أسباب وأدوات الصعود الحيوي لـ ( تركيا / الإسلام الليبرالي) في المنطقة ــح2
دراسة سياسية: أسباب وأدوات الصعود الحيوي لـ ( تركيا / الإسلام الليبرالي) في المنطقة ــح2
بقلم: سمير عبيد
ـ كاتب وباحث في الشأن السياسي
الإسلاميون العراقيون صدموا واشنطن..!
فالتقارب الأميركي نحو أنقرة لهو أسبابه التي حتمت ذلك، فلقد اكتشفت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تجاوز التيارات الإسلامية في الوطن العربي، لأنها مخولة بتسلم زمام الأمور في أي انتخابات نزيهة، ولهذا بدأت تبحث عن مفاوض أو محاور إسلامي معتدل، بمواصفات غربية، متحررا من (موروثه الديني والثقافي)، وأكثر تفهما للمتغيرات السياسية والفكرية ،بمعنى أن لا يربط بين التعامل مع الولايات المتحدة وموقفها من إسرائيل، شبيه بالنموذج الإسلامي التركي.
فلقد صُدمت الولايات المتحدة في العراق، وعندما كانت تراهن على صنع قيادات إسلامية ــ شيعية وسنية ـ في العراق تكون هي النموذج للإسلام الليبرالي والمعتدل ليكون العراق ومن خلال هؤلاء القادة هو النموذج نحو العالم العربي، ولكنها تفاجأت بهيمنة طيف من القادة المتطرفين، والمنغلقين، والذين أحدهم يكره الآخر ويتآمر عليه، ويطبقون شعار (التقيّة) في السياسة والتفاوض والعلاقات العامة، وبالتالي أن أغلبهم يظهرون عكس ما يضمرون ، ولديهم ميول وعلاقة عمل مع التيارات الراديكالية الشيعية، والحركات السلفية والمتطرفة السنية!.
فقررت واشنطن أخيرا بإعطاء ظهرها إلى هؤلاء، والتحرك على الإسلام التركي من جهة، ومحاولة إيجاد وجوه عراقية ـ سنية وشيعية ـ جديدة تؤمن بالوسطية والليبرالية الإسلامية لكي تساندهم بالوصول إلى المواقع المتقدمة في الدولة لكي تباشر تركيا برعايتهم والعناية بهم، وكلما باشرت واشنطن بالفرز السياسي في العراق تفاجأت بأنها على خطأ نتيجة العلاقات السرية التي يشتهر بها القادة العراقيون مع خصوم الولايات المتحدة، ومع الحركات الراديكالية المتطرفة ( الشيعة والسنية) ،!.
بحيث أنه حتى استدارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على ماضيه وحاضره، ومحاولته ركوب الموجة الإسلامية الليبرالية لم تنفعه لأنه جاء متـأخرا، وليس عن قناعة وكانت مجرد مراوغة سياسية، ومن ثم لم يقدم برنامجا سياسيا وحزبيا وعمليا وإداريا يثبت من خلاله بأنه بالفعل غادر خانة التشدد والتطرف والطائفية وقطع علاقته بالإيرانيين، وأصبح مقتنعا بالليبرالية، والأمر ينطبق على جميع التيارات الإسلامية التي سارعت لتبديل جلدها الطائفي نحو الوطني والليبرالي أخيرا ، فواشنطن ليست غبية لكي تصدق بهؤلاء مرة أخرى، ومثلما يقال ـ المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين ـ!!!.
أوباما يدعم الليبرالية الإسلامية بدلا من الديمقراطية!!
فقد أعلنت مجلة (الوطن) الكويتية عن عقد مؤتمر في الكويت في كانون الثاني/ يناير 2004م، حضره ممثلين عن الولايات المتحدة، حول (دور الجماعات الإسلامية في الإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط) وخرجوا بنتيجة بأن هناك تشابكا في طروحات تلك الجماعات، بحيث أنصب عملها وجهدها على التباري السياسي فيما بينها للوصول إلى القيادة، ودون الاهتمام الكافي بالرؤية المستقبلية والإستراتجية التي تخص الإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط، والذي يهم الغرب والولايات المتحدة لأن هناك تلازم بين السياسة والاقتصاد ولا يمكن فصلهما، فالسياسة والمجتمع والدين هي ملازمات الجماعات الإسلامية وهي مهمة ولكنها فاقدة لركن أساسي ومهم وهو الاقتصاد ،وكيفية رسم الخطط الإستراتيجية الخاصة بالإصلاح الاقتصادي....!.
فالولايات المتحدة لا تريد أن تترك المنطقة للظروف ولهذا التشابك السياسي، ولا تستطيع أن تتحمل مفاجآت من العيار الثقيل ـ مثل تلك التي حدثت في العراق ـ حين اكتشفت مؤخرا أن الإسلاميين الشيعة لهم شعبية كبيرة، ولهم تنظيمات، ولهم وجهات نظر (دينية) في شكل النظام الذي يجب أن يحكم في العراق بعد زوال الاحتلال، أي أصبحت الصورة واضحة لواشنطن بأن العراق وفي حالة بقاء القيادات السياسية الحالية فهو ذاهب ليكون عراق مناهض للولايات المتحدة ومتشدد مع شعبه!
. وإذا أضفنا إلى مفاجأة العراق نتائج استطلاعات الرأي الكثيرة التي أجريت في العالم العربي ــ حول مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، وحول نواياها في تحقيق ديمقراطية في المنطقة إذا ما اصطدمت نتائج هذه الديمقراطية (المفترضة) بالمصالح الأمريكية في المنطقةــ فسنجد أن هناك بالفعل هاجسا لدى الأمريكيين، يدفعهم للتحرك خطوة في اتجاه الجماعات الإسلامية في المنطقة.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الرئيس باراك اوباما ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض لم نسمع بدعم إدارته للديمقراطية في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية والرجعية المتسلطة في معظم الدول العربية والإسلامية، وهذا قد يؤشر على استلهام اوباما لتقرير منظمة أو مؤسسة ( راند)، الذي اعتبر صراحة أن هناك مشكلة أمريكية في الضغط على حكومات وأنظمة الدول العربية والإسلامية المتسلطة للحصول على الديمقراطية، ما يعني ضمنا، التوقف عن دعم برامج الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، والكف عن الضغط للمجيء بالديمقراطية.
ومن ثم، فإن الترويج لشعار التحول الديمقراطي بضاعة كاسدة ومطاطة، وسرعان ما يلبسها المتطرف والطائفي ويدعي الديمقراطية، ومثلما حصل في العراق، وبالتالي فالبديل الجاهز هو أن تشرع الولايات المتحدة في بناء شبكات من الإسلاميين المعتدلين، أو ما أصبح يعرف إعلاميا بـ(الإسلام لايت) على غرار الحجاب لايت ... !!.
ثانيا:
توجه تركي نحو الشرق برغبة ( غير معلنة) من واشنطن!
ترتبط الولايات المتحدة مع تركيا بحلف استراتيجي كبير ومهم وهو حلف (الناتو)، وبالتالي ليست هناك ضجة أو نظرية مؤامرة عندما تتعاون واشنطن مع أنقرة وبمختلف الملفات الجيوسياسية ، و من هناك تتمتع تركيا بعلاقات طيبة مع بقية الدول الإسلامية، وهي العضو المسلم الوحيد في حلف (الناتو)؛ ما يجعلها جسرا بين الغرب والعالم الإسلامي وهو مايراه أغلب المحللين ، لكن الحقيقة أن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من الغرب، وأن موالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها، وبالتالي فهي تعد جزءاً من العائلة الغربية، وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية وهذا مايدور داخل المكاتب السياسية والإستراتجية والعسكرية في تركيا....
ولكن عندما تصرف الإتحاد الأوربي بجفاء مع أنقرة ــ وعلى مراحل ــ ولد عند القيادة التركية النزعة الشرقية والتفكير الجدي بالعودة إلى الدولة العثمانية ، وهذا ما قاله أخيرا وزير الخارجية التركي أوغلو... (أنهم يقولون عنا أننا العثمانيون الجُدد، نعم نحن العثمانيون الجدد) وقال ذلك خلال لقائه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في معسكر ـ قيزلجه حمام ـ بالعاصمة أنقرة ، وبعد أيام من هذا التصريح فسّر الوزير أوغلو كلامه قائلا ( إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية.. إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا، نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال إفريقيا) ولقد بعث برسالة مبطنة إلى الولايات المتحدة التي لها الفضل بعقلنة الجيش التركي تجاه حزب العدالة والتنمية،وبنفس الوقت بعث برسالة عدم أكتراث إلى الاتحاد الأوربي، فقال (لقد أعطيت أوامري إلى الخارجية التركية بأن يجد ساركوزي (الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) كلما رفع رأسه في إفريقيا سفارة تركية عليها العلم التركي، وأكدت أن تكون سفاراتنا في أحسن المواقع داخل الدول الإفريقية)
ولكن وعلى مايبدو كانت هناك خطة إستراتيجية ( سرية) بين واشنطن والاتحاد الأوربي أو مع بعض دول الاتحاد الأوربي بعدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي في الوقت الحاضر، لكي تُدفع دفعا بالتفكير نحو الشرق، ونحو العثمانية الجديدة، وبالتالي فمادامت هي عضو في حلف (الناتو) فهذا يعني وكتحصيل حاصل أنها عضو في الجبهة الأميركية الأوربية، ومهما نسجت من علاقات مع دول الشرق، أي عندما تتحرك تركيا شرقا وحتى نحو شمال إفريقيا فهناك في جيب معطفها واشنطن والإتحاد الأوربي وإسرائيل!.
فتركيا وعندما تلقفت بتلهف ملف ( غزة) والذي مثل من خلاله أردوغان دور البطل المسلم ، وصلاح الدين الإيوبي الجديد ، وماما تيريزا على أطفال وسكان غزة، كان كله بموافقة إسرائيلية وأميركية وغربية، وحتى عندما ترك أردوغان منصة ( دافوس) غاضبا من الرئيس الإسرائيلي بيريز وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة كان مشهدا من فيلم تعلم به إسرائيل، ولأنه كان يراهن على نقطة ضعف العالم العربي والإسلامي وهي ( العاطفة) فعزف عليها فأصبح بطلا قوميا وإسلاميا في الشارع العربي والإسلامي، بحيث حل محل السيد حسن نصر الله الذي أصبح بطلا قوميا وإسلاميا بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل ، وهذا ما أثلج صدر واشنطن وإسرائيل والإتحاد الأوربي عندما أصبح أردوغان زعيما عربيا مسلما قبل أن يكون زعيما تركيا... وللأسباب التالية:
هذه أهم أسباب دعم واشنطن والغرب لسياسات أردوغان!.
1. لأن واشنطن والقاهرة والرياض وتل أبيب وبروكسل عواصم تعمل جاهدة لجر ( حركة حماس) من مرجعية طهران نحو مرجعية أنقرة ، وهذا ما عملت عليه الحكومة التركية و وأردوغان وسجلا نجاحات كبيرة في هذا الاتجاه، وبدعم من واشنطن والغرب، بحيث أصبح رئيس الوزراء التركي فلسطينيا أكثر من المرحوم ياسر عرفات، وغزاويا أكثر من السيد إسماعيل هنية، وأصبح يصنع الخلافات ( المصطنعة) الواحدة تلو الأخرى مع إسرائيل ،ويعلقها على شماعة غزة لكي يزيد من نسبة الإعجاب والتعاطف العربي والإسلامي، ومن ثم يشق صف المشككين بسياساته ليقنعهم بأنه الأب الجديد للقضية الفلسطينية ، والجراح المختص في علاج الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بشكل خاص، والإسرائيلي ـ العربي بشكل عام ، وهذا يصب في إستراتيجية سحب بساط ـ القضية الفلسطينية ـ من تحت أقدام إيران التي تحاول الاستحواذ على القضية الفلسطينية، وفي طريقها لخطف المبادرة العربية للسلام ، ليكون كل شيء بيد القيادة التركية وبموافقة من العواصم السنية!..
2. رسم الخط البياني لتقسيم المنطقة ــ إسلاميا ــ بين :
ـــــ الإسلام المعتدل ( الإسلام الليبرالي ـ أو إسلام لايت) والمرغوب به من قبل الولايات المتحدة والغرب ويكون بزعامة تركيا، ويضم بعض الدول العربية ،وبمقدمتها المملكة العربية السعودية، وهذا ما أيده وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عندما قال ( هناك أهمية للدور التركي في حل مشاكل منطقة الشرق الأوسط نظرا إلى الثقل الذي تتمتع بع أنقرة سياسيا واقتصاديا والتزامها بالقوانين الدولية في معالجة القضايا وبخاصة القضية الفلسطينية والإرهاب الذي يعصف بالمنطقة) ... وأيده في هذا وزير الخارجية التركي داود أوغلوا عندما قال: ( أن السياسة الخارجية ليست فقط نشاطا دبلوماسيا بل أيضا طاقة وتجارة وثقافة ومواصلات وصحة ، ولكنه أكدد على السياسة الإستراتيجية الثابتة وهي التي ترتبط مع أوربا عندما قال: يبقى الهدف الإستراتيجي لتركيا هو بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي ، ولمح للمرونة التركية حول شروط الاتحاد الأوربي عندما قال: نشدد على أهمية الحل للأزمة القبرصية وإنهاء عزلة الشطر الشمالي وأن الحل ضروري للجزيرة ولشرق المتوسط وللعلاقة التركية مع الاتحاد الأوربي) .... وهو بمثابة تأكيد تركي بأن الذهاب نحو الشرق لا يعني الفراق أو الطلاق مع الاتحاد الأوربي بل هو يعزز علاقة الشرق الأوسط مع الاتحاد الأوربي والناتو عبر تركيا!.!.
ــ الإسلام المتشدد ( الراديكالي) وغير المرغوب به من قبل واشنطن والغرب وهو بزعامة إيران ، وأن هذا التقسيم يخدم مشروع (الشرق الأوسط الكبير) من جهة ، وبنفس الوقت هو يعزز ويدعم مشروع ـ الحرب الباردة ـ الجديد ، والذي يقسّم الدول الكبرى إلى قسمين، فتركيا الإسلامية ورائها واشنطن والإتحاد الأوربي وكندا وإسرائيل والدول العربية المعتدلة، والأهم ورائها ( الناتو) ، وإيران التي ورائها الصين وروسيا وفنزويلا وكوريا الشمالية، والأنظمة المغضوب عليها من واشنطن والغرب، والحركات الإسلامية الراديكالية والمتشددة ( سنية وشيعية) والأهم هنا أيضا ورائها ( منظمة شنغهاي) والتي تشكل حلف عسكري مناهض لواشنطن، خصوصا عندما أصبحت روسيا عضوا ناشطا فيه إضافة لإيران.
ثالثا:
اهتمام أميركي مبكر بتركيا..!
انطلقت الولايات المتحدة في علاقاتها مع تركيا من تصور استراتيجي قائم علي نظرية قلب الأرض القديمة ، والاستفادة من الدور الجيوستراتيجي لتركيا، التي كانت تمثل نقطة التقاء القارتين الأسيوية والأوروبية ، والحضارتين الإسلامية والغربية ، وتقع في قبالة الاتحاد السوفيتي ، الخصم الرئيسي للولايات المتحدة ، ومن أجل ذلك راحت واشنطن تثبت من وضعها داخل تركيا ببناء القواعد العسكرية و الاستخباراتية والتكنولوجية المتقدمة ، وتدفقت المساعدات الاقتصادية والعسكرية الضخمة على تركيا ، وأخذت تركيا وضع الدولة الأولي بالرعاية وهي المكانة التي لا تحظي بها في ذلك الوقت سوى إسرائيل .
وهذا لا ينفي مرور العلاقات التركية الأمريكية بفتور خلال بعض الفترات ، مثلما حدث أيام مشكلة قبرص سنة 1974م ، لكن سرعان ما كانت العلاقات المتينة تعود لسالف عهدها ، وبلغ التعاون الأمريكي التركي أوجه سنة 1980 م عندما وقعت الولايات المتحدة مع تركيا اتفاقية التعاون الدفاعي الاقتصادي المشترك ، والتي أعطت تركيا وضعاً اقتصادياً وعسكرياً شديد التميز في المنطقة ، وذلك في أعقاب الاجتياح الروسي لأفغانستان ، وسقوط حكم الشاه في إيران علي يد الثورة الخمينية ، وبهذه الاتفاقية حصلت تركيا علي مساعدات عسكرية ضخمة أهلتها للعب دور هام ومحوري في المنطقة إذ غدت حائط الصد المتقدم أمام الطموحات السوفيتية التقليدية ، والإيرانية الحديثة ، وأصبحت تركيا أحد اللاعبين الأساسيين في منطقة آسيا الوسطي والقوقاز والبلقان ، في مواجهة خصوم واشنطن.
فالولايات المتحدة وعندما تُنمي نظاما و دولة ما، وخصوصا عندما تجعلها ضمن أمنها القومي والجيوسياسي لا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة، وأن خسرتها لجهة داخلية مثلما حصل في إيران بعد نجاح الثورة الخمينية عام 1979م، أو خسرتها لصالح جهة خارجية منافسة ومثلما حصل في لبنان أثناء الحرب الأهلية، تبقى تعمل علنا وسرا من أجل عودتها إلى الحضن الأميركي أو إلى المدار الأميركي ، وهاهو لبنان قد عاد لحضن واشنطن، وسوف يكون قاعدة أميركية متقدمة في المنطقة بعد حين ، والحال ينطبق على إيران فها هي واشنطن تعمل علنا وسرا لعودة طهران التي كانت تشكل معقلا رئيسيا للأمن القومي الأميركي ولشبكة المصالح الأميركية ، واليوم هي تركيا التي تمثل الشاه الإيراني القديم في المنطقة، فلقد جعلتها الولايات المتحدة في ـ خيال وقلب واشنطن ـ وهذا لا يعني أن الدور التركي مرحلي، بل هو دور إستراتيجي يتماشى ويتصاعد مع طموحات ومخططات الولايات المتحدة، وحتى عندما نأت أنقرة بنفسها عن التحالف الدولي ضد العراق عام 2002 ـ 2003 لم تغضب واشنطن إلا لبعض الوقت لأنها كانت تراهن أي واشنطن على دور تركيا في المراحل القادمة ،وها هي تعود لاعبا دوليا وبدعم من واشنطن وإدارة الرئيس أوباما، وسوف نرى قريبا دورا تركيا متصاعدا في العراق والشرق الأوسط والمنطقة أجمع!.
رابعا:
تقهقر القاهرة لصالح أنقرة..!
لم يجرؤ أحد من زعماء الولايات المتحدة و منذ عهد الرئيس الأميركي الراحل ترومان إلى بوش الصغير على إثارة المشاكل التركية الداخلية ، منها القضية الكردية ، ومذابح الأرمن ، وملف الحريات الدينية ، مما جعل العلاقات التركية الأمريكية تدخل طور الشراكة المتبادلة ، وتعالت أصوات المحللين والمراقبين داخل أمريكا بضرورة التركيز علي الدور التركي لإحياء نظرية (قلب الأرض القديمة) ، ومفادها أن من يحكم قبضته على هذه المنطقة قد أحكم قبضته على العالم بأسره لما تتمتع به من موقع إستراتيجي وثروات لها أول وليس لها آخر وبمقدمتها النفط والغاز ، ووضع روسيا في خانة المدافع القانع من أعدائه بالسلامة ، ومع فقدان الدول العربية وخاصة مصر للقدرة على لعب دور فعال و مؤثر في مواجهة الأخطار المتزايدة التي تهدد أمن الولايات المتحدة ، خصوصا وأن مصر الآن تقف على كف عفريت، ومهددة بالتقسيم والحرب الطائفية، والدخول في الفوضى الخلاقة، ناهيك أن هناك انكفاء مصري ـ سياسي واجتماعي وثقافي ـ نحو الداخل ومهما فعل النظام المصري ليوحي بأن مصر لا زالت في الصدارة، ولا زالت تقود المنطقة العربية ، والحقيقة هي رفسات الجمل الذي يحتضر، فمصر اليوم تتآكل من الداخل ، و تذكرنا بالدولة العثمانية وتحديد في السنوات التي سبقت انهيارها، وعندما أطلقوا عليها تسمية ( الرجل المريض).
فمصر اليوم بموقع الرجل المريض، ولن تشفع لمصر التحركات الأخيرة والمتسرعة على أنها تمثل قرص الشمس الليبرالي والوسطي ، وعندما كثفت من اشتراكها بمؤتمرات حوار الأديان، وهندست المصافحة الرسمية الدينية بأمر القصر بين الشيخ طنطاوي والرئيس الإسرائيلي، والحملة المفاجأة على النقاب والحجاب بصورة عامة، واتخاذ إجراءات متعجلة من قبل الأزهر والمؤسسات الحكومية ضد الحجاب والنقاب ، والحصار السياسي ضد المنظمات الإسلامية وبمقدمتها الإخوان المسلمين.
وعندما لم ينتبه لها أحد،أي لم تتفاعل معها واشنطن، ذهبت لتطرق باب العاصمة بغداد فعادت سفيرها إلى هناك لترسل رسالة إلى الولايات المتحدة وطهران وأنقرة بأن مصر موجودة وقوية ، وبالمقابل هناك طهران المتخوفة من الصعود التركي إقليميا ودوليا، ومن الزحف التركي نحو العراق والمنطقة العربية فسارعت لترطيب الأجواء مع القاهرة في محاولة لسحب مصر بعيدا عن السعودية ، وعندما زارها رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني عارضا عليها تعليق الملفات الساخنة وفتح السفارة المصرية في طهران ، مقابل وعد إيراني بدعم مصر في العراق سياسيا واقتصاديا وتجاريا مع التبرع بحماية السفارة والمؤسسات المصرية في العراق، ولقد تزامنت زيارة لاريجاني مع زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى القاهرة ليبرهن لاريجاني بأن الخطوات العراقية نحو القاهرة بهندسة إيرانية، وبهذا أراد لاريجاني إرسال رسالة لأنقرة وواشنطن والغرب بأن إيران رقم صعب في العراق والمنطقة... ولكن الجانب المصري هو الآخر ناور بزيارة لاريجاني ليبعث برسالة تخويف إلى تركيا والولايات المتحدة ، من أجل تحسين الموقع المصري في المشروع المقبل والذي ستقوده تركيا بدعم واشنطن والناتو في المنطقة!. .
وبالتالي فموقف مصر الآن لا يسر من يراهن على مصر ، فهي حائرة بين طهران وأنقرة من جهة، ونافخة بعضلاتها المسترخية وبالحقن المؤقتة على أنها قوية، وقائد للمنطقة العربية من جهة أخرى، فلقد جربها الرئيس أوباما وعن قرب وعندما دار في مخيلته الاعتماد على مصر فقرر زيارتها فوجدها غير قادرة بأخذ الدور التركي ، فالدولة التي تعيش على المساعدات الأميركية هي عبء أصلا على الولايات المتحدة، وبالتالي غير قادرة على الاستمرار في الحرب الباردة، والتي قد تطول لعقود وليس لسنوات معدودة، والدولة التي لم تفكر بشعبها و بإصلاح مؤسساتها هي غير قادرة بأن تكون داعمة للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط!.!. .
وبالتالي فالبديل هو تركيا فيما لو عدنا لخطة واشنطن وهي ( قلب الأرض القديمة) ومن البوابة الإسلامية ، وها هي أنقرة تتحرك بهذا الاتجاه وعندما انفتحت على الرياض والمنامة وبغداد وبيروت ودمشق والكويت ولبنان ، ولقد نجحت بالتوقيع على الشراكة الاقتصادية والإستراتجية مع بغداد ودمشق والكويت وبيروت وسوف تلتحق بها دول عربية أخرى ، وهذا كله يعني بروز (عثماني جديد) في المنطقة ولكن على السكة الإسلامية الليبرالية!.
أوباما مغرم بالإسلام التركي,,!
المحلل سادات لاتشينر من معهد أوساك للدراسات الإستراتيجية بأنقرة يؤكد ما تقدم عندما قال : أن الرئيس أبوما يرغب فعلاً في ترسيخ تركيا في أوروبا لكي لا تتجه شرقاً ، فتركيا خلال الفترة الأخيرة ، ومنذ حرب غزة ، وهي تتبني إستراتيجية تقارب حثيثة نحو العالم الإسلامي ، بمواقف رئيس وزرائها رجب أردوغان التي كانت قوية ومؤثرة ومشرفة أيضا علي الصعيدين الرسمي والشعبي ، وأعطت زخماً كبيراً ، وشعبية جارفة للدولة التركية ، بحيث عاد الحديث عن ترتيب الدول الإسلامية العظمي ، وقيادة العالم الإسلامي ، وخرج حديث الشارع والإعلام العربي والإسلامي عن أمجاد الخلافة العثمانية وتاريخها ومواقفها العريقة ، بحيث أصبح الأمر هاجساً عند الغرب عموماً وعند أمريكا خصوصاً ، مما استدعي سرعة التدخل الأمريكي لاحتواء الموقف التركي المتوجه شرقاً بقوة ، ومن أجل ذلك صعدت أمريكا من ضغوطها على الاتحاد الأوروبي ولكن ليس بقبول تركيا عضوا فيها ولكن بالتقارب معها على أنها عضوا مهما في الناتو مع تقديم التسهيلات الأوربية لها وفي قرارة أوباما مراهنة على العجلة التركية المتجهة نحو الشرق بحيث تبقى على سكة ( الإسلام الليبرالي) وما يعزز هذا هو الدفء الأوربي معها والوعد الأميركي لها بأنها ستكون عضوا في الاتحاد الأوربي بعد حين ، ولهذا سارعت واشنطن وتبنت وجهة النظر التركية المعارضة لتعيين راسموسن الدانماركي علي رأس الناتو ، وأعطتها الضمانات الكافية من أجل استرضائها بهذا الشأن، أي دعمت تركيا في فرض بعض الشروط .
ولكن مساندة أوباما للمعارضة التركية حول تعيين رئيس الوزراء الدنماركي السابق ( راسموسن ) هي سياسة أميركية أوربية متفق عليها، و في الاتجاه الذي تحدثنا عنه في بداية الدراسة، أي من أجل صنع هالة إسلامية وكاريزما لقائد مسلم رفض الدنماركي ( راسموسن) لأن الأخير ساند ودافع عن الرسام الدنماركي الذي أساء إلى الرسول محمد (ص) ، فالقضية إذن تصب في دعم ( كارزمية ) رجب أردوغان في الشارع التركي و العربي والإسلامي، ومن ثم جعله صلاح الدين الأيوبي الجديد بنظر الشعب التركي، وبهذا نختلف مع السيد لانشنير عندما قال بأن الرئيس أوباما منزعج من التوجه التركي صوب الشرق، فنعم كان أوباما منزعجا بأن تذهب أنقرة نحو الشرق وهي غاضبة من الأوربيين ، لأنه توجس أن تخرج تركيا عن سكة ( الإسلام الليبرالي) نحو السكة الراديكالية فسارع لدعمها ضد الإتحاد الأوربي،ي ومن الجهة الثانية وعدها بامتيازات خاصة وموقع خاص قي منطقة الشرق الأوسط!.!
خامسا:
بلورة حلف ( السنتو) الجديد بزعامة تركيا!.
موقع تركيا الإستراتيجي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 ولحاقها بالمعسكر الرأسمالي بقيادة أمريكا والغرب جعل منها حليفا مدللا بالنسبة للدول الغربية، خاصة بعد اندلاع الحرب الباردة، فعلى شمالها، يقع مباشرة الغريم السوفيتي، وإلى الجنوب والشرق منها تقع إيران والعراق، الدولتان النفطيتان، والمعروفتان بأهميتهما الإستراتيجية، وباعتبارهما محطتين رئيسيتين للعبور إلى الشرق.. إلى أفغانستان والهند، وباكستان والصين... وإلى الغرب يقع الجسر الموصل إلى القارة الأوروبية، عبر مضيق الدردنيل، حيث يشكل هذا المضيق ممرا إستراتيجيا للأساطيل والبوارج العسكرية، والسفن المحملة بالبضائع من وإلى الاتحاد السوفيتي.
فالأهمية الإستراتيجية لتركيا قد وضعتها في القلب من معظم المشاريع التي تبناها الغرب في المنطقة التي عرفت بالشرق الأوسط ، و المقصود بالشّرق الأوسط في الحقيقة هو منطقة العالم الإسلامي أي يعني بإضافة ــ تركيا، باكستان ، إيران ، أفغانستان ـ ومن هنا فالمقصود بالشرق الأوسط هو العالم الإسلامي، ولو مررنا على الدول مثل باكستان، وإيران ،وأفغانستان فجميعها تعيش الأزمات والمستقبل المتقلب، ناهيك عن جلوسها على صفيح ساخن ومتغير باستثناء تركيا التي لا زالت مستقرة ، وبالتالي فهي اللاعب الوحيد الذي لا زال بكامل قوته وكامل قواه الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ولكن علينا كعرب الانتباه لأمر في غاية الأهمية ويتعلق بموضوع ترويج مصطلح الشرق الأوسط فهو يعني( محو الهوية العربية، لأنهم لا يريدون ذكرها باسمها لأن ذلك يعني اعتراف بوجود الجغرافية العربية وبالتالي الاعتراف بوجود العرب ، فإذا اعترفوا بتسمية الوطن العربي فهذا يعني اعترافا بأن هناك شعوب عربية، و لا وجود لليهود أو أية قوى أخرى وهذا مزعج بالنسبة لهم، فلذلك يستعمل مصطلح الشرق الأوسّط لاعتبارات معينة وأولها هي محاولة محو الهوية العربية و الدين الإسلامي ، ومن ثم العمل على تحقيق أهداف ومآرب أخرى لمصلحة اليهود و غيرهم، أي لمصلحة سادة الأحلاف التي ستولد من وراء مشروع الشرق الأوسط الكبير) .
فالحرب التي تُشن على المنطقة العربية، هي حرب سياسية ودينية وثقافية، وأن الغزو التركي للمنطقة العربية ( إعلاميا وثقافيا وفنيا وتجاريا) وخير مثال المسلسلات التركية، هو رأس حربة لمشروع غايته التبشير بولادة حلف جديد يتكون من ( تركيا ، مصر، إسرائيل، السعودية) ليحل محل حلف بغداد،وهذا يعني حلف ( السنتو) وسوف يكون هذا الحلف ملحق بالحلف الأطلسي وراعيته تركيا... خصوصا وأن لمصر اتفاقيات مع الحلف تتيح للحلف استخدام الأراضي المصرية والمطارات العسكرية ودون انتظار الإذن من الحكومة المصرية ، والسعودية هي الأخرى أصبحت حليفا للحلف الأطلسي لأن هناك قواعد مع آلاف الجنود وآلاف القطع العسكرية المختلفة والتي هي تابعة للحلف الأطلسي تتواجد على الأراضي السعودية ، ومن هنا ترى واشنطن أن الولادة الحقيقية لمشروع ( الشرق الأوسط الجديد) هو من رحم حلف السنتو الجديد والذين يضم تركيا والمعتدلون العرب، فحتى الأردن وبعد حادث أفغانستان في يناير 2010 ( ملف البلوي،و مقتل سبعة من ضباط السي أي ايه ، وأستشهاد ضابط مقرب من العائلة المالكة) أصبحت هي جاهزة للدخول في هذا الحلف ،خصوصا عندما أعلنت رسميا بأنها شريك قوي في محاربة الإرهاب، ناهيك عن علاقتها المتطورة والقديمة مع حلف الأطلسي ، أضافه لموقعها هي والكويت بأنهما الدولتان الصديقتان والحليفتان لواشنطن و بدرجة ( سوبر) حسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول!. .
لذا فتركيا هي دوما قريبة وفي ذهن واشنطن ، و كان حضورها جليا في مشروع إيزنهاور لملء الفراغ في منتصف الخمسينيات، وكان واضحا في حلف بغداد، ولاحقا في حلف المعاهدة المركزية، السنتو، وأصبحت عضوا فاعلا في حلف الناتو، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى أثناء الصراع التركي- اليوناني، حول حقوق الأتراك القبارصة، وقفت الإدارة الأمريكية، علنا على الأقل، على الحياد، رغم القيمة الاعتبارية للحضارة اليونانية في الثقافة والمواريث الأوروبية، ورغم كون اليونان الحديثة حليفا استراتيجيا راسخا للغرب.
ــ يتبع ــ
*
باحث وكاتب في الشأن السياسي
بقلم: سمير عبيد
ـ كاتب وباحث في الشأن السياسي
الإسلاميون العراقيون صدموا واشنطن..!
فالتقارب الأميركي نحو أنقرة لهو أسبابه التي حتمت ذلك، فلقد اكتشفت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تجاوز التيارات الإسلامية في الوطن العربي، لأنها مخولة بتسلم زمام الأمور في أي انتخابات نزيهة، ولهذا بدأت تبحث عن مفاوض أو محاور إسلامي معتدل، بمواصفات غربية، متحررا من (موروثه الديني والثقافي)، وأكثر تفهما للمتغيرات السياسية والفكرية ،بمعنى أن لا يربط بين التعامل مع الولايات المتحدة وموقفها من إسرائيل، شبيه بالنموذج الإسلامي التركي.
فلقد صُدمت الولايات المتحدة في العراق، وعندما كانت تراهن على صنع قيادات إسلامية ــ شيعية وسنية ـ في العراق تكون هي النموذج للإسلام الليبرالي والمعتدل ليكون العراق ومن خلال هؤلاء القادة هو النموذج نحو العالم العربي، ولكنها تفاجأت بهيمنة طيف من القادة المتطرفين، والمنغلقين، والذين أحدهم يكره الآخر ويتآمر عليه، ويطبقون شعار (التقيّة) في السياسة والتفاوض والعلاقات العامة، وبالتالي أن أغلبهم يظهرون عكس ما يضمرون ، ولديهم ميول وعلاقة عمل مع التيارات الراديكالية الشيعية، والحركات السلفية والمتطرفة السنية!.
فقررت واشنطن أخيرا بإعطاء ظهرها إلى هؤلاء، والتحرك على الإسلام التركي من جهة، ومحاولة إيجاد وجوه عراقية ـ سنية وشيعية ـ جديدة تؤمن بالوسطية والليبرالية الإسلامية لكي تساندهم بالوصول إلى المواقع المتقدمة في الدولة لكي تباشر تركيا برعايتهم والعناية بهم، وكلما باشرت واشنطن بالفرز السياسي في العراق تفاجأت بأنها على خطأ نتيجة العلاقات السرية التي يشتهر بها القادة العراقيون مع خصوم الولايات المتحدة، ومع الحركات الراديكالية المتطرفة ( الشيعة والسنية) ،!.
بحيث أنه حتى استدارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على ماضيه وحاضره، ومحاولته ركوب الموجة الإسلامية الليبرالية لم تنفعه لأنه جاء متـأخرا، وليس عن قناعة وكانت مجرد مراوغة سياسية، ومن ثم لم يقدم برنامجا سياسيا وحزبيا وعمليا وإداريا يثبت من خلاله بأنه بالفعل غادر خانة التشدد والتطرف والطائفية وقطع علاقته بالإيرانيين، وأصبح مقتنعا بالليبرالية، والأمر ينطبق على جميع التيارات الإسلامية التي سارعت لتبديل جلدها الطائفي نحو الوطني والليبرالي أخيرا ، فواشنطن ليست غبية لكي تصدق بهؤلاء مرة أخرى، ومثلما يقال ـ المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين ـ!!!.
أوباما يدعم الليبرالية الإسلامية بدلا من الديمقراطية!!
فقد أعلنت مجلة (الوطن) الكويتية عن عقد مؤتمر في الكويت في كانون الثاني/ يناير 2004م، حضره ممثلين عن الولايات المتحدة، حول (دور الجماعات الإسلامية في الإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط) وخرجوا بنتيجة بأن هناك تشابكا في طروحات تلك الجماعات، بحيث أنصب عملها وجهدها على التباري السياسي فيما بينها للوصول إلى القيادة، ودون الاهتمام الكافي بالرؤية المستقبلية والإستراتجية التي تخص الإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط، والذي يهم الغرب والولايات المتحدة لأن هناك تلازم بين السياسة والاقتصاد ولا يمكن فصلهما، فالسياسة والمجتمع والدين هي ملازمات الجماعات الإسلامية وهي مهمة ولكنها فاقدة لركن أساسي ومهم وهو الاقتصاد ،وكيفية رسم الخطط الإستراتيجية الخاصة بالإصلاح الاقتصادي....!.
فالولايات المتحدة لا تريد أن تترك المنطقة للظروف ولهذا التشابك السياسي، ولا تستطيع أن تتحمل مفاجآت من العيار الثقيل ـ مثل تلك التي حدثت في العراق ـ حين اكتشفت مؤخرا أن الإسلاميين الشيعة لهم شعبية كبيرة، ولهم تنظيمات، ولهم وجهات نظر (دينية) في شكل النظام الذي يجب أن يحكم في العراق بعد زوال الاحتلال، أي أصبحت الصورة واضحة لواشنطن بأن العراق وفي حالة بقاء القيادات السياسية الحالية فهو ذاهب ليكون عراق مناهض للولايات المتحدة ومتشدد مع شعبه!
. وإذا أضفنا إلى مفاجأة العراق نتائج استطلاعات الرأي الكثيرة التي أجريت في العالم العربي ــ حول مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، وحول نواياها في تحقيق ديمقراطية في المنطقة إذا ما اصطدمت نتائج هذه الديمقراطية (المفترضة) بالمصالح الأمريكية في المنطقةــ فسنجد أن هناك بالفعل هاجسا لدى الأمريكيين، يدفعهم للتحرك خطوة في اتجاه الجماعات الإسلامية في المنطقة.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الرئيس باراك اوباما ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض لم نسمع بدعم إدارته للديمقراطية في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية والرجعية المتسلطة في معظم الدول العربية والإسلامية، وهذا قد يؤشر على استلهام اوباما لتقرير منظمة أو مؤسسة ( راند)، الذي اعتبر صراحة أن هناك مشكلة أمريكية في الضغط على حكومات وأنظمة الدول العربية والإسلامية المتسلطة للحصول على الديمقراطية، ما يعني ضمنا، التوقف عن دعم برامج الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، والكف عن الضغط للمجيء بالديمقراطية.
ومن ثم، فإن الترويج لشعار التحول الديمقراطي بضاعة كاسدة ومطاطة، وسرعان ما يلبسها المتطرف والطائفي ويدعي الديمقراطية، ومثلما حصل في العراق، وبالتالي فالبديل الجاهز هو أن تشرع الولايات المتحدة في بناء شبكات من الإسلاميين المعتدلين، أو ما أصبح يعرف إعلاميا بـ(الإسلام لايت) على غرار الحجاب لايت ... !!.
ثانيا:
توجه تركي نحو الشرق برغبة ( غير معلنة) من واشنطن!
ترتبط الولايات المتحدة مع تركيا بحلف استراتيجي كبير ومهم وهو حلف (الناتو)، وبالتالي ليست هناك ضجة أو نظرية مؤامرة عندما تتعاون واشنطن مع أنقرة وبمختلف الملفات الجيوسياسية ، و من هناك تتمتع تركيا بعلاقات طيبة مع بقية الدول الإسلامية، وهي العضو المسلم الوحيد في حلف (الناتو)؛ ما يجعلها جسرا بين الغرب والعالم الإسلامي وهو مايراه أغلب المحللين ، لكن الحقيقة أن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من الغرب، وأن موالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها، وبالتالي فهي تعد جزءاً من العائلة الغربية، وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية وهذا مايدور داخل المكاتب السياسية والإستراتجية والعسكرية في تركيا....
ولكن عندما تصرف الإتحاد الأوربي بجفاء مع أنقرة ــ وعلى مراحل ــ ولد عند القيادة التركية النزعة الشرقية والتفكير الجدي بالعودة إلى الدولة العثمانية ، وهذا ما قاله أخيرا وزير الخارجية التركي أوغلو... (أنهم يقولون عنا أننا العثمانيون الجُدد، نعم نحن العثمانيون الجدد) وقال ذلك خلال لقائه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في معسكر ـ قيزلجه حمام ـ بالعاصمة أنقرة ، وبعد أيام من هذا التصريح فسّر الوزير أوغلو كلامه قائلا ( إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية.. إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا، نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال إفريقيا) ولقد بعث برسالة مبطنة إلى الولايات المتحدة التي لها الفضل بعقلنة الجيش التركي تجاه حزب العدالة والتنمية،وبنفس الوقت بعث برسالة عدم أكتراث إلى الاتحاد الأوربي، فقال (لقد أعطيت أوامري إلى الخارجية التركية بأن يجد ساركوزي (الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) كلما رفع رأسه في إفريقيا سفارة تركية عليها العلم التركي، وأكدت أن تكون سفاراتنا في أحسن المواقع داخل الدول الإفريقية)
ولكن وعلى مايبدو كانت هناك خطة إستراتيجية ( سرية) بين واشنطن والاتحاد الأوربي أو مع بعض دول الاتحاد الأوربي بعدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي في الوقت الحاضر، لكي تُدفع دفعا بالتفكير نحو الشرق، ونحو العثمانية الجديدة، وبالتالي فمادامت هي عضو في حلف (الناتو) فهذا يعني وكتحصيل حاصل أنها عضو في الجبهة الأميركية الأوربية، ومهما نسجت من علاقات مع دول الشرق، أي عندما تتحرك تركيا شرقا وحتى نحو شمال إفريقيا فهناك في جيب معطفها واشنطن والإتحاد الأوربي وإسرائيل!.
فتركيا وعندما تلقفت بتلهف ملف ( غزة) والذي مثل من خلاله أردوغان دور البطل المسلم ، وصلاح الدين الإيوبي الجديد ، وماما تيريزا على أطفال وسكان غزة، كان كله بموافقة إسرائيلية وأميركية وغربية، وحتى عندما ترك أردوغان منصة ( دافوس) غاضبا من الرئيس الإسرائيلي بيريز وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة كان مشهدا من فيلم تعلم به إسرائيل، ولأنه كان يراهن على نقطة ضعف العالم العربي والإسلامي وهي ( العاطفة) فعزف عليها فأصبح بطلا قوميا وإسلاميا في الشارع العربي والإسلامي، بحيث حل محل السيد حسن نصر الله الذي أصبح بطلا قوميا وإسلاميا بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل ، وهذا ما أثلج صدر واشنطن وإسرائيل والإتحاد الأوربي عندما أصبح أردوغان زعيما عربيا مسلما قبل أن يكون زعيما تركيا... وللأسباب التالية:
هذه أهم أسباب دعم واشنطن والغرب لسياسات أردوغان!.
1. لأن واشنطن والقاهرة والرياض وتل أبيب وبروكسل عواصم تعمل جاهدة لجر ( حركة حماس) من مرجعية طهران نحو مرجعية أنقرة ، وهذا ما عملت عليه الحكومة التركية و وأردوغان وسجلا نجاحات كبيرة في هذا الاتجاه، وبدعم من واشنطن والغرب، بحيث أصبح رئيس الوزراء التركي فلسطينيا أكثر من المرحوم ياسر عرفات، وغزاويا أكثر من السيد إسماعيل هنية، وأصبح يصنع الخلافات ( المصطنعة) الواحدة تلو الأخرى مع إسرائيل ،ويعلقها على شماعة غزة لكي يزيد من نسبة الإعجاب والتعاطف العربي والإسلامي، ومن ثم يشق صف المشككين بسياساته ليقنعهم بأنه الأب الجديد للقضية الفلسطينية ، والجراح المختص في علاج الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بشكل خاص، والإسرائيلي ـ العربي بشكل عام ، وهذا يصب في إستراتيجية سحب بساط ـ القضية الفلسطينية ـ من تحت أقدام إيران التي تحاول الاستحواذ على القضية الفلسطينية، وفي طريقها لخطف المبادرة العربية للسلام ، ليكون كل شيء بيد القيادة التركية وبموافقة من العواصم السنية!..
2. رسم الخط البياني لتقسيم المنطقة ــ إسلاميا ــ بين :
ـــــ الإسلام المعتدل ( الإسلام الليبرالي ـ أو إسلام لايت) والمرغوب به من قبل الولايات المتحدة والغرب ويكون بزعامة تركيا، ويضم بعض الدول العربية ،وبمقدمتها المملكة العربية السعودية، وهذا ما أيده وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عندما قال ( هناك أهمية للدور التركي في حل مشاكل منطقة الشرق الأوسط نظرا إلى الثقل الذي تتمتع بع أنقرة سياسيا واقتصاديا والتزامها بالقوانين الدولية في معالجة القضايا وبخاصة القضية الفلسطينية والإرهاب الذي يعصف بالمنطقة) ... وأيده في هذا وزير الخارجية التركي داود أوغلوا عندما قال: ( أن السياسة الخارجية ليست فقط نشاطا دبلوماسيا بل أيضا طاقة وتجارة وثقافة ومواصلات وصحة ، ولكنه أكدد على السياسة الإستراتيجية الثابتة وهي التي ترتبط مع أوربا عندما قال: يبقى الهدف الإستراتيجي لتركيا هو بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي ، ولمح للمرونة التركية حول شروط الاتحاد الأوربي عندما قال: نشدد على أهمية الحل للأزمة القبرصية وإنهاء عزلة الشطر الشمالي وأن الحل ضروري للجزيرة ولشرق المتوسط وللعلاقة التركية مع الاتحاد الأوربي) .... وهو بمثابة تأكيد تركي بأن الذهاب نحو الشرق لا يعني الفراق أو الطلاق مع الاتحاد الأوربي بل هو يعزز علاقة الشرق الأوسط مع الاتحاد الأوربي والناتو عبر تركيا!.!.
ــ الإسلام المتشدد ( الراديكالي) وغير المرغوب به من قبل واشنطن والغرب وهو بزعامة إيران ، وأن هذا التقسيم يخدم مشروع (الشرق الأوسط الكبير) من جهة ، وبنفس الوقت هو يعزز ويدعم مشروع ـ الحرب الباردة ـ الجديد ، والذي يقسّم الدول الكبرى إلى قسمين، فتركيا الإسلامية ورائها واشنطن والإتحاد الأوربي وكندا وإسرائيل والدول العربية المعتدلة، والأهم ورائها ( الناتو) ، وإيران التي ورائها الصين وروسيا وفنزويلا وكوريا الشمالية، والأنظمة المغضوب عليها من واشنطن والغرب، والحركات الإسلامية الراديكالية والمتشددة ( سنية وشيعية) والأهم هنا أيضا ورائها ( منظمة شنغهاي) والتي تشكل حلف عسكري مناهض لواشنطن، خصوصا عندما أصبحت روسيا عضوا ناشطا فيه إضافة لإيران.
ثالثا:
اهتمام أميركي مبكر بتركيا..!
انطلقت الولايات المتحدة في علاقاتها مع تركيا من تصور استراتيجي قائم علي نظرية قلب الأرض القديمة ، والاستفادة من الدور الجيوستراتيجي لتركيا، التي كانت تمثل نقطة التقاء القارتين الأسيوية والأوروبية ، والحضارتين الإسلامية والغربية ، وتقع في قبالة الاتحاد السوفيتي ، الخصم الرئيسي للولايات المتحدة ، ومن أجل ذلك راحت واشنطن تثبت من وضعها داخل تركيا ببناء القواعد العسكرية و الاستخباراتية والتكنولوجية المتقدمة ، وتدفقت المساعدات الاقتصادية والعسكرية الضخمة على تركيا ، وأخذت تركيا وضع الدولة الأولي بالرعاية وهي المكانة التي لا تحظي بها في ذلك الوقت سوى إسرائيل .
وهذا لا ينفي مرور العلاقات التركية الأمريكية بفتور خلال بعض الفترات ، مثلما حدث أيام مشكلة قبرص سنة 1974م ، لكن سرعان ما كانت العلاقات المتينة تعود لسالف عهدها ، وبلغ التعاون الأمريكي التركي أوجه سنة 1980 م عندما وقعت الولايات المتحدة مع تركيا اتفاقية التعاون الدفاعي الاقتصادي المشترك ، والتي أعطت تركيا وضعاً اقتصادياً وعسكرياً شديد التميز في المنطقة ، وذلك في أعقاب الاجتياح الروسي لأفغانستان ، وسقوط حكم الشاه في إيران علي يد الثورة الخمينية ، وبهذه الاتفاقية حصلت تركيا علي مساعدات عسكرية ضخمة أهلتها للعب دور هام ومحوري في المنطقة إذ غدت حائط الصد المتقدم أمام الطموحات السوفيتية التقليدية ، والإيرانية الحديثة ، وأصبحت تركيا أحد اللاعبين الأساسيين في منطقة آسيا الوسطي والقوقاز والبلقان ، في مواجهة خصوم واشنطن.
فالولايات المتحدة وعندما تُنمي نظاما و دولة ما، وخصوصا عندما تجعلها ضمن أمنها القومي والجيوسياسي لا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة، وأن خسرتها لجهة داخلية مثلما حصل في إيران بعد نجاح الثورة الخمينية عام 1979م، أو خسرتها لصالح جهة خارجية منافسة ومثلما حصل في لبنان أثناء الحرب الأهلية، تبقى تعمل علنا وسرا من أجل عودتها إلى الحضن الأميركي أو إلى المدار الأميركي ، وهاهو لبنان قد عاد لحضن واشنطن، وسوف يكون قاعدة أميركية متقدمة في المنطقة بعد حين ، والحال ينطبق على إيران فها هي واشنطن تعمل علنا وسرا لعودة طهران التي كانت تشكل معقلا رئيسيا للأمن القومي الأميركي ولشبكة المصالح الأميركية ، واليوم هي تركيا التي تمثل الشاه الإيراني القديم في المنطقة، فلقد جعلتها الولايات المتحدة في ـ خيال وقلب واشنطن ـ وهذا لا يعني أن الدور التركي مرحلي، بل هو دور إستراتيجي يتماشى ويتصاعد مع طموحات ومخططات الولايات المتحدة، وحتى عندما نأت أنقرة بنفسها عن التحالف الدولي ضد العراق عام 2002 ـ 2003 لم تغضب واشنطن إلا لبعض الوقت لأنها كانت تراهن أي واشنطن على دور تركيا في المراحل القادمة ،وها هي تعود لاعبا دوليا وبدعم من واشنطن وإدارة الرئيس أوباما، وسوف نرى قريبا دورا تركيا متصاعدا في العراق والشرق الأوسط والمنطقة أجمع!.
رابعا:
تقهقر القاهرة لصالح أنقرة..!
لم يجرؤ أحد من زعماء الولايات المتحدة و منذ عهد الرئيس الأميركي الراحل ترومان إلى بوش الصغير على إثارة المشاكل التركية الداخلية ، منها القضية الكردية ، ومذابح الأرمن ، وملف الحريات الدينية ، مما جعل العلاقات التركية الأمريكية تدخل طور الشراكة المتبادلة ، وتعالت أصوات المحللين والمراقبين داخل أمريكا بضرورة التركيز علي الدور التركي لإحياء نظرية (قلب الأرض القديمة) ، ومفادها أن من يحكم قبضته على هذه المنطقة قد أحكم قبضته على العالم بأسره لما تتمتع به من موقع إستراتيجي وثروات لها أول وليس لها آخر وبمقدمتها النفط والغاز ، ووضع روسيا في خانة المدافع القانع من أعدائه بالسلامة ، ومع فقدان الدول العربية وخاصة مصر للقدرة على لعب دور فعال و مؤثر في مواجهة الأخطار المتزايدة التي تهدد أمن الولايات المتحدة ، خصوصا وأن مصر الآن تقف على كف عفريت، ومهددة بالتقسيم والحرب الطائفية، والدخول في الفوضى الخلاقة، ناهيك أن هناك انكفاء مصري ـ سياسي واجتماعي وثقافي ـ نحو الداخل ومهما فعل النظام المصري ليوحي بأن مصر لا زالت في الصدارة، ولا زالت تقود المنطقة العربية ، والحقيقة هي رفسات الجمل الذي يحتضر، فمصر اليوم تتآكل من الداخل ، و تذكرنا بالدولة العثمانية وتحديد في السنوات التي سبقت انهيارها، وعندما أطلقوا عليها تسمية ( الرجل المريض).
فمصر اليوم بموقع الرجل المريض، ولن تشفع لمصر التحركات الأخيرة والمتسرعة على أنها تمثل قرص الشمس الليبرالي والوسطي ، وعندما كثفت من اشتراكها بمؤتمرات حوار الأديان، وهندست المصافحة الرسمية الدينية بأمر القصر بين الشيخ طنطاوي والرئيس الإسرائيلي، والحملة المفاجأة على النقاب والحجاب بصورة عامة، واتخاذ إجراءات متعجلة من قبل الأزهر والمؤسسات الحكومية ضد الحجاب والنقاب ، والحصار السياسي ضد المنظمات الإسلامية وبمقدمتها الإخوان المسلمين.
وعندما لم ينتبه لها أحد،أي لم تتفاعل معها واشنطن، ذهبت لتطرق باب العاصمة بغداد فعادت سفيرها إلى هناك لترسل رسالة إلى الولايات المتحدة وطهران وأنقرة بأن مصر موجودة وقوية ، وبالمقابل هناك طهران المتخوفة من الصعود التركي إقليميا ودوليا، ومن الزحف التركي نحو العراق والمنطقة العربية فسارعت لترطيب الأجواء مع القاهرة في محاولة لسحب مصر بعيدا عن السعودية ، وعندما زارها رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني عارضا عليها تعليق الملفات الساخنة وفتح السفارة المصرية في طهران ، مقابل وعد إيراني بدعم مصر في العراق سياسيا واقتصاديا وتجاريا مع التبرع بحماية السفارة والمؤسسات المصرية في العراق، ولقد تزامنت زيارة لاريجاني مع زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى القاهرة ليبرهن لاريجاني بأن الخطوات العراقية نحو القاهرة بهندسة إيرانية، وبهذا أراد لاريجاني إرسال رسالة لأنقرة وواشنطن والغرب بأن إيران رقم صعب في العراق والمنطقة... ولكن الجانب المصري هو الآخر ناور بزيارة لاريجاني ليبعث برسالة تخويف إلى تركيا والولايات المتحدة ، من أجل تحسين الموقع المصري في المشروع المقبل والذي ستقوده تركيا بدعم واشنطن والناتو في المنطقة!. .
وبالتالي فموقف مصر الآن لا يسر من يراهن على مصر ، فهي حائرة بين طهران وأنقرة من جهة، ونافخة بعضلاتها المسترخية وبالحقن المؤقتة على أنها قوية، وقائد للمنطقة العربية من جهة أخرى، فلقد جربها الرئيس أوباما وعن قرب وعندما دار في مخيلته الاعتماد على مصر فقرر زيارتها فوجدها غير قادرة بأخذ الدور التركي ، فالدولة التي تعيش على المساعدات الأميركية هي عبء أصلا على الولايات المتحدة، وبالتالي غير قادرة على الاستمرار في الحرب الباردة، والتي قد تطول لعقود وليس لسنوات معدودة، والدولة التي لم تفكر بشعبها و بإصلاح مؤسساتها هي غير قادرة بأن تكون داعمة للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط!.!. .
وبالتالي فالبديل هو تركيا فيما لو عدنا لخطة واشنطن وهي ( قلب الأرض القديمة) ومن البوابة الإسلامية ، وها هي أنقرة تتحرك بهذا الاتجاه وعندما انفتحت على الرياض والمنامة وبغداد وبيروت ودمشق والكويت ولبنان ، ولقد نجحت بالتوقيع على الشراكة الاقتصادية والإستراتجية مع بغداد ودمشق والكويت وبيروت وسوف تلتحق بها دول عربية أخرى ، وهذا كله يعني بروز (عثماني جديد) في المنطقة ولكن على السكة الإسلامية الليبرالية!.
أوباما مغرم بالإسلام التركي,,!
المحلل سادات لاتشينر من معهد أوساك للدراسات الإستراتيجية بأنقرة يؤكد ما تقدم عندما قال : أن الرئيس أبوما يرغب فعلاً في ترسيخ تركيا في أوروبا لكي لا تتجه شرقاً ، فتركيا خلال الفترة الأخيرة ، ومنذ حرب غزة ، وهي تتبني إستراتيجية تقارب حثيثة نحو العالم الإسلامي ، بمواقف رئيس وزرائها رجب أردوغان التي كانت قوية ومؤثرة ومشرفة أيضا علي الصعيدين الرسمي والشعبي ، وأعطت زخماً كبيراً ، وشعبية جارفة للدولة التركية ، بحيث عاد الحديث عن ترتيب الدول الإسلامية العظمي ، وقيادة العالم الإسلامي ، وخرج حديث الشارع والإعلام العربي والإسلامي عن أمجاد الخلافة العثمانية وتاريخها ومواقفها العريقة ، بحيث أصبح الأمر هاجساً عند الغرب عموماً وعند أمريكا خصوصاً ، مما استدعي سرعة التدخل الأمريكي لاحتواء الموقف التركي المتوجه شرقاً بقوة ، ومن أجل ذلك صعدت أمريكا من ضغوطها على الاتحاد الأوروبي ولكن ليس بقبول تركيا عضوا فيها ولكن بالتقارب معها على أنها عضوا مهما في الناتو مع تقديم التسهيلات الأوربية لها وفي قرارة أوباما مراهنة على العجلة التركية المتجهة نحو الشرق بحيث تبقى على سكة ( الإسلام الليبرالي) وما يعزز هذا هو الدفء الأوربي معها والوعد الأميركي لها بأنها ستكون عضوا في الاتحاد الأوربي بعد حين ، ولهذا سارعت واشنطن وتبنت وجهة النظر التركية المعارضة لتعيين راسموسن الدانماركي علي رأس الناتو ، وأعطتها الضمانات الكافية من أجل استرضائها بهذا الشأن، أي دعمت تركيا في فرض بعض الشروط .
ولكن مساندة أوباما للمعارضة التركية حول تعيين رئيس الوزراء الدنماركي السابق ( راسموسن ) هي سياسة أميركية أوربية متفق عليها، و في الاتجاه الذي تحدثنا عنه في بداية الدراسة، أي من أجل صنع هالة إسلامية وكاريزما لقائد مسلم رفض الدنماركي ( راسموسن) لأن الأخير ساند ودافع عن الرسام الدنماركي الذي أساء إلى الرسول محمد (ص) ، فالقضية إذن تصب في دعم ( كارزمية ) رجب أردوغان في الشارع التركي و العربي والإسلامي، ومن ثم جعله صلاح الدين الأيوبي الجديد بنظر الشعب التركي، وبهذا نختلف مع السيد لانشنير عندما قال بأن الرئيس أوباما منزعج من التوجه التركي صوب الشرق، فنعم كان أوباما منزعجا بأن تذهب أنقرة نحو الشرق وهي غاضبة من الأوربيين ، لأنه توجس أن تخرج تركيا عن سكة ( الإسلام الليبرالي) نحو السكة الراديكالية فسارع لدعمها ضد الإتحاد الأوربي،ي ومن الجهة الثانية وعدها بامتيازات خاصة وموقع خاص قي منطقة الشرق الأوسط!.!
خامسا:
بلورة حلف ( السنتو) الجديد بزعامة تركيا!.
موقع تركيا الإستراتيجي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 ولحاقها بالمعسكر الرأسمالي بقيادة أمريكا والغرب جعل منها حليفا مدللا بالنسبة للدول الغربية، خاصة بعد اندلاع الحرب الباردة، فعلى شمالها، يقع مباشرة الغريم السوفيتي، وإلى الجنوب والشرق منها تقع إيران والعراق، الدولتان النفطيتان، والمعروفتان بأهميتهما الإستراتيجية، وباعتبارهما محطتين رئيسيتين للعبور إلى الشرق.. إلى أفغانستان والهند، وباكستان والصين... وإلى الغرب يقع الجسر الموصل إلى القارة الأوروبية، عبر مضيق الدردنيل، حيث يشكل هذا المضيق ممرا إستراتيجيا للأساطيل والبوارج العسكرية، والسفن المحملة بالبضائع من وإلى الاتحاد السوفيتي.
فالأهمية الإستراتيجية لتركيا قد وضعتها في القلب من معظم المشاريع التي تبناها الغرب في المنطقة التي عرفت بالشرق الأوسط ، و المقصود بالشّرق الأوسط في الحقيقة هو منطقة العالم الإسلامي أي يعني بإضافة ــ تركيا، باكستان ، إيران ، أفغانستان ـ ومن هنا فالمقصود بالشرق الأوسط هو العالم الإسلامي، ولو مررنا على الدول مثل باكستان، وإيران ،وأفغانستان فجميعها تعيش الأزمات والمستقبل المتقلب، ناهيك عن جلوسها على صفيح ساخن ومتغير باستثناء تركيا التي لا زالت مستقرة ، وبالتالي فهي اللاعب الوحيد الذي لا زال بكامل قوته وكامل قواه الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ولكن علينا كعرب الانتباه لأمر في غاية الأهمية ويتعلق بموضوع ترويج مصطلح الشرق الأوسط فهو يعني( محو الهوية العربية، لأنهم لا يريدون ذكرها باسمها لأن ذلك يعني اعتراف بوجود الجغرافية العربية وبالتالي الاعتراف بوجود العرب ، فإذا اعترفوا بتسمية الوطن العربي فهذا يعني اعترافا بأن هناك شعوب عربية، و لا وجود لليهود أو أية قوى أخرى وهذا مزعج بالنسبة لهم، فلذلك يستعمل مصطلح الشرق الأوسّط لاعتبارات معينة وأولها هي محاولة محو الهوية العربية و الدين الإسلامي ، ومن ثم العمل على تحقيق أهداف ومآرب أخرى لمصلحة اليهود و غيرهم، أي لمصلحة سادة الأحلاف التي ستولد من وراء مشروع الشرق الأوسط الكبير) .
فالحرب التي تُشن على المنطقة العربية، هي حرب سياسية ودينية وثقافية، وأن الغزو التركي للمنطقة العربية ( إعلاميا وثقافيا وفنيا وتجاريا) وخير مثال المسلسلات التركية، هو رأس حربة لمشروع غايته التبشير بولادة حلف جديد يتكون من ( تركيا ، مصر، إسرائيل، السعودية) ليحل محل حلف بغداد،وهذا يعني حلف ( السنتو) وسوف يكون هذا الحلف ملحق بالحلف الأطلسي وراعيته تركيا... خصوصا وأن لمصر اتفاقيات مع الحلف تتيح للحلف استخدام الأراضي المصرية والمطارات العسكرية ودون انتظار الإذن من الحكومة المصرية ، والسعودية هي الأخرى أصبحت حليفا للحلف الأطلسي لأن هناك قواعد مع آلاف الجنود وآلاف القطع العسكرية المختلفة والتي هي تابعة للحلف الأطلسي تتواجد على الأراضي السعودية ، ومن هنا ترى واشنطن أن الولادة الحقيقية لمشروع ( الشرق الأوسط الجديد) هو من رحم حلف السنتو الجديد والذين يضم تركيا والمعتدلون العرب، فحتى الأردن وبعد حادث أفغانستان في يناير 2010 ( ملف البلوي،و مقتل سبعة من ضباط السي أي ايه ، وأستشهاد ضابط مقرب من العائلة المالكة) أصبحت هي جاهزة للدخول في هذا الحلف ،خصوصا عندما أعلنت رسميا بأنها شريك قوي في محاربة الإرهاب، ناهيك عن علاقتها المتطورة والقديمة مع حلف الأطلسي ، أضافه لموقعها هي والكويت بأنهما الدولتان الصديقتان والحليفتان لواشنطن و بدرجة ( سوبر) حسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول!. .
لذا فتركيا هي دوما قريبة وفي ذهن واشنطن ، و كان حضورها جليا في مشروع إيزنهاور لملء الفراغ في منتصف الخمسينيات، وكان واضحا في حلف بغداد، ولاحقا في حلف المعاهدة المركزية، السنتو، وأصبحت عضوا فاعلا في حلف الناتو، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى أثناء الصراع التركي- اليوناني، حول حقوق الأتراك القبارصة، وقفت الإدارة الأمريكية، علنا على الأقل، على الحياد، رغم القيمة الاعتبارية للحضارة اليونانية في الثقافة والمواريث الأوروبية، ورغم كون اليونان الحديثة حليفا استراتيجيا راسخا للغرب.
ــ يتبع ــ
*
باحث وكاتب في الشأن السياسي

التعليقات