فضيحة جنسية في سفارة إسرائيل في صوفيا

فضيحة جنسية في سفارة إسرائيل في صوفيا
ألكسي بيتروف
صوفيا-دنيا الوطن
للتعرف على حيثيات هذه القضية لا بدّ من شرح أبعاد الأوضاع في بلغاريا لنتمكن من تشكيل فكرة عامة ومفهومة وبهدف الابتعاد عن خلط الأوراق والاصطياد في المياه العكرة.
قبل شهرين تقريبًا نشرت مجلة "عالم الحقوق" الشهرية مقالاً في عددها الصادر خلال شهر مارس/آذار - 2010، جاء فيه ((بتاريخ 2-3 تشرين الثاني من العام 2001، تمكن حرس الحدود البلغاري من القبض على مواطنين إسرائيليين، كانوا على وشك مغادرة البلاد بثلاث عربات (مرسيديس وعربتي مازدا) وبعد التفتيش الدقيق لهذه العربات عثر على مبالغ مالية كبيرة بقيمة 130 ألف دولار تقريبا، وكان في حوزتهم أيضًا حاسوب وبطاقات ائتمان مزورة وحسابات بنكية وأجهزة خاصة أخرى، وتبين فيما بعد بأنهم يعيشون في فندق "قلعة خرانكوف" الشهير. اعتقل المواطنون الستة تحت ذمة التحقيق بتهمة الحصول على المال بطرق غير شرعية وتهريبها من البلاد، كما أوكلت القضية لجهاز أمن الدولة، واستدعي لاحقا الفندقيّ بلامين خرانكوف للتحقيق معه في هذه القضية، واعتقل كشريك في هذه العملية. تبين في مسار التحقيق بأن هذه العصابة كانت تحصل على الأرقام السرية لبطاقات التأمين من بعض المحلات التجارية في بريطانيا ثم تقوم بواسطة بطاقات تأمين مزورة من سحب مدخرات الضحايا من أجهزة سحب النقود في الفندق خرانكوف تحديدًا، وبلغت أرباح هذه المجموعة ما قيمته 3 ملايين دولار. مع نهاية العام 2001 اعتقل العقل المدبر لهذه المجموعة واسمه مائير أوفايدا، وهو رجل أعمال يعيش في بلغاريا منذ زمن طويل واستدعي للمثول أمام المحكمة، وصل أوفاديا بسيارة ألكسي بيتروف الخاصة، وكان يقودها السائق الشخصي لبيتروف آنذاك. لم يعر أحدا هذا الأمر أية أهمية واتهم أوفاديا بغسل أموال تقدربمليون دولار، ودفع كفالة بقيمة 20 ألف ليفا (10 آلاف يورو حاليا) ليخرج من السجن ومنع من مغادرة البلاد. ولكن سرعان ما أخذ أعضاء العصابة بالاختفاء تدريجيا من البلاد، كما أعيد جواز سفر أوفاديا والذي سرعان ما غادر بلغاريا على متن أول طائرة مغادرة إلى إسرائيل متناسيا أمر الكفالة المالية. وبعد انتشار هذه الفضيحة والتحقيق في أبعادها، تبين بأن قرار منع سفر أوفاديا قد ألغي بأوامر عليا. وسرعان ما أغلقت جميع الملفات وأوقف العمل بها ومتابعتها. وبرئت ساحة أوفاديا لأن الاتهامات الموجهة له كانت تعتمد كما يقال بالدرجة الأولى على اعترافات أعضاء المجموعة الآخرين، ولا توجد أية دلائل على تورطه في غسل الأموال، وقد لعب ألكسي بيتروف دورًا كبيرًا في مساعدة أعضاء المجموعة وخاصة أوفاديا في كافة مراحل هذه القضية)) هذا مختصر لما جاء في المقال حيث ذكرت أسماء أعضاء المجموعة وذكرت المجلة بأن بعضهم على علاقة بالموساد وجهاز الشين بيت.

من هو ألكسي بيتروف
عيّن ألكسي بيتروف في القوات الخاصة لجهاز أمن الدولة، وسرعان ما تمّ زرعه في أوساط المافيا كعميل للدولة في عالم الجريمة، لكن ألكسي بيتروف تمكن من خلال هذا الدور وكما جاء في وسائل الإعلام من نسج شبكة كبيرة من العلاقات، عادت عليه بفوائد مالية هائلة وزادت من قوته ونفوذه في أجهزة الدولة. وقد كانت إسرائيل تعتبر بالنسبة لألكسي بيتروف وطنًا ثانيًا له بحكم العلاقة التي كانت تربطه بغاد زئييفي الذي اشترى أصول شركة البلقان الوطنية، وكان يحضر على متن الطائرة الكثير من رجال الأعمال الإسرائيليين لقضاء نهاية الأسبوع في كازينو فندق "خرانكوف، وكان ألكسي بيتروف مقرب من الأوساط الإسرائيلية ويعمل على تنفيذ رغباتهم، وبقي هذا الرجل في الظلّ حتى مجيء حكومة رئيس الوزراء البلغاري القويّ بويكو بوريسوف، المعروف بأن بوريسوف عمل سكرتيرا لوزارة الداخلية ومحافظًا لعاصمة صوفيا، وبحكم عمله في وزارة الداخلية فهو يعرف جيدًا كيف تفكر أوساط المافيا. وخلال الشهور الأولى من حكمه تمكنت قوات الأمن البلغارية مع بداية هذا العام وبإشراف مباشر وحثيث من رئيس الوزراء بويكو بوريسوف من إلقاء القبض على أعضاء عصابة "الوقحين" كما أطلق على العملية الأمنية الجريئة. الوقحون كانوا يخطفون رجال الأعمال أو أبناءهم مقابل فدية كبيرة للغاية، وكانوا يلجؤون أحيانًا للتهديد بقطع أصابع أو أذن المخطوفين حال التأخر بدفع الفدية. وقد تمكنت العصابة من تحقيق دخل سهل وكبير (قدرت الأموال التي حققتها العصابة 2.75 مليون يورو)، وكانت المفاجئة حين اعتقل ألكسي بيتروف ووجهت إليه تهمة رعاية هذه العصابة وترأسها، وكان بيتروف يمتلك عدة أجهزة خلوية بعضها ببطاقات مدفوعة حيث يبقى صاحبها مجهول الهوية، (تم تعديل قانون الاتصالات وأصبح إلزامًا تسجيل هويات أصحاب البطاقات المدفوعة مسبقًا)، وبدأ التحقيق بكافة الاتصالات التي قام بها بيتروف والشبكة التي يشرف عليها. أبقي بيتروف في المعتقل حتى كتابة هذا المقال، وقد بارك السفير الأمريكي أكثر من مرة توجه حكومة بوريسوف لمكافحة الجريمة المنظمة وعلى كافة المستويات، يذكر بأن ألكسي بيتروف وجه في فترة من الفترات رسالة عبر وسائل الإعلام للسفير الأمريكي جيمس وورليك طالبًا مقابلته، لكن السفير رفض الدعوة، ما يعني دعمًا أمريكيًا غير محدود لتوجهات الداخلية البلغارية.

فولين سيديروف إعلامي متواضع يصعد ليحتلّ مراكز عليا في بلغاريا
كان فولين سيديروف يعمل في مجال الصحافة والإعلان، وكان معاديًا للغجر والأتراك واليهود إلى حدّ بعيد، ولم يخفِ عداءه بل وظفه في برنامج متلفز. بعد ذلك بدأت أسهم سيديروف ترتفع فقد اخذ يغازل عواطف الشعب وسرعان ما أسس حزب "أتاكا" ترأسه وخاض الانتخابات البرلمانية وتمكن من تخطّي الحدّ الأدنى لدخول البرلمان، وها هو اليوم يصبح شريكًا ومناصرًا لحكومة الرجل القويّ الأول بويكو بوريسوف. ظهرت العلاقة ما بين سيديروف وقضية بيتروف حين ترأس سيديروف اللجنة البرلمانية لمتابعة أعمال الوكالة الوطنية للأمن القومي، حيث أوكلت إليه قضية التحقيق مع رجال المافيا وعلى رأسهم ألكسي بيتروف.
قبل أيام ظهر سيدروف على شاشات التلفزة وصرح بأنه وبعد التحقيق مع بيتروف تبيّن بأن الأخير كان حلقة الوصل لتزويد موظفين في السفارة الإسرائيلية ببائعات هوى. وفي اليوم التالي ظهر سيدروف مجددًا أمام قنوات التلفزة حيث قرأت أمامه مذكرة من السفارة الإسرائيلية جاء فيها "ليس جديدًا على فولين سيديروف مهاجمة اليهود وإسرائيل، فهو معروف بعنصريته الشديدة ومعاداته للسامية، واستنكر البيان تصريحات سيديروف، كما وتأسفت السفارة أن يكون شخص مثل سيدروف رجل سياسة وصاحب قرار في الأوساط السياسية في دولة بلغاريا الحضارية" علق سيديروف بأن الموضوع لا يتعلق بالسفارة الإسرائيلية وإسرائيل بشكلٍ شخصيّ، وأضاف بأن نتائج التحقيق مثبتة في سجلات البرلمان ويمكن الاطلاع عليها في أيّ وقت، وقال بأنه سيطلب مقابلة السفير الإسرائيلي لتوضيح الصورة. بيد أنه لن يسكت عن التسيب والفساد الذي عمّ البلاد طيلة عشرين عامًا. من الواضح بأن نبرة سيديروف تجاه إسرائيل أصبحت أقلّ حدّة ممّا سبق، وهذا أمرٌ مفهوم خاصة وأن طموح سيدروف السياسية كبيرة.

مما سبق يتضح بأنه حال انعدام تطبيق القوانين الرادعة ينفتح المجال للفساد والسرقة والتطاول على القوانين، وقد كان هذا حال بلغاريا لفترة طويلة من الزمن، إذ كان من المستحيل إصدار حكم بحقّ مجرم يعرفه الجميع مع تواجد أدلة ملموسة بحقه، وهيئة القضاء على دراية بذلك، كان من الطبيعي أن يمرض محامي الدفاع ليتمّ تأجيل القضية بضعة سنوات، يخرج خلالها المجرم مقابل كفالة مالية ليستمرّ في نشاطه وكأن شيئًا لم يحدث، هذا ما تعمل جاهدة الحكومة الجديدة لتغييره وقد تمكنت من التوصل لنتائج محسوسة. الإجرام بالطبع دون هوية، فهناك متورطون في الجريمة وغسل الأموال من كافة الأجناس والأطيان، والعرب لا يمثلون نسبة قليلة منهم. أما تورط موظفين في السفارة الإسرائيلية فهذا موضوع قابل لتجاوزه من قبل الإسرائيليين، وذلك بتغيير الطاقم ومعاقبة المتورطين. السفارة الإسرائيلية تتمتع بنفوذ كبير في البلاد وهذا نابع من تطور العلاقة ما بين بلغاريا وإسرائيل على كافة المستويات، يشهد على ذلك الوفود الرسمية المتبادلة في الآونة الأخيرة وزيارة رئيس الوزراء الأخيرة لإسرائيل وتوقيع العديد من المعاهدات والاتفاقات التجارية والتعاون العسكري، وعلى الصعيد الاقتصادي تمكنت الكثير من الشركات الإسرائيلية من الاستثمار في مجال التأمين والعقارات والبناء والاستيراد والتصدير والحماية، في الوقت الذي بقي فيه نشاط الدول والشركات العربية محدودًا للغاية. لهذا يصعب توظيف هذه الفضيحة لأغراض سياسية، من الضروري تنشيط العلاقات العربية الدبلوماسية والثقافية مع بلغاريا ورومانيا وبولندا وباقي دول أوروبا الاشتراكية، فهناك مجالات كبيرة للعمل المشترك وعلى كافّة المستويات. وأول الدول العربية التي استشعرت ذلك وحاولت الاستفادة من هذا الانفتاح، هي دول الخليج العربي وعلى رأسها قطر والكويت وسوريا مؤخرًا.

التعليقات