الحريري يؤكد من لندن مسؤولية القيادات في الاستقرار: واثقون بقدرتنا على تجاوز الانقسام... ومنع الفتنة

غزة - دنيا الوطن
جدد رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري ثقته باللبنانيين وقدرتهم على تجاوز الانقسام السياسي وقطع الطريق على من يراهن على إحداث فتنة مذهبية وطائفية يمكن أن تعيد البلد الى الوراء. ودان بشدة الهجوم الذي تعرضت له إحدى الكنائس في بغداد، وقال لـ «الحياة» أمس في مستهل زيارته الرسمية لبريطانيا التي تختتم مساء اليوم بلقاء مع نظيره البريطاني ديفيد كامرون: «هذا التصرف لا يمت بصلة الى الدين الإسلامي الحنيف أو أي من الديانات السماوية، ولا حتى الى الإنسانية»، واعتبر أن الهجوم يشكل «مناسبة تذكر جميع اللبنانيين بأهمية الحفاظ على لبنان النموذج للعيش المشترك بين جميع طوائفه ومذاهبه، وهو في الوقت نفسه نموذج للمنطقة والعالم». وهذا ما كرره في الخطاب الذي ألقاه مساء في لقاء مع الجالية اللبنانية أقيم في دار السفارة بدعوة من سفيرة لبنان في بريطانيا إنعام عسيران.

ورحب وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بعد اجتماعه بالحريري مساء أمس، «باعتباره أحد وجوه الحوار الديموقراطي في لبنان». وقال: «إن بلادنا تدعم الديموقراطية بشدة في لبنان وهي صديق وثيق له وكذلك تدعم حق شعبه في سيادته واستقلاله وفي إدارة شؤونه بنفسه». وأضاف: «ندعم ما قام به قادة البلاد ورئيس الوزراء من أجل إرساء السلام في لبنان كما أننا نؤمن بأن على المحكمة الخاصة بلبنان إكمال عملها وهذا أمر مهم جداً. كما أننا ندعم الحريري في مواجهة محاولات حرف هذه العملية عن مسارها».

وشدد الحريري في لقاء مع الوفد الإعلامي المرافق له في زيارته الأولى لبريطانيا منذ ترؤسه حكومة الوحدة الوطنية، على أنه رئيس حكومة كل لبنان، وقال: «من واجبي أن أعمل على تدوير الزوايا وتقريب وجهات بين جميع اللبنانيين من خلال الحوار والتفاهم باعتباره الخيار الوحيد لترسيخ الوحدة الداخلية والحفاظ على الاستقرار العام وتنفيس الاحتقان واستيعاب التشنج من الشارع».

ورأى الحريري قبل أن يلتقي أمس الأمير أندرو دوق يورك في قصر باكنغهام في حضور نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلياس المر والسفيرة عسيران، أن «الصدام لا يفيد أحداً ولا يؤدي الى حلول تكون في مصلحة لبنان واللبنانيين»، مؤكداً أن جلسة مجلس الوزراء مساء غد «قائمة، وموعد عقد طاولة الحوار بدعوة من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لا يزال قائماً (بعد غد) الخميس ولم يطرأ عليه أي تعديل».

وإذ شدد الحريري على ضرورة التوافق على مخرج بخصوص ملف شهود الزور الذي يعاد طرحه في مجلس الوزراء غداً، أبدى حرصه الشديد على استيعاب أجواء التشنج المسيطرة على الوضع الداخلي في لبنان ليكون في وسع الحكومة الالتفات الى هموم اللبنانيين ومشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية وتوفير الحلول لها، بعيداً من التجاذبات السياسية».

وأيد المر موقف الحريري هذا وقال لـ «الحياة» إنه يستبعد أن يؤدي طرح مسألة شهود الزور الى انقسام، وإن الرئيس سليمان «يسعى الى إبقاء النقاش بخصوص هذا الملف تحت سقف الوصول الى صيغة تقوم على مبدأ لا غالب ولا مغلوب».

وعلى صعيد المحادثات التي يجريها اليوم الحريري مع نظيره كامرون وكبار المسؤولين في الحكومة البريطانية، كشفت مصادر في الوفد اللبناني لـ «الحياة» أنها تتركز على عناوين عدة رئيسة أبرزها «التشديد على موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتطبيق الكامل للقرار الدولي 1701».

وقالت المصادر نفسها إن موضوع تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين سيحتل حيزاً رئيساً، لا سيما أن بريطانيا تحتل المرتبة العاشرة في تعاون لبنان الاقتصادي والتجاري مع دول العالم، وأن قيمة هذا التعاون الآن في حدود نصف بليون دولار وأن هناك إمكانية لزيادة حجم التبادل بين البلدين، خصوصاً أن لبنان يشهد حالياً نمواً ملحوظاً، على رغم كل مشكلاته السياسية الداخلية، وأن فرص الاستثمار البريطاني في لبنان متوافرة في مجالات الطاقة والمواصلات والنقل وتوسعة مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت، إضافة الى قدرة بريطانيا لما لديها من إمكانات فنية وتقنية عالية، في ميدان التنقيب عن النفط والغاز في لبنان.

ويركز الحريري في محادثاته مع كامرون، وفق المصادر ذاتها، على عملية السلام «وضرورة إنقاذها والتذكير بأن كل تأخير أو تراجع دولي في الضغط على إسرائيل سينعكس سلباً على المنطقة والعالم لأن لا حل لهذه المشكلات إلا على قاعدة تزخيم الجهود الدولية والعربية لتحريك عملية السلام لمواجهة التحديات من جراء تأخيرها وتداعياتها السياسية بدءاً بتصاعد موجة التطرف».

ولفتت المصادر عينها الى أن «إنقاذ عملية السلام يستدعي أولاً تأكيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس مع ضمان حق العودة للفلسطينيين على قاعدة التمسك بمرجعية مؤتمر مدريد للسلام ومبادرة السلام العربية التي طرحها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز».

كما سيناقش الحريري في حضور المر إمكانية الإفادة من برامج التدريب العسكري للقوى الأمنية والعسكرية في لبنان إضافة الى مسألة الجدوى من إعادة تأهيل الطائرات الحربية من نوع «هوكر هنتر» الموجودة لدى سلاح الطيران في الجيش اللبناني وتقديم المساعدات العسكرية في إطار البرنامج الرامي الى تدعيم المؤسسة العسكرية. وكان المر بحث في هذه الأمور مع نظيره البريطاني نك هارفي الذي زاره في مقر إقامة الوفد اللبناني في «دوشستر». وعلمت «الحياة» أن هارفي أبلغ المر موافقته المبدئية على تزويد سلاح الجو اللبناني بطائرات من نوع «هوك» وأن الوزير البريطاني سيزور لبنان لاحقاً بدعوة من المر على رأس وفد عسكري لدراسة احتياجات الجيش اللبناني مع قيادته، فضلاً عن إلحاق ضباط لبنانيين بدورات تدريبية لدى الجيش البريطاني.

وكان لافتاً مساء أمس مخاطبة الحريري للجالية اللبنانية في احتفال حاشد أقيم في دارة السفارة اللبنانية بقوله: «أنتم تمثلون النموذج للانتشار اللبناني في العالم يقابله اتهام للشعب اللبناني وقادته انهم غير قادرين على إدارة شؤون بلدهم بدرجة النجاح نفسها التي حققها اللبنانيون في عالم الانتشار».

وأكد الحريري أن «الظروف صعبة لكن اللبنانيين في الداخل يصرون على النهوض ببلدهم من أزمته وهذا ما أثبتوه على مر السنين الصعبة التي مرت عليهم، ويعيدون بناء بلدهم».

وشدد على أن «اللبنانيين في الداخل يجتازون في كل مرة التحديات». وقال: «حماية الاستقرار مسؤولية القيادات، وأنا واثق من أننا أهل للمسؤولية، وبالتالي قادرون على طمأنة اللبنانيين في عالم الانتشار الى أن لبنان لن يسقط في الفتنة، وأن الحكمة ستنتصر مهما كانت الصعاب والتحديات».

التعليقات