أسباب وأدوات الصعود الحيوي لـ ( تركيا / الإسلام الليبرالي) في المنطقة
دراسة سياسية : أسباب وأدوات الصعود الحيوي لـ ( تركيا / الإسلام الليبرالي) في المنطقة ــ ح1
بقلم: سمير عبيد ـ كاتب وباحث في الشأن السياسي
الحلقة الأولى:
التقارب الإستباقي بين واشنطن وأنقرة
بعد حرب الخليج الثانية ، ارتبطت الولايات المتحدة مرة أخرى وبفعل كارثة 11/9/2001 مع العالم الإسلامي، بما فيه العالم العربي، و(الشرق الأوسط )خاصة ، ارتباطا تاريخياً وثيقا، وصدرت مئات الكتب وآلاف الأبحاث السياسية و الأكاديمية التي تناقش العلاقة مع العالم الإسلامي ،وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يشير ويركز وتحديدا أثناء الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية على ضرورة فتح صفحة جديدة في تعاطي السياسة الأمريكية مع شعوب المنطقة ، وجعل الشراكة من أولوياتها المهمة ، حيث أعرب عن رفض واشنطن خلط البعض بين علاقتها مع العالم الإسلامي والتصدي لتنظيم القاعدة، التي تشن الولايات المتحدة حربا ضده، على خلفية تبني التنظيم هجمات 11 سبتمبر 2001.
وقد اختار الديمقراطيون (تركيا) لتكون المنبر الذي يبلغ ملامح السياسة الأمريكية المستقبلية في المنطقة والعالم الإسلامي، ولقد تم اختيارها قبل عهد الرئيس باراك أوباما بسنوات، وعندما حذرت الولايات المتحدة المؤسسة العسكرية التركية من مضايقة حزب العدالة والتنمية أي (التحذير الذي وجهته إلى المؤسسة العسكرية التركية من مغبة استصدار قرار بمنع حزب ـ العدالة والتنمية ــ من المشاركة في الانتخابات لعام 2002، أظهر للأتراك أنها لا تمانع، وربما ترغب لأسباب تتعلق بالأجندة الأمريكية الخاصة بالمنطقة وبقضية الحرب على الإرهاب، في وصول الإسلاميين المعتدلين إلى السلطة في تركيا ، فمن المؤكد أنّ تركيا، ذات الطابع الإسلامي، ستشكل قوة جذب لجمهوريات آسيا الوسطى، وتساعد على تنفيذ المخطط الاستراتيجي الأمريكي بعيدا عن الأطماع الروسية التي ما زالت تحاول ممارسة التأثير على هذه الجمهوريات ، كما قد يشكل بداية حل لتهديدات الإسلام الأصولي في العالم العربي، فهذا الإسلام السياسي المعتدل من الممكن أن يكون نموذجا للتطبيق في الكثير من الدول الإسلامية، وبصفة خاصة الواقعة في ما يسمى بـ ـ الشرق الأوسط الكبير ــ ) .
ومن هذا المنطلق أصبح الرئيس أبوما معنيا بتطبيق هذه التوجهات خصوصا وهو القادم من مكاتب الحزب الديمقراطي، لهذا فاختياره لتركيا ليس وليد الصدفة، بل هو شارك في اختيارها، وعندما كان نائبا في مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي.
هل الإسلام المتشدد صناعة أميركية؟
ولهذا قرر الرئيس ـ أوباما ـ توجيه رسالته الناعمة من تركيا إلى العالم الإسلامي، حيث قال أثناء زيارته لها و أمام البرلمان التركي : (إن شراكاتنا مع العالم الإسلامي حاسمة، في وضع حد لأيديولوجية العنف التي يرفضها أتباع جميع الديانات . . المستقبل يعود لمن يبتكر وليس لمن يُدمِّر، وهذا هو المستقبل الذي يتعين علينا العمل من أجل تحقيقه، وعلينا القيام بذلك معاً) وهنا أكد أن علاقة واشنطن مع العالم الإسلامي، ستقوم على البراغماتية، أكثر مما تقوم على الأيديولوجيات المتصارعة.
يعتبر أوباما أن إحدى نقاط القوة لدى الولايات المتحدة هي أنها لا تعتبر نفسها دولة مسيحية أو يهودية أو إسلامية، فهي دولة تجمع مواطنين مرتبطين بمجموعة قيم وأفكار، ملمحا إلى أن تركيا قامت على مبادئ مماثلة،ومن هنا يعتقد أوباما بأن هناك طريقا واضحا بين واشنطن وأنقرة ولكنه يحتاج إلى حملة تنظيف وتعبيد،وهذا وعلى ما يبدو قد تقرر في واشنطن وهو قبول التعامل مع النموذج الإسلامي التركي!
ولكن هذا الطرح لا يؤيده زعيم القاعدة ـ أسامة بن لادن ـ والذي يعتبر رمزا للتشدد ضد الولايات المتحدة ، فهو حدد (الهوية المسيحية للولايات المتحدة ، وبالتالي هو ملأ الفراغ الذي أحدثه الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف) حسب رأي الكاتب الأميركي الشهير ـ صموئيل هنتنجتون ـ ولقد قال في كتابه الأخير ( من نحن؟) أيضا ( إن أميركا في نظر المتشددين الإسلاميين عدو للإسلام ، ولا يمكن للأميركيين إلا أن يروا في المتشددين الإسلاميين عدوا لبلادهم ... وهي حرب ذات سمات الحرب الباردة وأكثر!).
ولكن عندما نذهب إلى صفحات أخرى في كتاب (صموئيل هنتنجتون) سوف نجد بأن الولايات المتحدة هي الأخرى تبحث عن عدو خارجي وبدونه يكون هناك خطرا على الداخل الأميركي، وعندما قال ( أن النظرية الاجتماعية والشواهد التاريخية تدل على أن عدم وجود عدو خارجي أو ( آخر) يشجع على عدم الوحدة الداخلية يقلل من الاحتياج لحكومة قوية وأمة متماسكة) وهنا يشير الكاتب بأن العدو الخارجي يعطي للولايات المتحدة قوة التماسك وعدم التفكك ( وهكذا الأمر لإيران أيضا ومنذ تأسيسها حتى يومنا هذاّّ) ومن ثم يعطي مبرر لحكومة قوية بحجة وجود هذا العدو ( وهكذا أصبح الأمر عند الشيعة العراقيين، وتحديدا بعد سقوط النظام في بغداد.. أي عدم وجود عدو داخلي مفترض وخارجي مصطنع يعني انفراط المسبحة السياسية والدينية التي تكونت بدعم الولايات المتحدة!!),
فالولايات المتحدة هي الأخرى ليست بريئة أو وديعة ، بل هي أيضا تفتش عن الأعداء الخارجيين ، بل هي من يقوم بصنعهم ـ في أغلب الأحيان ـ فيما لو تطرقنا إلى الإستراتجية الأميركية التي دعمت التنظيمات والخلايا الإسلامية وبمقدمتها تنظيم القاعدة وشخص أسامة بن لادن، ونقلتها بدعم خليجي وسعودي وغربي وعربي نحو أفغانستان وبعد أن وفرت لها جوازات السفر وساحات التدريب والأسلحة والمعاونة الإستخبارية والإعلامية من أجل محاربة الجيش الأحمر السوفيتي ( الروسي) وتحديدا عندما أحتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان ، ولكن عندما أندحر الجيش السوفيتي بفعل ضربات هذه التنظيمات، إضافة للتنظيمات الأفغانية الإسلامية والوطنية والقومية والقبلية، أعطت الولايات المتحدة ظهرها هي والعواصم الخليجية والعربية والغربية والإسلامية لهذه التنظيمات وتركتها في صحراء ووديان وجبال أفغانستان ودون تمويل ولا إمداد ولا حتى غذاء بل حتى لم توفر للقادمين جوازات سفر لغرض العودة إلى بلدانهم ، فاضطروا للتكيف والتنظيم ضد الولايات المتحدة والعواصم التي ساعدتها في عملية نقلهم والنصب عليهم، ومن هنا ورطت واشنطن أصدقائها العرب والمسلمين والغربيين ،وهذه هي بداية العداء بين الولايات المتحدة والغرب وبعض العواصم العربية والخليجية من جهة وتنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية والجهادية من جهة أخرى!.
ومن هنا بدأت الإستراتجية الأميركية التي من خلالها تم صنع العدو الجديد والبديل للاتحاد السوفيتي وهو ( الإسلام) ومن خلال تلك التنظيمات الإسلامية التي دفعت للتشدد والإرهاب دفعا ،والتحق بها الشباب العاطل عن العمل، والشباب الذي حاصرته الأنظمة الحاكمة ، ومن هناك سارعت الاستخبارات الأميركية والغربية و( بعض) العربية إلى صنع تنظيمات تحمل لواء الإسلام وتنادي بمحاربة أميركا والغرب ومصالحهما في المنطقة والعالم، فأختلط الحابل بالنابل، وأصبح الأمر ينطبق عليه المثل الشعبي ( ما تعرف رجلها من حماها!!)
فتوسعت وتعاظمت دائرة الخطر الإسلامي من خلال الإستراتجية الإعلامية الأميركية والغربية الماكرة، والتي أصبحت بلسان عربي وإسلامي ،وبدعم من الدوائر الأميركية وعندما تأسس الإعلام العربي الأميركي ، وكذلك تأسست المؤسسات والمراكز الإسلامية وقادتها ومن الجانب الآخر تأسست أطياف من الليبراليين الجُدد، والذين أغلبهم من متقاعدي وفاشلي المدارس الفكرية والسياسية السابقة ومن بقايا الأنظمة الراحلة، فأصبحوا أبواقا وألسنة جاهزة لدعم الإعلام العربي الأميركي من أجل تعظيم خطورة الإسلام والمنظمات الإسلامية ،وبالتالي تشوه الإسلام الحقيقي وحل محله الإسلام المتطرف والمؤمن بالعنف والإرهاب.
ومن هنا أصبح لزاما الذهاب أو البحث عن الحلول التي ترضى عنها الولايات المتحدة والغرب وهو الإسلام الليبرالي المتهادن وغير المؤمن بالجهاد، والموافق على العلاقات والاندماج مع إسرائيل، وقبول الغزو الفكري نحو الدول الإسلامية ، وهذا ما ينطبق على النموذج التركي!.
فمن خلال التعظيم الإعلامي أصبح الإسلام المتطرف بقوة تدميرية تهدد الداخل الأميركي والأمن العالمي، والهدف لكي يلتف الشعب الأميركي حول الحكومة في الولايات المتحدة ضد ( العدو الخارجي / الإسلام) ومن ثم يتوحد العالم مع الولايات المتحدة ضد هذا الخطر، ومثلما قال الكاتب الأميركي جون أبدايك ( بدون الحرب الباردة ما جدوى أن تكون أميركا؟) وبهذا أصبح الإسلام عنوانا بارزا في الحرب الباردة وبديلا عن الاتحاد السوفيتي!.
مخاطر داخلية على الرئيس أوباما...!
لقد أصر الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو يحاول ترسيخ وجهة نظره التي تقول ( الأمة الأميركية ليست دينية!) وهذا ليس سهلا، لأنها وجهة نظر مراوغة وسطحية تتعلق بالنسيج اللوني والعرقي في الولايات المتحدة، وهو محق في هذا، ولكن لا يمكن إقناع الجميع بأن المجتمع الأميركي ليس متدينا ، فالهوية الأميركية أساسها ( إنجلو ـبروتستانتي) وهناك من يدافع عن هذه الهوية، بل يُحذر من انقسامها، وبالتالي فأطروحات الرئيس أوباما بأن الولايات المتحدة ليست دينية هو بحد ذاته تهديد للهوية الأميركية التي تدافع عنها شرائح اجتماعية وسياسية نافذة وهي الهوية (إنجلو ـبروتستانتي).
ومن هنا باستطاعتنا التنبؤ بأن هناك خطر داخلي وشخصي مؤدلج ضد الرئيس باراك أوباما وبسبب وجهة نظره هذه، وعليه تغيير وجهة نظره،و هذا من جانب ، أما من الجانب الآخر فهناك أمر لم يلتفت إليه الرئيس أوباما ، وهو أن وجهة نظره هذه تعني التأييد لمواجهة الإسلام وليس العكس، وخصوصا عندما نأتي إلى رأي الكاتب (صموئيل هنتنجتون) عندما قال ( نحذر من تآكل الهوية الأميركية وأساسها ـ الأنجلو ـبروتستانتي وما يتهددها من انقسام لغوي وثقافي ، يضع أميركا في مواجهة الإسلام!!.).
وهنا يسبح الرئيس أوباما عكس التيار البروتستانتي المتمسك بالهوية الدينية والثقافية في الولايات المتحدة، ويبدو أن إيمانه المسيحي ( الكاثوليكي) وبقايا ثقافته الإسلامية العالقة في عقله الباطن وبحكم طفولته وزياراته المتكررة لأقربائه المسلمين في كينيا والولايات المتحدة لعب دورا في سياسته الناعمة وبمحاولاته الوسطية ،وخصوصا بين الأديان والثقافات المختلفة ، ولكن هذا الأمر مجرد تغريد خارج سرب ( المحافظون الجُدد) والذين لا زالوا في الدوائر الأميركية المهمة، وبدعم قوي من المنظمات المسيحية واليهودية المتشددة ،والتي صنعت فيما بينها عقد عمل جماعي فرض أدارة الرئيس بوش الابن لدورتين متتاليتين ، وها هي تحذر الرئيس أوباما وتذكره بأن العصر الحالي هو عصر الدين ، وهذا ما أكده الكاتب الأميركي ( صموئيل هنتنجتون) عندما قال ( إن القرن الواحد والعشرين هو بداية عصر الدين ، فالنماذج العلمانية الغربية للدولة تواجه تحديا ويتم استبدالها في أكثر من دولة ومنها إيران وروسيا وتركيا والهند وغيرها!.)
لذا فعندما أقتنع الرئيس أوباما أخيرا بأن الحكومة التركية ليست علمانية بل هي دينية آمنت بالتغريب ، أي أمنت بالإسلام الليبرالي أو ( إسلام لايت) إضافة أنها الدولة التي تعتبر نفسها أوربية إسلامية ، سارع ليفتح الخطى نحوها ليتخلص من التهديد الداخلي والشخصي من جهة، ويسحب البساط من تحت أقدام بقايا المحافظين الجدد في الدوائر الأميركية المهمة من جهة أخرى .
فتركيا من وجهة النظر الأميركية تمثل النموذج الأمثل للإسلام الجديد، وأن الاعتماد عليها في الحرب الباردة (الجديدة) لهو أمر مهم للغاية، خصوصا وأنها على تخوم المنطقة التي تتواجد بها الطاقة ، ومنطقة الصراع الدولي والإقليمي، وحاضنة المنظمات الإسلامية التي تناهض سياسات الولايات المتحدة!.
الأهداف الإستراتيجية التي دعت واشنطن لدعم تركيا كنموذج إسلامي ولاعب إقليمي:
أولا:
الجدل والتقارب بين واشنطن وأردوغان!.
تركيا البلد الإسلامي الديمقراطي الوحيد الذي تطمح الولايات المتحدة الأمريكية أن ترى نموذجه مستنسخا في جميع بلدان المنطقة !... حيث يمكنها القضاء على الإرهاب والتطرف، و بنفس السلاح (الفكري) و من خلال تركيا ، وهي المشكلة الكبرى بعد مشكلة المصالح التي تواجهها أمريكا مع العالم الإسلامي حيث لا يمكن القضاء عليها إلا من خلال الشراكة الأمريكية لهذا العالم الذي نافذته في الوقت الراهن هي (تركيا)، كونها نجحت بشكل واضح في حل إشكالية التيارات الإسلامية الأصولية والعلمانية وحققت مصالحة بينها ، وهو مطلب تلح عليه واشنطن وتمارس أقصى ما تملك من ضغوط على الدول الإسلامية للاقتراب منه أو الالتزام به.
ولقد حاولت صنعه في العراق ومن خلال وسطيّة المرجع الشيعي آية الله السيد علي السيستاني، ولكن وللأسف أنحرف الإسلاميون الشيعة ليكونوا بخدمة المشروع الراديكالي الإيراني، وأنحرف معهم الإسلاميون السنة في العراق نحو المشروع السلفي المتشدد، ونتيجة هذا التوجه وجدت نفسها الولايات المتحدة شريكة مع إيران وتنظيمات القاعدة ومعها التيارات السلفية المتشددة في أدارة الملف العراقي ، فسقطت القوات الأميركية في مستنقع التعويم والاستسلام لصالح إيران وتلك التيارات، وهنا أصبحت واشنطن بحاجة ماسة لمساعدة أنقرة مقابل دعمها لتكون القائد الإقليمي للإسلام الليبرالي، وللدول المعتدلة في المنطقة !.
ففي ندوة مغلقة تحت عنوان (الشرق الأوسط بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 عقدت في الفترة من 22_23 مارس 2004 بالقاهرة أبدى الجانب التركي و من خلال كلمات بعض الضيوف،انطباعات بأنهم مع الفكرة الأمريكية للتغيير والترويج لها؛ باعتبار أن نموذجهم يستجيب للفكرة الديمقراطية، ويعد تجربة مثالية لديمقراطية تفصل بين السياسة والدين.... وأيدوا التغيير والإصلاح في العالم العربي وكانوا يلمحون لمشاركتهم في هذا الإصلاح، مشددين على أن النموذج التركي ليس كما هو مفهوم في العالم العربي (لا ديني) وأن العلمانية التركية يفهمها الآخرون خطأ، ولكنها نموذج ديمقراطي، وهم مسلمون مع الإصلاح، ويعتبرون الدين في القلب والعلاقة مع الله، وما عدا ذلك (إسلام سياسي) يجب تحجيم دوره....
وقد طلب السفير (مورات بيلهان) التركيز على الفصل بين الجوانب الدينية البحتة المتمثلة في العلاقة بين المسلم وربه، والجوانب السياسية المتصلة بالحكم، وقال: (إن نموذجهم ليس دينيا بما فيه نموذج حكومة حزب العدالة الحالية التي أكدوا أنها ليست إسلامية، وفوزها لا يعني ــ كما تصور البعض ـ أن هناك إحياء إسلاميا في تركيا، ولكنها ـ كما قالوا ـ تسير وفق النموذج العلماني التركي، معتبرين أن مسائل مثل الحجاب واللغة العربية وغيرها لا علاقة لها بالدين، ولكنها ضمن الإسلام السياسي (.
ويرى الأستاذ (مصطفى محمد الطحان) أن أمريكا تفاوضت علي صناعة النموذج التركي الحالي منذ عام 1997م؛ أي قبل إسقاط حكومة (نجم الدين أربكان) ليكون جاهزا لتقديمه نموذجا للحكم في وطننا العربي، وقد قدم عدة أدلة على ما ذهب إليه منها.
ـــ طلب الرئيس الأميركي جورج بوش من رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان بأن تصبح تركيا العمود الفقري لنشر فكرة الشرق الأوسطية الجديدة في العالم الإسلامي، وأن ترسل تركيا دعاةً ووعَّاظًا إلى منطقة الشرق الأوسط يروجوا للفكرة.... واستعداد حكومة أردوغان لقبول التنازل عن أراضِ قبرص المسلمة للجانب القبرصي اليوناني المعترَف به دوليًّا؛ وهو شرط اليونان لإيجاد حلٍّ للقضية القبرصية.
ولم يوضح السيد الطحان الأسباب الأخرى.... (فلقد كانت محاولة من إدارة بوش لجرجرة تركيا نحو الاشتراك في مشروع الشرق الأوسط الكبير أولا، ومن ثم جرجرة تركيا نحو الملف العراقي ، وبنفس الوقت سيكون هناك أمل بدخول تركيا للإتحاد الأوربي بدعم واشنطن ، ولكن كل هذا لم يتحمس له أردوغان لأنه لم ينجح في حينها بكسب الشعب التركي الذي أصبح بحوزته الآن بفضل ملف غزة، ولم ينجح حينها بتسجيل الانتصارات السياسية على خصومه السياسيين من علمانيين وقوميين وأكراد ، وبنفس الوقت لم ينجح بزواج ( المتعة أو العرفي) مع الجيش وقياداته العليا ومثلما هو حاصل الآن، وعندما نجح حزب أردوغان بشق الجيش وتحجيم المتشددين في داخل قيادة العسكر، إضافة أنه أراد المشاركة الفعلية مع الولايات المتحدة ومن خلال نافذة الاقتصاد لكي لا يُرمى عند الانتهاء من خدماته في العراق والمنطقة فتأجل الموضوع.... ولهذا لم يستسلم أردوغان ويبدو أنه كان يبحث عن زعامة تركية بلباس اقتصادي ليزيد من إغواء واشنطن والغرب وبنفس الوقت يزيد بشروطه على واشنطن والإتحاد الأوربي ، ومن هنا عارض مبدأ إقامة(سوق إسلامية مشتركة)،الذي أعلنه في كلمته بمنتدى جدة الاقتصادي الخامس، الذي عُقد بين 17 و18 يناير 2004م- حيث رأى خطأ مفهوم إقامة سوق إسلامية مشتركة، ويبدو أنه كان محقا عندما وجد الأطراف الإسلامية على فراق فيما بينها، وبمقدمتها الطرف العربي الذي وجده ليس متوحدا في القرار، وأغلبية أطرافه مرتهنة بالقرار الأميركي، وبدو هو متابع جيد للملف العربي ـ الإسلامي ، وللملف العربي ـ العربي، فأخذ مجلس التعاون الخليجي مثالا فوجده مجلسا متقاعسا بدليل أنه لم ينجح ولحد الآن بتحقيق أبسط الإنجازات، وهي العملة الموحدة، والجواز الموحد، والتعريفة الكمركية الموحدة ....الخ ؛ وكانت فكرة أردوغان تقول ــ إن المشروعات التي تقوم على أساسٍ عرقي أو ديني أو مذهبي لا يُكتب لها النجاح، معتبِرًا في الوقت نفسه أن مثل هذه الأطروحات لا مكانَ لها في عالم التجارة في وقتٍ يتَّجه العالم فيه نحو العولمة ــ وفي الوقت الذي عارضت الأوساط الإسلامية التركية تصريحات (أردوغان) اعتبرها التيار العلماني رسالةً موجهة للعالم الإسلامي لحثِّه على الحداثة، والتوجُّهِ نحو ما أسمَوه بـ ( الليبرالية الدينية).
كما استشهد الكاتب بما جاء في مقالٍ للكاتب الصحفي والسياسي (سليمان عارف أمره) من حركة (مللي جوروش الإسلامي) التي يتزعَّمها (نجم الدين أربكان)، جاء فيه: إن أردوغان يتوجه تدريجيًّا نحو التغريب والتخلص من فكره السابق؛ بمطالبته رفض السوق المشتركة الإسلامية، وأضاف: (إن تصريحات رئيس الحكومة تتعارض مع أمنيات وآمال الشعب التركي.. لو كان (أردوغان) يتخوف من الأساس الديني للسوق المشتركة ويعارضها من هذا المنطلق، تُرى هل نسي أن هناك أحزابًا في كثير من الدول الأوروبية تحمل الاسم (المسيحي)؟. وتابع سليمان قائلا: (فيما يتعلق برفضه للمشروع على أساس قومي، فإن الاتحاد الأوروبي يستند على أساس عرقي باستخدام كلمة (أوروبي)؛ فهل سيتراجع (أردوغان) عن انضمام تركيا لعضوية الاتحاد لأنه يستند لأساس عرقي؟(!
أما يشار نوري أوزتورك أستاذ كلية الإلهيات، و العضو البرلماني عن الحزب الجمهوري اليساري، فقد أبدى سعادته بتصريحات رئيس الحكومة التركي، وقال: أشعر بالسرور من تصريحات أردوغان، إن الشيء الذي يجب مناقشته أولاً هو محاكمة الميراث الديني للعالم الإسلامي، يجب علينا أن نتوب من الميراث الماضي ونقول بأنه كان خطأ.
وقال الصحفي طه آكيول في حديثه مع شبكة (سي إن إن) التركية: لكي يمكن فهم تصريحات أردوغان يجب النظر لتاريخ الميراث الديني السياسي للحكم والمجتمع، نحن بحاجة لتغيير التوجه نحو الليبرالية الدينية، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ تركيا التي تنقل للعالم الإسلامي مفهوماً جديداً معاكساً لما سبق أن نقله أربكان وذلك من أجل البحث عن مجتمع مفتوح وديمقراطي .
أما صحيفة (ترجمان) العلمانية فقد اعتبرت تصريحات (أردوغان) درسًا للعالم الإسلامي من تركيا الديمقراطية، بينما رأت صحيفة (دنيا) الاقتصادية أن ما رفضه (أردوغان) في منتدى جدة، وتصريحاته بعدم وجود صحة لفكرة مشروع إقامة سوق مشتركة بين الدول الإسلامية. يُعدُّ تطورًا في السياسة الخارجية التركية، ودعوةً للبلاد الإسلامية للاحتذاء بالنموذج التركي. من جهتها اعتبرت الكاتبة الصحفية (سيبل آرصلان) في مقال لها بصحيفة (وقت) أن الدور المعطى لأردوغان يتفق ورؤية وزير الخارجية الأمريكية السابق (هنري كيسنجر)، التي طرحها في عام 1995م، والتي تقول إن تركيا يجب أن تكون دولةً محوريةً (بالشرق الأوسط).
ومن خلال ما تقدم يجب رفع القبعة للسيد رجب أردوغان لأنه عرف كيف يحرك المياه الراكدة في الساحة التركية ( السياسية والاقتصادية والدبلوماسية) وعرف كيف يكسب الأصدقاء من ساحة الخصوم والمحايدين ، وبنفس الوقت أرسل رسالة إلى الرعيل الأول من السياسيين وخصوصا الإسلاميين بأنه ليست هناك قدسية لزعيم أول أو راحل أو كبير بالسن، بل السياسة تؤمن بالتجديد والبراغماتية، وعلى كل قائد جديد عليه أن يضع بصماته على الخط الحزبي والسياسي الذي يعمل معه ولأجله، وهذا ما فعله أردوغان والذي فسره أربكان وجماعته بأنه نوعا من التغريب ، ويبقى الفيصل هو التفاف الجماهير وقبولها للبرامج السياسية والعملية!!.
ــ إلى اللقاء في الحلقة الثانية بعون الله ـ
9-1-2010
[email protected]
بقلم: سمير عبيد ـ كاتب وباحث في الشأن السياسي
الحلقة الأولى:
التقارب الإستباقي بين واشنطن وأنقرة
بعد حرب الخليج الثانية ، ارتبطت الولايات المتحدة مرة أخرى وبفعل كارثة 11/9/2001 مع العالم الإسلامي، بما فيه العالم العربي، و(الشرق الأوسط )خاصة ، ارتباطا تاريخياً وثيقا، وصدرت مئات الكتب وآلاف الأبحاث السياسية و الأكاديمية التي تناقش العلاقة مع العالم الإسلامي ،وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يشير ويركز وتحديدا أثناء الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية على ضرورة فتح صفحة جديدة في تعاطي السياسة الأمريكية مع شعوب المنطقة ، وجعل الشراكة من أولوياتها المهمة ، حيث أعرب عن رفض واشنطن خلط البعض بين علاقتها مع العالم الإسلامي والتصدي لتنظيم القاعدة، التي تشن الولايات المتحدة حربا ضده، على خلفية تبني التنظيم هجمات 11 سبتمبر 2001.
وقد اختار الديمقراطيون (تركيا) لتكون المنبر الذي يبلغ ملامح السياسة الأمريكية المستقبلية في المنطقة والعالم الإسلامي، ولقد تم اختيارها قبل عهد الرئيس باراك أوباما بسنوات، وعندما حذرت الولايات المتحدة المؤسسة العسكرية التركية من مضايقة حزب العدالة والتنمية أي (التحذير الذي وجهته إلى المؤسسة العسكرية التركية من مغبة استصدار قرار بمنع حزب ـ العدالة والتنمية ــ من المشاركة في الانتخابات لعام 2002، أظهر للأتراك أنها لا تمانع، وربما ترغب لأسباب تتعلق بالأجندة الأمريكية الخاصة بالمنطقة وبقضية الحرب على الإرهاب، في وصول الإسلاميين المعتدلين إلى السلطة في تركيا ، فمن المؤكد أنّ تركيا، ذات الطابع الإسلامي، ستشكل قوة جذب لجمهوريات آسيا الوسطى، وتساعد على تنفيذ المخطط الاستراتيجي الأمريكي بعيدا عن الأطماع الروسية التي ما زالت تحاول ممارسة التأثير على هذه الجمهوريات ، كما قد يشكل بداية حل لتهديدات الإسلام الأصولي في العالم العربي، فهذا الإسلام السياسي المعتدل من الممكن أن يكون نموذجا للتطبيق في الكثير من الدول الإسلامية، وبصفة خاصة الواقعة في ما يسمى بـ ـ الشرق الأوسط الكبير ــ ) .
ومن هذا المنطلق أصبح الرئيس أبوما معنيا بتطبيق هذه التوجهات خصوصا وهو القادم من مكاتب الحزب الديمقراطي، لهذا فاختياره لتركيا ليس وليد الصدفة، بل هو شارك في اختيارها، وعندما كان نائبا في مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي.
هل الإسلام المتشدد صناعة أميركية؟
ولهذا قرر الرئيس ـ أوباما ـ توجيه رسالته الناعمة من تركيا إلى العالم الإسلامي، حيث قال أثناء زيارته لها و أمام البرلمان التركي : (إن شراكاتنا مع العالم الإسلامي حاسمة، في وضع حد لأيديولوجية العنف التي يرفضها أتباع جميع الديانات . . المستقبل يعود لمن يبتكر وليس لمن يُدمِّر، وهذا هو المستقبل الذي يتعين علينا العمل من أجل تحقيقه، وعلينا القيام بذلك معاً) وهنا أكد أن علاقة واشنطن مع العالم الإسلامي، ستقوم على البراغماتية، أكثر مما تقوم على الأيديولوجيات المتصارعة.
يعتبر أوباما أن إحدى نقاط القوة لدى الولايات المتحدة هي أنها لا تعتبر نفسها دولة مسيحية أو يهودية أو إسلامية، فهي دولة تجمع مواطنين مرتبطين بمجموعة قيم وأفكار، ملمحا إلى أن تركيا قامت على مبادئ مماثلة،ومن هنا يعتقد أوباما بأن هناك طريقا واضحا بين واشنطن وأنقرة ولكنه يحتاج إلى حملة تنظيف وتعبيد،وهذا وعلى ما يبدو قد تقرر في واشنطن وهو قبول التعامل مع النموذج الإسلامي التركي!
ولكن هذا الطرح لا يؤيده زعيم القاعدة ـ أسامة بن لادن ـ والذي يعتبر رمزا للتشدد ضد الولايات المتحدة ، فهو حدد (الهوية المسيحية للولايات المتحدة ، وبالتالي هو ملأ الفراغ الذي أحدثه الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف) حسب رأي الكاتب الأميركي الشهير ـ صموئيل هنتنجتون ـ ولقد قال في كتابه الأخير ( من نحن؟) أيضا ( إن أميركا في نظر المتشددين الإسلاميين عدو للإسلام ، ولا يمكن للأميركيين إلا أن يروا في المتشددين الإسلاميين عدوا لبلادهم ... وهي حرب ذات سمات الحرب الباردة وأكثر!).
ولكن عندما نذهب إلى صفحات أخرى في كتاب (صموئيل هنتنجتون) سوف نجد بأن الولايات المتحدة هي الأخرى تبحث عن عدو خارجي وبدونه يكون هناك خطرا على الداخل الأميركي، وعندما قال ( أن النظرية الاجتماعية والشواهد التاريخية تدل على أن عدم وجود عدو خارجي أو ( آخر) يشجع على عدم الوحدة الداخلية يقلل من الاحتياج لحكومة قوية وأمة متماسكة) وهنا يشير الكاتب بأن العدو الخارجي يعطي للولايات المتحدة قوة التماسك وعدم التفكك ( وهكذا الأمر لإيران أيضا ومنذ تأسيسها حتى يومنا هذاّّ) ومن ثم يعطي مبرر لحكومة قوية بحجة وجود هذا العدو ( وهكذا أصبح الأمر عند الشيعة العراقيين، وتحديدا بعد سقوط النظام في بغداد.. أي عدم وجود عدو داخلي مفترض وخارجي مصطنع يعني انفراط المسبحة السياسية والدينية التي تكونت بدعم الولايات المتحدة!!),
فالولايات المتحدة هي الأخرى ليست بريئة أو وديعة ، بل هي أيضا تفتش عن الأعداء الخارجيين ، بل هي من يقوم بصنعهم ـ في أغلب الأحيان ـ فيما لو تطرقنا إلى الإستراتجية الأميركية التي دعمت التنظيمات والخلايا الإسلامية وبمقدمتها تنظيم القاعدة وشخص أسامة بن لادن، ونقلتها بدعم خليجي وسعودي وغربي وعربي نحو أفغانستان وبعد أن وفرت لها جوازات السفر وساحات التدريب والأسلحة والمعاونة الإستخبارية والإعلامية من أجل محاربة الجيش الأحمر السوفيتي ( الروسي) وتحديدا عندما أحتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان ، ولكن عندما أندحر الجيش السوفيتي بفعل ضربات هذه التنظيمات، إضافة للتنظيمات الأفغانية الإسلامية والوطنية والقومية والقبلية، أعطت الولايات المتحدة ظهرها هي والعواصم الخليجية والعربية والغربية والإسلامية لهذه التنظيمات وتركتها في صحراء ووديان وجبال أفغانستان ودون تمويل ولا إمداد ولا حتى غذاء بل حتى لم توفر للقادمين جوازات سفر لغرض العودة إلى بلدانهم ، فاضطروا للتكيف والتنظيم ضد الولايات المتحدة والعواصم التي ساعدتها في عملية نقلهم والنصب عليهم، ومن هنا ورطت واشنطن أصدقائها العرب والمسلمين والغربيين ،وهذه هي بداية العداء بين الولايات المتحدة والغرب وبعض العواصم العربية والخليجية من جهة وتنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية والجهادية من جهة أخرى!.
ومن هنا بدأت الإستراتجية الأميركية التي من خلالها تم صنع العدو الجديد والبديل للاتحاد السوفيتي وهو ( الإسلام) ومن خلال تلك التنظيمات الإسلامية التي دفعت للتشدد والإرهاب دفعا ،والتحق بها الشباب العاطل عن العمل، والشباب الذي حاصرته الأنظمة الحاكمة ، ومن هناك سارعت الاستخبارات الأميركية والغربية و( بعض) العربية إلى صنع تنظيمات تحمل لواء الإسلام وتنادي بمحاربة أميركا والغرب ومصالحهما في المنطقة والعالم، فأختلط الحابل بالنابل، وأصبح الأمر ينطبق عليه المثل الشعبي ( ما تعرف رجلها من حماها!!)
فتوسعت وتعاظمت دائرة الخطر الإسلامي من خلال الإستراتجية الإعلامية الأميركية والغربية الماكرة، والتي أصبحت بلسان عربي وإسلامي ،وبدعم من الدوائر الأميركية وعندما تأسس الإعلام العربي الأميركي ، وكذلك تأسست المؤسسات والمراكز الإسلامية وقادتها ومن الجانب الآخر تأسست أطياف من الليبراليين الجُدد، والذين أغلبهم من متقاعدي وفاشلي المدارس الفكرية والسياسية السابقة ومن بقايا الأنظمة الراحلة، فأصبحوا أبواقا وألسنة جاهزة لدعم الإعلام العربي الأميركي من أجل تعظيم خطورة الإسلام والمنظمات الإسلامية ،وبالتالي تشوه الإسلام الحقيقي وحل محله الإسلام المتطرف والمؤمن بالعنف والإرهاب.
ومن هنا أصبح لزاما الذهاب أو البحث عن الحلول التي ترضى عنها الولايات المتحدة والغرب وهو الإسلام الليبرالي المتهادن وغير المؤمن بالجهاد، والموافق على العلاقات والاندماج مع إسرائيل، وقبول الغزو الفكري نحو الدول الإسلامية ، وهذا ما ينطبق على النموذج التركي!.
فمن خلال التعظيم الإعلامي أصبح الإسلام المتطرف بقوة تدميرية تهدد الداخل الأميركي والأمن العالمي، والهدف لكي يلتف الشعب الأميركي حول الحكومة في الولايات المتحدة ضد ( العدو الخارجي / الإسلام) ومن ثم يتوحد العالم مع الولايات المتحدة ضد هذا الخطر، ومثلما قال الكاتب الأميركي جون أبدايك ( بدون الحرب الباردة ما جدوى أن تكون أميركا؟) وبهذا أصبح الإسلام عنوانا بارزا في الحرب الباردة وبديلا عن الاتحاد السوفيتي!.
مخاطر داخلية على الرئيس أوباما...!
لقد أصر الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو يحاول ترسيخ وجهة نظره التي تقول ( الأمة الأميركية ليست دينية!) وهذا ليس سهلا، لأنها وجهة نظر مراوغة وسطحية تتعلق بالنسيج اللوني والعرقي في الولايات المتحدة، وهو محق في هذا، ولكن لا يمكن إقناع الجميع بأن المجتمع الأميركي ليس متدينا ، فالهوية الأميركية أساسها ( إنجلو ـبروتستانتي) وهناك من يدافع عن هذه الهوية، بل يُحذر من انقسامها، وبالتالي فأطروحات الرئيس أوباما بأن الولايات المتحدة ليست دينية هو بحد ذاته تهديد للهوية الأميركية التي تدافع عنها شرائح اجتماعية وسياسية نافذة وهي الهوية (إنجلو ـبروتستانتي).
ومن هنا باستطاعتنا التنبؤ بأن هناك خطر داخلي وشخصي مؤدلج ضد الرئيس باراك أوباما وبسبب وجهة نظره هذه، وعليه تغيير وجهة نظره،و هذا من جانب ، أما من الجانب الآخر فهناك أمر لم يلتفت إليه الرئيس أوباما ، وهو أن وجهة نظره هذه تعني التأييد لمواجهة الإسلام وليس العكس، وخصوصا عندما نأتي إلى رأي الكاتب (صموئيل هنتنجتون) عندما قال ( نحذر من تآكل الهوية الأميركية وأساسها ـ الأنجلو ـبروتستانتي وما يتهددها من انقسام لغوي وثقافي ، يضع أميركا في مواجهة الإسلام!!.).
وهنا يسبح الرئيس أوباما عكس التيار البروتستانتي المتمسك بالهوية الدينية والثقافية في الولايات المتحدة، ويبدو أن إيمانه المسيحي ( الكاثوليكي) وبقايا ثقافته الإسلامية العالقة في عقله الباطن وبحكم طفولته وزياراته المتكررة لأقربائه المسلمين في كينيا والولايات المتحدة لعب دورا في سياسته الناعمة وبمحاولاته الوسطية ،وخصوصا بين الأديان والثقافات المختلفة ، ولكن هذا الأمر مجرد تغريد خارج سرب ( المحافظون الجُدد) والذين لا زالوا في الدوائر الأميركية المهمة، وبدعم قوي من المنظمات المسيحية واليهودية المتشددة ،والتي صنعت فيما بينها عقد عمل جماعي فرض أدارة الرئيس بوش الابن لدورتين متتاليتين ، وها هي تحذر الرئيس أوباما وتذكره بأن العصر الحالي هو عصر الدين ، وهذا ما أكده الكاتب الأميركي ( صموئيل هنتنجتون) عندما قال ( إن القرن الواحد والعشرين هو بداية عصر الدين ، فالنماذج العلمانية الغربية للدولة تواجه تحديا ويتم استبدالها في أكثر من دولة ومنها إيران وروسيا وتركيا والهند وغيرها!.)
لذا فعندما أقتنع الرئيس أوباما أخيرا بأن الحكومة التركية ليست علمانية بل هي دينية آمنت بالتغريب ، أي أمنت بالإسلام الليبرالي أو ( إسلام لايت) إضافة أنها الدولة التي تعتبر نفسها أوربية إسلامية ، سارع ليفتح الخطى نحوها ليتخلص من التهديد الداخلي والشخصي من جهة، ويسحب البساط من تحت أقدام بقايا المحافظين الجدد في الدوائر الأميركية المهمة من جهة أخرى .
فتركيا من وجهة النظر الأميركية تمثل النموذج الأمثل للإسلام الجديد، وأن الاعتماد عليها في الحرب الباردة (الجديدة) لهو أمر مهم للغاية، خصوصا وأنها على تخوم المنطقة التي تتواجد بها الطاقة ، ومنطقة الصراع الدولي والإقليمي، وحاضنة المنظمات الإسلامية التي تناهض سياسات الولايات المتحدة!.
الأهداف الإستراتيجية التي دعت واشنطن لدعم تركيا كنموذج إسلامي ولاعب إقليمي:
أولا:
الجدل والتقارب بين واشنطن وأردوغان!.
تركيا البلد الإسلامي الديمقراطي الوحيد الذي تطمح الولايات المتحدة الأمريكية أن ترى نموذجه مستنسخا في جميع بلدان المنطقة !... حيث يمكنها القضاء على الإرهاب والتطرف، و بنفس السلاح (الفكري) و من خلال تركيا ، وهي المشكلة الكبرى بعد مشكلة المصالح التي تواجهها أمريكا مع العالم الإسلامي حيث لا يمكن القضاء عليها إلا من خلال الشراكة الأمريكية لهذا العالم الذي نافذته في الوقت الراهن هي (تركيا)، كونها نجحت بشكل واضح في حل إشكالية التيارات الإسلامية الأصولية والعلمانية وحققت مصالحة بينها ، وهو مطلب تلح عليه واشنطن وتمارس أقصى ما تملك من ضغوط على الدول الإسلامية للاقتراب منه أو الالتزام به.
ولقد حاولت صنعه في العراق ومن خلال وسطيّة المرجع الشيعي آية الله السيد علي السيستاني، ولكن وللأسف أنحرف الإسلاميون الشيعة ليكونوا بخدمة المشروع الراديكالي الإيراني، وأنحرف معهم الإسلاميون السنة في العراق نحو المشروع السلفي المتشدد، ونتيجة هذا التوجه وجدت نفسها الولايات المتحدة شريكة مع إيران وتنظيمات القاعدة ومعها التيارات السلفية المتشددة في أدارة الملف العراقي ، فسقطت القوات الأميركية في مستنقع التعويم والاستسلام لصالح إيران وتلك التيارات، وهنا أصبحت واشنطن بحاجة ماسة لمساعدة أنقرة مقابل دعمها لتكون القائد الإقليمي للإسلام الليبرالي، وللدول المعتدلة في المنطقة !.
ففي ندوة مغلقة تحت عنوان (الشرق الأوسط بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 عقدت في الفترة من 22_23 مارس 2004 بالقاهرة أبدى الجانب التركي و من خلال كلمات بعض الضيوف،انطباعات بأنهم مع الفكرة الأمريكية للتغيير والترويج لها؛ باعتبار أن نموذجهم يستجيب للفكرة الديمقراطية، ويعد تجربة مثالية لديمقراطية تفصل بين السياسة والدين.... وأيدوا التغيير والإصلاح في العالم العربي وكانوا يلمحون لمشاركتهم في هذا الإصلاح، مشددين على أن النموذج التركي ليس كما هو مفهوم في العالم العربي (لا ديني) وأن العلمانية التركية يفهمها الآخرون خطأ، ولكنها نموذج ديمقراطي، وهم مسلمون مع الإصلاح، ويعتبرون الدين في القلب والعلاقة مع الله، وما عدا ذلك (إسلام سياسي) يجب تحجيم دوره....
وقد طلب السفير (مورات بيلهان) التركيز على الفصل بين الجوانب الدينية البحتة المتمثلة في العلاقة بين المسلم وربه، والجوانب السياسية المتصلة بالحكم، وقال: (إن نموذجهم ليس دينيا بما فيه نموذج حكومة حزب العدالة الحالية التي أكدوا أنها ليست إسلامية، وفوزها لا يعني ــ كما تصور البعض ـ أن هناك إحياء إسلاميا في تركيا، ولكنها ـ كما قالوا ـ تسير وفق النموذج العلماني التركي، معتبرين أن مسائل مثل الحجاب واللغة العربية وغيرها لا علاقة لها بالدين، ولكنها ضمن الإسلام السياسي (.
ويرى الأستاذ (مصطفى محمد الطحان) أن أمريكا تفاوضت علي صناعة النموذج التركي الحالي منذ عام 1997م؛ أي قبل إسقاط حكومة (نجم الدين أربكان) ليكون جاهزا لتقديمه نموذجا للحكم في وطننا العربي، وقد قدم عدة أدلة على ما ذهب إليه منها.
ـــ طلب الرئيس الأميركي جورج بوش من رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان بأن تصبح تركيا العمود الفقري لنشر فكرة الشرق الأوسطية الجديدة في العالم الإسلامي، وأن ترسل تركيا دعاةً ووعَّاظًا إلى منطقة الشرق الأوسط يروجوا للفكرة.... واستعداد حكومة أردوغان لقبول التنازل عن أراضِ قبرص المسلمة للجانب القبرصي اليوناني المعترَف به دوليًّا؛ وهو شرط اليونان لإيجاد حلٍّ للقضية القبرصية.
ولم يوضح السيد الطحان الأسباب الأخرى.... (فلقد كانت محاولة من إدارة بوش لجرجرة تركيا نحو الاشتراك في مشروع الشرق الأوسط الكبير أولا، ومن ثم جرجرة تركيا نحو الملف العراقي ، وبنفس الوقت سيكون هناك أمل بدخول تركيا للإتحاد الأوربي بدعم واشنطن ، ولكن كل هذا لم يتحمس له أردوغان لأنه لم ينجح في حينها بكسب الشعب التركي الذي أصبح بحوزته الآن بفضل ملف غزة، ولم ينجح حينها بتسجيل الانتصارات السياسية على خصومه السياسيين من علمانيين وقوميين وأكراد ، وبنفس الوقت لم ينجح بزواج ( المتعة أو العرفي) مع الجيش وقياداته العليا ومثلما هو حاصل الآن، وعندما نجح حزب أردوغان بشق الجيش وتحجيم المتشددين في داخل قيادة العسكر، إضافة أنه أراد المشاركة الفعلية مع الولايات المتحدة ومن خلال نافذة الاقتصاد لكي لا يُرمى عند الانتهاء من خدماته في العراق والمنطقة فتأجل الموضوع.... ولهذا لم يستسلم أردوغان ويبدو أنه كان يبحث عن زعامة تركية بلباس اقتصادي ليزيد من إغواء واشنطن والغرب وبنفس الوقت يزيد بشروطه على واشنطن والإتحاد الأوربي ، ومن هنا عارض مبدأ إقامة(سوق إسلامية مشتركة)،الذي أعلنه في كلمته بمنتدى جدة الاقتصادي الخامس، الذي عُقد بين 17 و18 يناير 2004م- حيث رأى خطأ مفهوم إقامة سوق إسلامية مشتركة، ويبدو أنه كان محقا عندما وجد الأطراف الإسلامية على فراق فيما بينها، وبمقدمتها الطرف العربي الذي وجده ليس متوحدا في القرار، وأغلبية أطرافه مرتهنة بالقرار الأميركي، وبدو هو متابع جيد للملف العربي ـ الإسلامي ، وللملف العربي ـ العربي، فأخذ مجلس التعاون الخليجي مثالا فوجده مجلسا متقاعسا بدليل أنه لم ينجح ولحد الآن بتحقيق أبسط الإنجازات، وهي العملة الموحدة، والجواز الموحد، والتعريفة الكمركية الموحدة ....الخ ؛ وكانت فكرة أردوغان تقول ــ إن المشروعات التي تقوم على أساسٍ عرقي أو ديني أو مذهبي لا يُكتب لها النجاح، معتبِرًا في الوقت نفسه أن مثل هذه الأطروحات لا مكانَ لها في عالم التجارة في وقتٍ يتَّجه العالم فيه نحو العولمة ــ وفي الوقت الذي عارضت الأوساط الإسلامية التركية تصريحات (أردوغان) اعتبرها التيار العلماني رسالةً موجهة للعالم الإسلامي لحثِّه على الحداثة، والتوجُّهِ نحو ما أسمَوه بـ ( الليبرالية الدينية).
كما استشهد الكاتب بما جاء في مقالٍ للكاتب الصحفي والسياسي (سليمان عارف أمره) من حركة (مللي جوروش الإسلامي) التي يتزعَّمها (نجم الدين أربكان)، جاء فيه: إن أردوغان يتوجه تدريجيًّا نحو التغريب والتخلص من فكره السابق؛ بمطالبته رفض السوق المشتركة الإسلامية، وأضاف: (إن تصريحات رئيس الحكومة تتعارض مع أمنيات وآمال الشعب التركي.. لو كان (أردوغان) يتخوف من الأساس الديني للسوق المشتركة ويعارضها من هذا المنطلق، تُرى هل نسي أن هناك أحزابًا في كثير من الدول الأوروبية تحمل الاسم (المسيحي)؟. وتابع سليمان قائلا: (فيما يتعلق برفضه للمشروع على أساس قومي، فإن الاتحاد الأوروبي يستند على أساس عرقي باستخدام كلمة (أوروبي)؛ فهل سيتراجع (أردوغان) عن انضمام تركيا لعضوية الاتحاد لأنه يستند لأساس عرقي؟(!
أما يشار نوري أوزتورك أستاذ كلية الإلهيات، و العضو البرلماني عن الحزب الجمهوري اليساري، فقد أبدى سعادته بتصريحات رئيس الحكومة التركي، وقال: أشعر بالسرور من تصريحات أردوغان، إن الشيء الذي يجب مناقشته أولاً هو محاكمة الميراث الديني للعالم الإسلامي، يجب علينا أن نتوب من الميراث الماضي ونقول بأنه كان خطأ.
وقال الصحفي طه آكيول في حديثه مع شبكة (سي إن إن) التركية: لكي يمكن فهم تصريحات أردوغان يجب النظر لتاريخ الميراث الديني السياسي للحكم والمجتمع، نحن بحاجة لتغيير التوجه نحو الليبرالية الدينية، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ تركيا التي تنقل للعالم الإسلامي مفهوماً جديداً معاكساً لما سبق أن نقله أربكان وذلك من أجل البحث عن مجتمع مفتوح وديمقراطي .
أما صحيفة (ترجمان) العلمانية فقد اعتبرت تصريحات (أردوغان) درسًا للعالم الإسلامي من تركيا الديمقراطية، بينما رأت صحيفة (دنيا) الاقتصادية أن ما رفضه (أردوغان) في منتدى جدة، وتصريحاته بعدم وجود صحة لفكرة مشروع إقامة سوق مشتركة بين الدول الإسلامية. يُعدُّ تطورًا في السياسة الخارجية التركية، ودعوةً للبلاد الإسلامية للاحتذاء بالنموذج التركي. من جهتها اعتبرت الكاتبة الصحفية (سيبل آرصلان) في مقال لها بصحيفة (وقت) أن الدور المعطى لأردوغان يتفق ورؤية وزير الخارجية الأمريكية السابق (هنري كيسنجر)، التي طرحها في عام 1995م، والتي تقول إن تركيا يجب أن تكون دولةً محوريةً (بالشرق الأوسط).
ومن خلال ما تقدم يجب رفع القبعة للسيد رجب أردوغان لأنه عرف كيف يحرك المياه الراكدة في الساحة التركية ( السياسية والاقتصادية والدبلوماسية) وعرف كيف يكسب الأصدقاء من ساحة الخصوم والمحايدين ، وبنفس الوقت أرسل رسالة إلى الرعيل الأول من السياسيين وخصوصا الإسلاميين بأنه ليست هناك قدسية لزعيم أول أو راحل أو كبير بالسن، بل السياسة تؤمن بالتجديد والبراغماتية، وعلى كل قائد جديد عليه أن يضع بصماته على الخط الحزبي والسياسي الذي يعمل معه ولأجله، وهذا ما فعله أردوغان والذي فسره أربكان وجماعته بأنه نوعا من التغريب ، ويبقى الفيصل هو التفاف الجماهير وقبولها للبرامج السياسية والعملية!!.
ــ إلى اللقاء في الحلقة الثانية بعون الله ـ
9-1-2010
[email protected]

التعليقات