حسناء عراقية في نقطة تفتيش أمنية
غزة-دنيا الوطن
المفاجآت العراقية كثيرة في بغداد، أحلاها تدفق الحياة والناس بشكل يبدو طبيعيا، أو أن العراقيين مصرون على مقاومة كل الظروف التي تريد أن تعرقل مسيرتهم اليومية، وأسوأ هذه المفاجآت انفجار عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة وسط تجمع من الناس.
لكن ما فاجأني حقا هو وجود شابة حسناء ترتدي ملابس الشرطة وهي تقف لتدير نقطة تفتيش في منطقة حساسة وتحت أشعة الشمس، وفي ظل درجة حرارة تقترب من الأربعين. كنا على وشك اجتياز نقطة التفتيش التي ترابط بالقرب من جسر يربط بين منطقتي القادسية وساحة النسور بجانب الكرخ، وإذ بنا، أنا وسائق السيارة التي تقلني، نفاجأ بشابة رشيقة، يتدلى شعرها الأشقر من قبعتها الرسمية، تتحرك بحيوية، تسأل هذا السائق وتستفسر من آخر عن الجهة التي جاء منها، وتسيطر على تدفق السيارات بشكل سلس ومنظم.
عندما وصلنا إلى نقطة السيطرة حياها السائق «الله يساعدك عيوني»، أجابت بلهجة بغدادية مهذبة «أهلا عيوني». تفحصت وجهينا، وسألت عن هوية السائق، ثم أردفت «تفضلوا عيني، الله وياكم» (الله معكم)، وقبل أن تتحرك السيارة سألتها إن كان بإمكانها أن تمنحنا دقيقتين لتتحدث معنا عن تجربتها، فسألت «من تكونون؟». وعندما قلت لها من صحيفة «الشرق الأوسط»، قالت «أهلا بكم، أنا أقراها كل يوم، لكن للأسف غير مسموح لنا بالحديث مع وسائل الإعلام إلا بتصريح رسمي». طلبنا أن نلتقط لها مع نقطة السيطرة صورة عامة، اعتذرب بأدب عال، قائلة «لا يمكنكم ذلك إلا بتصريح». ودعتنا بابتسامة، وطلبت منا التحرك لأن طابور السيارات التي خلفنا صار طويلا.
أليست هذه مفاجأة سعيدة حقا، أن تلتقي في تلك الظروف (الأمنية والجوية) الصعبة، بشابة تنعم بالحيوية، تتحدث مع الآخرين بثقة عالية تبعث الأمل في بلد يصر أهله على التمسك بهذا الأمل وكأنهم يرددون ما قاله الشاعر أبو القاسم الشابي: «ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل»؟! أخبرني السائق بأن هناك عددا كبيرا من الشرطيات يتوزعن على نقاط تفتيش مختلفة من بغداد ويؤدين واجبهن على أحسن ما يكون. والمسألة الأهم، حسب توضيح السائق، هي أن «الناس تقبلوا هذه الظاهرة بلا أي تردد، وتعاملوا مع الشرطيات وأوامرهن تماما مثلما يتعاملون مع الرجال في تقبل الأوامر أو الإجابة عن الأسئلة».
إن ما يميز تعامل العناصر الأمنية، سواء كانوا من الشرطة (وزارة الداخلية) أو الجيش (وزارة الدفاع) هو تعاملهم المهذب والسلس مع المواطنين وبلغة محببة «مرحبا.. أهلا عيوني.. أهلا أخي.. تفضل.. اسمح لي بتفتيش صندوق السيارة.. تفضلوا.. الله معكم».
وفي المساء وخلال جولة في بعض مناطق الكرخ ببغداد تأكدت لنا الملاحظات ذاتها حول تعامل عناصر الأمن في نقاط النفتيش مع المواطنين، وبالقرب من نقطة تفتيش تقع عند مستشفى الهلال الأحمر في بداية حي المنصور الراقي، كان اللافت أن من يعمل في هذه النقاط هم من الشباب، وأيضا كانت هناك كلمات مهذبة مثل «تفضل أخي».
وحسب زياد الكرخي الذي عاد إلى العراق من هولندا قبل أكثر من عامين، فإن «هناك اختلافا كبيرا بين الطريقة التي كان يتعامل بها أفراد القوات الأميركية مع العراقيين، وطريقة رجال الأمن العراقيين»، مشيرا إلى أن «الجندي الأميركي تعامل مع المواطن العراقي باعتباره متهما، وغالبا ما كان يصرخ بوجهه وهو يوجه بندقيته باتجاهه مهددا إياه بالقتل إذا لم يمتثل لأوامرهم الصارمة، وهذا يعد إهانة كبيرة بحق العراقي الذي عانى الكثير ولم يحصد سوى هذه المتاعب والإهانات». وأكد الكرخي لـ«الشرق الأوسط» أن «قيام الجندي الأميركي بإطلاق النار على المواطنين كان يعد، ولا يزال، مسألة طبيعية ومبررة قانونيا من قبل القيادات الأميركية، وهناك عائلات قتلت بأكملها وهي داخل سياراتها بسبب أمر من جندي أميركي بالتوقف أو إتاحة الطريق أمام رتل من المدرعات الأميركية، وغالبا إما أن السائق لم يفهم الأمر أو لأنه شعر بالارتباك نتيجة قرب هذه المدرعات التي تحمل علامة (قوة مميتة) منه».
ويبدي الكرخي، مثل عراقيين آخرين، تعاطفه الكامل مع عناصر القوات الأمنية العراقية، ويقول «بين هؤلاء الشباب غالبية من حملة الشهادات الجامعية اختاروا العمل في الشرطة للغياب الكامل لفرص العمل الأخرى».
ثمة مسافة متفق عليها بين المواطن العراقي ورجال الأمن في شوارع بغداد، هذه المسافة تحفظ مهنية رجل الأمن من جهة، وحقوق المواطن من جهة ثانية. فالسيارة عندما تقترب مثلا من نقطة تفتيش يجب أن تتوقف، وخلال الليل على السائق أن يطفئ الأضواء الخارجية للسيارة، وأن يتوقف بهدوء بعد أن يضيء داخل السيارة ليتسنى لرجل الأمن مشاهدة من فيها. ويقول ضابط شرطة «إن عناصر الأمن اليوم هم من أبناء الشعب العراقي، ويعرفون كيف يتعاملون مع مواطنيهم. التوجيهات التي تلقيناها من وزارة الداخلية هي عدم الدخول في أحاديث خارجة عن موضوع مهمة رجل الأمن مع المواطنين، وهذا من شأنه أن يمنحنا فرصة فحص السيارة جيدا، من جهة، وعدم الإطالة في عملية الفحص كي لا يكون هناك خط طويل من السيارات المنتظرة من جهة ثانية، مما لا يعطي الفرصة للإرهابيين لإشغالنا عن مهمتنا».
ويعبر هذا الضابط الذي اكتفى بإعطاء اسمه الأول فقط «ريسان» عن أسفه «لتعرض إخواننا من رجال الأمن للجرائم الإرهابية، ففي العمليات التي حدثت مؤخرا راح ما يقرب من عشرة من الضباط وعناصر الشرطة ضحية الهجوم عليهم بالمسدسات الكاتمة للصوت، فنحن المصد الأول والحاجز ما بين الإرهابيين وجرائمهم وأرواح المواطنين الأبرياء»، منبها إلى أنه «في حوادث كثيرة يتم الكشف عن السيارات المفخخة أو الانتحاريين الذين غالبا ما يفجرون أنفسهم وسياراتهم في نقاط التفتيش قبل أن يتم إفشال مهماتهم الإجرامية». قبل عام من ذلك لم تكن العلاقة بين رجال الأمن والمواطن العراقي منظمة بهذه الطريقة، كما أن شعور ضابط الشرطة العراقي في السابق بأنه يخضع بطريقة وبأخرى لسيطرة أو لأوامر أو لتوجيهات القوات الأميركية لم يمنحه الفرصة لأن يعمل كعراقي مخلص لقضية أمن شعبه وبلده.
ويعمل رجال الشرطة في شوارع بغداد لساعات طويلة قد تتراوح بين 12 و15 ساعة في أحيان كثيرة، وهم لا يتقاضون رواتب عالية مثلما يتخيل البعض «بل رواتبنا دون المستوى المطلوب، كما أنها لا تتناسب وساعات العمل الطويلة التي نعمل خلالها، ولا مع الظروف القاسية التي نعمل في ظلها، فحياتنا عرضة للخطر على الدوام، ونحن نقف سواء في ساعات النهار الساخن جدا والمشوب بالعواصف الترابية، أو خلال ساعات الليل حتى الفجر، ومع ذلك فإن مهمتنا هي حماية الناس من جرائم الإرهابيين»، حسبما يوضح ريسان.
معد فياض
المفاجآت العراقية كثيرة في بغداد، أحلاها تدفق الحياة والناس بشكل يبدو طبيعيا، أو أن العراقيين مصرون على مقاومة كل الظروف التي تريد أن تعرقل مسيرتهم اليومية، وأسوأ هذه المفاجآت انفجار عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة وسط تجمع من الناس.
لكن ما فاجأني حقا هو وجود شابة حسناء ترتدي ملابس الشرطة وهي تقف لتدير نقطة تفتيش في منطقة حساسة وتحت أشعة الشمس، وفي ظل درجة حرارة تقترب من الأربعين. كنا على وشك اجتياز نقطة التفتيش التي ترابط بالقرب من جسر يربط بين منطقتي القادسية وساحة النسور بجانب الكرخ، وإذ بنا، أنا وسائق السيارة التي تقلني، نفاجأ بشابة رشيقة، يتدلى شعرها الأشقر من قبعتها الرسمية، تتحرك بحيوية، تسأل هذا السائق وتستفسر من آخر عن الجهة التي جاء منها، وتسيطر على تدفق السيارات بشكل سلس ومنظم.
عندما وصلنا إلى نقطة السيطرة حياها السائق «الله يساعدك عيوني»، أجابت بلهجة بغدادية مهذبة «أهلا عيوني». تفحصت وجهينا، وسألت عن هوية السائق، ثم أردفت «تفضلوا عيني، الله وياكم» (الله معكم)، وقبل أن تتحرك السيارة سألتها إن كان بإمكانها أن تمنحنا دقيقتين لتتحدث معنا عن تجربتها، فسألت «من تكونون؟». وعندما قلت لها من صحيفة «الشرق الأوسط»، قالت «أهلا بكم، أنا أقراها كل يوم، لكن للأسف غير مسموح لنا بالحديث مع وسائل الإعلام إلا بتصريح رسمي». طلبنا أن نلتقط لها مع نقطة السيطرة صورة عامة، اعتذرب بأدب عال، قائلة «لا يمكنكم ذلك إلا بتصريح». ودعتنا بابتسامة، وطلبت منا التحرك لأن طابور السيارات التي خلفنا صار طويلا.
أليست هذه مفاجأة سعيدة حقا، أن تلتقي في تلك الظروف (الأمنية والجوية) الصعبة، بشابة تنعم بالحيوية، تتحدث مع الآخرين بثقة عالية تبعث الأمل في بلد يصر أهله على التمسك بهذا الأمل وكأنهم يرددون ما قاله الشاعر أبو القاسم الشابي: «ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل»؟! أخبرني السائق بأن هناك عددا كبيرا من الشرطيات يتوزعن على نقاط تفتيش مختلفة من بغداد ويؤدين واجبهن على أحسن ما يكون. والمسألة الأهم، حسب توضيح السائق، هي أن «الناس تقبلوا هذه الظاهرة بلا أي تردد، وتعاملوا مع الشرطيات وأوامرهن تماما مثلما يتعاملون مع الرجال في تقبل الأوامر أو الإجابة عن الأسئلة».
إن ما يميز تعامل العناصر الأمنية، سواء كانوا من الشرطة (وزارة الداخلية) أو الجيش (وزارة الدفاع) هو تعاملهم المهذب والسلس مع المواطنين وبلغة محببة «مرحبا.. أهلا عيوني.. أهلا أخي.. تفضل.. اسمح لي بتفتيش صندوق السيارة.. تفضلوا.. الله معكم».
وفي المساء وخلال جولة في بعض مناطق الكرخ ببغداد تأكدت لنا الملاحظات ذاتها حول تعامل عناصر الأمن في نقاط النفتيش مع المواطنين، وبالقرب من نقطة تفتيش تقع عند مستشفى الهلال الأحمر في بداية حي المنصور الراقي، كان اللافت أن من يعمل في هذه النقاط هم من الشباب، وأيضا كانت هناك كلمات مهذبة مثل «تفضل أخي».
وحسب زياد الكرخي الذي عاد إلى العراق من هولندا قبل أكثر من عامين، فإن «هناك اختلافا كبيرا بين الطريقة التي كان يتعامل بها أفراد القوات الأميركية مع العراقيين، وطريقة رجال الأمن العراقيين»، مشيرا إلى أن «الجندي الأميركي تعامل مع المواطن العراقي باعتباره متهما، وغالبا ما كان يصرخ بوجهه وهو يوجه بندقيته باتجاهه مهددا إياه بالقتل إذا لم يمتثل لأوامرهم الصارمة، وهذا يعد إهانة كبيرة بحق العراقي الذي عانى الكثير ولم يحصد سوى هذه المتاعب والإهانات». وأكد الكرخي لـ«الشرق الأوسط» أن «قيام الجندي الأميركي بإطلاق النار على المواطنين كان يعد، ولا يزال، مسألة طبيعية ومبررة قانونيا من قبل القيادات الأميركية، وهناك عائلات قتلت بأكملها وهي داخل سياراتها بسبب أمر من جندي أميركي بالتوقف أو إتاحة الطريق أمام رتل من المدرعات الأميركية، وغالبا إما أن السائق لم يفهم الأمر أو لأنه شعر بالارتباك نتيجة قرب هذه المدرعات التي تحمل علامة (قوة مميتة) منه».
ويبدي الكرخي، مثل عراقيين آخرين، تعاطفه الكامل مع عناصر القوات الأمنية العراقية، ويقول «بين هؤلاء الشباب غالبية من حملة الشهادات الجامعية اختاروا العمل في الشرطة للغياب الكامل لفرص العمل الأخرى».
ثمة مسافة متفق عليها بين المواطن العراقي ورجال الأمن في شوارع بغداد، هذه المسافة تحفظ مهنية رجل الأمن من جهة، وحقوق المواطن من جهة ثانية. فالسيارة عندما تقترب مثلا من نقطة تفتيش يجب أن تتوقف، وخلال الليل على السائق أن يطفئ الأضواء الخارجية للسيارة، وأن يتوقف بهدوء بعد أن يضيء داخل السيارة ليتسنى لرجل الأمن مشاهدة من فيها. ويقول ضابط شرطة «إن عناصر الأمن اليوم هم من أبناء الشعب العراقي، ويعرفون كيف يتعاملون مع مواطنيهم. التوجيهات التي تلقيناها من وزارة الداخلية هي عدم الدخول في أحاديث خارجة عن موضوع مهمة رجل الأمن مع المواطنين، وهذا من شأنه أن يمنحنا فرصة فحص السيارة جيدا، من جهة، وعدم الإطالة في عملية الفحص كي لا يكون هناك خط طويل من السيارات المنتظرة من جهة ثانية، مما لا يعطي الفرصة للإرهابيين لإشغالنا عن مهمتنا».
ويعبر هذا الضابط الذي اكتفى بإعطاء اسمه الأول فقط «ريسان» عن أسفه «لتعرض إخواننا من رجال الأمن للجرائم الإرهابية، ففي العمليات التي حدثت مؤخرا راح ما يقرب من عشرة من الضباط وعناصر الشرطة ضحية الهجوم عليهم بالمسدسات الكاتمة للصوت، فنحن المصد الأول والحاجز ما بين الإرهابيين وجرائمهم وأرواح المواطنين الأبرياء»، منبها إلى أنه «في حوادث كثيرة يتم الكشف عن السيارات المفخخة أو الانتحاريين الذين غالبا ما يفجرون أنفسهم وسياراتهم في نقاط التفتيش قبل أن يتم إفشال مهماتهم الإجرامية». قبل عام من ذلك لم تكن العلاقة بين رجال الأمن والمواطن العراقي منظمة بهذه الطريقة، كما أن شعور ضابط الشرطة العراقي في السابق بأنه يخضع بطريقة وبأخرى لسيطرة أو لأوامر أو لتوجيهات القوات الأميركية لم يمنحه الفرصة لأن يعمل كعراقي مخلص لقضية أمن شعبه وبلده.
ويعمل رجال الشرطة في شوارع بغداد لساعات طويلة قد تتراوح بين 12 و15 ساعة في أحيان كثيرة، وهم لا يتقاضون رواتب عالية مثلما يتخيل البعض «بل رواتبنا دون المستوى المطلوب، كما أنها لا تتناسب وساعات العمل الطويلة التي نعمل خلالها، ولا مع الظروف القاسية التي نعمل في ظلها، فحياتنا عرضة للخطر على الدوام، ونحن نقف سواء في ساعات النهار الساخن جدا والمشوب بالعواصف الترابية، أو خلال ساعات الليل حتى الفجر، ومع ذلك فإن مهمتنا هي حماية الناس من جرائم الإرهابيين»، حسبما يوضح ريسان.
معد فياض

التعليقات