آصف قزموز :لكي لا يجعلوا من اقتصادنا الفلسطيني خازوقنا الدائم

لكي لا يجعلوا من اقتصادنا خازوقنا الدائم

بقلم: آصف قزموز

حالة التعايش غير المتكافئ التي نحياها موتاً وفقراً وقهراً مع إطلالة كل يوم على الأرض الفلسطينية بسبب الاحتلال، ونحن نغالب الموت واليأس والإحباط ورياح السموم السياسي التي تلفح وجوهنا استيطاناً واحتلالاً، لا تزال على أشدّها تعصف بكل مكوناتنا لتقتلع بذور أملنا في حياة كريمة وحلم تعايش واستقرار آمن حتى مع ذات المحتل الذي اقتلعنا وأجدادنا بالأمس، واليوم، وما زال يصرّ على انتزاع كل شبر من أرضنا من تحت أقدامنا. وكل ذلك بفعل رياح الصدّ السياسي اليومي الذي تجسّده سياسات نتنياهو وليبرمان المحمّلين بحقد دفين وإرث كبير من أيديولوجيتهم السوداء وسياساتهم العمياء.
لن أستفيض في حالة التراجيديا السياسية التي نعيشها اليوم على ساحة التفاوض السياسي مع الحكومة الإسرائيلية الحالية. لكن رمق الحياة وأسباب العيش الكريم الذي يجاهد المواطن الفلسطيني في سبيله فتركض لقمة العيش من أمامه وهو يلهث خلفها من دون طائل بسبب حالة اللاتوازن المتعمّد التي أنتجتها السياسات الاستعمارية الإسرائيلية كحد فاصل بين المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني لصالح سيادة الأول على أنقاض وحساب الثاني، تبقى علامة استفهام وتساؤل قابلة للخوض فيها والبحث عن إجابات واقعية تضعنا على السكة الصحيحة للتفكير السليم والعاقل في شأن المخارج المناسبة التي تبقينا على قيد الحياة بكل معانيها الواسعة والضيقة أولاً، وتحفظ لنا الذات الكيانية والسياسية المستهدفة قبل كل شيء آخر.
ثمة مفارقات عجيبة، هي حقائق يتوجب أخذها في الاعتبار ونحن نرسم البرامج والسياسات ولا يمكن تجاهلها، وهي أن أعداد الإسرائيليين المقيمين عنوةًَ واحتلالاً على أرضنا الفلسطينية، ما بين قوات احتلالية عسكرية وقطعان مستوطنين وخلافه، يفوقون بأضعاف أعداد الفلسطينيين العاملين داخل "الخط الأخضر"، لكن الفارق هو أن أولئك ينهبون ويسلبون ويخرّبون ويتطفّلون على مواردنا وأسباب عيشنا بجل أشكالها فوق الأرض وفي باطنها يهدمون في ذاتنا الفلسطينية حياةً وكياناً واقتصاداً دون أن ينتجوا لصالحنا شيئاً مفيداً، ويعيشون على حسابنا ومن حسابنا الجاري والمربوط والمدين إلى يوم الدين. بينما يكدّ العامل الفلسطيني وينحت في الصخر لصالح عمليات البناء والإنتاج الإسرائيلي، مغمساً لقمة عيشه بالدم والعرق والقهر اليومي على طول مساحات الزمن الممتدة ما بين طلوع الشمس ومغيبها.
 آخذين بعين الاحترام والاعتبار والالتزام الوطني التطلّع الواسع والمشروع لدى السلطة الوطنية والحكومة لتهيئة الظروف والمناخات الاقتصادية والسياسية المواتية لخلق بيئة حيوية ومجزية لمجمل النشاط الاقتصادي القادر على تحقيق مستوى عال في وتائر وفرص العمل اللائق ضمن أجور وظروف عمل جيدة. فإن ثمة تحديات كثيرة وخطيرة ليس أقلها مستويات الدخل المنخفض أو تدني مستوى المعيشة ومعدل دخل الفرد الحقيقي المرتبطة جدلياً مع تدني معدل النمو الاقتصادي القائم، ناهيك عن حالة عدم التوازن المزمن وارتفاع مناسيب الفقر والبطالة داخل سوق العمل الفلسطينية، الناجمة عن محدودية القدرة الاستيعابية والتشغيلية للاقتصاد الفلسطيني، الذي ما زال يعاني من الاختلالات الهيكلية وجملة القيود والعراقيل المتعمدة التي زرعها الاحتلال في طريق نموه وتطوره، بهدف تدميره وإبقائه مكبّلاً بقيود التبعية المرسومة. كل هذه التحديات تتطلب منا جميعاً ومن الثالوث آنف الذكر تكاتفاً وتكاملاً في مواجهة حاسمة قد تضع المشروع السياسي الفلسطيني على سكة أن يكون أو لا يكون والدولة المستقلة المنشودة على كفّ الرحمن بظهر الغيب، تبعاً لمدى حسن ودقة أدائنا السياسي والإداري من عدمه.
فعندما نقول إن الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي وصل في العام 2009 إلى حوالي مائتي مليار دولار مقابل الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني أقل من خمسة مليارات دولار، ونحن نعيش وإياهم على الأرض والموارد ذاتها، وعندما يصل دخل الفرد الإسرائيلي إلى حوالي 27 ألف دولار أميركي سنوياً مقابل دخل الفرد الفلسطيني الذي لم يتعد 1300دولار، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للنقد بحوالي 24% عما كان عليه الحال قبيل الانتفاضة وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2009 بنحو عشر نقاط مقارنة بنصيبه في العام 2000 كذلك، ناهيك عن هشاشة هيكل العمالة ومحدودية فرص العمل في السوق الفلسطينية والتوقعات بوصول عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل إلى 1,4 مليون عامل في العام 2020، وكل ذلك تحت نير الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية، يصبح من الضرورة بمكان أن نتوجه إلى إدارة شؤوننا واقتصادياتنا ومواردنا بوحي ومحدّدات المنظور الاقتصادي السياسي للمشروع الوطني وقيام الدولة، آخذين في اعتباراتنا وحساباتنا الدقيقة كل ما قد سلف والفقر الذي استشرى في بلادنا بمعدل بطالة فاق 24% ليقارب 60% أو يزيد، مقابل 21,6% بمعدل بطالة 7,8% في إسرائيل ذاتها.
إن أية تعديلات أو تحسينات على الأجور والرواتب في بلادنا يجب أن تعبر عن مشاركة وطنية فعالة ما بين السلطتين التشريعية والقضائية أو البدائل القانونية الاستثنائية التي تفوض إحداها للأخرى في حال الغياب القسري والطارئ بالمفهوم الوطني وأن تكون دائماً باتجاه تحسين المستوى المعيشي للناس ومن على قاعدة عدم المساس بالحقوق المكتسبة لهم إلا ما قد سلف أو تبيحه الضرورات الوطنية الفائقة. ذلك لأن المسؤولية الوطنية يجب أن تشكل تكاملاً ثلاثياً بنّاءً يشفعه الدستور والقوانين بحيث يجمع ما بين الشعب بكافة فئاته وشرائحه والسلطة التشريعية والتنفيذية كل من موقعه ومسوّغاته القانونية التي تنظم وتربط بين هذا الثالوث المترابط جدلياً تحت لواء سيادة السلطة وسلطة القانون.
صحيح أن هناك سلم رواتب إسرائيلياً مستقلاً تماماً عن سلم الرواتب الفلسطيني، والمواطن الإسرائيلي والمواطن الفلسطيني يتقاضيان رواتبهم وأجورهم من جيبتين مختلفتين واحدة إسرائيلية وأخرى فلسطينية، لكن الحقيقة المرّة التي تصبّ يومياً سماً زعافاً في حلوق الفلسطينيين هي أن الجيبة الفلسطينية واقعة تحت ضغط ما تشكله الجيبة الإسرائيلية والاقتصاد الإسرائيلي عموماً، من ارتفاع مستوى دخول الإسرائيليين قياساً بدخول الفلسطينيين الواقعة هي الأخرى تحت ضغوط وإملاءات أسعار السوق الإسرائيلية بحكم الواقع القائم ومكوّنات الاحتلال المختلفة التي جسّدتها ذيول التبعية الاقتصادية. وبالتالي نستطيع أن نلحظ من خلال الجانب المشهدي الإسرائيلي الفلسطيني، أن المواطن الإسرائيلي والمواطن الفلسطيني عملياً يخضعان للأسعار نفسها رغم اختلاف الدخول الشاسع بينهما، بل ويدخلان دكاناً واحداً، ما يجعل مسألة التوجه التنموي والإصلاحي بإعادة بناء وصياغة الاقتصاد الفلسطيني نحو الخلاص من ذيول التبعية والإلحاق الاقتصادي الأسوأ من الاحتلال العسكري الاستيطاني، ضرورة عاجلة وملحّة أولاً وعاشراً.
وطالما أن الحكومات الإسرائيلية التي حكمت الدولة العبرية حتى الآن تأبى أن تحدّد حدودها وتتهرّب من الالتزام والاعتراف بحدود دولتنا المشروعة، فإن في ذلك ما يعني أن الشعب الإسرائيلي والشعب الفلسطيني ما زالا يعيشان على أرضٍ واحدة وبموارد طبيعية ومقدرات واحدة وهواؤهم واحد وسماؤهم واحدة، آخذين في الاعتبار حقيقة أن الاقتصاد الإسرائيلي نما وتطوّر مند اللحظة الأولى لقيام إسرائيل ليشكل قوة اقتصادية استعمارية جاهزة على الدوام لالتهام كل ما من شأنه أن يتبلور في تشكيل كيانية اقتصادية واجتماعية وسياسية فلسطينية مستقلة تؤسّس لدولة الفلسطينيين المشروعة على أرضهم.
لقد كانت النوايا الحسنة المعلنة في اتفاق أوسلو تقوم على فكرة التعايش الفلسطيني الإسرائيلي البنّاء القائم على ثنائية وجماعية التعاون والتكامل من أجل بناء سلام اقتصادي وسياسي تاريخي واحترام متبادل على مستوى المنطقة بكاملها وكجزء من السلام العالمي، إلاّ أن السياسات الإسرائيلية التي أعقبت "أوسلو" ومقتل رئيس الوزراء اسحق رابين، وضعت مهمة تدمير هذه الفكرة النبيلة والتراجع عن هذا المشروع في دائرة الهدف ورأس أولوياتها العاجلة، وهو ما يتضح اليوم جلياً في سياسات حكومة نتنياهو الحالية. 
من هنا، فإن علينا أن لا نستمر في التخطيط وبناء السياسات والمواقف بالارتكاز على سالف النوايا الحسنة لاتفاق أوسلو التي أجهزت عليها الحكومات الإسرائيلية وافتخر بتدميرها والخلاص منها نتنياهو شخصياً. وإنما علينا أن نستمر في بناء مؤسسات دولتنا واقتصادنا تحت كل الظروف والمتغيرات، ووضع السياسات والبرامج التي تأخذ في اعتباراتها حقيقة ما جرى من انقلاب إسرائيلي مبكر على ما تم الاتفاق عليه في أوسلو كحقائق دامغة لا يجوز تجاهلها. فحتى تقوم دولة الفلسطينيين على أرضهم لا بد من إيجاد بقعة ضوء مدعومة بضغط وإرادة دولية جدية واستثنائية، تلزم الإسرائيليين بالتقيد في المواثيق والقرارات التي تمكن الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة. وبالتالي لن تكفينا الإرادة والجاهزية الفلسطينية وحدها لتحقيق الحلم، ما لم نجد لنا مخرجاً مناسباً من هذا الأتون، وحتى لا يجعلوا من اقتصادنا خازوقنا الدائم.
لأجل كل هذا أخلص إلى القول إنه مثلما حدّدنا أولوياتنا في إزالة الاحتلال وبناء مؤسسات الدولة، فإن من الضرورة أيضاً، والحالة هذه أن نضع إنجاز مهمة إعادة التدرّج في تخطيط وصياغة الاقتصاد الفلسطيني وتوجيهه بما يستجيب ويتلاءم مع الحقائق آنفة الذكر، على رأس أولوياتنا المكوّنة للمشروع الوطني الشامل، اليوم لا غداً.
[email protected]

التعليقات