الأمن الغذائي العربي

الأمن الغذائي العربي
 
     خلق الله جلت قدرته الكون،وخلق الأرض،ومن حركتيها الدورانيتين حول نفسها وحول الشمس كان الزمن،وفلسفة الزمن تظهر في بعدين...الأول تعداد رقميّ لأيامه وسِنيه،والثاني مقدار التغيرات الطارئة الايجابية والسلبية    منها  على جوانب الحياة بكل تنوعها ومن خلال تواصلها وتتابعها الزمني قصر أم طال ، ومن هذه المسلّمة باتت الضرورة تُلزم كل باحث بالأخذ بسيرورة الأحداث بشكل شمولي في زمن معيّن عند تعرضه لها وصولا ًلمقاربة الحل،أو الحلول المتوجبة التي تُؤمن الطمأنينة،ومن ثم السعادة للإنسان فقد كان هذان العنوانين وما زالا،وسيبقيان أبداً موضع رجائه ومعقد آماله.
 
     لو انتقلنا إلى الواقع العربي المعاصر لوجدنا فيه كثرة الآلام،وكثرة شواهد البؤس ترين على قلب كل عربي،بل على كل وجوده،فالسياسات العربية الرسمية لم تعد تلبي طموح العربي ولو في حدّه الأدنى ، بفعل عوامل ذاتية إرادية كانت ، أم غير إرادية تساعد وتواكب،وتسير إلى جانب رغبات من هم ضد هذه الأمة.
ولتقديرنا أن صعوبة  الظروف الحالية لا تسمح للواحد منّا أن يترك الحبل على غاربه لطموحاته كان لابد من التدرج العملي التصاعدي لتحقيقها بدءاً من حدها الأدنى استكمالا ًلها،وأيضا حقه الطبيعي  في الوصول الى  ذروتها.
 
     لقد علمتنا مدرسة الحياة بعد استقراء لجوانبها وماضيها أن الوحدة والعودة إلى الأصول والجذور الهدف الأسمى لكل مؤمن بعروبته وبدينه،ومعتقده فهي وإن كانت تحمل وعلى أهميتها  ركائز أساسية  لها صنفها المفكرون في اللغة والتاريخ،والثقافة،والآمال المشتركة،ودعم عمقها الواقع العربي إلا أن المصالح الفردية وحتى المجتمعية والوطنية لا يمكن تحقيق أي منها بدون وحدة وتكامل في جميع المجالات سيما في المجال الاقتصادي،ومن هنا أردت التأكيد على أهمية الأمن الغذائي العربي وهو أدنى حدود مقومات الوجود،والمسؤول الذي يتبنى هذا المنحى والتوجه و يعمل على تأمينه ينال شرف المواطنة في هذه الأيام،ومن يتغاضى عنه وينساه،أو يتناساه يستحق عن جدارة كل التسميات المهينة ، والتي تليق به .
     رغم تواضع الطلب وصِغر الأمنية،فإن تحقيق ذلك يحتاج إلى جهد كبير لتحدي الاستراتيجيات المعادية المرسومة لمنطقتنا وفي مقدمتها منع التنمية بكل فروعها الاقتصادية،وبكل مناحيها القطرية والقومية،ودليلنا المُثبت لصحة هذه المقولة أن التجربة التي مررنا بها وعاشتها أمتنا العربية تدعو للتشاؤم،فمنذ حزيران-يونيو-1950وافق مسؤولو الجامعة العربية على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي،وفيها إشارات واضحة إلى أهمية التكامل العربي،ومن ثم الوحدة الاقتصادية العربية،وقد عُزز ذلك بعد ثلاثين عاماً،أي في عام1980بميثاق العمل الاقتصادي القومي،وفي أيامنا هذه ونحن نهاية العقد السادس للتوقيع نعود القهقرى،وتتراجع أوضاع أمتنا في أغلب المجالات رغم الثروات التي هبطت علينا بفعل ارتفاع أسعار النفط....إننا نعيش في زمن تنطبق عليه مقولة  "اقرأ تفرح....جرّب تحزن"  ومع كل ذلك فالتحدي بات مطلوباً،بل فرضاً واجب الأداء على كل الوطنيين،وحتى نُلم بالبحث وزّعته إلى بنود ثلاث:
 
1-    الواقع الغذائي العربي،والأخطار المحدقة به،والأخطار الأشد المُتوقعة إن بقي الحال كما هو.
2-  الظروف الدولية المحيطة،والخطط والبرامج التي وُضعت لفرز العالم إلى فئتين....الأغنياء السعداء بشقاء غيرهم،والفقراء الباحثون عن لقمة عيش يسدّون بها رمقهم.
3-    عناوين رئيسية للخطط والبرامج المطلوب تحقيقها من أجل التصدي،وتعزيز الوطنية.
 
     أما عن الواقع،فدراسات منظمة الاقتصاد العالمية تؤكد أن غالبية من يعانون من نقص الأغذية المزمن والبالغ عددهم828مليون نسمة يعيشون في المناطق الريفية من العالم الثالث  - ونحن منهم -  وتتزايد هذه النسبة في المدن بسرعة يقابلهم2%من سكان العالم يسيطرون على أكثر من نصف ثرواته ، وتدّق المنظمة العربية للتنمية الزراعية نواقيس الخطر،ففي نيسان-ابريل-2008كان  إقرارها للبرنامج الطارئ للأمن الغذائي العربي في دورتها تنفيذاً لقرارات قمة الرياض في آذار2007.
 
     ولقد استذكر المجتمعون أثناءها  المستجدات التي طرأت على الساحة الدولية الدافعة لإقرار هذا البرنامج الطارئ،وضرورة التصدي للمشكلات المزمنة في أوضاع الأمن الغذائي العربي المتمثلة في العجز الدائم والمتزايد عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية،ويُقدر الباحثون أن الفجوة الغذائية العربية والمقدرة بنحو18مليار دولار،والمتوقع أن تصل الى 71مليار دولار عام2030اي أربعة أضعاف ما هي عليه الآن،وما يربو على ستة أضعاف ما كانت عليه في بداية التسعينات(11مليار دولار) وهذا التزايد نتيجة الزيادة السكانية المضطردة المتوقعة حيث يقدر أن يصل عدد سكان الوطن العربي إلى حوالي545مليون نسمة في عام2030أي بزيادة63,3%عن التعداد الحالي إضافة للزيادات المتوقعة في أسعار الغذاء في الأسواق العالمية.
واللافت للانتباه أن التقرير يركز على محاصيل العجز الرئيسية (الحبوب،القمح،الشعير،والأرز) والمحاصيل السكرية(قصب السكر،والشمندر السكري) والبذور الزيتية (الفول السوداني،السمسم،وزهرة الشمس) باعتبارها المحاصيل الأعلى من حيث الفجوة الغذائية،والأدنى من حيث الاكتفاء الذاتي ناهيك عن باقي الفجوات في كافة السلع الغذائية،النباتية،والحيوانية.
 
     إذاً فنحن على أبواب كارثة،بل كوارث معيشية إن لم يتم تداركها وبأقصى سرعة،فسدّ الفجوات لا يتأتى إلا عِبر منحيين....الإنتاج المتنامي،أو عن طريق الاستيراد،والمنطقي والطبيعي في هذه الحالة توسيع الاستثمارات الزراعية و إذا عرفنا أن المساحة الجغرافية للأراضي العربية تبلغ1406مليون هكتار لا يتجاوز منها نسبة5%فقط أراضٍ مزروعة أي ما يعادل69,5مليون هكتار،وهي تمثل35%من الأراضي المستثمرة حاليا بينما 65%منها  غير مستغلة،أضف إلى ذلك ضعف في إنتاجية وحدة المساحة مقارنة بالدول الأخرى فوسطيّ إنتاجية الهكتار من الأراضي المزروعة بالحبوب في الدول العربية  يبلغ1927طناً مقابل4118,14طناً في الدول المتقدمة،و2919,43طناً في الدول النامية-المصدر منظمة الأغذية العالمية الفاو-ويعود السبب بمجمله إلى نقص وجهل في العلوم الزراعية،وهذا ما يثبته أن عدد الباحثين في هذا المجال في الوطن العربي في19دولة1534باحثاً وفي الدول المتقدمة22دولة56376باحثاً،وإجماليّ الإنفاق على البحوث في الوطن العربي هو290مليون دولار بينما في الدول المتقدمة فهو85400مليون دولار،ورغم ازدياد الناتج الزراعي العربي من45,15مليار دولار عام1995إلى71,45مليار دولار عام2005بوسطيّ نمو بمعدل سنوي قدره4,69%وهي نسبة ضئيلة إلا أنه تراجعت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي،وهذا يشير إلى ضعف ونقص في التركيز على هذا القطاع.
                            
                             المرجع:كتاب  (واقع الأمن الغذائي) للدكتورة رانية الدروبي
 
     جملة معوّقات يمكن تجاوزها بسهولة إذا توفرت النوايا السليمة والإرادات الوطنية في جميع مواقع المسؤولية بدءاً من قمة السلطة وصولا إلى منظمات المجتمع المدني،وإلى الباحثين والمفكرين فتكاتف الجميع يساعد على تخفيف الآثار الخارجية التي باتت تهدد البرامج التنموية في شتى المجالات لا في الوطن العربي،بل في العالم أجمع وهو العنوان الثاني لبحثنا،فالأخبار العالمية نقلت لنا صوراً عدة عن الاضطرابات،والاحتجاجات على الأوضاع المعيشية في هايتي،والكاميرون،ونيجيريا،وبوركينا فاسو في إفريقيا،وما زالت صور الصفوف الطويلة لمشتريّ الخبز في مصر تغيب لتعود مجدداً إلى شاشات الأقنية الفضائية،والمخفي أعظم وأشد إذلالا ،ومن المتوقع تزايد حالات البؤس عالمياً نتيجة شعار العولمة الفارز لكل الشعوب أينما كانوا إلى20%طبقة غنية عالية الغنى،وإلى80%البقية الباقية من عباد الله الفقراء وجميعهم في إطار شريحة واحدة سِماتها الفقر والجوع،والعدم.
ومن هذه الخطة انطلق بُناتها إلى عنوان تنفيذي أساسي وهام لتدعيمها ألا وهو مشروع التجارة الحرّة،وقد وقعت بلدان عدة على اتفاقيات في هذا المجال تحت ضغوط لقوى التجبر،  وهكذا ستفتح أبواب أسواق البلدان وخاصة النامية على مصارعها أمام سلع الشركات العملاقة حيث ستخفف الرسوم المحلية على صادراتها،وربما أعفيت منها نهائياً وفي ذلك تخريب لما تسهم به حصيلة تلك الرسوم في تقديم الخدمات الاجتماعية،ومنافسة حادة للسلع المحلية بانخفاض أسعارها لمرحلة زمنية قصيرة تسرع في تدميرها وتقضي عليها لتعود إلى فرض أسعار ترضي وتلبي جشع مُلاكها،ويساند الصندوق الدولي المنفذ الدائم و الأمين المؤتمن للسياسات الاستعمارية  ،   إذ يشترط عند تقديم أية قروض لتحسين الأداء الاقتصادي إلى رفع الدعم الذي تقدمه الدول على السلع الأساسية لتتضاعف القلاقل والاضطرابات في البلد الذي يخضع لشروطه.
 
     وللذكرى فقط، ففي مطلع القرن الماضي عمدت شركات الشاي الأمريكية إلى رميّ كميات كبيرة منه في البحر حتى لا يزداد العرض، وتنخفض أسعاره، وطرق التلاعب ازدادت حدة، والأطماع ازدادت توسعاً
 
     أمام هذا المُصاب والمتوقع حدوثه،بل من المؤكد الوصول إليه إذا باتت أحوال الأمة العربية قطرياً وقومياً على حالها،وظلت الشعارات تُرفع،والقرارات الرسمية تتكاثر لتُرمى في زوايا النسيان والعدم.
لذا بات من الضروري أن يكون العنوان الرئيسي لأيامنا القادمة التحدي،وصدق القول،والعمل الأمين الدؤوب لتحقيق أن ينال الإنسان العربي لقمة عيشه وبأسهل السبل،وبأقلها سعراً،وفي رأينا أن ذلك يتركز في:
 
1-  أن تُجند كل الإمكانات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني،وأجهزة الإعلام وحتى التعبئة  الشعبية لهذه الغاية النبيلة.
2-  دعم المنظمة العربية للتنمية الزراعية بجعلها منظمة ملزمة القرارات ،وواجبة التنفيذ بتعزيز قراراتها الرسمية بمسؤولين مخولين باتخاذها ،ودعمها مالياً لتقديم الدراسات العامة والتنفيذية للمشاريع ضمن خطط زمنية سريعة ومتسارعة.
3-    فرض تشريعات تحمي الاستثمارات العربية،وتقديم التسهيلات لها لتكون عوائدها مجزية.
4-  البحث العلمي من أجل ما بات يدعى    (الاقتصاد الأخضر).والتركيز عليه على مستوى الجامعات ومراكز الأبحاث الموجودة حالياً، وزيادة أعداد الباحثين فيها وزيادتها وتنوع مراميها وغاياتها، وتقديم الدعم لكل ما يحقق تفوقها في الدراسات وعلى سبيل العد لا الحصر في مجالات الريّ، صناعة الأسمدة، وتطوير البذور وتحسين نوعيتها.
5-  تقديم أكبر التسهيلات للمنشآت الصناعية التي يُزمع إقامتها لتصنيع المنتجات الزراعية،وتقترح أن تقام الصناعات في المناطق القريبة من الإنتاج،ولربما قُدمت هذه الأراضي مجاناً من أملاك الدولة وهي أملاك عامة،أو بأسعار رمزية ومقسطة.
6-  التوسع في حجم الإقراض لكل العاملين في هذا القطاع من أفراد ومؤسسات، وشركات وبفوائد قليلة، أو بمشاركة البنوك الإسلامية فيها، وهذا أفضل، وأثوب، وأجزى.
7-  للإعلام بكل فروعه دور في التحضير والتعبئة لهذه الغاية،لذا يجب مرافقتها  في الحديث، عن إشرافاتها والنجاحات التي حققتها،والنقد لبعضها إن كانت بها أخطاء.
 
     تحدثنا في البدء عن فلسفة الزمن، وعن بُعديه القياسيين...فلنسابق بعد التعداد، فالأيام القادمة لن ترحم إذا تقاعسنا، ولنراكم في بُعده الثاني مستجدات تكاد تكون يومية في حياتنا، وحياة أمتنا العربية....إنه أمل، والوطني يقدم كل طاقاته لتحقيقه.
 
محمد علي الحلبي
  دمشق

التعليقات