مجهولو النسب في الامارات يحاولون الخروج من عباءة واقعهم المرير

غزة - دنيا الوطن
تعاني شريحة مجهولي النسب من الاضطهاد في المجتمعات المختلفة سيما الشرقية منها، فعلاوة على التمييز الاجتماعي الفاضح والنظرة الدونية التي تُمارس تجاه تلك الشريحة، تستنكف قوانين معظم الدول العربية التعاطي مع المشكلة او علاجها، بل لا تزال تكرس تمييزهم عن غيرهم، عبر الاشارة اليهم في الأوراق الرسمية والثبوتية بانهم مجهولي الوالدين. ولعل ذلك هو ما حدا بالامارات الى الالتفات، للتغلب على تلك الاشكالية، من خلال العمل على وضع قانون جديد يهدف الى حماية مجهولي النسب وتعزيز مكانتهم في المجتمع. وفي متابعة حثيثة لتعقب هذه الظاهرة والوقوف على ملابساتها، التقت "إيلاف" بعدد من النساء مجهولات النسب، اللاتي رفض معظمهن الكشف عن هويته، بمبرر انهن "يخجلن من نظرة المجتمع".

حاشى الصبية هناء (22 سنة) الخوض في هذا الموضوع "مع أي شخص"، وهي تعيش في إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، مشيرة إلى أنها تشعر "بالحرقة والمرارة بقدر ما تشعر بالعجز عن تغيير واقع لا ذنب لي فيه ولم أختاره يوماً". تقول هناء أنها وجدت نفسها منذ طفولتها مع فتيات أخريات مثلها، ولم تكن تدرك أن الأطفال يعيشون في عائلات، بل كانت تظن أن كل أطفال الدنيا يعيشون مثلها في مدارس، إلى أن كبرت، واكتشفت الحقيقة والواقع المرّ، الذي يعتبر أن مجهولي النسب هم أبناء غير شرعيين، مؤكدة أنها تكره هذه الصفة، وتتساءل ماذا يعني "علاقة غير مشروعة"؟ ومن له الحق في أن يحقر الآخرين لمجرد أن والديهم تخلوا عنهم خشية العار؟

وترى هناء أن فرصتها بالزواج تكاد تكون معدومة، معتبرة أن الرجل "سيُّعيّرها بأصلها باستمرار"، مشيرة لإمكانية ارتباطها برجل حالته مثل حالتها. لكنها تتساءل أيضاً عن حال الأطفال الذين ستنجبهم "من المحرج لأولادي أيضاً أن يكون والديهما مجهولي النسب".
 
تجربة ناجحة

أما حوّاء حسين السيوطي وهي سودانية مجهولة النسب، ونشأت في إحدى دور الرعاية، فتصف تجربتها برحلة من الإصرار والتحدي لأقسى الظروف، معتبرة ان النظرة الدونية في المجتمعات العربية للأطفال مجهولي الوالدين تدمر كل أمل للطفل بحياة طبيعية. وقد تمكنت "حواء" بعد مشوارها الطويل من تأسيس جمعية "شمعة" مع رفاق لها من مجهولي النسب، لتكون رمزاً للأمل ولإطلاق حياة أفضل لأولئك الذين يمارس المجتمع ضغوطه عليهم، ويحرمهم من أبسط حقوقهم الآدمية ممن عاشوا تجربة التمييز  واختبروا مراراته بأنفسهم.

ترى حواء أن الدور الأساسي والمحوري الذي يمكن الإنطلاق منه لمكافحة التمييز ضدهم بالدرجة الأولى هو نقل معاناة شريحة تتألم يومياً وسط الرأي العام، عبر توضيح الصورة للمجتمع. وأشارت إلى أن من أفراد هذه الشريحة من نال أرفع الدرجات العلمية، ونجح في بناء أسر مستقرة وناجحة، فيما يعانون يوميا من  الرفض والكراهية ونظرة المجتمع غير العادلة لهم.

ولعل حواء نفسها تعد نموذجاً للمرأة الناجحة من مجهولي النسب، حيث تمكنت من متابعة حياتها، ولم تستسلم لظروفها القاسية، وواصلت دراستها الجامعية وعبرت مراحل حياتها وتزوجت وهي أم لثلاثة أطفال، كما أنها تكفل طفلاً مجهول الوالدين.

وفيما يتعلق بمشروع "شمعة"، تشير حواء الى ان تلك المؤسسة استطاعت ان تثبت نفسها ونشاطها في المحافل الرسمية والشعبية. وقالت: "يتكون مجلس إدارة المؤسسة من تسعة أشخاص، ستة منهم بيهم مجهولي النسب". وأوضحت أن العمل مع مجهولي النسب يتطلب العناية بهم منذ الطفولة ومساعدتهم للحصول على أوراق ثبوتية علاوة عن أن الكبار منهم يحتاجون لرعاية نفسية في ظل الاضطهاد الممارس ضدهم، كما أنهم يطالبون بتفعيل الحقوق المدنية والقانونية.
 
تشريع جديد قريباً
 
تشير إحصاءات وزارة الشؤون الإجتماعية الإماراتية إلى أن الأطفال مجهولي النسب في تزايد مستمر، وبلغ عدد مجهولي نسب الأب 141 حالة، في حين بلغ عدد مجهولي الوالدين 733 حالة، كما وصل عدد المحضونين الى 436، وعدد الأسر الحاضنة الى 438 أسرة.

وفي هذا الصدد يشير محمد عبد العزيز بكر مستشار وزيرة الشؤون الإجتماعية الإماراتية إلى عدم وجود قانون إتحادي بشأن مجهولي النسب، لافتاً إلى أن قانوناً جديداً سيجهز خلال أشهر وسيمنح الوزارة الأدوات القانونية للاضطلاع بدورها في حماية مجهولي النسب، والاشراف على عمل مراكز الرعاية والأسر الحاضنة، خصوصاً أن الإجراءات الحالية تخص كل إمارة بمفردها. علماً بأن إمارة الشارقة هي الوحيدة التي لديها قانون لمجهولي النسب. جاءت تصريحات بكر جاء خلال ورشة عمل التشريعات الاجتماعية الخاصة بالأطفال مجهولي الوالدين التي عقدتها الوزارة في دبي الاسبوع الفائت.
 
وحالياً يجري العمل وفق نظام الأسر البديلة وذلك عن طريق الكفالة على ألا تقل أعمار الوالدين "البديلين" عن 25 عاماً ولا تزيد على 55 عاماً.  فيما سيمنح القانون الجديد الأسرة الراعية منحة معونات شهرية تقدر بـ4200 درهم، فضلاً عن مساعدة الأسر الحاضنة في حال تعرضها لعجز مالي، كما أن القانون يجرم المساس بمجهول النسب فضلاً عن إعطائه اسماً رباعياً، وعدم الاشارة إلى كونه مجهول النسب في أي من الوثائق الرسمية.

وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية أعلنت عن إنشاء داري رعاية تحت اسم "تالة" في  إمارتي أم القيوين والفجيرة، للأطفال مجهولي النسب.

التعليقات