابة منهم واستمروا في تعديهم على القوات مما اضطرها إلى استخدام الغاز المسيل للدموع وإعادة السيطرة على الموقف وفتح الطريق الدائري، وضبط 93 من مثيري الشغب ومتزعمي التحرك.

وتابع البيان: الأمر الذي دفع أحد القساوسة إلى قيادة تجمع قوامه 5 آلاف شخص لديوان محافظة الجيزة وبدلا من اتخاذ الإجراءات القانونية الصحيحة قاموا برشق ديوان المحافظة والمباني المحيطة حوله بالحجارة، وقاموا بتعطيل حركة المرور ورشق العقارات السكنية والأبنية المختلفة وإشارات المرور بالحجارة.

فيما برأ محافظ الجيزة اللواء سيد عبد العزيز ساحته من التسبب في إشتعال الأحداث، محملاً قساوسة المسؤولية عن عدم التدخل لتهدئة الأقباط. وقال لـ "إيلاف" إنه عندما علم بأن المبنى مخالف القانون، وتحول من مبنى خدمات إلى كنيسة، وحدثت مظاهرات، مؤكداً أنه عندما إجتمع بعدد من القساوسة وعدهم بتعديل الترخيص من مبنى خدمات إلى كنيسة بشرط الإلتزام بالقانون، والتقدم بطلب جديد بهذا الخصوص، وأشار إلى أنهم لم يتقدموا بأية طلبات.

وفي السياق ذاته، حاول مرشحو الأحزاب المعارضة وجماعة الإخوان المسلمون إستغلال الأجواء لتحقيق مكاسب إنتخابية، حيث تواجدوا في مسرح الأحداث، وقام بعضهم بالتفاوض مع المحتجين على فض مظاهراتهم، وتقديم وعود بالتدخل لدى الجهات المختصة، لإتمام بناء الكنيسة.

وقال نصيف ميلاد شقيق أحد المصابين الذين يرقدون في مستشفي أم المصريين، لـ "إيلاف" بعض المرشحين حضروا إلى المستشفى، وعرضوا علينا مساعدات مادية، وأحضر آخرون طعاماً لنا، وطالبونا بالتهدئة، ووعدونا بحل القضية جذرياً بعد الوصول إلي البرلمان، من خلال تقديم مقترح بمشروع قانون موحد لبناء دور العبادة. وأضاف ميلاد أن الأهالي لم يصغوا إليهم، لأنهم كانوا في غم شديد، لأن أبناءهم يرقدون في المستشفى في حالة صحية خطيرة، ومعرضون أيضاً للسجن.

حقوقيا، طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على ضرورة تنفيذ الدولة لالتزاماتها وتعهداتها بإزالة التمييز في القواعد المنظمة لإقامة دور العبادة في مصر وممارسة الحق الدستوري في حرية إقامة الشعائر الدينية.

ودانت في بيان لها وصل إيلاف نسخة منه بشدة استخدام قوات الأمن للعنف المفرط ضد متظاهرين أقباط أثناء احتجاجهم على وقف أعمال بناء كنيسة. وقال حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية "إن أحداث أمس تمثل تصعيداً خطيرا في تعامل الدولة مع مواطنيها المسيحيين، فنحن لا نتحدث عن عنف مجتمعي على خلفية بناء كنيسة وإنما عن قوات أمنية تفتح نيرانها على متظاهرين يطالبون بممارسة حقهم الدستوري في ممارسة شعائرهم دون تعسف أو تمييز".

وأضاف "بافتراض أن أقباط المنطقة سعوا إلى تحويل مبنى خدمي إلى كنيسة لإقامة شعائرهم، فإن ذلك لا يمكن أن يبرر تلك الدرجة من العنف الأمني وإطلاق الرصاص على المتظاهرين بدعوى مخالفة تصريح بناء". وقال إسحق إبراهيم، الباحث ببرنامج حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية "إن أحداث الأمس المفجعة لم تكن لتقع إلا في ضوء استمرار انتهاك الدولة لالتزامها بكفالة حرية الدين والمعتقد لكافة المواطنين دون تمييز".

من جهته قال الناشط السياسي المعارض محمد البرادعي عبر حسابه الشخصي على موقع تويتر أمس "أحداث العمرانية وصمة على جبين كل مصرى، الدين لله والوطن للجميع".

التعليقات