الإعلام الفضائي.. وخطوة علي طريق التصحيح فى مصر
القاهرة - دنيا الوطن- أحمد حامد
يزخر الفضاء الخارجي لمصر والوطن العربي بالعديد من الفضائيات الدينية أو ذات الطابع الديني. حتي أصبحت تشكِّل قوة إعلامية لا يُستهان بها وذات سلطة علي عقول المشاهدين. ورغم أن القليل منها فقط يمكن أن يحسب علي أنه يقدم خدمات جليلة للدين إلا أننا إذا نظرنا إلي غالبية هذه القنوات نجد أنها لا تقدم شيئاً ويكرر بعضها بعضاً. خصوصاً أن القاعدة المؤسسة لإطلاق هذه القنوات تنطلق من قناعات بعض أفراد أو مؤسسات أو نوايا بضرورة تقديم عمل جليل للإسلام وخدمة للمسلمين. ولكن بقطع النظر عن صدق النوايا إن صدقت فإن الحصيلة في النهاية مثيرة للكثير من التساؤلات.
وتعتبر غالبية القنوات الدينية الإسلامية أنها من وسائل نشر الدعوة خاصة في مصر. وصنفت رسالتها ضمن الذين يذودون عن القيم السامية للمجتمع المسلم. لكن المتتبع لمسيرة هذه القنوات التي لا تحصي يكتشف أنه باستثناء القليل جداً منها أنها تقدم شيئاً لمشاهد المسلم. بل إن بعضها زادت في جهله وشوشت عليه دينه الصحيح من خلال فوضي الفتاوي التي يتضارب بعضها ببعض بين هذا الداعية والشيخ الآخر وأيضاً فوضي الدعاة الذين لا نعرف من أين جاءوا أو من الذي نصبهم دعاة للدين وهل هم مؤهلون لذلك أم لا؟
ورغم تسجيل أن القنوات الدينية لها إيجابيات منها علي سبيل المثال تدعيم الهوية الإسلامية. إلا أن سلبياتها أكثر من أن تحصي. إذ أن أغلب هذه القنوات يفتقر إلي الأطر المدربة المتخصصة والدعاة المؤهلين فعلياً علي أيدي علماء الإسلام وليس مرتزقي الفضائيات في المجال الذي تختص القناة بتقديمه للجمهور من جهة أولي. ومن جهة أخري لا أحد يشكك في الهدف الاستثماري لجميع القنوات الفضائية الدينية التي تلجأ عادة إلي مصادر تمويل أو شخصيات لها ثقل اقتصادي. كما تبحث عن أسماء إعلامية دينية شهيرة دون أن تضع بعين الاعتبار توافق ثقافة هذا الإعلامي مع أهداف القناة أو حتي تتأكد من أنه داعية مؤهل فما يهم هو مدي انتشاره لتحقيق ربح مادي من خلال الاتصالات والإعلانات حتي أن هناك بعض القنوات الغنائية العربية قد تحولت إلي قنوات دينية لتحقيق ربح مادي أكبر دون النظر إلي التوجه. ومن جهة ثالثة يتم إغفال عناصر الإبهار والتشويق التليفزيونية والمعايير الإعلامية الاحترافية. والاكتفاء بالبرامج الحوارية والمواجهات. وبذلك تكون تحولت من البرامج التليفزيونية إلي البرامج الإذاعية ولذلك نجد أن هناك أشكالا عديدة للبرامج التليفزيونية من أكثرها رواجاً وانتشاراً البرنامج الذي يستضيف أحد الشيوخ أو العلماء أو الدعاة للإجابة عن أسئلة المشاهدين. ولكنك لا تعرف من هو هذا الداعية وهل هو مؤهل لإطلاق الفتاوي. وما هي مؤهلاته العلمية وهل هو من خريجي الأزهر أم غيره لذا لابد لهذه القناة أن تقدم السيرة الذاتية للدعاة الذين يطلون علي المشاهد حتي نتأكد من أننا بصدد عالم جليل في مجاله ولابد أن يفعل ذلك هؤلاء القائمون علي تلك الفضائيات حتي يتمتعوا بالمصداقية لدي المشاهد.. وهذا يجعلنا نتساءل عن جدوي هذه الفضائيات وما إذا كان المسلمون في حاجة إليها نتساءل أيضاً عن الصلة بين نبرة الخطاب والغلو فيها وبين الإصرار علي تناول موضوعات بعينها تؤدي إلي انتشار الغلو من جانب وانتشار ثقافة رفض الآخر من جانب فهل هذا يخدم الإسلام فمعظمها يحرص علي تقديم الإسلام في صورة ليس من شأنها أن تحمل الخصوم علي اعتباره ذي علم وعقل وحوار وسلام فالمتصفح بين القنوات الدينية علي القمر الصناعي قد يصاب بحالة من الاندهاش في ظل تضارب الآراء في الفتوي الواحدة وكل يصر علي رأيه ويحارب من أجله وقد يستغل القائمون علي هذه القنوات الدينية ثقة المشاهد في أن من يظهرون عليها أهل ثقة للترويج لأفكار من شأنها إثارة الفتن في المجتمع أو الترويج لبعض المنتجات لتحقيق ربح مادي من استغلال المشاهدين وأحياناً نشر ما هو غير صحيح علمياً أو فكرياً أو عقائدياً بين الناس والضحية في النهاية هو المواطن المسلم الذي يصيبه الضرر من هذه الفضائيات ولعل من نماذج الفضائيات الدينية التي ظهرت علي الساحة الإعلامية هي القناة المسماة بأزهري وهي قناة لا تمثل الأزهر الشريف كما أعلنها من قبل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وإن كان من يظهرون عليها هم من بعض رجالات الأزهر الشريف وهذه من أكبر حسنات هذه القناة إلا أنها تخلو من السلبيات في تناول الموضوعات أو افتقادها للأسس أو المعايير الإعلامية الاحترافية.
وهذا يجعلنا نطرح أنه في ظل شيوع فكر القنوات المتخصصة الفضائية لماذا لا يقوم الأزهر بمواكبة التطور الإعلامي للمجتمعات المسلمة وذلك بإنشاء قناته الرسمية فعلياً والتي تعبر عن الفكر الأزهري بحق ونحن علي ثقة أن هذا حلم كل مصري بل وكل مسلم وعلي ثقة أيضاً بأن فضيلة الإمام الأكبر لن يدخر جهداً لجعل هذه القناة تري النور وهذا الذي سيؤدي بدوره إلي تراجع دور وتأثير العشوائيات الدينية أو الفضائيات الدينية المرتزقة الأخري وتراجع تأثير ما يسمي بالدعاة الجدد الذين لا نعرف من أين جاوا أو من الذي صنعهم نجوماً.
ولعل القرار الذي صدر بإيقاف مؤقت لبث بعض هذه الفضائيات إنما هو خطوة علي الطريق الصحيح لإعادة تقييم ما يقدم علي الشاشة لأبنائنا ومجتمعنا فهذا القرار الذي يعتبر مقدمة لإعادة تصحيح الكثير من الأوضاع الإعلامية الخاطئة التي انتشرت في ربوع الإعلام الفضائي ولعل التجاوزات العديدة للفضائيات المسماة بالدينية هي ما دعت أصحاب القرار للبدء بها ونتمني ألا تكون النهاية بل تمتد يد التصحيح الإعلامي لتنال كل خروج عن قيم مجتمعنا ومبادئه.
ولذلك ففي النهاية لابد أن نعترف بأنه بقدر ما يتعلق الأمر بالفضائيات الدينية خاصة المصرية منها فإن وجودها سيظل ماثلاً ما بقيت حاجة الإنسان إلي التدين. لكن علي تلك الفضائيات لكي تتخطي عوامل الاخفاق الإعلامي التي أصابت وتصيب عدداً منها أن تعمد إلي إجراء إصلاحات جذرية علي مستوي المضمون والخطاب تتجاوز الآليات التقليدية إلي نوع من الحوارات التي تحذو حذو المنهج العلمي الرصين. والاستعانة بالمؤهلين فعلاً من أهل الدين وأن تجدد أداءها وتعمل علي التواصل فعلياً مع المشاهد لتحقيق ما يرجوه منها وليس لتحقيق أهدافها.
***
من يُحاسب ماسبيرو؟!
مازالت أصداء الحملة الدرامية البرامجية التي نفذها التليفزيون المصري علي المواطن المصري تتردد داخل أروقة ماسبيرو بل ولن نبالغ إذا قلنا إن المواطن المصري نفسه ورجل الشارع أصابه اليأس والإحباط بعد ما سمع عن تكلفة هذه الحملة.
والسؤال: ما الذي حققه التليفزيون المصري في رمضان؟ سؤال يطرح نفسه بقوة هذه الأيام خاصة بعد أن اكتشفنا خسارة مالية كبيرة كان وراءها سوء تخطيط وطبعاً كما هو معروف أصحاب المصالح العليا فوفق الأرقام المتداولة حول ما قام التليفزيون بإنفاقه في إنتاج أو شراء برامج ومسلسلات للعرض في شهر رمضان بلغ 450 مليون جنيه بينما منذ بداية شهر رمضان أكد الرجل الأول في شركة صوت القاهرة السيد إبراهيم العقباوي وهي الوكالة الإعلانية المنوط بها تسويق أعمال رمضان أنه سيحقق 160 مليون جنيه كحد أقصي من تسويق الأعمال علي كل شاشات ماسبيرو ومع ذلك استمر الاتحاد فيما يفعله. فمن من المفترض به تحمل هذه الخسارة الفادحة هل هو الشعب المصري؟ فهذه الملايين التي تتدفق بغزارة من ماسبيرو علي إنتاج وشراء ما لا يفيد سوي أصحاب المصلحة داخله. فقد تم انفاق ما يقرب من خمسين مليون جنيه علي البرامج فقط في رمضان ولا ينكر القاصي والداني فشل هذه البرامج في تحقيق أي نتيجة سواء مادية تعوض ما تم صرفه أو أدبية من خلال تحقيق علاقة وتواصل مع الجمهور المصري. فتلك البرامج لم تحقق أي عائد مادي يغطي حتي تكاليفها لأن إبراهيم العقباوي قال علي لسانه إن معظم إعلانات رمضان القليلة جاءت علي الأعمال الدرامية ولم تأت أي إعلانات تذكر سوي القليل علي برنامج دوام الحال والذي يعد أفضل حالاً من البرامج الأخري فبرامج رمضان كانت أشبه بتورتة صنعت وتم توزيعها بين شلل أو ما يطلق عليهم نحيتة البرامج في ماسبيرو والتي تحتكر معظم إنتاج البرامج بغض النظر عن صلاحيتهم لهذه المهمة ولذلك تعامل هولاء النحيتة مع الإنتاج البرامجي علي أنه تعبئة أشرطة دون النظر إلي المحتوي فكل البرامج استغلت نفس الضيوف وطرحت عليهم نفس الأسئلة ولذلك أدي عدم وجود مفهوم ومغزي واضح للبرامج إلي انسياق تليفزيون الدولة المصرية بغشم شديد وراء نحيتة البرامج الذين يعملون من الخارج ولا يهمهم ما يقدمونه بل يهمهم ما يقبضونه في جيوبهم وانتشرت علي شاشات ماسبيرو برامج الفضائح التي تعتبر الوقاحة والتجاوز في حق الضيوف جرأة أو إثارة.
ولكن المشاهد المصري إذا رغب في هذه النوعية من البرامج فلديه قنوات أخري مازال سقفها في هذه الأمور أعلي بكثير من التليفزيون الرسمي وتحترف صناعة الترفيه وأحياناً الوقاحة وراهن أيضاً صانعو البرامج علي أسماء من المفترض أنها لامعة ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فمثلاً برنامج ميس حمدان فشل في استقطاب أي إعلان علي الرغم من ميزانيته الضخمة والمستفزة التي قرأنا عنها والنهاية أن اضطر مسئولو ماسبيرو إلي إيقافه بعد أن كانت نتيجتها الإساءة لمواطن المصري بعد أن فشل رهانهم عليه وعلي اسم مذيعته اللامعة ونجد أيضاً أنه حتي البرامج الكوميدية استخفت بعقول المشاهدين سواء فبربكانو أو ضحكني شكراً والتي اعتمدت علي زغزغة المواطن قبل المحتوي وسلم لنا علي كوميديا ماسبيرو.
أما قادة ماسبيرو دافعوا عن سياستهم الاقتصادية التي تعتمد علي الانفاق بسخاء من أموال الدولة والشراء بلا حدود والمراهنة علي العروض الحصرية قائلين إنهم قاموا بشراء هذه الأعمال للعام كله وليس لرمضان فقط مع أن تصريحاتهم قبل رمضان كانت العكس ولكن بعد اكتشافهم انهم لم يجنوا ما كان يطمحون إليه تم الانتقال لمقولة إن الشراء كان للعام كله وقد قرأنا في أحد التصريحات الأخيرة لمسئولي ماسبيرو أن مبدأهم الأساسي الإنفاق بشكل جيد حتي يستطيع التليفزيون تحقيق إعلانات لأن الإعلانات لا تأتي لأعمال ضعيفة وأن هناك قيماً جديدة لفنون الصورة يجب أن يتحلي بها التليفزيون من ديكور وإضاءة ومستوي صورة وهذه الأشياء طبعاً لا يعرفها سوي المقربن وتناسي الجميع في خضم هذا كله المحتوي والمضمون ومصداقية تليفزيون الدولة المنوط به إنتاج مواد درامية وبرامج ذات قيمة وأن يتذكر دائماً أن هذا الصرح الكبير يتم تمويله من ميزانية الدولة ليقوم بهذا الدور وأن من ينفق علي تليفزيون الدولة هم دافع الضرائب وليس رجال أعمال حتي ينفقوا أموالهم فيما يحلو لهم. وطبعاً أصاب الحزن مسئولي ماسبيرو الكبار بعد أن اشترت قنوات الحياة مسلسلات يحيي الفخراني ونور الشريف حصرياً لرمضان القادم.
وسؤالنا هو هل ما قدمه التليفزيون في العهد الجديد مطلب جماهيري شعبي تضامنت من أجله جميع القوي الوطنية حتي يتم الانفاق عليه من أموال الدولة التي هي شعب مازال يعاني مشاكل في البنية الأساسية والتعليم والصحة اما كان الأفضل توجيه هذه الأموال لما يخدم شعب مصر ومستقبله ونرضي بالقليل من الترفيه والمسلسلات في تليفزيون الدولة ونترك الإنفاق بسخاء والترفيه والمسلسلات الحصرية للقنوات الخاصة فهي في النهاية أموال خاصة.
والسؤال الأهم هل وضع المسئولون في مبني ماسبيرو أي أهداف يريدون تحقيقها أو سياسات إعلامية قبل أن يتخذوا قراراتهم الفجائية والمنفردة في نفس الوقت؟
أيها السادة أن ما حدث في رمضان هو انعكاس طبيعي لوضع ماسبيرو الحالي من سوء حال أهله وانفراد قلة قليلة وافدة عليه بالأعمال واستحواذها علي جميع الأعمال مع وجود أزمة مالية يعاني منها هذا الجهاز العريق من تأخر مستحقات العاملين والتي نسمع ونقرأ عنها دائماً وطبعاً هذه الأزمة ليس لها تأثير من قريب أو بعيد علي قيادات ماسبيرو أو أصحاب الحظوة المقربين منهم أو النحيتة ومن جهة أخري فالتجاوزات داخل هذا المبني أصبحت تجري علي قدم وساق وطبعاً ليس للجميع فلا ندري بأي قانون أو أي لائحة إدارية تسمح رئيس قناة في ماسبيرو بأن يتولي الإشراف علي قناة خاصة خارج ماسبيرو وبموافقة رؤسائه أو حتي الإشراف علي بعض الأعمال فقط أليس من حقنا أن نطرح هذا التساؤل وأليست القنوات الخاصة في وضع تنافسي مع قنوات ماسبيرو أم أن هذا المسئول سوف يفرق بين ما يعطيه من ناتج أفكاره العظيمة التي لم تظهر حتي الآن علي شاشات ماسبيرو وبل وأصبح مثاراً للتساؤل من كل أهل ماسبيرو وبالمناسبة فهو ليس من أبناء ماسبيرو بل من الوافدين الجدد الذين هبطوا علي هذا المبني من القنوات الخاصة وهاهم يأخذهم الحنين لنفس الطريق ولكن مع الاحتفاظ بنصيبهم من تورتة ماسبيرو فأية مصداقية وأية شفافية يتعامل بها قيادات ماسبيرو.
إن تدخل وزير الإعلام المصري أصبح ضرورياً بما له من صلاحيات وهي كثيرة لوقف الانفلات المادي الذي أصبح واضحاً والانفلات الإعلامي الذي أصبح ظاهراً علي بعض شاشات ماسبيرو والانفلات الإداري والتفرد بالقرارات طبقاً للمصالح.. ونداء لقيادات ماسبيرو بأن يبتعدوا عن الشللية والمحسوبية والأسماء البراقة فهي لا تصنع بالضرورة إعلاماً ناجحاً بل الإعلام الناجح هو ما يصنع الأسماء البراقة وللحديث بقية.
*خبير إعلامي
يزخر الفضاء الخارجي لمصر والوطن العربي بالعديد من الفضائيات الدينية أو ذات الطابع الديني. حتي أصبحت تشكِّل قوة إعلامية لا يُستهان بها وذات سلطة علي عقول المشاهدين. ورغم أن القليل منها فقط يمكن أن يحسب علي أنه يقدم خدمات جليلة للدين إلا أننا إذا نظرنا إلي غالبية هذه القنوات نجد أنها لا تقدم شيئاً ويكرر بعضها بعضاً. خصوصاً أن القاعدة المؤسسة لإطلاق هذه القنوات تنطلق من قناعات بعض أفراد أو مؤسسات أو نوايا بضرورة تقديم عمل جليل للإسلام وخدمة للمسلمين. ولكن بقطع النظر عن صدق النوايا إن صدقت فإن الحصيلة في النهاية مثيرة للكثير من التساؤلات.
وتعتبر غالبية القنوات الدينية الإسلامية أنها من وسائل نشر الدعوة خاصة في مصر. وصنفت رسالتها ضمن الذين يذودون عن القيم السامية للمجتمع المسلم. لكن المتتبع لمسيرة هذه القنوات التي لا تحصي يكتشف أنه باستثناء القليل جداً منها أنها تقدم شيئاً لمشاهد المسلم. بل إن بعضها زادت في جهله وشوشت عليه دينه الصحيح من خلال فوضي الفتاوي التي يتضارب بعضها ببعض بين هذا الداعية والشيخ الآخر وأيضاً فوضي الدعاة الذين لا نعرف من أين جاءوا أو من الذي نصبهم دعاة للدين وهل هم مؤهلون لذلك أم لا؟
ورغم تسجيل أن القنوات الدينية لها إيجابيات منها علي سبيل المثال تدعيم الهوية الإسلامية. إلا أن سلبياتها أكثر من أن تحصي. إذ أن أغلب هذه القنوات يفتقر إلي الأطر المدربة المتخصصة والدعاة المؤهلين فعلياً علي أيدي علماء الإسلام وليس مرتزقي الفضائيات في المجال الذي تختص القناة بتقديمه للجمهور من جهة أولي. ومن جهة أخري لا أحد يشكك في الهدف الاستثماري لجميع القنوات الفضائية الدينية التي تلجأ عادة إلي مصادر تمويل أو شخصيات لها ثقل اقتصادي. كما تبحث عن أسماء إعلامية دينية شهيرة دون أن تضع بعين الاعتبار توافق ثقافة هذا الإعلامي مع أهداف القناة أو حتي تتأكد من أنه داعية مؤهل فما يهم هو مدي انتشاره لتحقيق ربح مادي من خلال الاتصالات والإعلانات حتي أن هناك بعض القنوات الغنائية العربية قد تحولت إلي قنوات دينية لتحقيق ربح مادي أكبر دون النظر إلي التوجه. ومن جهة ثالثة يتم إغفال عناصر الإبهار والتشويق التليفزيونية والمعايير الإعلامية الاحترافية. والاكتفاء بالبرامج الحوارية والمواجهات. وبذلك تكون تحولت من البرامج التليفزيونية إلي البرامج الإذاعية ولذلك نجد أن هناك أشكالا عديدة للبرامج التليفزيونية من أكثرها رواجاً وانتشاراً البرنامج الذي يستضيف أحد الشيوخ أو العلماء أو الدعاة للإجابة عن أسئلة المشاهدين. ولكنك لا تعرف من هو هذا الداعية وهل هو مؤهل لإطلاق الفتاوي. وما هي مؤهلاته العلمية وهل هو من خريجي الأزهر أم غيره لذا لابد لهذه القناة أن تقدم السيرة الذاتية للدعاة الذين يطلون علي المشاهد حتي نتأكد من أننا بصدد عالم جليل في مجاله ولابد أن يفعل ذلك هؤلاء القائمون علي تلك الفضائيات حتي يتمتعوا بالمصداقية لدي المشاهد.. وهذا يجعلنا نتساءل عن جدوي هذه الفضائيات وما إذا كان المسلمون في حاجة إليها نتساءل أيضاً عن الصلة بين نبرة الخطاب والغلو فيها وبين الإصرار علي تناول موضوعات بعينها تؤدي إلي انتشار الغلو من جانب وانتشار ثقافة رفض الآخر من جانب فهل هذا يخدم الإسلام فمعظمها يحرص علي تقديم الإسلام في صورة ليس من شأنها أن تحمل الخصوم علي اعتباره ذي علم وعقل وحوار وسلام فالمتصفح بين القنوات الدينية علي القمر الصناعي قد يصاب بحالة من الاندهاش في ظل تضارب الآراء في الفتوي الواحدة وكل يصر علي رأيه ويحارب من أجله وقد يستغل القائمون علي هذه القنوات الدينية ثقة المشاهد في أن من يظهرون عليها أهل ثقة للترويج لأفكار من شأنها إثارة الفتن في المجتمع أو الترويج لبعض المنتجات لتحقيق ربح مادي من استغلال المشاهدين وأحياناً نشر ما هو غير صحيح علمياً أو فكرياً أو عقائدياً بين الناس والضحية في النهاية هو المواطن المسلم الذي يصيبه الضرر من هذه الفضائيات ولعل من نماذج الفضائيات الدينية التي ظهرت علي الساحة الإعلامية هي القناة المسماة بأزهري وهي قناة لا تمثل الأزهر الشريف كما أعلنها من قبل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وإن كان من يظهرون عليها هم من بعض رجالات الأزهر الشريف وهذه من أكبر حسنات هذه القناة إلا أنها تخلو من السلبيات في تناول الموضوعات أو افتقادها للأسس أو المعايير الإعلامية الاحترافية.
وهذا يجعلنا نطرح أنه في ظل شيوع فكر القنوات المتخصصة الفضائية لماذا لا يقوم الأزهر بمواكبة التطور الإعلامي للمجتمعات المسلمة وذلك بإنشاء قناته الرسمية فعلياً والتي تعبر عن الفكر الأزهري بحق ونحن علي ثقة أن هذا حلم كل مصري بل وكل مسلم وعلي ثقة أيضاً بأن فضيلة الإمام الأكبر لن يدخر جهداً لجعل هذه القناة تري النور وهذا الذي سيؤدي بدوره إلي تراجع دور وتأثير العشوائيات الدينية أو الفضائيات الدينية المرتزقة الأخري وتراجع تأثير ما يسمي بالدعاة الجدد الذين لا نعرف من أين جاوا أو من الذي صنعهم نجوماً.
ولعل القرار الذي صدر بإيقاف مؤقت لبث بعض هذه الفضائيات إنما هو خطوة علي الطريق الصحيح لإعادة تقييم ما يقدم علي الشاشة لأبنائنا ومجتمعنا فهذا القرار الذي يعتبر مقدمة لإعادة تصحيح الكثير من الأوضاع الإعلامية الخاطئة التي انتشرت في ربوع الإعلام الفضائي ولعل التجاوزات العديدة للفضائيات المسماة بالدينية هي ما دعت أصحاب القرار للبدء بها ونتمني ألا تكون النهاية بل تمتد يد التصحيح الإعلامي لتنال كل خروج عن قيم مجتمعنا ومبادئه.
ولذلك ففي النهاية لابد أن نعترف بأنه بقدر ما يتعلق الأمر بالفضائيات الدينية خاصة المصرية منها فإن وجودها سيظل ماثلاً ما بقيت حاجة الإنسان إلي التدين. لكن علي تلك الفضائيات لكي تتخطي عوامل الاخفاق الإعلامي التي أصابت وتصيب عدداً منها أن تعمد إلي إجراء إصلاحات جذرية علي مستوي المضمون والخطاب تتجاوز الآليات التقليدية إلي نوع من الحوارات التي تحذو حذو المنهج العلمي الرصين. والاستعانة بالمؤهلين فعلاً من أهل الدين وأن تجدد أداءها وتعمل علي التواصل فعلياً مع المشاهد لتحقيق ما يرجوه منها وليس لتحقيق أهدافها.
***
من يُحاسب ماسبيرو؟!
مازالت أصداء الحملة الدرامية البرامجية التي نفذها التليفزيون المصري علي المواطن المصري تتردد داخل أروقة ماسبيرو بل ولن نبالغ إذا قلنا إن المواطن المصري نفسه ورجل الشارع أصابه اليأس والإحباط بعد ما سمع عن تكلفة هذه الحملة.
والسؤال: ما الذي حققه التليفزيون المصري في رمضان؟ سؤال يطرح نفسه بقوة هذه الأيام خاصة بعد أن اكتشفنا خسارة مالية كبيرة كان وراءها سوء تخطيط وطبعاً كما هو معروف أصحاب المصالح العليا فوفق الأرقام المتداولة حول ما قام التليفزيون بإنفاقه في إنتاج أو شراء برامج ومسلسلات للعرض في شهر رمضان بلغ 450 مليون جنيه بينما منذ بداية شهر رمضان أكد الرجل الأول في شركة صوت القاهرة السيد إبراهيم العقباوي وهي الوكالة الإعلانية المنوط بها تسويق أعمال رمضان أنه سيحقق 160 مليون جنيه كحد أقصي من تسويق الأعمال علي كل شاشات ماسبيرو ومع ذلك استمر الاتحاد فيما يفعله. فمن من المفترض به تحمل هذه الخسارة الفادحة هل هو الشعب المصري؟ فهذه الملايين التي تتدفق بغزارة من ماسبيرو علي إنتاج وشراء ما لا يفيد سوي أصحاب المصلحة داخله. فقد تم انفاق ما يقرب من خمسين مليون جنيه علي البرامج فقط في رمضان ولا ينكر القاصي والداني فشل هذه البرامج في تحقيق أي نتيجة سواء مادية تعوض ما تم صرفه أو أدبية من خلال تحقيق علاقة وتواصل مع الجمهور المصري. فتلك البرامج لم تحقق أي عائد مادي يغطي حتي تكاليفها لأن إبراهيم العقباوي قال علي لسانه إن معظم إعلانات رمضان القليلة جاءت علي الأعمال الدرامية ولم تأت أي إعلانات تذكر سوي القليل علي برنامج دوام الحال والذي يعد أفضل حالاً من البرامج الأخري فبرامج رمضان كانت أشبه بتورتة صنعت وتم توزيعها بين شلل أو ما يطلق عليهم نحيتة البرامج في ماسبيرو والتي تحتكر معظم إنتاج البرامج بغض النظر عن صلاحيتهم لهذه المهمة ولذلك تعامل هولاء النحيتة مع الإنتاج البرامجي علي أنه تعبئة أشرطة دون النظر إلي المحتوي فكل البرامج استغلت نفس الضيوف وطرحت عليهم نفس الأسئلة ولذلك أدي عدم وجود مفهوم ومغزي واضح للبرامج إلي انسياق تليفزيون الدولة المصرية بغشم شديد وراء نحيتة البرامج الذين يعملون من الخارج ولا يهمهم ما يقدمونه بل يهمهم ما يقبضونه في جيوبهم وانتشرت علي شاشات ماسبيرو برامج الفضائح التي تعتبر الوقاحة والتجاوز في حق الضيوف جرأة أو إثارة.
ولكن المشاهد المصري إذا رغب في هذه النوعية من البرامج فلديه قنوات أخري مازال سقفها في هذه الأمور أعلي بكثير من التليفزيون الرسمي وتحترف صناعة الترفيه وأحياناً الوقاحة وراهن أيضاً صانعو البرامج علي أسماء من المفترض أنها لامعة ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فمثلاً برنامج ميس حمدان فشل في استقطاب أي إعلان علي الرغم من ميزانيته الضخمة والمستفزة التي قرأنا عنها والنهاية أن اضطر مسئولو ماسبيرو إلي إيقافه بعد أن كانت نتيجتها الإساءة لمواطن المصري بعد أن فشل رهانهم عليه وعلي اسم مذيعته اللامعة ونجد أيضاً أنه حتي البرامج الكوميدية استخفت بعقول المشاهدين سواء فبربكانو أو ضحكني شكراً والتي اعتمدت علي زغزغة المواطن قبل المحتوي وسلم لنا علي كوميديا ماسبيرو.
أما قادة ماسبيرو دافعوا عن سياستهم الاقتصادية التي تعتمد علي الانفاق بسخاء من أموال الدولة والشراء بلا حدود والمراهنة علي العروض الحصرية قائلين إنهم قاموا بشراء هذه الأعمال للعام كله وليس لرمضان فقط مع أن تصريحاتهم قبل رمضان كانت العكس ولكن بعد اكتشافهم انهم لم يجنوا ما كان يطمحون إليه تم الانتقال لمقولة إن الشراء كان للعام كله وقد قرأنا في أحد التصريحات الأخيرة لمسئولي ماسبيرو أن مبدأهم الأساسي الإنفاق بشكل جيد حتي يستطيع التليفزيون تحقيق إعلانات لأن الإعلانات لا تأتي لأعمال ضعيفة وأن هناك قيماً جديدة لفنون الصورة يجب أن يتحلي بها التليفزيون من ديكور وإضاءة ومستوي صورة وهذه الأشياء طبعاً لا يعرفها سوي المقربن وتناسي الجميع في خضم هذا كله المحتوي والمضمون ومصداقية تليفزيون الدولة المنوط به إنتاج مواد درامية وبرامج ذات قيمة وأن يتذكر دائماً أن هذا الصرح الكبير يتم تمويله من ميزانية الدولة ليقوم بهذا الدور وأن من ينفق علي تليفزيون الدولة هم دافع الضرائب وليس رجال أعمال حتي ينفقوا أموالهم فيما يحلو لهم. وطبعاً أصاب الحزن مسئولي ماسبيرو الكبار بعد أن اشترت قنوات الحياة مسلسلات يحيي الفخراني ونور الشريف حصرياً لرمضان القادم.
وسؤالنا هو هل ما قدمه التليفزيون في العهد الجديد مطلب جماهيري شعبي تضامنت من أجله جميع القوي الوطنية حتي يتم الانفاق عليه من أموال الدولة التي هي شعب مازال يعاني مشاكل في البنية الأساسية والتعليم والصحة اما كان الأفضل توجيه هذه الأموال لما يخدم شعب مصر ومستقبله ونرضي بالقليل من الترفيه والمسلسلات في تليفزيون الدولة ونترك الإنفاق بسخاء والترفيه والمسلسلات الحصرية للقنوات الخاصة فهي في النهاية أموال خاصة.
والسؤال الأهم هل وضع المسئولون في مبني ماسبيرو أي أهداف يريدون تحقيقها أو سياسات إعلامية قبل أن يتخذوا قراراتهم الفجائية والمنفردة في نفس الوقت؟
أيها السادة أن ما حدث في رمضان هو انعكاس طبيعي لوضع ماسبيرو الحالي من سوء حال أهله وانفراد قلة قليلة وافدة عليه بالأعمال واستحواذها علي جميع الأعمال مع وجود أزمة مالية يعاني منها هذا الجهاز العريق من تأخر مستحقات العاملين والتي نسمع ونقرأ عنها دائماً وطبعاً هذه الأزمة ليس لها تأثير من قريب أو بعيد علي قيادات ماسبيرو أو أصحاب الحظوة المقربين منهم أو النحيتة ومن جهة أخري فالتجاوزات داخل هذا المبني أصبحت تجري علي قدم وساق وطبعاً ليس للجميع فلا ندري بأي قانون أو أي لائحة إدارية تسمح رئيس قناة في ماسبيرو بأن يتولي الإشراف علي قناة خاصة خارج ماسبيرو وبموافقة رؤسائه أو حتي الإشراف علي بعض الأعمال فقط أليس من حقنا أن نطرح هذا التساؤل وأليست القنوات الخاصة في وضع تنافسي مع قنوات ماسبيرو أم أن هذا المسئول سوف يفرق بين ما يعطيه من ناتج أفكاره العظيمة التي لم تظهر حتي الآن علي شاشات ماسبيرو وبل وأصبح مثاراً للتساؤل من كل أهل ماسبيرو وبالمناسبة فهو ليس من أبناء ماسبيرو بل من الوافدين الجدد الذين هبطوا علي هذا المبني من القنوات الخاصة وهاهم يأخذهم الحنين لنفس الطريق ولكن مع الاحتفاظ بنصيبهم من تورتة ماسبيرو فأية مصداقية وأية شفافية يتعامل بها قيادات ماسبيرو.
إن تدخل وزير الإعلام المصري أصبح ضرورياً بما له من صلاحيات وهي كثيرة لوقف الانفلات المادي الذي أصبح واضحاً والانفلات الإعلامي الذي أصبح ظاهراً علي بعض شاشات ماسبيرو والانفلات الإداري والتفرد بالقرارات طبقاً للمصالح.. ونداء لقيادات ماسبيرو بأن يبتعدوا عن الشللية والمحسوبية والأسماء البراقة فهي لا تصنع بالضرورة إعلاماً ناجحاً بل الإعلام الناجح هو ما يصنع الأسماء البراقة وللحديث بقية.
*خبير إعلامي

التعليقات