الرهن العقاري بفلسطين ظاهره الرحمة وباطنه العذاب

الرهن العقاري بفلسطين ظاهره الرحمة وباطنه العذاب
الرهن العقاري ظاهره الرحمة وباطنه العذاب
د. نافع الحسن/ المحامي
رام الله
تأسست شركة فلسطين لتمويل الرهن العقاري عام 2000 بمبادرة من السلطة الوطنية الفلسطينية برأسمال قدره 20 مليون دولار ساهمت فيها السلطة الفلسطينية والبنك العربي ومؤسسة التمويل الدولية بالإضافة إلى عدد من المساهمين والممولين الدوليين الآخرين، وبالإضافة للرأسمال المكتتب به فقد حصلت الشركة ومن خلال السلطة الوطنية على قرض بقيمة 17 مليون دولار وبفائدة قدرها 75و0%، بينما تبلغ الفوائد على القروض التي تتقاضاها من المواطن الذي يعاني من ويلات الاحتلال 9% ، وللمقارنة فقط يتقاضى البنك الدولي على قروضه أقل من 1%، ويخصص 4.25% من الفائدة التي يتم تقاضيها من الفلسطيني الغلبان لصالح شركة التأمين على القروض التابعة للشركة الأم، وتتقاضى البنوك من المواطن الغلبان ذاته 4% مقابل الخدمات التي تقدمها له!!! .
وجاء في إحدى منشوراتها أن هدفها الأساسي هو المساهمة في حل أزمة السكن في فلسطين عبر توفير التمويل طويل الأمد...وبهذا تكون الشركة قد ساهمت بتعزيز الاقتصاد الفلسطيني على حد قولها. كلام جميل ما في ذلك شك، أما واقع الحال فيقول أن الرهن العقاري هو شبكة لا ترحم وتضم شركة تمويل الرهن العقاري وبنوك وشركات تأمين شريكة لها، حيث يتعرض الحاصلين على قروض الرهن العقاري من البنوك الشريكة لعملية سلخ للحومهم عن أجسادهم في نهاية المطاف، بعد أن يكونوا قد تعرضوا لعملية تعذيب وإرهاق نفسي لمدة تتراوح بين خمسة عشرة إلى عشرين عاما هي مدة سداد القرض. ويجب أن نعلم أن الذي يلجأ إلى الرهن العقاري هو المواطن الغلبان الذي يسعى نحو السترة، فيجد نفسه مجبرا على دفع راتبه الشهري بكامله تقريبا وأحيانا راتبه وراتب زوجته، فالدفعة الشهرية تتضمن عدة ضمائم، أولاها القسط الشهري مع الفوائد المرتفعة للقرض البنكي، وثانيها قسط تأمين على الحياة لا يستفيد منه المواطن، ولا يعود إليه بأية فائدة حتى بعد سداد القرض، أما العنصر الثالث فهو قسط تأمين العقار وأيضا لا يعود على المواطن بأية فائدة، ولا حاجة لأن نكون خبراء في إجراء الحسابات لكي يتأكد لنا في النهاية بأن لاشيء يبقى في جيب المقترض لا لتعليم أبنائه والتعليم ليس مجاني، ولا لشراء الملابس وتوفير الطعام بحدوده الدنيا، فماذا تكون النتيجة إذا، تكون النتيجة هي غير ما قراناه أعلاه، فشركة الرهن العقاري ومنظومة البنوك وشركات التأمين الشريكة لها توصل المواطن إلى حالة من الإفلاس المادي والقهر المعنوي والاجتماعي، أي تضعه على حافة الانهيار الجسدي والمعنوي وصولا إلى وضعه أمام خيار وحيد وهو الهجرة من بلاده هربا من ديون الرهن العقاري، فتكون شركة الرهن العقاري والمؤسسات الشريكة لها قد ساهمت في تهجير الفلسطيني وجعل إقامته في بلاده أمرا مستحيلا. ومن أجل تقريب الصورة للمواطن، لنفترض أن مواطنا دخله الشهري خمسة آلاف شيكل أراد أن يشتري من خلال الرهن العقاري شقة بأدنى سعر ممكن وهو ثمانين ألف دولار، فسيكتشف، إذا قدر له أن يحيا حتى نهاية سداد القرض، أنه دفع ضعف المبلغ الذي اقترضه، ناهيك عن استنزاف راتبه الشهري بالكامل، هذا إذا لم يضطر للإستدانة لتأمين متطلبات بقائه وأسرته على قيد الحياة، ذلك لأنه قسط السداد الشهري لا يتضمن القسط الشهري مع فوائده العالية فحسب، بل يتضمن أيضا ما يسمى بقسط التأمين على الحياة وقسط تأمين العقار والتي لا تعود على المواطن بأية فائدة كما أسلفنا.
وقد يكون نظام الرهن العقاري مقبولا في بلد محرر ومستقل وذي سيادة ويعيش شعبه في حالة من الرفاهية النسبية، أما ما تقوم به شركة تمويل الرهن العقاري في أرض محتلة يجثم الاحتلال على صدر شعبها ويعاني أبناؤه من الفقر والبطالة، فهذا أمر لا يمكن قبوله ويلزمنا بأن نتفحص حقيقة الأهداف التي تقف وراءه.
وربما نحتاج إلى إعادة توصيف للجرائم التي ترتكب في أرض تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى تستطيع النيابة العامة الشروع في إجراء التحقيقات اللازمة في وقائع وحالات استغلال حاجة المواطن للسكن للاستحواذ على رواتبهم مدى الحياة، بحيث تشمل لائحة الجرائم تلك الأفعال التي تستغل حاجة المواطن لسكن عادي، وهو حق أساسي لكل فرد، فتقوم بفرض الشروط المجحفة والقهرية وغير الإنسانية عليه.
غير أن هذا الأمر بالأساس هو مسألة سياسية ووطنية بالدرجة الأولى وليس موضوع مواطن أرعن أذلته الظروف وقهرته فأجبرته على اللجوء إلى الرهن العقاري لامتلاك منزل بالحدود الدنيا ويقتضي بالتالي تدخل أعلى هيئات السلطة الوطنية الفلسطينية.
وأذكر بأن الرهن العقاري كان أحد أسباب وصول الاقتصاد الأميركي إلى حافة الهاوية قبل عامين، كما أدى إلى فقدان آلاف الأميركيين لمنازلهم بسبب عدم قدرتهم على سداد القروض التي حصلوا عليها من البنوك لشراء مساكن تأويهم. ولهذا فإن ما يترتب على الرهن العقاري من نتائج منهكة للمواطن ومدمرة للاقتصاد يجعله قضية وطنية وعلى المجتمع والسلطة أن يتدخلا لحماية المواطن وفتح ملف الرهن العقاري لتمكين المواطنين من استعادة المبالغ التي تذهب لحساب الرهن العقاري أو للبنوك وشركات التأمين والتي تندرج تحت تسميات مثل قسط التأمين على الحياة وقسط تأمين العقار والتي لا يستفيد منها المواطن، وكذلك تخفيض الفوائد على قروض السكن، وإعادة النظر في الشروط المجحفة التي يفرضها على المحتاجين للسكن . ولقد دعوت دوما، وفي كل المناسبات، ومنها اجتماعات لجنة دستور فلسطين قبل عشر سنوات، إلى إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي للسلطة الوطنية الفلسطينية كهيئة دستورية، يكون بين أهدافه، حماية الطبقات الفقيرة والوسطى من البطالة والإفقار والانهيار التام والذي لن يسلم أحد من تبعاته.
ويحق لنا أن نتساءل، أين يذهب رأسمال الشركة والمساهمات الدولية والفوائد التي تتقاضها الشركة من المواطن الفلسطيني، وعلى ماذا ينفق، ولماذا يتحمل الفلسطيني كل هذه الفوائد التي تذهب لحساب الشركة وحساب شركات التأمين؟!!
لقد بلغ الصراع بيننا وبين الاحتلال الإسرائيلي حول الأرض ذروته في هذه الأيام، ومهمتنا جميعا هي دعم صمود الفلسطيني وثباته على أرض فلسطين، ولهذا يجب أن لا يسمح لأحد أن يقوم بمساعدته على إنجاز مهمته في دفع الفلسطيني للهجرة بسبب شروط القهر المجحفة وغير المقبولة وطنيا واقتصاديا وأخلاقيا والتي تفرضها شركة الرهن العقاري التي تحمل اسم فلسطين على المواطن الذي يرغب في امتلاك مسكن أقل من عادي وللحديث بقية.

التعليقات