مباشر | لماذا الخان الأحمر؟

قراءة نقدية لفيلم خلف الشمس

قراءة نقدية لفيلم خلف الشمس
قراءة نقدية لفيلم "خلف الشمس"
منال عبد العزيز

حقيقة هذا الفيلم الأول الذي أشاهده للمخرج رفعت عادي والكاتب سليم دبور إذ لم أتشرف بمشاهدة أفلام سابقة لهذا الثنائي المميز والمبدع.

أرى أن "فيلم خلف الشمس"، للمخرج رفعت عادي والكاتب والسينارست سليم دبور والمنتج أنس أبو سعده، قد نجح وفاق توقعات الكثيرين ممن لا يعترفون بوجود سينما فلسطينية، واعترف إني كنت أحد من رفعوا هذا الشعار في السابق، وأعترف أن هذا الفيلم قد غيّر وجهة نظري وأعطى دفعة قوية للسينما الفلسطينية تحسب للقائمين على صناعته.

امتاز هذا الفيلم بعدة أمور سأحاول ذكر بعضها، أهمها توقفه بجرأة ومهارة عالية عند محطة مهمة من المحطات التي مرّت بها القضية الفلسطينية وتحديدا الانتفاضة الأولى، مسلطا الضوء على تجارب إنسانية مر بها العديد من أبناء الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال سيناريو متين تم بنائه بطريقة فنية رائعة ومؤثرة، راعى مسألة تنسيق وتسلسل الأحداث واحترم التعاقب الزمني واستطاع إثارة الجمهور وجذب انتباههم السمعي والبصري بأحداثه الواقعية، إضافة إلى نجاحه في وضع إسقاطات ورموز عديدة وحوارات مقتصدة على ألسنة شخصياته بدقة وعلى عدة مستويات سيكولوجيا وأخلاقيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وسلوكيا، مما جعله يؤثر بالجمهور ايجابيا، وهذا أيضا كان واضحا للمشاهد من خلال تركيب الفيلم وتحويل السيناريو إلى مشاهد حركية مرئية تصويرا وتوليفا وتقطيعا للقطات الحركية ومراعاة أمكنة الأحداث وزمنها وتبيان مناظرها ومنظور الكاميرا والديكور وإلإكسسورات والإضاءة والمؤثرات الصوتية والموسيقية مع التحفظ على بعض الهنات البسيطة في الديكور واللباس وتحديدا منزل والد البطل الذي لعب دوره " غسان سلسع"، وشقيقة أسامه التي لعبت دورها " شرين اسحاق"، وأم أسامة التي لعبت دورها "نادية كنعان".

كان واضحا للمشاهد أن الكاتب قد راعى العوامل الرئيسية في بناء قصة السيناريو، فكانت قصة السيناريو متوازنة في عناصرها الأساسية، متناسقة في محطاتها السردية التي تستند إليها الحبكة القصصية، وبهذا التوازن قد تحقق نجاح الفيلم وبالتالي بقي المشاهدين يتشبثون بمقاعدهم ويتابعون الفيلم بانسجام تام ومن بدايته حتى نهايته، وهذا لا يشاهد عادة عند مشاهدة العديد من الأفلام وخاصة الطويلة، وبهذا وبفنية ومهارة عالية ترك الكاتب دبور والمخرج عادي الجمهور جالسين وقانعين بأن كل عنصر من عناصر القصة قد نال نصيبه، وهذه نقطة أخرى تسجل لهما، إذ أن الكثير من الأفلام تفتقد ذلك، فربما تجد توقيتا جيدا في قصة ما دون أن تجد فيها توازنا جيدا.

كما أن الاتساق والانسجام ووضوح المقروئية بالإضافة إلى المتعة والفائدة من العناصر التي وفرها السيناريو قد ساهمت بشكل كبير في توفير التوازن الهرموني والتركيبي للفيلم. حيث كان عنصر التوقيت جليا في بناء السيناريو، إذا أن كل لقطة أو مقطع قد خضع فضاؤها السردي للتوقيت المقنن والمحدد بطول مدة الفيلم الذي وصلت مدته الزمنية إلى أكثر من 90 دقيقة، لم يحس فيها المشاهد بالملل أو الضجر أو الضيق رغم أن قاعة العرض التي كانت مكتظة بالجمهور الضاحك الباكي المصفق، بدت وكأنها حمام بخار تركي، وهذا بحد ذاته يؤكد تأثر وانسجام الجمهور بالفيلم وأحداثه المشوقة، مع العلم أن الأفلام الطويلة عادة تصيب المشاهدين بالملل والضجر.

ومن هنا أستطيع القول أن هذا الفيلم يعد من أهم الأفلام السينمائية –رغم رداءة العرض- التي أنتجت حتى الآن في فلسطين، وأراهن أنه سيحقق فوزا كبيرا في عدة مهرجانات دولية وإقليمية وسيحصد العديد من الجوائز.

أثار الفيلم عدة قضايا حساسة من خلال تسلسل أحداثة، سواء تلك التي تم التعبير عنها بصور رمزية عميقة أو بأسلوب درامي مباشر، مثل مشهد الدجاجة والذي أرى فيه عبقرية الكاتب وما أراد قوله عن طريق الألغاز، إذ أن قدراتي التحليلية للمشهد تقودني إلى القول أن الدجاجة ترمز إلى التساؤل الداخلي الموجود والمباح عند البطل أسامه - الذي لعب دوره الطفل " مجد دبور" - وكأنه يتساءل إن كان بمقدور الأمة العربية أن تفقس من موتها حياة جديدة لجيل جديد " أي فكر جديد" قادر على المواجهة، إلا أن الكاتب يرينا فيما بعد مشهدا جديدا يبدأ بتناثر الريش المنتوف وكأنه يود أن يقول أن الأمة العربية في حالة ضعف جديد وهي منتوفة الريش بمعنى عاجزة، ثم ينتقل بنا ليرينا أن الريش يعود للدجاجة التي لم يقتنع صابر والذي لعب دوره "حسين نخلة" أنها تمتلك القدرة " لتفقس البيضة"، فقام بفقد قيودها ومن ثم شوائها محاولة أن يطعم منها أسامه وكأنه يود أن يطعمه من فكر لم يعد له تأثير في حلّ معضلة القضية الفلسطينية. ويعود الكاتب ليعزز ما وصلت له في مشهد المحقق الذي لعب دوره " فراس نور"، حيث يقول للبطل أسامه: " انتو العرب شاطرين بس بالحكي "، ويتابع ساخرا بقوله فيما معناه: " بعدكم بستنوا اللحظة اللي ترمونا فيها بالبحر؟!".

ويتابع الكاتب ليرينا أن اسأمه الشاب والذي لعب دوره " سامي متواسي"، يتعرض لإطلاق نار من الخلف، وعملية محاولة القتل من الخلف ترمز للخيانة، خاصة وأن الكاتب تركنا نرى أن القاتل متخفيا، وكأنه يقول لنا فكروا بهذه اللقطة، واعتقد انه أراد أن يقول أن أعداء القضية الفلسطينية هم كثر منهم الظاهرين ومنهم المتخفين، ثم يرينا فيما بعد أن البطل لم يمت ليؤكد لنا أن القضية الفلسطينية لم يتم اغتيالها بعد، وإنما مرت في مرحلة احتضار، وأنها ستعود قوية من جديد في وقت ما، وهذا ما يؤكده البطل أنه سيمتص ماء الحياة ويعود بإرادة أقوى وسلاحه إرادة الحياة.

وهناك العديد من المشاهد الرمزية، والإسقاطات التي يرد فيها الكاتب على المزاعم الإسرائيلية آنذاك، مثل ما حاولوا زراعته في المجتمعات الغربية أن الفلسطينيون يرسلون أبنائهم لإلقاء الحجارة من أجل الموت مقابل حصولهم على مبلغ من المال، وغيرها الكثير من الإسقاطات التي ربما تحتاج إلى أكثر من مقالة لتحليلها، وربما أحتاج لمشاهدة الفيلم أكثر لمحاولة تحليلها بشكل أفضل.

وأثار الفيلم أيضا قضايا حساسة مثل سرقة جثث الشهداء لسرقة الأعضاء منها، وهمجية قطعان المستوطنين، وهمجية الاحتلال في أقبية التحقيق، وأصالة الأم الفلسطينية ووقوفها بجانب زوجها، (شخصية كرمل بحد ذاتها لغز، وكذلك الأمر شخصية والد أسامه)...ألخ. كل هذه الرسائل وصلت بقوة للمشاهدين الذين عبروا عن فخرهم بهذا الفيلم، والذي يعود الشكر فيه للممول أنس أبو سعده، لتمويل هكذا أفلام، وللكاتب سليم دبور الذي نجح بقوة في تجسيد هذا الواقع، وللمخرج رفعت عادي الذي أثبت مهارته في ترجمة السيناريو لصور مؤثرة نالت إعجاب الجميع.