السعودية تنعى الوزير الذي صب الشاي للإعلاميين وقت توليه المنصب

السعودية تنعى الوزير الذي صب الشاي للإعلاميين وقت توليه المنصب
غزة - دنيا الوطن
أطلق خالد المعينا، رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» السعودية، تنهيدة أعقبت صوتا يحاول أن يتمالك نفسه من البكاء، بعد حديثه لـ«الشرق الأوسط» نهار أمس، عن مآثر الدكتور محمد عبده يماني، وزير الثقافة والإعلام السابق، الذي وافته المنية أول من أمس.
وفي نفض للذاكرة عن مواقف لا تحصى، بحسب رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز»، فضل المعينا، سرد أول لقاء له مع الوزير الجديد وقتذاك، قائلا: «إبان بداية عملي قبل أكثر من خمس وعشرين سنة، تحديدا في السنة التي تولي فيها الدكتور يماني منصب وزير الثقافة والإعلام.. كنت أسير عبر ردهة في تلفزيون جدة وبجواري أحد الزملاء، الذي قال فجأة بصوت شبه مرتفع: ألا يوجد من يجلب الشاي للمذيعين؟ وصادف ذلك مرور أحد الأشخاص الذين لم نتعرف إليه». وأكمل المعينا: «عاد إلينا الرجل الغريب حاملا كوبي شاي، قدمهما لنا دون أن يقول شيئا». يتابع المعينا: «جاء مدير التلفزيون وقتها صارخا: ألا تخجلان من نفسيكما، أيسأل أحدكما الوزير أن يجلب له الشاي».

من جانبه، استهل عبد الرحمن فقيه، رئيس مجلس إدارة شركة «جبل عمر»، حديثه مع «الشرق الأوسط» ببيتين من الشعر، قائلا: «لعمرك ما الرزية فقد مال/ ولا جمل يموت ولا بعير/ ولكن الرزية فقد حر/ يموت بموته خلق كثير».

وأخذ يقول: «خطف الموت من بين أحبائي، الصديق العزيز أبا ياسر وسط ذهول أصدقائه ومحبيه». مضيفا «كان - رحمه الله - اجتماعيا لا يسمع بمريض إلا ويزوره ولا حفل زفاف يكون مدعوا له إلا ويحضره، ولا مأتما إلا ويكون أول المعزين، كان ملجأ للمواطنين يسعى في مصالحهم ويتوسط لهم لدى الجهات المسؤولة في حل مشكلاتهم، مساهما في مداوات مآسيهم». وتابع فقيه «كان - رحمه الله - شمسا ساطعة تنير الطريق للتائهين من الشباب، يسألونه النصح والمشورة». وختم قائلا «فقدنا عملاقا ضخما بين الرجال من الصعب أن يجود الزمان بمثله، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته».

من ناحيته، كشف جمال خاشقجي، رئيس تحرير جريدة «الوطن» السعودية الاسبق لـ«الشرق الأوسط» عن رسالة خطية تلقاها من الدكتور يماني، وقال «عندما تمت إقالتي من رئاسة تحرير (الوطن)، اتصل السائق الخاص بالدكتور محمد يماني يخبرني بأنه يريد إيصال رسالة لي منه كتب فيها: أشعر بأن هذا القرار إنما رفع من شأنك، وجعل لك موقفا عرف من خلاله الناس بأنك كنت وفيا.. وما لا يمكن لأي رئيس تحرير أن يتلافاه.. ما عليك إلا الصبر.. وتأكد أنني على مقربة منك». وزاد بالقول «واجهت ذات مرة، إشكالا متعلقا بالعمل الصحافي، لم يكن وقتها الدكتور يماني وزير إعلام، لكنه أسهم في الاتصال والتوسط والكتابة إلى المسؤولين، حتى زال الحرج».

من ناحيته، يقول البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي: «لقد فجعت بنبأ انتقال الدكتور محمد عبده يماني إلى الرفيق الأعلى، وآلمني فراقه، وهو صديق أثير أفتخر بصحبته ومعرفته،». و أضاف «اتصلت صداقتنا وتعاوننا على مدى عقود ثلاثة. وقد كرس - رحمه الله - جهده في خدمة مصالح بلاده وأمته، بفضل واسع علمه، وثاقب فكره الذي لم ينقطع عن العطاء حتى ساعات حياته الأخيرة».

وأضاف «قد عاصرته، وخبرت ما أكرمه به الله من علو الهمة، وصواب الرأي والحجة وبسط كفه في العلوم والآداب، وكان ممن يغشون مجالس العلم والمناظرة ومعترك العمل الإسلامي المستنير وعلوم الشرع، فأثرى الثقافة الإسلامية بغزير علمه وعميق خبرته وتجربته، فكان أحد كبار رجال زمانه علما وثقافة. كما دأب على فعل الخير والمعروف والبر، ونصرة المسلمين وقضاياهم أينما كانوا، مدافعا ونصيرا للتضامن الإسلامي الفعال بإخلاص وتفان».

من جهة أخرى أوضح الدكتور خالد بترجي، مدير المستشفى السعودي الألماني، في جدة، أن الفقيد دخل إلى المستشفى يوم الأحد الماضي في تمام الساعة الثامنة مساء، ليفارق الحياة في التاسعة من مساء أول من أمس. وقال «توفي الدكتور محمد عبده يماني نتيجة إصابته بنوبة قلبية، وقد زاره الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، مرتين أثناء وجوده لدينا في المستشفى».

السيد عبد الله فدعق، أحد علماء الدين والمفكرين الإسلاميين، وصديق مقرب من الفقيد، ذكر أن آخر اتصال له مع الدكتور يماني كان يوم الأحد الماضي، وذلك بهدف تهنئة الراحل له بدخول العشر من ذي الحجة، مشيرا إلى أنه ناقش معه موضوعا يتعلق بمسجد البيوتات الذي كان الفقيد يحب أن يصلي به صلاة الجمعة.

وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «طلب مني حل موضوع متعلق بالخطابة والإمامة في ذلك المسجد الذي يعود إلى صهره المتوفى، المهندس عبد العزيز كامل، شقيق زوجته؛ حيث إن الدكتور محمد اعتاد على أن يولي هذا المسجد رعاية ومتابعة واهتماما خاصا من منطلق الوفاء لصهره الراحل». وأشار إلى أن التواصل بينهما كان مستمرا فيما يتعلق بالإصلاح بين الناس وحتى المؤسسات، من ضمن ذلك: أمور نادي الوحدة الرياضي، والإصلاح بين الأقارب والأهل من علية المجتمع، مؤكدا أن الراحل الدكتور محمد عبده يماني كان حريصا جدا على ترتيب الأمور المتعلقة بتلك الشؤون، إضافة إلى يده اليمنى الكبيرة في مساعدة فقراء ومساكين آل البيت بجدة والذين شهدوا اهتماما ورعاية وحرصا كبيرا من قبله.

وأضاف: «للراحل ثلاثة أولاد ومثلهم من البنات؛ حيث كان أبناؤه بمثابة اليد اليمنى له في ظل تحمل ابنه ياسر مسؤولية أمور الخير والبر التي كان يقوم بها والده، بينما كان عبد العزيز مسؤولا عن الشؤون الإعلامية، في حين تولى ابنه عبد الله مهمة إدارة شؤون الراحل وجميع ترتيباته بحكم عمله كمحام ومستشار».

كان من المفترض أن يتولى الدكتور محمد عبده يماني رئاسة المسؤولية الاجتماعية في الغرفة التجارية الصناعية بجدة وفق تكليف رسمي من صالح كامل، رئيس مجلس إدارة الغرفة، غير أن الموت حال دون تحقيقه ذلك، على الرغم من وجود خطة كبيرة كان يضعها في هذا الشأن.

ومن أبرز الإنجازات التي حققها خلال مسيرة عمله كوزير للإعلام: كونه أول من جعل جلسات مجلس الوزراء مفتوحة على وسائل الإعلام، وهو ما كان سبب استغراب الناس منه آنذاك، ليجيب عليهم بأنه لا بد أن يتحلى بالصراحة والشفافية باعتباره وزيرا للإعلام، وذلك بحسب ما ذكره عبد الله فدعق. وزاد: «كان الدكتور محمد عبده يماني أول من وضع نظاما للمؤسسات الصحافية وترتيباتها، إضافة إلى أنه كان صريحا وشفافا جدا سواء على مستوى سياسة عمله أو حتى أخلاقيا».

لكنه استدرك قائلا: «كان سهلا على الناس اللقاء به حينما كان وزيرا، غير أن ذلك أصبح شبه مستحيل بعد أن تفرغ، بحكم انشغاله الدائم بأعماله الاجتماعية، الأمر الذي جعل جل وقته خارجا تماما عن أي شيء يمكن للفرد أن يتصوره». ومن المعروف أن للراحل الدكتور محمد عبده يماني مؤلفات عدة بلغ عددها نحو 35 مؤلفا، بعضها باللغة الإنجليزية، تناول من خلالها مواضيع علمية ودينية وثقافية مختلفة، بينما حصل على أوسمة عدة تتمثل في وشاح الملك عبد العزيز والميدالية التقديرية من حكومتي أبوظبي وقطر.

وحصل أيضا على براءة «وسام الكوكب الأردني» من الدرجة الأولى من الملك حسين، العاهل الأردني الراحل، وبراءة وسام الاستحقاق الوطني درجة ضابط أكبر من قبل رئيس جمهورية فرنسا، إضافة إلى وسام إيزابيل لاكوتولييا الكبير مع براءته من ملك إسبانيا، ووسام مهابوترا أوبيروانا مع براءته من جمهورية إندونيسيا، إلى جانب وسام برتبة قائد كوماندوز من جمهورية موريتانيا.

وهنا، علق عبد الله فدعق قائلا: «أسهمت مؤلفاته في تعليم الأجيال محبة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته، وكيفية تأديتهم للعبادات وشرحها بأسلوب ميسر، والتي ملأت جميع المكتبات الإسلامية داخل السعودية وخارجها».

في الفترة الأخيرة من حياة الراحل الدكتور محمد عبده يماني، قرر أن يعود للسكن بمكة المكرمة مع زوجته شقيقة الشيخ صالح كامل، واشترى أرضا ليبني فيها بيته، إلى جانب طلبه شراء الأرض المجاورة لأرضه كي يبني عليها مكتبة عامة، إضافة إلى تخصيص مجلس كبير في منزله لاستقبال أهالي مكة. وبالعودة إلى عبد الله فدعق، فقد أفاد بأن الله، عز وجل، قد أحسن خاتمته، كونه توفي في أيام فضيلة وصلى على جثمانه ملايين الحجاج بالحرم المكي الشريف، إلى جانب الجموع الكبيرة التي حضرت دفنه في مقابر المعلاة بمكة المكرمة عقب صلاة ظهر يوم أمس.

وزاد: «دُفن الدكتور محمد عبده يماني في مربع بالمقبرة ضم والده ووالدته ووالد زوجته ووالدتها وصهره المهندس عبد العزيز كامل، حيث لا تفصلهم عن بعضهم سوى بضعة سنتيمترات فقط».

التعليقات