مسلسل القعقاع بن عمرو في عيون المادحين والناقدين
محمد البرزنجي
حاولت أن أطلع على العديد من المقالات التي أثنت أو انتقدت حلقات مسلسل 'القعقاع' منها مقالات علمية ومنها غير علمية ومنها انتقادات للمشاهد قبل إنتاجها كما فعل الأخ الكاتب عبد اللطيف ياسين ولكن المشاهد التي تحدث عنها تغيرت كثيرا بعد الإنتاج والإخراج الأخير فتلقفته مواقع الإنترنيت دون تثبت على أية حال سأتناول ما استطعت منها 'ولكن يهمني بالدرجة الأولى ما كتبه أو قاله أخي الشيخ الصلابي من طرف المؤيدين للمادة التاريخية المكتوبة وأخي الشيخ الغيث من طرف المعترضين على المشاهد والفكرة.
ولقد استمعت إلى كلام أخي فضيلة الشيخ الدكتور الصلابي على 'الجزيرة مباشر' وهو يدافع عن نصوص السيناريو التي راجعها وصححها .
'وكذلك قرأت وبتمعن تعقيب أخي فضيلة الدكتور خالد الغيث -أستاذ التاريخ وعضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى- في مقالتيه الأولى القصيرة والثانية المفصلة والله يشهد أني أحبهما في الله ولعلي أختلف معهما 'في بعض المسائل وأرجو أن لا يفسد هذا التباين في الآراء ما بيننا من ود قديم يتجدد بتجدد عروة الإيمان.
وعلى طريقة الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى أبدا بذكر المآخذ ثم أختم بذكر الإيجابيات.ولكن قبل كل ذلك أحب أن أشير إلى أمر في غاية الأهمية ألا وهو وجود مواطن اتفاق هامة بين الطرفين- المادحين والناقدين
أولا: كلا الطرفين حريص على إثبات عدالة الصحابة والذبّ عن أعراض الآل والأصحاب والزوجات الطاهرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهم اجمعين.
ثانيا -كلا الطرفين يؤكد وجود اختلاف واضح بين النصوص المصححة والمشاهد الممثلة. فالشيخ الغيث حفظه الله وهو من الناقدين قال في رده الأولي :الذي أذهب إليه وأرجحه أن النص الذي راجعه الشيوخ الأفاضل غير النص الذي نفذه مخرج المسلسل... وكذلك قال الشيخ الصلابي وهو من المراجعين للسيناريو: انأ لست مسؤولا عن المشاهد وإنما عن النصوص التاريخية التي راجعناها.
ثالثا: كلا الطرفين يؤكد أن الأستاذ أكرم ضياء العمري - وهو ممن راجعوا النصوص- أستاذ متمرس وخبير في مجال نقد الرواية التاريخية على طريقة المحدثين.
وتكفي هذه الأمور بيانا لكل من يريد أن يصطاد في الماء العكر فعلماءنا الأجلاء وباحثونا ومفكرونا ومؤرخونا المعاصرون حريصون جميعا على بيان الحقائق التاريخية للأمة عبرة واتعاظا وهذه بوابة حسنة للدخول إلى صلب الموضوع بقلوب متصافية .
'أبدا بالنقد ورجائي أن يكون بناءا:
1-' هنالك مواقف ومشاهد وردت ومرت مرور الكرام في الحلقات ولم تستغل حق الاستغلال لبيان عظمة التربية الإيمانية التي هذبت ونظمت وطورت طاقات الناس بعد إسلامهم وحولتهم إلى مادة حضارة وتمدن إسلامي رائع :. فالقتل مثلا كان جزءا من حياة الفرسان في الجاهلية وبلا ضوابط بل لعل حربا دامت أربعين عاما لأتفه الأسباب ولكن الإسلام علّم أولئك الرجال أن القوة المادية لا تستخدم إلا في مجالاتها الخاصة وعند الضرورة وحتى عند استخدامها ليست مطلقة حرة بل قوة منضبطة 'بضوابط الجهاد المعروفة ومنها مابات يعرف في يومنا هذا بقواعد الاشتباك والمصطلح الإسلامي خير وأشمل فعلى الجيش المسلم مثلا 'أن يراعي الشروط التالية التي لم يعرفها الفرسان المقاتلون من قبل (لا تقتل المرأة حتى لو سبت أمير الجيش وشتمته, لا يقتل الطفل أو الشيخ أو الراهب. لا تهدم الكنائس ولا تقطع الأشجار ولا تحرق ولا يقتل الجريح ويحترم الأسير) بل إن الجيوش المسلمة الفاتحة حررت العرب والكرد والفرس والترك والقبط والأرمن وغيرهم من استعمار' وقهر واستعباد كسرى وقيصر و بنت المدن والحواضر كالكوفة والبصرة وغيرها 'وأسست لنظام قضائي مستقل وتوزيع عادل للثروات' ..هذه المعاني توفرت لها الأجواء المناسبة في الحلقات التي غطت ثلاثين عاما هي عمر الخلافة الراشدة ولكنها لم تدرج على الأقل ضمن الحوار حتى يتعلم المشاهد الفرق الواسع بين القتال وشروطه في الشريعة السمحاء وبين قتال جيوش معاصرة تربى الجندي فيها منذ صغره على كارتون(أفلام الصغار) العنف ثم أفلام' الكبار التي تروج للجريمة والعنف والتفنن في تعذيب الضحية..!!!أضف إلى ذلك أن هذا لجندي عاش محروما من كنف الأب ورعايته أو حنان الأم وتربيتها..فماذا تكون النتيجة؟؟وهذه المعاني ممثلة واقعا معاشا في شخصيات وأحداث أفلام هوليود !! فما هو البديل الخير لشبابنا من بين مئات الفضائيات والمواقع ؟؟!!
2-' هنالك روايات صحيحة ولكنها وردت في المشاهد مبتورة من دون تفسير واضح لها. كما قال أخي الفاضل د. خالد الغيث (عندما قرأ الراوي خطبة حجة الوداع وذكر تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الربا تجاهل الراوي تصريح رسول الله بوضع ربا عمه العباس في الجاهلية (الحلقة الثانية)..
والذي ترجح لدي 'أن المخرج أو المنفذ هو الذي أحدث هذا التغيير فالنص موجود كاملا في السيناريو المكتوب الذي راجعه العلماء الأفاضل' وهذا غير مستغرب لان المخرج ذكر بنفسه على الشبكة العنكبوتية انه وازن بين النصوص التاريخية وبين الفرجة والمتعة وإن كان قد أشار على حرصه على النص!!
على أية حال' تكملة الحديث يدلك على عظمة الإسلام إذ لا محاباة ولا مجاملة على حساب الحق كما قال سبحانه(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به) وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهذه المعاني جميلة وكان الأجدر أن تذكر في ثنايا الحلقات.
والمثال الآخر قوله عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) (الحلقة 17) وكان الأولى أن يذكر الحديث كاملا غير مبتور فتكملته (إلا أنه لا نبي من بعدي) وحسب علمي فإن التكملة موجودة في النصوص االتي راجعها الشيوخ كاملا غير منقوص!! وما دام المسلسل يعتمد على الحوار بدرجة كبيرة فكان من السهل جدا أن يذكر المحاور رواية مفصلة من روايات الحديث وأنه عليه الصلاة والسلام لم يقصد بذلك تولي القيادة من بعده لعلي وإنما استخلافه في أهل بيته الكرام ولأن هارون توفي قبل موسى وقد تولى يوشع بن نون قيادة بني إسرائيل من بعد موسى فإن كان القصد تولي سيدنا علي من بعده كان ليقول أنت مني بمنزلة يوشع بن نون من موسى وذلك مما لم يرد في الحديث النبوي الشريف وبالتالي فالمعنى واضح بأن المقصود' بمنزلة هارون هنا أن يخلفه سيدنا علي في أهل بيته في حياته عليه الصلاة والسلام خاصة وبالرجوع إلى سبب ورود الحديث يتبين لنا هذا المعنى' لأنه رضي الله عنه تألم أن يبقى خليفة على أهله وأهل ابن عمه الرسول عليه الصلاة والسلام من النساء والذرية في المدينة' وذلك في غزوة تبوك فبين له عليه الصلاة السلام أنه ذو منزلة عظيمة كمنزلة هارون في حياة أخيه موسى عليهما السلام وأن الاستخلاف في أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام' شرف لسيدنا علي رضي الله عنه .ولفظ الطبري على لسان سيدنا علي( يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني فقال عليه الصلاة والسلام: كذبوا ولكني إنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟إلا أنه لا نبي بعدي! فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره. (صحيح تاريخ الطبري 2/315) ولفظ البخاري(فقال علي أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا انه لا نبي من بعدي) (صحيح البخاري 4416.) وبالتالي فإن ترك الرواية مبتورة كما وقع في المسلسل يخفي كل هذه المعاني ويشوش على المشاهد الكريم حقائق الأمور.
3-' مناداة سيدنا علي كما في المسلسل بالإمام دون غيره من إخوته' الخلفاء تمايز واضح.. كما قال الغيث .. ثم انحناء رجلين زائرين أمامه رضي الله عنه إنحناءا واضحا (الحلقة 27) من فعل الأعاجم أمام كسرى وليس من فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فالإسلام جاء لتحرير العباد من عبادة وتعظيم بعضهم للبعض. ولا يستطيع احد ان ينكر مقام سيدنا علي وقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام ومكانته في قلوب الصحابة الكرام
4-' إظهار سيدنا معاوية رضي الله عنه بمظهر الرجل المترف والمنعم في ملبسه ومجلسه ومركبه في مشاهد عديدة مخالف للحقائق التاريخية 'تماما وهو مخالف لآراء العلماء الأجلاء الذين راجعوا تلك النصوص! وعلى أية حال فسيدنا معاوية'رضي الله عنه كان يهتم بإظهار دار الإمارة شامخا أمام أعين الروم المتاخمين للشام إظهارا لهيبة الحكم الإسلامي كما أخبر عن ذلك بنفسه (إني في بلاد لا يمتنع فيها من جواسيس العدو ولا بد لهم مما يرهبهم من آلة السلطان) ولكنه كان متقشفا في ملبسه ومركبه وكان الخليفة المجاهد الزاهد ... وخلال عقد من الزمان قضيته في تمحيص وتحقيق مرويات الطبري لم أجد فيما بين يدي من المصادر رواية صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفا خفيفا تحكي عن ترف معاوية رضي الله عنه في البناء الشخصي والملبس والمركب وهذا ما يؤيدني فيه الإخوة الأجلاء الكرام وفي مقدمتهم الصلابي والغيث وأمحزون وغيرهم كثير.
5-' الدخول في دائرة حساسة ومختلف فيها واعني 'مسألة تمثيل الخلفاء الراشدين وزوجات النبي وكان من السهولة بمكان أن يتجاوز المنفذ أو المخرج مسالة تمثيلهم بحكاية الكلام عنهم بصيغة حوار دائر بين بقية الصحابة كما فعل في مواضع أخرى.
6-' والمسألة الأخرى التي تثير الجدل بين الفينة والأخرى هي دور عبد الله بن سبأ في الفتنة وبالتالي مدى ظهوره في حلقات المسلسل.. وهذه مسالة ليست بالسهلة ...ولطالما اختلف فيها الباحثون وخلاصة ما تبين لي ولإخواني الآخرين من الباحثين المعاصرين بعد غربلة كاملة للروايات المتوفرة حول الرجل انه من يهود اليمن أعلن إسلامه ولكنه أخفى عداءه للإسلام ولم ينفرد الاخباري الضعيف سيف بن عمر بإيراد أخباره بل أخرج الحافظ ابن عساكر روايات حسنة وصحيحة من طرق متعددة اخرى تحكي أخبار ابن سبأ وكان له دور في التحريض على سيدنا عثمان ثم تشويه صورة سيدنا علي والتشويش عليه وقد جعل من ادعائه تعظيم سيدنا علي غطاء لنشاطاته الغامضة الخبيثة حتى بلغ به الحد إلى وصف سيدنا علي بالإله فما كان من سيدنا علي إلا أن أمر بعقابه. وكعادة المتآمرين فقد كان دوره غامضا يختفي تارة ويظهر أخرى فاتسم دوره بالخفاء والتدليس والمراوغة ولكن الروايات المكذوبة التي جاءت من طريق الوضاعين بالغت في تصوير دوره حتى كأنه الفاعل الوحيد على الساحة. وذلك غير صحيح في حق الصحابة الذين لم يكونوا بتلك الدرجة من البساطة بحيث يسمحوا لرجل مبهم غريب مثله ان يقود الأحداث ويدبرها بلا منازع.
وكي لا أطيل على القارئ الكريم اكتفي بهذا القدر من النقد. أرجو أن يكون بناءا' في طريق تحسين أداءنا الإعلامي الهادف والملتزم.ومن أراد المزيد فهو مبسوط على المواقع الإلكترونية .
'
ولكن هل حقق المسلسل نتائج جيدة وإيجابيات لم يذكرها الناقدون؟ ؟!
أقول :لقد أظهرت الحلقات حقائق عديدة تطابق الروايات التاريخية الصحيحة عند علماء الحديث والتاريخ منه على سبيل المثال..
1-'' أظهرت الحلقات الأولى أن سيدنا عليا قد بايع مختارا طائعا سيدنا الصديق خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عملية شوروية وسابقة تاريخية نادرة في ذلك العصر الذي كان لا يعرف سوى ظلم واستبداد وقهر كسرى وقيصر... وذلك معلم من معالم الحضارة الإسلامية.
2-'' أظهرت الحلقة 27 حوارا طيبا بين سيدنا علي وأم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنهم أجمعين وبينت تكريم سيدنا علي للصديقة عائشة.
3-'' الوصية التي أوصى بها خالد بن الوليد وهو على فراش الموت كما جاءت في إحدى الحلقات تقطع الطريق على كل من يروم الغمز في صحابة رسول الله وتشويه صورة سيف الله المسلول وتشويه العلاقة الإيمانية بينه وبين سيدنا الفاروق عمر رضي الله عنهم أجمعين.
4-'' أظهرت بعض الحلقات ومنها الحلقة 27 أن سيدنا معاوية رضي الله عنه قد قال بكل صراحة ووضوح انه يرى سيدنا عليا أولى الناس لمنصب الخلافة وانه الأفضل والأحسن وان خلافه معه فقط حول التعجيل بالقصاص من قتلة سيدنا عثمان.
5-'' بينت الحلقات للناس صلح السيد الهاشمي الحسن بن علي رضي الله عنهما مع سيدنا معاوية رضي الله عنه وأمام جموع الناس ( جيش الشام والعراق) وذلك عام الجماعة وفي ذلك تحقيق لنبوءة رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن الحسن سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
6-'' بينت الحلقات دفاع سيدنا علي عن أمير المؤمنين عثمان وكيف أنه دفع بأعز ما يملك في هذه الدنيا ولده الحسن للدفاع عن سيدنا عثمان.
7-'' بينت الحلقات وبما لايقبل الشك مكانة 'آل البيت عند الراشدين ومنها مكانة سيدنا العباس عند أمير المؤمنين عمر الفاروق في مواقف عدة منها تقديمه عند الاستسقاء.
8-'' 'ومن بين ردود عديدة على مواقع الإنترنيت وجدت انتقادا غير عادي ينصب على مسالة تمجيد بني تميم ونسبتهم 'إلى ولد إسماعيل وان تلك نظرة قبلية وأن الرواية في ذلك غير صحيحة ..إلخ... ..وللإجابة أقول: لم لا نقرأ المشهد من زاوية أخرى؟ (بدلا من اتهام النوايا والبحث في خبايا النفوس) فنقول مثلا: من بين الأساليب التي اتبعها الرسول عليه الصلاة والسلام: الثناء على وفود القبائل كل بما تميزوا به من خصال كريمة تشجيعا لهم على مكارم الأخلاق ولكي يتسابقوا بذلك في رفع راية الإسلام من باب التنافس في الخير ونصرة الحق . فلا ضير من بيان فضل بني تميم أو غير بني تميم. وما انتقده البعض (كالأخ عبد اللطيف ياسين من الشام) من ذكر فضائل بني تميم له ما يؤيده في مصادر السنة المعتبرة. وعلى سبيل المثال فإن الصحابة الكرام كانوا يحبون بني تميم لأسباب ثلاث بينتها رواية البخاري (2543)ومسلم (2525)عن أبي هريرة رضي الله عنه (لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هم أشد أمتي على الدجال قال وجاءت صدقاتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه صدقات قومنا قال وكانت سبية منهم عند عائشة فقال رسول الله: أعتقها فإنها من ولد إسماعيل) واللفظ لمسلم. ولذلك لم يكن من باب الاعتباط اهتمام أئمة الحديث بذكر ثناء الرسول عليه الصلاة والسلام على القبائل كبني طي وبقية قبائل الحجاز وقبائل اليمن وقبائل الشريط الساحلي للخليج ومنها عمان والبحرين وغيرهم كثير. والرسول عليه الصلاة والسلام ذهب ابعد من مدحه القبائل العربية فهو رسول الإنسانية اجمع فكان عليه الصلاة والسلام يمتدح قوم سيدنا سلمان الفارسي كما قال أبوهريرة رضي الله عنه (وضع رسول الله يده على سلمان ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء) صحيح البخاري 4897. وكذلك امتدح أهل مصر واستوصى بهم خيرا كما في صحيح مسلم ( 6441). وكذلك بقية الأقوام والشعوب. وفي ذلك اثر بالغ في النفوس: فالتركي مثلا لو شاهد الجوانب الحقيقية لسيرة السلاطين من أمثال السلطان المصلح عبد الحميد الثاني لأخذته الحمية لنصرة الحق وإقامة العدل فكان أمثال السيد طيب 'أوردغان وغيره وكذلك الكردي حين يفتخر بالسلطان الناصر صلاح الدين.. تتحرك في داخله بواعث الخير والحق. وذلك ذخر إعلامي عظيم.
9-'' وأخيرا خلاصة القول في مرويات سيف بن عمر- التاريخية التي تحدثت عن جوانب من سيرة القعقاع :
إن شخصية القعقاع حقيقة وليست أسطورة فالقعقاع من كبار القادة الميدانيين ولقد قال الحافظ ابن عبد البر صاحب الاستيعاب في معرفة الأصحاب وهو يتحدث عن القعقاع بن عمرو وأخيه عاصم بن عمرو (وكان لهما - أي للقعقاع وأخيه - بالقادسية مشاهد كريمة ومقامات محمودة وبلاء حسن). وانظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب ترجمة 2145. وابن عبد البر احد الحفاظ الثلاثة الذين اشتهرت معاجمهم في أسماء الصحابة كمصادر معتمدة لدى أئمة الحديث فلا يطلقون الكلام جزافا... فالقعقاع قائد ميداني جليل وبطل مغوار وضع طاقاته تحت تصرف الخلفاء الراشدين واحدا بعد الآخر' ومعلوم أن دور الجهود الفردية للفرسان الشجعان كان عاملا حاسما في الحروب القديمة وكان القعقاع واحدا من منهم ويشبه دوره ما يسمى في أيامنا هذه بالقوة الخاصة للتدخل السريع .
والإشكال الوارد هنا ورود أخبار القعقاع من طريق الراوي سيف بن عمر الذي ضعفه أئمة الحديث ولكنهم اعتمدوه في رواية التأريخ وذلك لأنهم فرقوا بين شروط قبول رواية الحديث وبين شروط رواية التاريخ.والحكم على راو معين ليس بالمسألة السهلة كما يتصور القارئ العادي إنما الأمر بحاجة إلى موازنة دقيقة بين أقوال الجارحين والمعدلين وما إذا كان الجرح مفسرا آم لا 'وغير ذلك كثير وكله 'معلوم لدى أهل الشأن والمسألة غير متعلقة بسيف لوحده بل بتلاميذه الذين رووا عنه فمنهم من هو معروف بتحامله على الصحابة كشعيب ومنهم من هو مقبول الرواية عند أهل الحديث.وخلال أعوام قضيتها في خدمة علماء الحديث وأساتذة التأريخ وانأ احقق روايات الطبري درست ما كتبه العلماء المتقدمون والمتأخرون وحتى المعاصرون كالأستاذ الفاضل احمد معبد وأخي الدكتور الغيث عن سيف بن عمر التميمي . فوجدت من المتقدمين إماما كالدار قطني والذي انتهى إليه علم علل الحديث يضعف سيفا في الحديث ولكن يعتمد على روايته في التأريخ وأسماء الرواة بل يرجح قول سيف على قول إمام المغازي ابن إسحاق عند الاختلاف في اسم راو هل هو (زهرة بن جوية:أوزهرة بن حوية) فيقول الدارقطني: وقول سيف أصح (المؤتلف1/463) ويستشهد بأخبار سيف 'في عشرات المواضع. وكذلك فعل ابن قانع وابن شاهين فصححوا أسماء الفتوح اعتمادا على تسمية سيف بن عمر.. لذلك اتفق رأي الحافظين ابن حجر والحافظ الذهبي بعد دراستهما لمرويات سيف واستقرائهم لأقوال علماء الجرح والتعديل وصنيعهم 'فيه:أن سيفا ضعيف في الحديث عارف أو عمدة في التأريخ.
واستقراء لأقوال جميع العلماء الأئمة المتقدين وترجيحات المتأخرين الذين درسوا روايات سيف بن عمر التميمي فقد وضعنا روايات سيف التاريخية في قسم الصحيح من تاريخ الطبري بالشروط التالية:
1-' أن لا تخالف رواية سيف رواية تاريخية أخرى أصح إسنادا.
2-' لا يتعلق نص الرواية (المتن) بأمور العقيدة.
3-' لا يتعلق المتن بمسائل الحلال والحرام.
4-' لا يوجد في النص طعن في عدالة الصحابة.
5-' أن يكون أصل القصة صحيحا من طريق آخر غير طريق سيف.
ثم إن الراوي سيف لم يبالغ في تصوير دور القعقاع في رواياته رفعا لشان بني تميم فلو أراد أن يفعل ذلك لفعله بحق من هو أظهر وأشهر منه كالأحنف بن قيس فهو شيخ مشايخ بني تميم إذ دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يراه بعدما سمع عنه خيرا والأحنف هذا 'الذي اشتهر بحكمته وحلمه وشجاعته وطاعة بني قومه له كان من كبار قادة الفتح في عهد سيدنا عثمان وقاد الجيوش 'عند تخوم الخلافة' قريبا من شواطئ بحيرة قزوين وكذلك كان عاملا لتخفيف وطأة الفتنة وحقن الدماء أيام وقعة الجمل في عهد سيدنا علي. ولقد اخرج سيف بن عمر أخباره فلم يبالغ في وصفه.وكلامي هذا لا يعني عدم وجود أخبار غير صحيحة عند سيف وإنما أعني هنا بالتحديد أن سيفا لم يبالغ في تصوير شخصية الأحنف بن قيس وهو شيخ مشايخ بني تميم الشجاع الحكيم فما الداعي للمبالغة في تصوير القعقاع إذن؟!ومن أراد المزيد فعليه الرجوع على ما كتابات وأبحاث أخي الدكتور خالد الغيث والأستاذ احمد معبد في مرويات سيف ..
والأمر المهم الذي أريد التذكير به هو الاتي
1-إن شبابنا وشاباتنا الذين هم عماد مستقبل الأمة يصرفون ساعات عزيزة من أوقاتهم يوميا أمام الشاشات يراقبون القنوات الفضائية أو الشبكة العنكبوتية وهذه ممتلئة بالبدائل الخطيرة التي تمس الأخلاق والدين ونظام الأسرة.
وبالمقابل فإن بدائل الخير قليلة مقارنة بالكم الهائل من اللهو المبتذل على هذه القنوات.. والحقيقة التي لا مهرب منها أن الأفلام والمسلسلات هي التي تجذب انتباه الناس أكثر من غيرها لأن حب القصص والتأثر بها من طبع بني آدم (لذلك أولى الله سبحانه القصص في القرآن اهتماما بالغا) والمسلسلات والأفلام هي نوع من أنواع السرد القصصي ولقد استغل الغرب هذه المسألة أكثر استغلال وما أفلام هوليود وجوائزها إلا منبرا من منابر الدعوة إلى الثقافة الغربية والنموذج الغربي في الحياة..وكذلك استغل مبغضوا الصحابة الأفلام والمسلسلات لترسيخ صورة مسخة مكذوبة بشعة عن الآل والصحاب!!!
بينما لا زلنا نحن في بداية الطريق 'ولما تتكون لدينا بدائل مؤثرة وجذابة توصل المعلومة التاريخية الحقة والثقافة الوسط إلى ذهن الشباب.وتشحذ هممهم وتقوي إيمانهم.
إن مسلسل القعقاع خطوة أولى على الطريق لا بد من تقويمها ومنافسة القائمين عليها في الخير بدلا من تهميشها وإنكار ما فيها من جوانب إيجابية..ولكني أود هنا أن أشير لأمرين جديرين بالاهتمام تحسبان مع الجوانب الإيجابية:
فلأول مرة (حسبما اعلم ) تتعاون مؤسستان إعلاميتان في بلاد المسلمين إحداهما سعودية (أم بي سي) والأخرى قطرية (تلفزيون قطر) لإنتاج وعرض مشروع إعلامي بديل بهذه الأهمية يستحق التثمين والتقدير مع التصحيح والتطوير وصولا إلى ما تصبو إليه الأمة من وجود إعلام صادق وهادف وملتزم يغني عن بدائل اللهو والعبث.ولعل في ذلك بادرة خير للتعاون بين قنوات فضائية عديدة في المستقبل من باب التعاون على البر والتقوى بالإضافة إلى المنافسة في مجلات الخير الإعلامية وما أكثرها.
ولأول مرة كذلك يراجع هذا العدد من العلماء الأجلاء نص سيناريو لمسلسل تأريخي بهذا لحجم. وكل واحد منهم من بلد من بلاد المسلمين ففضيلة الشيخ العودة من المملكة والعلامة القرضاوي من قطر والشيخ الصلابي من ليبيا والأستاذ العمري من العراق ... ولقد ازداد الإقبال عليه لوجود أسماء هذه الكوكبة الجليلة فلا بد إذن من: سد الثغرات وإقالة العثرات. بدلا من اتهام النيات وحجب الحسنات والاقتصار على السلبيات.
وإذا كنا نعلم أن باستطاعة الممثل أو المخرج أو المنفذ أن يغير ويشوه نصوص السيناريو حتى بعد مراجعة الشيوخ له -لأسباب متعددة منها السبق الإعلامي ومنها جني المال ومنها 'الفهم الخاطئ لأحداث التاريخ وكذلك الحقد الطائفي- فلا بد 'من معالجة الأمر من طريقين الأول إيجاد ممثلين ملتزمين لا يمثلون إلا الصالحين,-تماما كما في مجال الإنشاد فهنالك منشدون جادون ملتزمون والحمد لله - وحتى يتحقق هذا الشيء -وجود ممثلين ومخرجين ومنفذين ملتزمين- علينا سلوك الطريق الثاني وهو توكيل شخص ثقة من قبل الشيوخ لمراقبة المشاهد أثناء التمثيل لمنع التحريف والتزوير. ولا بد للعلماء والمؤرخين من فرض هذا الشخص على الجهة المنتجة كشرط لقيامهم بمراجعة النص..
ولقد آلمني حدة أسلوب بعض علمائنا الأفاضل في انتقاد بعضهم البعض!!
فماذا نتوقع من القارئ العادي حين يسمع أحد العلماء ينتقد أخاه بغلظة وشدة؟ لقد قرأت لأحد القراء وهو يقول عن القائمين على مسلسل القعقاع بعد قراءته لنصوص العلماء الناقدين (لا وفق الله من قام بهذا العمل!!) وسمعت آخر يقول ما علاقة الشيخ القرضاوي بالتأريخ؟. فقلت غفرانك اللهم فتحنا الباب امام عامة الناس للخوض في لحوم العلماء! سماحة الإمام القرضاوي حفظه الله ورعاه يوم أن كان علما أزهريا' يدعو إلى الله وينشر العلم ويكتب في التأريخ (حوار بين داعية وطاغية) ويدعو إلى إعادة كتابة التأريخ من قبل عقود غابرة يوم أن كنا صغارا نلعب في الطرقات!! ولن أنسى يوم أن وجه أحدهم سؤالا إلى فضيلة أخي الشيخ المحقق أبي إسحاق الحويني يريد منه أن ينتقص من أحد العلماء الأعلام فقال أخي الشيخ الحويني : يوم أن كان هذا الشيخ عالما أزهريا كنا بعد لم ننته من لف اللفة الأولى من عمامتنا كطلاب علم وصدق والله .
2-إذا كان الغرب يتشدق ويفتخر بأن من اختراعات أفكاره في الإدارة والعمل مسألة العمل بروح الفريق فإن رسول الإسلام ومن قبل 14 قرن قد علم المسلمين أنهم امة واحدة وأنهم كمجموعة متكاملة في سفينة واحدة فإذا غرقت السفينة غرق الجميع ونحن إخوتي الأفاضل في سفينة تسبح في بحر لجي تستهدفنا سهام القريب 'والبعيد تنال من رموزنا وبالأخص صحابة رسول الله وزوجاته وآل بيته الأطهار وهم نقلة الشريعة السمحاء فمتى نتعود على الحوار الهادئ فيما بيننا فنحن كالجسد الواحد كما قال عليه الصلاة والسلام فهل نسهر على سلامة بعضنا البعض من سهام المغرضين؟
3- ولعلنا قلنا يوما (لا تعد الأسماء التي أشرفت على مسلسل القعقاع متخصصة في التأريخ الإسلامي ما عدا أ.د أكرم ضياء العمري.... وإن كان منهم من يكتب في التأريخ كالصلابي لكنه ليس من أهل الاختصاص بل هو محب للتأريخ - -وهذا كلام قد نوزعنا فيه......فلا يشترط لأخينا الدكتور الصلابي أن يكون صاحب درجة دكتوراه في التاريخ بالتحديد كي يعتد بقوله في مجال التاريخ. - فالرجل قد شهد له العلماء بتميزه في مجال البحث والتأصيل التاريخي واطلع الأساتذة على كتبه فأثنوا عليه خيرا وساهم بكتاباته في الذبّ عن عدالة الصحابة ونال القبول والاستحسان لدى الأمة 'وترجمت كتبه للغات عديدة فكان لها الدور الفاعل في الدفاع عن عدالة الصحابة وإبراز معالم التاريخ الإسلامي فساهم مساهمة جليلة في هذا المجال الرحب مع إخوانه من أمثال الشيخ عثمان الخميس والدكتور خالد الغيث والدكتور يحيى اليحيى والدكتور السلمي والدكتور محمد أمحزون والدكتور موسى الشريف والأساتذة عماد الدين خليل وأكرم ضياء العمري وفاروق حماده وغيرهم بارك الله فيهم فهم أصحاب مؤلفات قيمة في مجال إعادة كتابة التأريخ الإسلامي.وهم جميعا في سفينة واحدة حفظهم الله ورعاهم...ثم إن سماحة الإمام بن باز رحمه الله خير مثال على ما نقول فلم 'يكن رحمه الله حاصلا على شهادة الدكتوراه في الفقه ومع ذلك كان فقيه المسلمين في عصره ولا زال بعد وفاته رحمه الله تعالى ويفتخر المئات من حملة الدكتوراه بأنهم جلسوا بين يديه جلسة طالب علم ولو لساعات.
وكذلك سماحة العلامة عبد الكريم بياره المدرس مفتي الديار العراقية السابق رحمه الله تعالى وكذلك سماحة الإمام محمود أفندي الحنفي التركي حفظه الله' وسماحة شيخنا العلامة ابن عثيمين .
وأما في مجال الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى لم يكن صاحب دكتوراه أو ماجستير في الحديث ولم يعيره احد بأنه ليس من أهل الاختصاص لأنه لا يحمل شهادة الدكتوراه في الحديث بل المئات من حملة الدكتوراه يعتمدون على تصحيحه وتضعيفه للأحاديث النبوية الشريفة وكذلك علامة الهند حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى ولا ندعي العصمة من الخطأ إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ..
رابعا وأخيرا:
لقد سمعت من بعض القنوات أن مسلسلا جديدا بعنوان '(أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه) سينجز ولقد كلفت جماعة من العلماء الأفاضل بمراجعة النص منهم أخي فضيلة الدكتور سلمان بن فهد العودة حفظه الله والذي عهدناه رحب الصدر واسع الأفق فرجائي أن يتمهل الشيخ العودة في مراجعة النص التاريخي.. وأن يشرك في مراجعته ثلة من أهل الاختصاص من علمائنا الأكارم من مختلف البلدان 'كالصلابي والغيث وأمحزون وعماد الدين خليل وغيرهم فتأريخ الراشدين هو ملك للأمة جمعاء وليس لمجموعة أو أفراد من العلماء والباحثين على جلالة قدرهم .وهو تأريخ خير القرون يهم الأمة جميعا في كل زمان ومكان ...والله يبارك في الجهد الجماعي وكما ورد في الحديث الحسن بمجموع طرقه(لا تجتمع أمتي على ضلالة) وعندها تكون يا فضيلة الشيخ قد جمعت جمعا مباركا للتعاون على البر والتقوى.
صاحب موسوعة صحيح وضعيف تأريخ الطبري
[email protected]
حاولت أن أطلع على العديد من المقالات التي أثنت أو انتقدت حلقات مسلسل 'القعقاع' منها مقالات علمية ومنها غير علمية ومنها انتقادات للمشاهد قبل إنتاجها كما فعل الأخ الكاتب عبد اللطيف ياسين ولكن المشاهد التي تحدث عنها تغيرت كثيرا بعد الإنتاج والإخراج الأخير فتلقفته مواقع الإنترنيت دون تثبت على أية حال سأتناول ما استطعت منها 'ولكن يهمني بالدرجة الأولى ما كتبه أو قاله أخي الشيخ الصلابي من طرف المؤيدين للمادة التاريخية المكتوبة وأخي الشيخ الغيث من طرف المعترضين على المشاهد والفكرة.
ولقد استمعت إلى كلام أخي فضيلة الشيخ الدكتور الصلابي على 'الجزيرة مباشر' وهو يدافع عن نصوص السيناريو التي راجعها وصححها .
'وكذلك قرأت وبتمعن تعقيب أخي فضيلة الدكتور خالد الغيث -أستاذ التاريخ وعضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى- في مقالتيه الأولى القصيرة والثانية المفصلة والله يشهد أني أحبهما في الله ولعلي أختلف معهما 'في بعض المسائل وأرجو أن لا يفسد هذا التباين في الآراء ما بيننا من ود قديم يتجدد بتجدد عروة الإيمان.
وعلى طريقة الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى أبدا بذكر المآخذ ثم أختم بذكر الإيجابيات.ولكن قبل كل ذلك أحب أن أشير إلى أمر في غاية الأهمية ألا وهو وجود مواطن اتفاق هامة بين الطرفين- المادحين والناقدين
أولا: كلا الطرفين حريص على إثبات عدالة الصحابة والذبّ عن أعراض الآل والأصحاب والزوجات الطاهرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهم اجمعين.
ثانيا -كلا الطرفين يؤكد وجود اختلاف واضح بين النصوص المصححة والمشاهد الممثلة. فالشيخ الغيث حفظه الله وهو من الناقدين قال في رده الأولي :الذي أذهب إليه وأرجحه أن النص الذي راجعه الشيوخ الأفاضل غير النص الذي نفذه مخرج المسلسل... وكذلك قال الشيخ الصلابي وهو من المراجعين للسيناريو: انأ لست مسؤولا عن المشاهد وإنما عن النصوص التاريخية التي راجعناها.
ثالثا: كلا الطرفين يؤكد أن الأستاذ أكرم ضياء العمري - وهو ممن راجعوا النصوص- أستاذ متمرس وخبير في مجال نقد الرواية التاريخية على طريقة المحدثين.
وتكفي هذه الأمور بيانا لكل من يريد أن يصطاد في الماء العكر فعلماءنا الأجلاء وباحثونا ومفكرونا ومؤرخونا المعاصرون حريصون جميعا على بيان الحقائق التاريخية للأمة عبرة واتعاظا وهذه بوابة حسنة للدخول إلى صلب الموضوع بقلوب متصافية .
'أبدا بالنقد ورجائي أن يكون بناءا:
1-' هنالك مواقف ومشاهد وردت ومرت مرور الكرام في الحلقات ولم تستغل حق الاستغلال لبيان عظمة التربية الإيمانية التي هذبت ونظمت وطورت طاقات الناس بعد إسلامهم وحولتهم إلى مادة حضارة وتمدن إسلامي رائع :. فالقتل مثلا كان جزءا من حياة الفرسان في الجاهلية وبلا ضوابط بل لعل حربا دامت أربعين عاما لأتفه الأسباب ولكن الإسلام علّم أولئك الرجال أن القوة المادية لا تستخدم إلا في مجالاتها الخاصة وعند الضرورة وحتى عند استخدامها ليست مطلقة حرة بل قوة منضبطة 'بضوابط الجهاد المعروفة ومنها مابات يعرف في يومنا هذا بقواعد الاشتباك والمصطلح الإسلامي خير وأشمل فعلى الجيش المسلم مثلا 'أن يراعي الشروط التالية التي لم يعرفها الفرسان المقاتلون من قبل (لا تقتل المرأة حتى لو سبت أمير الجيش وشتمته, لا يقتل الطفل أو الشيخ أو الراهب. لا تهدم الكنائس ولا تقطع الأشجار ولا تحرق ولا يقتل الجريح ويحترم الأسير) بل إن الجيوش المسلمة الفاتحة حررت العرب والكرد والفرس والترك والقبط والأرمن وغيرهم من استعمار' وقهر واستعباد كسرى وقيصر و بنت المدن والحواضر كالكوفة والبصرة وغيرها 'وأسست لنظام قضائي مستقل وتوزيع عادل للثروات' ..هذه المعاني توفرت لها الأجواء المناسبة في الحلقات التي غطت ثلاثين عاما هي عمر الخلافة الراشدة ولكنها لم تدرج على الأقل ضمن الحوار حتى يتعلم المشاهد الفرق الواسع بين القتال وشروطه في الشريعة السمحاء وبين قتال جيوش معاصرة تربى الجندي فيها منذ صغره على كارتون(أفلام الصغار) العنف ثم أفلام' الكبار التي تروج للجريمة والعنف والتفنن في تعذيب الضحية..!!!أضف إلى ذلك أن هذا لجندي عاش محروما من كنف الأب ورعايته أو حنان الأم وتربيتها..فماذا تكون النتيجة؟؟وهذه المعاني ممثلة واقعا معاشا في شخصيات وأحداث أفلام هوليود !! فما هو البديل الخير لشبابنا من بين مئات الفضائيات والمواقع ؟؟!!
2-' هنالك روايات صحيحة ولكنها وردت في المشاهد مبتورة من دون تفسير واضح لها. كما قال أخي الفاضل د. خالد الغيث (عندما قرأ الراوي خطبة حجة الوداع وذكر تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الربا تجاهل الراوي تصريح رسول الله بوضع ربا عمه العباس في الجاهلية (الحلقة الثانية)..
والذي ترجح لدي 'أن المخرج أو المنفذ هو الذي أحدث هذا التغيير فالنص موجود كاملا في السيناريو المكتوب الذي راجعه العلماء الأفاضل' وهذا غير مستغرب لان المخرج ذكر بنفسه على الشبكة العنكبوتية انه وازن بين النصوص التاريخية وبين الفرجة والمتعة وإن كان قد أشار على حرصه على النص!!
على أية حال' تكملة الحديث يدلك على عظمة الإسلام إذ لا محاباة ولا مجاملة على حساب الحق كما قال سبحانه(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به) وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهذه المعاني جميلة وكان الأجدر أن تذكر في ثنايا الحلقات.
والمثال الآخر قوله عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) (الحلقة 17) وكان الأولى أن يذكر الحديث كاملا غير مبتور فتكملته (إلا أنه لا نبي من بعدي) وحسب علمي فإن التكملة موجودة في النصوص االتي راجعها الشيوخ كاملا غير منقوص!! وما دام المسلسل يعتمد على الحوار بدرجة كبيرة فكان من السهل جدا أن يذكر المحاور رواية مفصلة من روايات الحديث وأنه عليه الصلاة والسلام لم يقصد بذلك تولي القيادة من بعده لعلي وإنما استخلافه في أهل بيته الكرام ولأن هارون توفي قبل موسى وقد تولى يوشع بن نون قيادة بني إسرائيل من بعد موسى فإن كان القصد تولي سيدنا علي من بعده كان ليقول أنت مني بمنزلة يوشع بن نون من موسى وذلك مما لم يرد في الحديث النبوي الشريف وبالتالي فالمعنى واضح بأن المقصود' بمنزلة هارون هنا أن يخلفه سيدنا علي في أهل بيته في حياته عليه الصلاة والسلام خاصة وبالرجوع إلى سبب ورود الحديث يتبين لنا هذا المعنى' لأنه رضي الله عنه تألم أن يبقى خليفة على أهله وأهل ابن عمه الرسول عليه الصلاة والسلام من النساء والذرية في المدينة' وذلك في غزوة تبوك فبين له عليه الصلاة السلام أنه ذو منزلة عظيمة كمنزلة هارون في حياة أخيه موسى عليهما السلام وأن الاستخلاف في أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام' شرف لسيدنا علي رضي الله عنه .ولفظ الطبري على لسان سيدنا علي( يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني فقال عليه الصلاة والسلام: كذبوا ولكني إنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟إلا أنه لا نبي بعدي! فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره. (صحيح تاريخ الطبري 2/315) ولفظ البخاري(فقال علي أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا انه لا نبي من بعدي) (صحيح البخاري 4416.) وبالتالي فإن ترك الرواية مبتورة كما وقع في المسلسل يخفي كل هذه المعاني ويشوش على المشاهد الكريم حقائق الأمور.
3-' مناداة سيدنا علي كما في المسلسل بالإمام دون غيره من إخوته' الخلفاء تمايز واضح.. كما قال الغيث .. ثم انحناء رجلين زائرين أمامه رضي الله عنه إنحناءا واضحا (الحلقة 27) من فعل الأعاجم أمام كسرى وليس من فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فالإسلام جاء لتحرير العباد من عبادة وتعظيم بعضهم للبعض. ولا يستطيع احد ان ينكر مقام سيدنا علي وقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام ومكانته في قلوب الصحابة الكرام
4-' إظهار سيدنا معاوية رضي الله عنه بمظهر الرجل المترف والمنعم في ملبسه ومجلسه ومركبه في مشاهد عديدة مخالف للحقائق التاريخية 'تماما وهو مخالف لآراء العلماء الأجلاء الذين راجعوا تلك النصوص! وعلى أية حال فسيدنا معاوية'رضي الله عنه كان يهتم بإظهار دار الإمارة شامخا أمام أعين الروم المتاخمين للشام إظهارا لهيبة الحكم الإسلامي كما أخبر عن ذلك بنفسه (إني في بلاد لا يمتنع فيها من جواسيس العدو ولا بد لهم مما يرهبهم من آلة السلطان) ولكنه كان متقشفا في ملبسه ومركبه وكان الخليفة المجاهد الزاهد ... وخلال عقد من الزمان قضيته في تمحيص وتحقيق مرويات الطبري لم أجد فيما بين يدي من المصادر رواية صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفا خفيفا تحكي عن ترف معاوية رضي الله عنه في البناء الشخصي والملبس والمركب وهذا ما يؤيدني فيه الإخوة الأجلاء الكرام وفي مقدمتهم الصلابي والغيث وأمحزون وغيرهم كثير.
5-' الدخول في دائرة حساسة ومختلف فيها واعني 'مسألة تمثيل الخلفاء الراشدين وزوجات النبي وكان من السهولة بمكان أن يتجاوز المنفذ أو المخرج مسالة تمثيلهم بحكاية الكلام عنهم بصيغة حوار دائر بين بقية الصحابة كما فعل في مواضع أخرى.
6-' والمسألة الأخرى التي تثير الجدل بين الفينة والأخرى هي دور عبد الله بن سبأ في الفتنة وبالتالي مدى ظهوره في حلقات المسلسل.. وهذه مسالة ليست بالسهلة ...ولطالما اختلف فيها الباحثون وخلاصة ما تبين لي ولإخواني الآخرين من الباحثين المعاصرين بعد غربلة كاملة للروايات المتوفرة حول الرجل انه من يهود اليمن أعلن إسلامه ولكنه أخفى عداءه للإسلام ولم ينفرد الاخباري الضعيف سيف بن عمر بإيراد أخباره بل أخرج الحافظ ابن عساكر روايات حسنة وصحيحة من طرق متعددة اخرى تحكي أخبار ابن سبأ وكان له دور في التحريض على سيدنا عثمان ثم تشويه صورة سيدنا علي والتشويش عليه وقد جعل من ادعائه تعظيم سيدنا علي غطاء لنشاطاته الغامضة الخبيثة حتى بلغ به الحد إلى وصف سيدنا علي بالإله فما كان من سيدنا علي إلا أن أمر بعقابه. وكعادة المتآمرين فقد كان دوره غامضا يختفي تارة ويظهر أخرى فاتسم دوره بالخفاء والتدليس والمراوغة ولكن الروايات المكذوبة التي جاءت من طريق الوضاعين بالغت في تصوير دوره حتى كأنه الفاعل الوحيد على الساحة. وذلك غير صحيح في حق الصحابة الذين لم يكونوا بتلك الدرجة من البساطة بحيث يسمحوا لرجل مبهم غريب مثله ان يقود الأحداث ويدبرها بلا منازع.
وكي لا أطيل على القارئ الكريم اكتفي بهذا القدر من النقد. أرجو أن يكون بناءا' في طريق تحسين أداءنا الإعلامي الهادف والملتزم.ومن أراد المزيد فهو مبسوط على المواقع الإلكترونية .
'
ولكن هل حقق المسلسل نتائج جيدة وإيجابيات لم يذكرها الناقدون؟ ؟!
أقول :لقد أظهرت الحلقات حقائق عديدة تطابق الروايات التاريخية الصحيحة عند علماء الحديث والتاريخ منه على سبيل المثال..
1-'' أظهرت الحلقات الأولى أن سيدنا عليا قد بايع مختارا طائعا سيدنا الصديق خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عملية شوروية وسابقة تاريخية نادرة في ذلك العصر الذي كان لا يعرف سوى ظلم واستبداد وقهر كسرى وقيصر... وذلك معلم من معالم الحضارة الإسلامية.
2-'' أظهرت الحلقة 27 حوارا طيبا بين سيدنا علي وأم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنهم أجمعين وبينت تكريم سيدنا علي للصديقة عائشة.
3-'' الوصية التي أوصى بها خالد بن الوليد وهو على فراش الموت كما جاءت في إحدى الحلقات تقطع الطريق على كل من يروم الغمز في صحابة رسول الله وتشويه صورة سيف الله المسلول وتشويه العلاقة الإيمانية بينه وبين سيدنا الفاروق عمر رضي الله عنهم أجمعين.
4-'' أظهرت بعض الحلقات ومنها الحلقة 27 أن سيدنا معاوية رضي الله عنه قد قال بكل صراحة ووضوح انه يرى سيدنا عليا أولى الناس لمنصب الخلافة وانه الأفضل والأحسن وان خلافه معه فقط حول التعجيل بالقصاص من قتلة سيدنا عثمان.
5-'' بينت الحلقات للناس صلح السيد الهاشمي الحسن بن علي رضي الله عنهما مع سيدنا معاوية رضي الله عنه وأمام جموع الناس ( جيش الشام والعراق) وذلك عام الجماعة وفي ذلك تحقيق لنبوءة رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن الحسن سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
6-'' بينت الحلقات دفاع سيدنا علي عن أمير المؤمنين عثمان وكيف أنه دفع بأعز ما يملك في هذه الدنيا ولده الحسن للدفاع عن سيدنا عثمان.
7-'' بينت الحلقات وبما لايقبل الشك مكانة 'آل البيت عند الراشدين ومنها مكانة سيدنا العباس عند أمير المؤمنين عمر الفاروق في مواقف عدة منها تقديمه عند الاستسقاء.
8-'' 'ومن بين ردود عديدة على مواقع الإنترنيت وجدت انتقادا غير عادي ينصب على مسالة تمجيد بني تميم ونسبتهم 'إلى ولد إسماعيل وان تلك نظرة قبلية وأن الرواية في ذلك غير صحيحة ..إلخ... ..وللإجابة أقول: لم لا نقرأ المشهد من زاوية أخرى؟ (بدلا من اتهام النوايا والبحث في خبايا النفوس) فنقول مثلا: من بين الأساليب التي اتبعها الرسول عليه الصلاة والسلام: الثناء على وفود القبائل كل بما تميزوا به من خصال كريمة تشجيعا لهم على مكارم الأخلاق ولكي يتسابقوا بذلك في رفع راية الإسلام من باب التنافس في الخير ونصرة الحق . فلا ضير من بيان فضل بني تميم أو غير بني تميم. وما انتقده البعض (كالأخ عبد اللطيف ياسين من الشام) من ذكر فضائل بني تميم له ما يؤيده في مصادر السنة المعتبرة. وعلى سبيل المثال فإن الصحابة الكرام كانوا يحبون بني تميم لأسباب ثلاث بينتها رواية البخاري (2543)ومسلم (2525)عن أبي هريرة رضي الله عنه (لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هم أشد أمتي على الدجال قال وجاءت صدقاتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه صدقات قومنا قال وكانت سبية منهم عند عائشة فقال رسول الله: أعتقها فإنها من ولد إسماعيل) واللفظ لمسلم. ولذلك لم يكن من باب الاعتباط اهتمام أئمة الحديث بذكر ثناء الرسول عليه الصلاة والسلام على القبائل كبني طي وبقية قبائل الحجاز وقبائل اليمن وقبائل الشريط الساحلي للخليج ومنها عمان والبحرين وغيرهم كثير. والرسول عليه الصلاة والسلام ذهب ابعد من مدحه القبائل العربية فهو رسول الإنسانية اجمع فكان عليه الصلاة والسلام يمتدح قوم سيدنا سلمان الفارسي كما قال أبوهريرة رضي الله عنه (وضع رسول الله يده على سلمان ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء) صحيح البخاري 4897. وكذلك امتدح أهل مصر واستوصى بهم خيرا كما في صحيح مسلم ( 6441). وكذلك بقية الأقوام والشعوب. وفي ذلك اثر بالغ في النفوس: فالتركي مثلا لو شاهد الجوانب الحقيقية لسيرة السلاطين من أمثال السلطان المصلح عبد الحميد الثاني لأخذته الحمية لنصرة الحق وإقامة العدل فكان أمثال السيد طيب 'أوردغان وغيره وكذلك الكردي حين يفتخر بالسلطان الناصر صلاح الدين.. تتحرك في داخله بواعث الخير والحق. وذلك ذخر إعلامي عظيم.
9-'' وأخيرا خلاصة القول في مرويات سيف بن عمر- التاريخية التي تحدثت عن جوانب من سيرة القعقاع :
إن شخصية القعقاع حقيقة وليست أسطورة فالقعقاع من كبار القادة الميدانيين ولقد قال الحافظ ابن عبد البر صاحب الاستيعاب في معرفة الأصحاب وهو يتحدث عن القعقاع بن عمرو وأخيه عاصم بن عمرو (وكان لهما - أي للقعقاع وأخيه - بالقادسية مشاهد كريمة ومقامات محمودة وبلاء حسن). وانظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب ترجمة 2145. وابن عبد البر احد الحفاظ الثلاثة الذين اشتهرت معاجمهم في أسماء الصحابة كمصادر معتمدة لدى أئمة الحديث فلا يطلقون الكلام جزافا... فالقعقاع قائد ميداني جليل وبطل مغوار وضع طاقاته تحت تصرف الخلفاء الراشدين واحدا بعد الآخر' ومعلوم أن دور الجهود الفردية للفرسان الشجعان كان عاملا حاسما في الحروب القديمة وكان القعقاع واحدا من منهم ويشبه دوره ما يسمى في أيامنا هذه بالقوة الخاصة للتدخل السريع .
والإشكال الوارد هنا ورود أخبار القعقاع من طريق الراوي سيف بن عمر الذي ضعفه أئمة الحديث ولكنهم اعتمدوه في رواية التأريخ وذلك لأنهم فرقوا بين شروط قبول رواية الحديث وبين شروط رواية التاريخ.والحكم على راو معين ليس بالمسألة السهلة كما يتصور القارئ العادي إنما الأمر بحاجة إلى موازنة دقيقة بين أقوال الجارحين والمعدلين وما إذا كان الجرح مفسرا آم لا 'وغير ذلك كثير وكله 'معلوم لدى أهل الشأن والمسألة غير متعلقة بسيف لوحده بل بتلاميذه الذين رووا عنه فمنهم من هو معروف بتحامله على الصحابة كشعيب ومنهم من هو مقبول الرواية عند أهل الحديث.وخلال أعوام قضيتها في خدمة علماء الحديث وأساتذة التأريخ وانأ احقق روايات الطبري درست ما كتبه العلماء المتقدمون والمتأخرون وحتى المعاصرون كالأستاذ الفاضل احمد معبد وأخي الدكتور الغيث عن سيف بن عمر التميمي . فوجدت من المتقدمين إماما كالدار قطني والذي انتهى إليه علم علل الحديث يضعف سيفا في الحديث ولكن يعتمد على روايته في التأريخ وأسماء الرواة بل يرجح قول سيف على قول إمام المغازي ابن إسحاق عند الاختلاف في اسم راو هل هو (زهرة بن جوية:أوزهرة بن حوية) فيقول الدارقطني: وقول سيف أصح (المؤتلف1/463) ويستشهد بأخبار سيف 'في عشرات المواضع. وكذلك فعل ابن قانع وابن شاهين فصححوا أسماء الفتوح اعتمادا على تسمية سيف بن عمر.. لذلك اتفق رأي الحافظين ابن حجر والحافظ الذهبي بعد دراستهما لمرويات سيف واستقرائهم لأقوال علماء الجرح والتعديل وصنيعهم 'فيه:أن سيفا ضعيف في الحديث عارف أو عمدة في التأريخ.
واستقراء لأقوال جميع العلماء الأئمة المتقدين وترجيحات المتأخرين الذين درسوا روايات سيف بن عمر التميمي فقد وضعنا روايات سيف التاريخية في قسم الصحيح من تاريخ الطبري بالشروط التالية:
1-' أن لا تخالف رواية سيف رواية تاريخية أخرى أصح إسنادا.
2-' لا يتعلق نص الرواية (المتن) بأمور العقيدة.
3-' لا يتعلق المتن بمسائل الحلال والحرام.
4-' لا يوجد في النص طعن في عدالة الصحابة.
5-' أن يكون أصل القصة صحيحا من طريق آخر غير طريق سيف.
ثم إن الراوي سيف لم يبالغ في تصوير دور القعقاع في رواياته رفعا لشان بني تميم فلو أراد أن يفعل ذلك لفعله بحق من هو أظهر وأشهر منه كالأحنف بن قيس فهو شيخ مشايخ بني تميم إذ دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يراه بعدما سمع عنه خيرا والأحنف هذا 'الذي اشتهر بحكمته وحلمه وشجاعته وطاعة بني قومه له كان من كبار قادة الفتح في عهد سيدنا عثمان وقاد الجيوش 'عند تخوم الخلافة' قريبا من شواطئ بحيرة قزوين وكذلك كان عاملا لتخفيف وطأة الفتنة وحقن الدماء أيام وقعة الجمل في عهد سيدنا علي. ولقد اخرج سيف بن عمر أخباره فلم يبالغ في وصفه.وكلامي هذا لا يعني عدم وجود أخبار غير صحيحة عند سيف وإنما أعني هنا بالتحديد أن سيفا لم يبالغ في تصوير شخصية الأحنف بن قيس وهو شيخ مشايخ بني تميم الشجاع الحكيم فما الداعي للمبالغة في تصوير القعقاع إذن؟!ومن أراد المزيد فعليه الرجوع على ما كتابات وأبحاث أخي الدكتور خالد الغيث والأستاذ احمد معبد في مرويات سيف ..
والأمر المهم الذي أريد التذكير به هو الاتي
1-إن شبابنا وشاباتنا الذين هم عماد مستقبل الأمة يصرفون ساعات عزيزة من أوقاتهم يوميا أمام الشاشات يراقبون القنوات الفضائية أو الشبكة العنكبوتية وهذه ممتلئة بالبدائل الخطيرة التي تمس الأخلاق والدين ونظام الأسرة.
وبالمقابل فإن بدائل الخير قليلة مقارنة بالكم الهائل من اللهو المبتذل على هذه القنوات.. والحقيقة التي لا مهرب منها أن الأفلام والمسلسلات هي التي تجذب انتباه الناس أكثر من غيرها لأن حب القصص والتأثر بها من طبع بني آدم (لذلك أولى الله سبحانه القصص في القرآن اهتماما بالغا) والمسلسلات والأفلام هي نوع من أنواع السرد القصصي ولقد استغل الغرب هذه المسألة أكثر استغلال وما أفلام هوليود وجوائزها إلا منبرا من منابر الدعوة إلى الثقافة الغربية والنموذج الغربي في الحياة..وكذلك استغل مبغضوا الصحابة الأفلام والمسلسلات لترسيخ صورة مسخة مكذوبة بشعة عن الآل والصحاب!!!
بينما لا زلنا نحن في بداية الطريق 'ولما تتكون لدينا بدائل مؤثرة وجذابة توصل المعلومة التاريخية الحقة والثقافة الوسط إلى ذهن الشباب.وتشحذ هممهم وتقوي إيمانهم.
إن مسلسل القعقاع خطوة أولى على الطريق لا بد من تقويمها ومنافسة القائمين عليها في الخير بدلا من تهميشها وإنكار ما فيها من جوانب إيجابية..ولكني أود هنا أن أشير لأمرين جديرين بالاهتمام تحسبان مع الجوانب الإيجابية:
فلأول مرة (حسبما اعلم ) تتعاون مؤسستان إعلاميتان في بلاد المسلمين إحداهما سعودية (أم بي سي) والأخرى قطرية (تلفزيون قطر) لإنتاج وعرض مشروع إعلامي بديل بهذه الأهمية يستحق التثمين والتقدير مع التصحيح والتطوير وصولا إلى ما تصبو إليه الأمة من وجود إعلام صادق وهادف وملتزم يغني عن بدائل اللهو والعبث.ولعل في ذلك بادرة خير للتعاون بين قنوات فضائية عديدة في المستقبل من باب التعاون على البر والتقوى بالإضافة إلى المنافسة في مجلات الخير الإعلامية وما أكثرها.
ولأول مرة كذلك يراجع هذا العدد من العلماء الأجلاء نص سيناريو لمسلسل تأريخي بهذا لحجم. وكل واحد منهم من بلد من بلاد المسلمين ففضيلة الشيخ العودة من المملكة والعلامة القرضاوي من قطر والشيخ الصلابي من ليبيا والأستاذ العمري من العراق ... ولقد ازداد الإقبال عليه لوجود أسماء هذه الكوكبة الجليلة فلا بد إذن من: سد الثغرات وإقالة العثرات. بدلا من اتهام النيات وحجب الحسنات والاقتصار على السلبيات.
وإذا كنا نعلم أن باستطاعة الممثل أو المخرج أو المنفذ أن يغير ويشوه نصوص السيناريو حتى بعد مراجعة الشيوخ له -لأسباب متعددة منها السبق الإعلامي ومنها جني المال ومنها 'الفهم الخاطئ لأحداث التاريخ وكذلك الحقد الطائفي- فلا بد 'من معالجة الأمر من طريقين الأول إيجاد ممثلين ملتزمين لا يمثلون إلا الصالحين,-تماما كما في مجال الإنشاد فهنالك منشدون جادون ملتزمون والحمد لله - وحتى يتحقق هذا الشيء -وجود ممثلين ومخرجين ومنفذين ملتزمين- علينا سلوك الطريق الثاني وهو توكيل شخص ثقة من قبل الشيوخ لمراقبة المشاهد أثناء التمثيل لمنع التحريف والتزوير. ولا بد للعلماء والمؤرخين من فرض هذا الشخص على الجهة المنتجة كشرط لقيامهم بمراجعة النص..
ولقد آلمني حدة أسلوب بعض علمائنا الأفاضل في انتقاد بعضهم البعض!!
فماذا نتوقع من القارئ العادي حين يسمع أحد العلماء ينتقد أخاه بغلظة وشدة؟ لقد قرأت لأحد القراء وهو يقول عن القائمين على مسلسل القعقاع بعد قراءته لنصوص العلماء الناقدين (لا وفق الله من قام بهذا العمل!!) وسمعت آخر يقول ما علاقة الشيخ القرضاوي بالتأريخ؟. فقلت غفرانك اللهم فتحنا الباب امام عامة الناس للخوض في لحوم العلماء! سماحة الإمام القرضاوي حفظه الله ورعاه يوم أن كان علما أزهريا' يدعو إلى الله وينشر العلم ويكتب في التأريخ (حوار بين داعية وطاغية) ويدعو إلى إعادة كتابة التأريخ من قبل عقود غابرة يوم أن كنا صغارا نلعب في الطرقات!! ولن أنسى يوم أن وجه أحدهم سؤالا إلى فضيلة أخي الشيخ المحقق أبي إسحاق الحويني يريد منه أن ينتقص من أحد العلماء الأعلام فقال أخي الشيخ الحويني : يوم أن كان هذا الشيخ عالما أزهريا كنا بعد لم ننته من لف اللفة الأولى من عمامتنا كطلاب علم وصدق والله .
2-إذا كان الغرب يتشدق ويفتخر بأن من اختراعات أفكاره في الإدارة والعمل مسألة العمل بروح الفريق فإن رسول الإسلام ومن قبل 14 قرن قد علم المسلمين أنهم امة واحدة وأنهم كمجموعة متكاملة في سفينة واحدة فإذا غرقت السفينة غرق الجميع ونحن إخوتي الأفاضل في سفينة تسبح في بحر لجي تستهدفنا سهام القريب 'والبعيد تنال من رموزنا وبالأخص صحابة رسول الله وزوجاته وآل بيته الأطهار وهم نقلة الشريعة السمحاء فمتى نتعود على الحوار الهادئ فيما بيننا فنحن كالجسد الواحد كما قال عليه الصلاة والسلام فهل نسهر على سلامة بعضنا البعض من سهام المغرضين؟
3- ولعلنا قلنا يوما (لا تعد الأسماء التي أشرفت على مسلسل القعقاع متخصصة في التأريخ الإسلامي ما عدا أ.د أكرم ضياء العمري.... وإن كان منهم من يكتب في التأريخ كالصلابي لكنه ليس من أهل الاختصاص بل هو محب للتأريخ - -وهذا كلام قد نوزعنا فيه......فلا يشترط لأخينا الدكتور الصلابي أن يكون صاحب درجة دكتوراه في التاريخ بالتحديد كي يعتد بقوله في مجال التاريخ. - فالرجل قد شهد له العلماء بتميزه في مجال البحث والتأصيل التاريخي واطلع الأساتذة على كتبه فأثنوا عليه خيرا وساهم بكتاباته في الذبّ عن عدالة الصحابة ونال القبول والاستحسان لدى الأمة 'وترجمت كتبه للغات عديدة فكان لها الدور الفاعل في الدفاع عن عدالة الصحابة وإبراز معالم التاريخ الإسلامي فساهم مساهمة جليلة في هذا المجال الرحب مع إخوانه من أمثال الشيخ عثمان الخميس والدكتور خالد الغيث والدكتور يحيى اليحيى والدكتور السلمي والدكتور محمد أمحزون والدكتور موسى الشريف والأساتذة عماد الدين خليل وأكرم ضياء العمري وفاروق حماده وغيرهم بارك الله فيهم فهم أصحاب مؤلفات قيمة في مجال إعادة كتابة التأريخ الإسلامي.وهم جميعا في سفينة واحدة حفظهم الله ورعاهم...ثم إن سماحة الإمام بن باز رحمه الله خير مثال على ما نقول فلم 'يكن رحمه الله حاصلا على شهادة الدكتوراه في الفقه ومع ذلك كان فقيه المسلمين في عصره ولا زال بعد وفاته رحمه الله تعالى ويفتخر المئات من حملة الدكتوراه بأنهم جلسوا بين يديه جلسة طالب علم ولو لساعات.
وكذلك سماحة العلامة عبد الكريم بياره المدرس مفتي الديار العراقية السابق رحمه الله تعالى وكذلك سماحة الإمام محمود أفندي الحنفي التركي حفظه الله' وسماحة شيخنا العلامة ابن عثيمين .
وأما في مجال الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى لم يكن صاحب دكتوراه أو ماجستير في الحديث ولم يعيره احد بأنه ليس من أهل الاختصاص لأنه لا يحمل شهادة الدكتوراه في الحديث بل المئات من حملة الدكتوراه يعتمدون على تصحيحه وتضعيفه للأحاديث النبوية الشريفة وكذلك علامة الهند حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى ولا ندعي العصمة من الخطأ إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ..
رابعا وأخيرا:
لقد سمعت من بعض القنوات أن مسلسلا جديدا بعنوان '(أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه) سينجز ولقد كلفت جماعة من العلماء الأفاضل بمراجعة النص منهم أخي فضيلة الدكتور سلمان بن فهد العودة حفظه الله والذي عهدناه رحب الصدر واسع الأفق فرجائي أن يتمهل الشيخ العودة في مراجعة النص التاريخي.. وأن يشرك في مراجعته ثلة من أهل الاختصاص من علمائنا الأكارم من مختلف البلدان 'كالصلابي والغيث وأمحزون وعماد الدين خليل وغيرهم فتأريخ الراشدين هو ملك للأمة جمعاء وليس لمجموعة أو أفراد من العلماء والباحثين على جلالة قدرهم .وهو تأريخ خير القرون يهم الأمة جميعا في كل زمان ومكان ...والله يبارك في الجهد الجماعي وكما ورد في الحديث الحسن بمجموع طرقه(لا تجتمع أمتي على ضلالة) وعندها تكون يا فضيلة الشيخ قد جمعت جمعا مباركا للتعاون على البر والتقوى.
صاحب موسوعة صحيح وضعيف تأريخ الطبري
[email protected]

التعليقات